رواية لست قاسية الفصل الرابع 4 بقلم امنية الريحاني


 رواية لست قاسية الفصل الرابع 


ونستكمل حوار سيف مع غادة...

قال سيف:

- إحنا لازم نسيب بعض.

نظرت إليه غادة في صدمة، وقالت:

- أنت بتقول إيه يا سيف؟ أنت عايزنا نسيب بعض؟ طب ليه؟!

قال سيف:

- صدقيني يا غادة، الموضوع مش سهل عليا زي ما إنتِ متخيلة، بس أنا بعمل كده عشان مصلحتك.

قالت غادة في سخرية:

- مصلحتي؟! مصلحتي إنك تبعد عني؟! طب ليه؟ أنا عملت إيه؟

سيف:

- إنتِ عمرك ما عملتي حاجة وحشة يا غادة، المشكلة فيَّ أنا. جالي فرصة سفر لألمانيا عشان أشتغل وأكمل دراستي.

غادة:

- طب وإيه المشكلة؟! أنا أسافر معاك. نتجوز قبل ما تسافر وآجي معاك.

سيف:

- مش هينفع يا غادة. أنا معرفش الدنيا هناك عاملة إزاي، ومش هينفع أتجوزك وأبهدلك هناك.

غادة:

- طب خلاص يا سيف، بلاش تاخدني معاك. نتخطب، وأنا هستناك لحد ما تخلص دراسة وترجع تتجوزني.

سيف:

- برضه مش هينفع. أنا مقدرش أسيبك متعلقة كل ده، وأنا معرفش هخلص إمتى.

غادة:

- من الواضح إن كل دي حجج، وإنك أنت اللي مش عايزني معاك أصلًا.

سيف:

- متاخديهاش كده. خديها إني خايف عليكي من البهدلة، وعايزلك حد أحسن مني.

نظرت إليه غادة في سخرية، وقالت:

- حد أحسن منك؟! أمال اللي بينا ده كان إيه؟

قال سيف بصوت منخفض:

- اللي بينا كانت مشاعر جميلة أوي... بس يمكن إنتِ فهمتيها غلط.

وهنا انفجر بركان غادة، الذي طالما حاولت إخماده، وقالت:

- فهمته غلط؟! أيوه، صح، عندك حق. لما كنت بتقولي: "أنا بحبك يا غادة، وعايزك مراتي"، كنت فاهمة غلط. ولما كنت بتغير عليا من أي راجل تاني، وتقعد تزعقلي، ونظراتك تبقى نارية، ليه؟ كان كل ده فهم غلط. ولما كنت بتعلق على لبسي، وتقعد تؤمر: ألبسي ومتلبسيش، كنت برضه فاهمة غلط. ولما كنت بفهمك من نظرة عينيك، من غير ما تحتاج حتى تتكلم، وأعملك اللي أنت عايزه، كنت برضه فاهمة غلط. ولما اكتفيت بيك عن كل الناس، وكنت شايفاك أماني، وحمايتي، وتعويضي عن كل وجع عشته في حياتي... كنت برضه فاهمة غلط.

ثم أكملت، وهي تنهار:

- تصدق بقى؟ أنا اكتشفت إني من يوم ما اتولدت، وأنا فاهمة حياتي كلها غلط.

أغمض سيف عينيه في ألم، فقد مسَّ قلبه حديث غادة وانهيارها.

حاولت غادة تهدئة نفسها، ثم قالت:

- متخافش عليا أوي يا أستاذ سيف. أنا الصدمة مش هتموتني، أصل مفيش إنسان ميت بيموت مرتين. وعلى العموم، أنا مش هوعدك إني هحاول أنساك.

نظر إليها سيف في تساؤل امتزج بالألم.

فأكملت، وقد همت بالمغادرة:

- عشان لو صرصار عدى من قدامك، مش هتحاول تنساه. كل اللي هتعمله إنك تديله باللي في رجلك، وترميه في أقرب باسكت... عن إذنك.

---

عادت غادة إلى الواقع، لتجد دموعها قد خانتها، وهربت من سجن عينيها.

