رواية اختيار إجباري الفصل الرابع بقلم جيهان زكريا
- بعد ما سمعت كلامه دخلت أوضتي بإضطراب
قعدت علي السرير أبص بشرود إلي اللا شئ..
حاسة بألم شديد؛ لأني حسيت نفسي قليلة،
في عين كل اللِ حواليا
حاولت آخد نفس وأتكلم بس حسيت بحاجة بتخنق حنجرتي ودموعي نزلت غصب عني..
قولت بشرود:
هو انا فعلًا أستحق أبقي محطة أو اختيار إجباري لحد؟
ولا أستحق أبقي هدف يُسعي إليه؟
ملقتش إجابة واضحة أصارح نفسي بيها،
فقولت بمواساة:
ايه يا سندس، هنخيب ولا ايه؟
كده كده الرحلة كانت فردية يعني..
وجوده مش هيفرق ولا هـ يدوم.
كنت بكذب علي نفسي؛ لأن عارفة أن مشاعري اتجاه يحيي أكبر بكتير من اللي أنا بقنع نفسي بيه بس خلاص مشاعري دي هرميه في الزبالة قبل ما هو يعملها.
قلت تاني وأنا ببلع غصة تشكلت في حلقي وبقاوم دموعي أنها متنزلش:
أنا أستحق شخص يسعي علشاني..
يحارب و يتحدي الصِعاب علشان يفز بي..
ولحد ما يجيي الشخص دا مش هسمح أبدًا أرهق مشاعري مع شخص لا يستحقها.
مع نهاية جملتي مسحت دموعي بهدوء وقعدت في الأوضة شوية ولقيت الباب بيخبط..
مردتش، لقيته دخل
اتكلمت بعصبية: أنتَ ازاي تدخل كده؟
- حسبتك نمتي.
- ضحكت بسخرية وقلت: بجد، هو دا مبرر يعني.
- في ايه يا سندس،
بحسبك نمتي تاني وداخل أصحيكِ علشان تفطري.
- شكرًا،
مش عايزة آكل.
خرج من غير كلمة وأنا قعدت علي السرير بضيق
دماغي هتنفجر من كتر التفكير قمت بإرهاق عملتلي كوباية قهوة ودخلت تاني أوضتي،
سمعت صوت باب الشقة بيتقفل .. ''بيتهبد'' بمعني أصح
خرجت كانت الدنيا هادية،
رتبت الشقة و غسلت الأطباق
و دا مش علشان أنا منظمة جدًا،
لا .. لأن دا بقي بيتي حتي لو أنا كارهه دا،
و محدش هيروقه غيري.
مش علشان يعني دي أكتر طريقة بقدر أفصل فيها شوية وأغير المود بتاعي ، لما أرتب المكتب وأنظم كتبي وأقلامي أحس أن كل أفكاري اتنظمت معاهم.
قعدت علي الأرض بما أن الأوضة بتاعتي مفيهاش مكتب وجبت كراسة ملاحظات أسجل فيها خِططي لإستكمال الدراسة . . اه ما أنا بدرس في كلية ''التمريض''
في سنة تانية، كلية مكنتش حِلمي بس أنا مجتهدة وبحاول أجتهد أكتر فيها، طلعت السنة اللِ فاتت من أوائل الدفعة،
بس هل يا تري أي إنجاز هحققه، هبقي مبسوطة؟
اللِ أنا فيه أشبه لـ إنسان بيبذل قُصاري جهده بس في المكان الخطأ،
مكان خطأ بس؟
دا مكان خطأ،
وناس خطأ،
وعلاقات خطأ،
وقلب حب الشخص الخطأ..!
ضحكت بمراراة علي أفكاري و قعدت أسطّر الجدول اللي هبدأ أراجع بيه المحاضرات القديمة و في نفس الوقت أذاكر من المحاضرات اللي فاتتني.
ظبطها وبدأت أراجع كويس علشان كمان يومين هنرجع أنا ويحيي الجامعة ..
