رواية قلوب لا تعرف الحب الفصل الرابع
ساد الشلل أرجاء الغرفة لبضع ثوانٍ ذهولاً؛ كان الخبر كالصاعقة على رؤوسهم، لكن عامر لم يكن بالرجل الذي يُهزم بسهولة أو يترك الشك يقتله في أرضه.
قبل أن ترتد أنفاس رغد، وقبل أن تكتمل الحشرجة الخافتة الصادرة من حنجرة سليم، تحولت ملامح عامر من الذهول المفاجئ إلى شرس كاسر. أطلق ضحكة مجنونة ساخرة هزت الجدران، وفي كسر من الثانية، اندفع بكل قوته ونشاطه الضخم نحو رغد!
لم تتدارك رغد الموقف؛ فقد باغتتها الصدمة. أطبق عامر على معصمها بضغط رهيب كسر عظام يدها تقريباً، صرخت رغد متألمة:
"سيب إيدي يا مجرم! يا عمي صالح! يا عمي صالح!"
لكن عامر انتزع الهاتف من يدها العاجزة بضربة خاطفة، وركل الحقيبة والملفات بعيداً . تراجعت رغد للخلف وهي تمسك يدها المصابة، بينما وقف عامر بثقة نارية، يقلّب الهاتف في يده، ثم نظر إلى الدكتورة نجوى بأمر صارم:
"افتحي اللاب توب بتاعك فوراً يا نجوى! وصلي الموبايل ده ومحي كل زفت عليه، واعملي مسح شامل للـ Cloud والإيميلات! مفيش أي صورة أو رسالة تفضل عايشة للثانية الجاية!"
أسرعت نجوى ببديهية مجرمة؛ أخرجت كابل التوصيل من حقيبتها، وبأصابع ترتجف من السرعة والتوتر، ربطت الهاتف بجهازها. لم تستغرق العملية سوى لحظات.. كانت خطواتها سريعة ومحترفة، حذفت الرسائل الموجهة للدكتور مراد، ومسحت الصور والملفات نهائياً، بل وقامت بعمل إعادة ضبط مصنع شملت الهاتف بأكمله، ليصبح قطعة بلاستيكية خاوية من أي دليل!
في هذه الأثناء، تقدمت "رنيا" بخطوات ثابتة، ووقفت بجوار عامر وشاهيناز. لم ترمش لها عين، ولم تطرف لها جفن شفقة بأختها التي تتنفس بصعوبة من الصدمة. أخذت رنيا نفساً عميقاً، وتصنعت علامات الذعر والأسى على وجهها، واستعدت للعب أخبث دور في حياتها.
وفجأة.. انفتح باب الجناح بقوة!
دخل "صالح بيه" يستند على عصاه الرخامية، يرافقه اثنان من حراس القصر الكبار. كانت ملامحه شاحبة، يلهث بألم، ونظراته تائهة بين الجميع:
"في إيه هنا؟! صوتكم واصل لأخر الممر ليه؟ في إيه يا رغد؟ أنتِ طلبتيني وجيت جري.. إيه المصيبة اللي بتقولي عليها؟!"
تسلل الصمت الشرير إلى الغرفة. التفت عامر نحو والده بسرعة، ورسم على وجهه علامات الصدمة والحزن المصنع، وقال وهو يهز رأسه بأسى:
"تعالى شوف يا بابا.. تعالى شوف الهانم اللي دخلناها بيتنا وعملناها واحدة مننا، جاية تعمل إيه في أخويا المريض!"
صدمت رغد من التحول السريع، وصاحت بذهول:
"أنت كذاب! يا عمي صالح الموبايل.."
قاطعتها شاهيناز بنبرة حادة وصرخة مسرحية متقنة:
"اسكتي يا بنت الحارة! يا قتالة القتلاه! بقى جاية تحرمي الولد من دواه عشان يجراله حاجة وتورثي فيه؟! عاوزة تقنعينا إن الدكتورة نجوى بتسممه؟!"
تراجع صالح للخلف خطوات، والتفت إلى رغد بعينين ملؤهما الذهول والكسرة:
"إيه الكلام ده يا رغد؟ يعني إيه تحرميه من الدوا؟! أنتِ قلتي لي عندك كلام خطير ومستندات!"