مسحت دموعها سريعًا، وانتبهت أنها أصبحت في الواقع، وأن كل هذا ما هو إلا ذكريات أليمة.

وأكملت حديثها مع نفسها:

"ومن ساعتها انقطعت أخبار الاتنين... أحمد وسيف. أو بمعنى أصح، أنا اللي مبقتش عايزة أعرف أخبار عن حد فيهم، بعد ما شاركوا الاتنين في جريمة قتل، راح ضحيتها قلبي وثقتي في كل الرجالة.

ومشوفتش حد فيهم غير النهارده، لما جه أحمد فرحي، ومعاه مراته وولاده الاتنين.

بس الغريبة إنه متجوزش نهى، اللي سابني عشانها أصلًا. كأنها كانت جاية لمهمة محددة، وهي إنها تفرق بينا وخلاص، وبعد كده دورها ينتهي.

أما بالنسبة لسيف، فلحد اللحظة دي أنا مشوفتوش، ومعرفش عنه أي حاجة.

بعد اللي حصلي، كرهت كل الرجالة.

اتأكدت إن مفيش راجل ينفع أثق فيه، ولا أسلمه مشاعري.

مشاعر إيه؟! أنا أصلًا موتها من زمان.

اهتميت بشغلي وبس، بقيت باخد كورسات كتير، واشتغلت في أكتر من مكان.

مكنتش بسيب ثانية واحدة في حياتي فاضية.

لحد ما اتعينت في شركة مقاولات، وهناك اتعرفت على خالد.

كان شغال مهندس في الشركة، وكان إعجابه بيا واضح جدًا من طريقته معايا، لكني كنت بحاول أتجاهل الإعجاب ده.

لحد ما فاجأني بطلبه للجواز بعد سنتين.

في الأول فكرت أرفض، زي ما رفضت اللي قبله كتير، لكن رجعت في كلامي مع ضغط ماما، ولأني حسيت إني الوحيدة اللي خسرت في الموضوع ده.

كل واحد عاش حياته؛ اللي سافر واتعلم واشتغل، واللي اتجوز وخلف، وأنا اللي وقفت حياتي.

وفي أقل من شهرين، اتجوزنا أنا وخالد، وبقيت مكتوبة على اسم راجل."

نظرت غادة إلى خالد النائم بجوارها، وأكملت حديثها:

- بس يا ترى القدر مخبي لعلاقتنا إيه يا خالد؟ ويا ترى إيه الجرح الجديد اللي هتكون سبب فيه؟

---

في اليوم التالي ظهرًا

فتحت غادة عينيها بثقل، ونظرت حولها، ثم قالت لنفسها:

- إيه ده؟ أنا فين؟ وفين أوضتي؟

لتتذكر أن الأمس كان حفل زفافها.

تنهدت في ضيق، ونظرت بجوارها تبحث عن خالد، لكنها تعجبت عندما لم تجده.

حدثت نفسها:

- إيه ده؟ هو راح فين؟

قطع تساؤلها دخول خالد، وهو يحمل صينية عليها الطعام، وعلى وجهه ابتسامته البشوشة.

خالد:

- صباح الخير يا عروسة... كل ده نوم؟

غادة:

- ليه؟ هو إحنا إمتى دلوقتي؟

خالد:

- العصر قرب يأذن يا حبيبتي.

غادة:

- يااااه... أنا يظهر كنت جعانة نوم. معلش يا خالد، سبتك لوحدك.

وضع خالد الصينية على الطاولة، ثم اقترب منها، ممسكًا بيدها، وقال:

- أنا أهم حاجة عندي إنك نمتي وارتحتي، وكفاية عليا إني صحيت على وشك الجميل ده.

نظرت إليه غادة محاولة تجاهل مشاعرها، وقالت:

- هو إيه اللي هناك ده؟

خالد:

- ده الفطار يا حبيبتي... عملته بإيدي.

غادة:

- أنت اللي عملته؟

خالد:

- وإيه يعني؟ وبعدين إنتِ عروسة، ولازم تتدلعي... بس متاخديش على كده.