قولت نرجع؛ لأن يحيي وبكل أسف هو دكتور في كليتي،
وبيدرسلي أرخم وأغلس مادة ممكن حد يشوفها في حياته .. يعني هيبقي في البيت و في الجامعة،
يا حلاوة!
قعدت فترة طويلة بذاكر خلصت فيهم المحاضرات السهلة وقولت ابقي أقرأ محاضرات الـ "community''
بليل، حسيت أن دماغي صدعت فرفعت رأسي أبص في الساعة لقيتها ٨ المغرب.
قومت أصلي المغرب وأحضرله الغدا ..
كنت حاسة بجوع بس
مكنش عندي شهية آكل من أكل الفرح،
فعملت ساندوتش جبنة علي السريع ليّ، وجهزتله الأكل وسيبته في المطبخ .
عملتلي كوباية قهوة للمرة التانية علشان حسيت بصداع ودخلت تاني قولت اقرأ في رواية شوية أسلي نفسي وبعدين أبقا أذاكر
كان اسمها ''بيت خالتي'' للكاتب أحمد خيري،
الكتاب كان بيتكلم عن حياة الأسري في سجن صيـ.ـد نايـ.ـا
وأنا آسفة لو قلت ''حياة''، لأن لو دي حياة عاشوها السوريين فـ الموت هيبقي اسمه ايه؟
بإختصار كانت حياتهم تلك اسمها ''الموت البطيئ''
قعدت أقرأ كتير وأقف شوية أعيط ولما أخلص عياط أكمل قراءة تاني ..
المواقف مرعبة، أقسم بالذي نفسي بيده لو أنا
''چيهان" اتعرضت لأقل موقف أو مشهد تعذيب زي ما حصل للفتيات السوريات كان زماني في خبر كان.
لذا الله عز وجل يضع البلاء لك وأنت بمقدرتك عبوره واجتيازه،
لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.
"العقبي لأسري فِلسطين", "العقبي لأسري فِلسطين "
خلصت قراءة نص الرواية ومقدرتش أكمل أكتر من كده
قعدت أفكر في إشقائنا السوريين في زمن بشـ.ـار الكـ.ـلب وفي زمن أحمد الشرع.
التحول الذي قد حدث غيّر سـوريا أكثر من ١٨٠ درجة !
الموضوع أشبه بإختناقكك لعشرات السنين ثم بلحظة استطعت التنفس،
لقد نِلت حريتك وأخيرًا انتصر الدين!!
بصيت في ساعة موبايلي لقيتها ١٢ بليل اللي هو وااات؟
دا اللي هـ آخد بريك نص ساعة وأرجع أذاكر؟
يالا الحمد لله الذي عافانا من بلاء مادة يحيي الليلة دي.
لحظة يحيي، أحم هو فين ..
مجاش لحد دلوقتي ليه؟
قِلقت أوي .. مش عليه طبعًا،
علشان مثلا لو مش معاه المفتاح، ضميري هيأنبني لو استني برة كتير .. علشان كده هسهر شوية صغننين كمان بس..
طلعت البلكونة بعد ما لبست جِلبابي و خِماري.
لما بقول كلمة ''جلباب'' قدام حد بحسه بيشوفني جاية من العصر الحجري، أنا نفسي بحس أني في ألف ليلة وليلة
قعدت شوية كانت فيه حركة بسيطة جدًا في الشارع لأن احنا في الشتاء، كان فيه لسعة برودة وفجأة لقيتها بتمطر..
- أوبا، الآن ستمطري؟
كنت سقعانة أووي ومش هعرف أقفل الستارة علشان انا واقفة مستنياه ييجيي،
جريت أمسك موبايلي أرن عليه بس مردش.
- دا وقت تكرف يا يحيييي!!
قعدت أرن عليه كتير لحد ما رد،
- أنتَ فين دلوقتي؟
- ليه؟
- هو ايه الِ ليه؟
الدنيا بتمطر.
- عارف.
- بطل برود يا يحيي،
أنت فين؟
- في العربية.
- تغاضيت برودة بس اتكلمت عد ما اطمنت:
هتيجي إمتي؟
- خمس دقايق وهاجي يا سندس.