تقدم عامر برفق مسموم نحو والده، وسلمه هاتف رغد "الممسوح تماماً"، وقال بصوت يقطر حزناً:
"اتفضل يا بابا.. الهاتف أهو. الهانم دخلت علينا الصبح تصرخ وتدعي إن نجوى بتسمم سليم، وتقول معاها أدلة وتحاليل وصور، ولما مسكنا تلفونها قدام الكل عشان نشوف الأدلة دي.. طلع الموبايل فاضي خالص! مفيش أي حاجة! كانت بتلعب بعواطفنا وبتحاول توقف علاج سليم بالقوة عشان حالته تتدهور ويموت ببطء، وتضمن إنها تاخد نصيبها كزوجة شرعية قبل ما نطردها!"
نظرت رغد لل هاتف العريان في يد عمها صالح، ثم صرخت بحرقة:
"مسحوا اللي عليه! عامر والدكتورة مسحوا الملفات أول ما دخلوا! صدقني يا عمي صالح، أنا صورته وهو بياخد السم، ودكتور مراد أكد لي إن الدوا ده بيعمل شلل وموت بطيء!"
هزت نجوى رأسها بدهاء، وقالت ببرود احترافي:
"دكتور مراد مين يا مدام؟ الدوا ده مسجل بروشتة رسمية من أكبر المستشفيات. حضرتك مش طبيبة، وحاولتي تمنعيني بقوة السلاح اللفظي إني أديله الجرعة! لو سليم قعد يومين من غير الجرعة دي، المخ بيموت فوراً! أنتِ كده بتقتليه يا هانم!"
شعر صالح بدوار شديد، واستند على المكتب. تنقلت نظراته المتوسلة بين الحاضرين، حتى استقرت على "رنيا".. أخت رغد التي تقف في الزاوية.
قال صالح بصوت يرتجف ويد تبحث عن القشّة:
"رنيا يا بنتي.. أنتِ أختها وتعرفي ربنا. أنتِ كنتِ معاهم.. قوليلي الحقيقة! رغد بتعمل كده ليه؟ هل فعلاً الدوا فيه سم؟ ولا رغد بتتبلى عليهم؟"
ساد الغرفة صمت كالمقابر. التفتت رغد إلى أختها، وعيناها تلمعان بدموع الرجاء والأخوة:
"رنيا.. أرجوكي يا رنيا. قولي الحق.. أنتِ عارفة كل حاجة، قولي لعمي صالح عن الكلام اللي سمعتيه بلسانك!"
شعرت رنيا بثقل اللحظة، لكن صورة المال والقوة والسلطة التي وعدها بها عامر كانت ألمع من دموع أختها. سحبت رنيا نفساً عميقاً، وقُست نبرتها، وأسبلت جفنيها بحزن مزيف، ثم قالت بصوت مرتجف مصنع:
"سامحيني يا رغد.. أنا مش هقدر أكذب على ربنا ولا على صالح بيه. أنتِ طمعتي يا أختي!"
شهقت رغد بذهول أليم:
"رنيا!! أنتِ بتقولي إيه?!"
تابعت رنيا بقسوة كالسكين:
"من أول ما دخلنا القصر، ورغد تقولي إحنا لازم نأمن نفسنا.. سليم كده كده منتهي ومفيش منه أمل، ولو اتجوزته ووقفت العلاج بتاعه، حالته هتسوء ويموت بسرعة ونورث ثروته ونطلع من الفقر اللي إحنا فيه! أنا حاولت أمنعها بكتير يا صالح بيه.. قلتلها اتقي الله، ده راجل عاجز، بس هي الفلوس عمت عينها! والنهاردة اتجننت وحاولت تمنع الدكتورة بالقوة وتألف قصة التسميم دي عشان تغطي على خطتها!"
سقطت الكلمات كالجبال على صدر صالح بيه. اتسعت عيناه بالصدمة، ونظر إلى رغد بنظرة احتقار وكسرة لا تُوصف.
أما رغد، فقد شعرت بأن الأرض تدور بها. أختها.. شقيقتها التي شاركتها اللقمة والبيت البسيط، تبيعها في سوق النخاسة لأجل حفنة من مال القصر!
صاح صالح بصوت هادر ملؤه الغضب والحرقة:
— "يا خسارة يا رغد! يا خسارة التربية! طلعتي حية في توب ملاك! كنت فاكرك الرحمة اللي ربنا بعتها لابني، طلعتي الشرير اللي عايز يجهز عليه عشان قرشين?!"
دمعت عينا رغد بغزارة، ولكنها لم تعد تبكي ضعفاً، بل بكت خيانة البشر. وقفت بشموخ وسط هذا الخراب، وقالت بصوت هادئ ومجروح:
— "ربنا فوق يا عمي صالح.. ربنا شايف ومطلع، وهيكشف الخونة والشياطين دول في الوقت المناسب."