غادة:

- أنت طيب أوي يا خالد.

صرخ بداخلها صوت ينبهها:

"إنتِ هتصدقي ولا إيه؟! دول حبتين بيعملهم عشان لسه في الأول... وبعد كده هتشوفي الدلع على حقه."

قال خالد:

- طب يلا بقى يا قمر ناكل، عشان أنا هموت من الجوع، ومهنش عليا آكل من غيرك.

---

مر شهر كامل على زواجهما، قضيا معظمه في السفر، أو كما يسمونه "شهر العسل".

أحاطها خالد خلاله بالحب والحنان والاهتمام.

أما غادة، فكانت أحيانًا تستسلم لهواجسها الداخلية، بأن كل ما يفعله معها خالد ما هو إلا تمثيل، وأن قناعه سيسقط في أي لحظة، ويطعنها في ظهرها كما فعل من سبقوه.

وفي أحيان كثيرة، كانت تستسلم لحبه وحنانه، مكذبةً نفسها.

ربما لأنها كانت تحتاج إلى كل المشاعر التي يغمرها بها.

أو ربما لأنه منحها الإحساس بالأمان الذي فقدته منذ طفولتها.

وأيًا كانت الأسباب، فقد كانت تحاول أن تنعم بهذه السعادة، ولو لفترة مؤقتة، استعدادًا للحرب التي شنها عقلها على قلبها، حتى يجعل من القسوة غلافًا يحميها من أي غدر.

---

بعد شهر من عودتهما إلى القاهرة

جلست غادة في بيتها الجديد، الذي بدأت تعتاد عليه، وأحست أنه أصبح مملكتها، وفي الوقت نفسه حصن الأمان الذي ستحتمي به ضد أي هجوم على قلبها.

نظرت إلى الساعة، وبدا الضيق واضحًا على ملامحها.

دخل خالد، يحمل بعض الرسومات الهندسية في يده، وعلى وجهه ابتسامته البشوشة التي اعتادت عليها.

خالد:

- مساء الخير يا حبيبتي.

اقترب منها ليقبلها على وجنتها، لكنها ابتعدت عنه، وقالت:

- كنت فين يا خالد لحد دلوقتي؟

خالد:

- مالك يا غادة؟ بعدتي عني ليه؟

غادة:

- بقولك كنت فين يا خالد؟

خالد:

- كنت في الشركة يا غادة، ما إنتِ عارفة.

غادة:

- خالد، الشركة بتخلص الساعة أربعة، والساعة دلوقتي سبعة، وبيننا وبين الشركة نص ساعة بالكتير أوي. كنت فين باقي الوقت؟

خلع خالد جاكت بدلته في تعب، وقال:

- خلصت الشركة، وروحت عند ماما أطمن عليها. فيها حاجة؟

غادة:

- وليه مقولتليش أجي معاك؟

خالد:

- يعني مجتش مناسبة، وأنا راجع حسيت إنها وحشاني، فقلت أطمن عليها.

غادة:

- مجتش مناسبة؟ ولا مكنتش عايزني أجي معاك؟

خالد:

- وأنا مش هعوزك تيجي معايا ليه يا غادة؟

غادة:

- يمكن عشان تروح تشوف حبيبة القلب براحتك، من غير عوازل.

قال خالد باستغراب:

- حبيبة القلب مين؟

غادة:

- خالد، متستهبلش. أنت عارف أنا قصدي على مين. جنى بنت الجيران، اللي مربيها على إيدك، واللي أول ما روحنا عند مامتك مقدرتش تستحمل، وجريت عليك أول ما شافتك. ده كان ناقص تبوسك وتاخدك بالحضن يا راجل، ولا عملت حساب لكرامة الهبلة اللي واقفة جنبك.

نظر إليها خالد بصدمة، ثم قال بنبرة حادة:

- مستهبلش؟! لا يا مدام، الظاهر إنك إنتِ اللي نسيتي إنك بتكلمي جوزك... وأنا بقى اللي هفكرك.


تعليقات