- قولت بقلق وأنا بشد الستارة اللي الهوا بيحركها: طيب متتأخرش علشان الجو وحش.
أدركت جملتي الغبية اللي قولتها بس وأنا بدوس علي زر إنهاء المكالمة،
- عادي، لو طفل معرفوش معدي في الوقت دا هقلق عليه .. مش قصة يعني.
بعد خمس دقائق لقيت الباب بيتفتح وهو داخل كان متغرق من المطر بس شوية بُساط يعني،
اتنهدت بقلق لما لقيته بيبص علي منظري الذي لا يقل شأنًا عنه
- ايه اللي غرقكِ كده؟
- كنت واقفة مستنياك في البلكونة.
- أنا مش عيل صغير.
- ضحكت بإستهزاء: أيوة أنت عيل كبير.
- سندس، ما تستفزنيش.
- بصيت له كتير من غير هدف وقولت بشرود:
مليش حق أني أستفذك أو حتي أتدخل في حياتك.
ضحكت بسخرية وقولت: نرمين بس هي اللي ليها حق صح؟
- بصلي بصدمة وبلع ريقه بتوتر وبعدين غير نظرته لـ برود وقال: صح هي بس اللي ليها حق تستفزني و تقلق عليّ.
صحيح أنتِ عرفتي اسمها منين.
- اضايقت من جملته وقولت بنفس نظرة البرود بتاعته:
سمعتك بالغلط وانت بتكلمها في البكلونة،
وبتقولها يا حبيبتي.
- لقيته قرب مني وقال بمكر: علشان كده أدايقتي ومرضيتيش تفطري.
- اتوترت من نظرته ومعرفتش أكذب فـ بصيت له بقوة وقولت: أيوة أدايقت،
بس مش علشان بحبك مثلًا،
لا علشان أنت طلعت شخص خاين.
- ضحك بسخرية مع أن الكلمة وجعته وقال:
انتِ محسساني ليه أني واخدك عن حب؟
هخونك أزاي وأنا مش معاكِ أصلا.
- مش شرط تبقي بتحبني علشان تخوني،
بس أنت كسرت الرابط اللي بينا حتي لو مش هيكمل وهنتطلق.
يعني أنا مثلا متجوزاك غصب عني أهو هل دا يديني الحق أروح أكلم واحد في الفون وأقوله أني بحبه.
لقيته وقف قدامي مباشرة ووشه أحمر من الغضب وقال:
علشان أقتله وأكسر دماغك.
- أتوترت منه بس قولت:
ليه هو أنتَ بتحبني.
- رد بعنف: لا، بس أنتِ مراتي يا محترمة،
ومسؤولة مني لازم تحترميني وتحترمي وجودي.
- بصيت له بسخرية وأتأكدت أن رسالتي وصلت لما لقيته هدي شوية محاولش يبرر ويقول:
أنا الراجل وأعمل اللي أنا عايزه.
لأنه مُدرك أن في ديننا مفيش حاجة اسمها راجل وست في ديننا في واحد اسمه مُكلف و واحدة اسمها مكلفة
والأتنين هيتحاسبوا قدام ربنا علي الذنوب اللي عملوها في الدنيا.
قولت بجدية وحزن عليه: أتمني يا يَحيي حبك ليها ميعمكش عن المعصية.
الإسلام دين حب، بس الحب الحلال ..
بعد إذنك، سيبته ودخلت أوضتي،
كنت مخنوقة أوي، غيرت هدومي اللي كانت أتغرقت من انتظاري ليه و قعدت أقرأ قرآن شوية بعدين لقيت الباب بيخبط استغربت لكن وفقت يدخل.
لقيته داخل وباين عليه التوتر كنت قاعدة علي السرير متغطية والقرآن في أيدي، قعد علي حافة السرير وسكت،
حسيت بتوتر لأنه كان باين عليه الخنقة
قولت بقلق: أنتَ كويس يا يحيي ؟
بص لي ولقيته عيونه فيها دموع مكتومة وحرك راسه بنفي
قلبي وجعني أوي عليه غصب عني،
فـ قفلت المصحف وحطيته جنبي وأتكلمت بسرعة وتوتر:
في ايه يا يحيي؟ متقلقنيش الله يسترك.