صاح عامر بعنف:
— "اطردوها بره القصر! ارموا الزبالة دي في الشارع!"
لكن صالح رفع يده بوهن وقسوة:
— "لا يا عامر.. مش هتروح في حتة. هي مراته على الورق. هتقعد هنا تحت الإقامة الجبرية! في الجناح الجانبي المقفول.. مش هتعتب بره الغرفة، ولا هتقرب من سليم تلت شبر! والحراس يوقفوا على بابها 24 ساعة! وتشوف بعينها سليم وهو بيتعافى بالدوا اللي كانت عايزة تمنعه عنه!"
ابتسمت شاهيناز بانتصار خفي، وتبادل عامر ورنيا نظرات الفخر والنجاح. تم إحكام الفخ، وأصبحت رغد في نظر الجميع "الطامعة المجرمة"، وسليم أسيراً مجدداً تحت رحمة عقاقير نجوى القاتلة.
في العتمة.. تتولد المأساة
سُحبت رغد بغير رحمة إلى الجناح المظلم في آخر الممر الخلفي للقصر. أُغلق الباب الحديدي الخشبي بقوة، وسُمع صوت المفتاح وهو يدور في القفل مرتين.
جلست رغد على الأرض، تسند ظهرها إلى الباب المغلق. خبت أضواء الأمل في روحها للحظات، وانهمرت دموعها الصامتة على خدها. كانت صدمة خيانة "رنيا" هي الطعنة الأشد إيلاماً.. كيف لأخت أن تبيع أختها من أجل أوهام الثراء؟
في هذه الأثناء، في غرفة سليم..
كان الجو كئيباً وثقيلاً. أعادت الدكتورة نجوى تجهيز الحقنة المهلِكة، ودنت من السرير ببرود شديد، يرافقها عامر الذي كان يقف مطبطباً على كتف والده المكسور خارج الغرفة.
كان سليم يستلقي على فراشه.. ولكن شيئاً ما قد تغير في داخله تماماً.
المشهد الذي جرى أمامه منذ قليل؛ صراخ رغد، دفاعها المستميت عنه، نظرة الشجاعة في عينيها وهي تتحدى عامر وشاهيناز، ثم الطعنة الخبيثة التي تلقتها من أختها.. كل ذلك أحدث زلزالاً كاسحاً في خلايا مخه المحتبسة!
لم يعد سليم ذلك الجسد المستسلم. كان شعور العجز والظلم يغلي في دمه كالحمم البركانية.
عندما اقتربت نجوى بالسرنجة، وضغطت على ذراعه لترفع الوريد، اجتمعت كل إرادة سليم المستنفرة في كفّ يده اليمنى.
وفجأة.. وبشكل لم يتوقعه أحد!
انقبضت أصابع سليم على يد نجوى الممسكة بالحقنة بضغط رهيب! اتسعت عينا نجوى بذهول ورعب حقيقي، وشعرت بكتمة في أنفاسها وهي ترى أصابعه السمراء تلتف حول معصمها كالقيد الحديدي!
حاولت نجوى سحب يدها وهي تصرخ بصوت خفيض مذعور:
— "سـ.. سليم! سيب إيدي!"
فتَح سليم عينيه ببطء.. لم تكن نظرته هذه المرة نظرة رجاء طفولي أو ضعف مكسور؛ كانت نظرة صلبة، مظلمة، تشتعل بشرار الغضب والوعيد القاتل. أطلق حشرجة عميقة من حنجرته، وضغط على يدها بقوة أكبر حتى كادت السرنجة تسقط من بين أصابعها!
أسرع عامر بالدخول بعد أن سمع شهقة نجوى، ليصدم بمرأى يد سليم التي تقبض على نجوى كالمشبك!
انقبض قلب عامر رعباً، وهجم على الفراش ليحل يد سليم بالقوة:
"سيبها يا سليم! سيبها يا مجنون!"
باستخدام قوته وضخامته، استطاع عامر أن يفك قيد يد سليم عن نجوى، لكن سليم أرسل إلى عامر نظرة حادة، نظرة رجل استعاد عقله ووعيه الكامل، ولكنه يحتبس أنفاسه في انتظار اللحظة المناسبة للبطش! بهم
تراجعت نجوى للخلف ترتجف، وتسقط منها الحقنة على الأرض لتقفز منها القطرات الشفافة.
قالت نجوى بصوت يرتجف من الرعب:
"عامر بيه.. سليم مخه صاحي! سليم إرادته رجعت.. الجرعات القديمة مابقتش تجيب نتيجته القاضية! الولد ده لو سكتنا عليه، هيقوم على حيله وينسفنا كلنا!"
تصبب العرق البارد من جبهة عامر. أدرك أن الوقت أصبح ضد الكارثة؛ فرغد كشفت اللعبة، وسليم بدأ يستعيد التحكم ببدنه إثر شرارة الأمان والحفز التي زرعتها رغد في قلبه!
همس عامر بقلة حيلة وغل:
"الجرعة تضاعف من بكرة.. والمرة دي مش هنسيب له مجال يربكنا. لازم ننهي وجوده بالبطيء ومن غير ما بابا يلاحظ!"
حلّ الليل ثقيلاً على القصر. كان الجناح المحبوسة فيه رغد بارداً ومظلماً.
كانت رغد تجلس بالقرب من النافذة الصغيرة المصفحة بالحديد، تتطلع إلى السماء التي لا ترحم. وفجأة.. سمعت حفيف خطوات خفيفة خارج النافذة الممتدة على الحديقة الخلفية.
اقتربت رغد بحذر، لتفاجأ بوجود العم "عماري".. خادم القصر العجوز الطيب، الذي كان يخدم والده صالح بيه منذ عقود، ويحمل في قلبه حباً كبيراً لسليم.
همس العم عماري بصوت خفيض جداً من بين قضبان النافذة:
"ست رغد.. يا ست رغد! أنتِ صاحية؟"
أسرعت رغد إلى النافذة وقالت بلهفة:
"عم عماري! أنت بتعمل إيه هنا؟ لو عامر شافك هيقتلك!"
قال العجوز بدموع مكتومة:
"أنا شفت كل حاجة يا بنتي.. وعارف إنك مظلومة. أنا ربيت سليم بيه على إيدي، وعارف إن الهانم شاهيناز وابنها شياطين على هيئة بشر.. أنا سمعتهم امبارح بيتكلموا عن الدوا!"
اتسعت عينا رغد بأمل جديد:
"أنت سمعتهم يا عم عماري؟! يعني تقدر تشهد قدام صالح بيه؟!"
هز العجوز رأسه بأسى:
"صالح بيه مريض قلب، وعامر مسيطر على الحراس وعلى كل أوراق الشركات. لو تكلمت من غير دليل قاطع، عامر هيتهمني بالخرف ويرميني بره أو يقتلني. بس أنا جيت أقولك إنك مش لوحدك.. سليم بيه النهاردة اتحرك! سليم بيه مسك يد الدكتورة ومنعها تضربه الحقنة! عينيه كانت بتولع نار يا ست رغد.. نظرة سليم بيه القديمة رجعت له!"
شهقت رغد، وشعرت بفرحة عارمة تجتاح صدرها بين كل هذا الظلام:
"سليم اتحرك؟! الحمد لله.. الحمد لله يا رب!"
ادخل العجوز يده النحيفة من بين القضبان، وأعطاها ورقة صغيرة مطوية، وقال بنبرة سرية:
"ده رقم تليفون الدكتور "سامح".. ده الدكتور الخاص القديم لسليم بيه قبل ما عامر يطرده ويجيب الدكتورة نجوى. الدكتور ده الوحيد اللي معاه الملف الطبي الحقيقي لحالة سليم القديمة قبل الصدمة. لو قدرنا نوصله ونخليه يفحص سليم بيه سرّاً، القناع هيتقلع عن عامر وأمه فوراً!"
أخذت رغد الورقة بلهفة وشوق، وخبأتها في ملابسها، وقالت بصوت ممتن:
"شكراً يا عم عماري.. ربنا يخليك. بس إزاي هوصل للرقم وأنا محبوسة وموبايلي اتمسح واتأخذ؟"
غمز العجوز بعينه وقال بهمس"بكرة الصبح.. أنا اللي هجيبلك الفطور بنفسي. وههربلك تليفون صغير من بتوع العمال.. المهم تفضلي قوية، وماتستسلميش لرنيا ولا لغيرها!"
انصرف العجوز بخفة وشبح الليل يبتلعه، بينما وقفت رغد تضغظ على الورقة الصغيرة بكل قوتها.
لم تعد رغد الضعيفة التي تبكي الخيانة.. لقد وُلدت في قلبها ثورة نارية. نظرت نحو الممر البعيد حيث يرقد سليم، وقالت في سرها بعزم يفتت الصخر:
"استحمل يا سليم.. الحرب يادوب بدأت، ومش هسيب الشياطين دول يكسبوا!"