- قال بصعوبة: أنا مخنوق يا سندس،
مش عارف أعمل ايه،
عارف أن كلامك صح وأن اللي بعمله غلط،
بس أنا حبيتها،
غصب عني والله ما كنت أتمني أن بدايتي مع اللي بحبها تبقي بحاجة تغضب ربنا بس أنا لقيت نفسي في الطريق دا من غير ما آخد بالي أو حد ينصحني.
بلعت غصة تشكلت في حلقي لمّا قال أنه بيحبها وقولت بخنقة ودموع بتتراكم في عيني: لو بتجبها فعلًا مكنتش هترضي علي نفسك تدخل من طريق المعصية.
- وجهة عيني في عينه مباشرةً وقولت: ولو حبك ليها قوي، كنت حاربت الدنيا كلها علشان تبقي معاك يا يَحيي.
- اتعصب وقال: سندس،
أنتِ آخر واحدة تتكلم في الموضوع دا ..
بتتكلمي عن المحاربة وأنتِ من أول محاولة استسلمتي واخترتِ حلم مش حلمك.
- قولت بضيق:
ولو رجع بيّا الزمن تاني هختار نفس الطريق تاني وتالت وعاشر يا يحيي.
- قال بسخرية: ليه، مكنتيش بتحلمي تكوني صحفية؟
- قولت بضعف: كنت بحلم،
ضحكت بسخرية وقولت: بس أحلامي هتفضل مجرد أحلام.
أنا صح رضيت أهلي علي حساب نفسي،
وأنا عارفة أن عندي حق وحرية الاختيار
بس أنا كنت شايفاها مبسوطة، حتي لو هتبقي سعادتي دي علي حساب سعادتها هيّ.
دموعي نزلت وقولت:
دي أمي يا يحيي،
حتي لو بعيدة عنّي، ومش مهتمية بيّا بس هيّ هتفضل أمي وجهت نظري وعيوني كانت حمرة من العياط وقولت بقوة: أنا مش هقدر أشوفها حباني في مجال واختار غيره .. ممكن تبقي شايف أن دي حاجة غبية مني، بس بالنسبة ليّ هختار أبقي غبية مرة واتنين وعشرة لو هيبقي دا سبب في سعادتها.
تعرف كنت أتمني في مرة لما أرجع من المدرسة احكيلها عملت ايه انا وأصحابي او المدرسيين بيبقوا فخورين بتفوقي قد ايه،
أو حتي أقولها عن إمتحاناتي اللي بقفل فيها،
بس انا كنت ببقي مقتنعة وقتها أن طالما محكتش لها الحاجات اللي بتدايقتي يبقي مش هحكي الحاجات اللي بتفرحني،
كنت غبية
كنت ببني القسوة والجفاء بينا بنفسي،
وفي الآخر أرجع أزعل منها علشان مش بتحضني زي بقيت الأمهات، طيب وأنا كنت بعمل ايه؟
هل كنت ببرها زي ما البنات بتعمل مع أمهاتها؟
مبحبش أحط مقارنات بس دي للأسف الحقيقة
قولت بضعف وأنا ببصله:
أمنيتي أبقي صحفية،
بس دلوقتي أنا في تمريض.
لقيته ساكت باصص ليّ بهدوء وعلامات الصدمة بارزة علي وجهه قال بعد تردد:
في الأول لما كنا أطفال كنت بشوفك عنيدة جدًا بس كنتِ بعد عندك دا كله بتتخلي عن قرارك وتسمعي كلام مامتك .. بس بعد ما بتكوني عملتِ كل اللي في وسعك،
علشان كده اتصدمت لما لقيتك محولتيش علشان تدخلي صحافة و متكلمتيش لما قالوا أنك هتدخلي تمريض.
ابتسمت بسخرية وقولت: وفرت العِند لأني كبرت ومبقاش ينفع أعند معاهم.
قال بصدمة: وعديتي بكل دا دا ازاي لوحدك،
من غير ما حد يحس بيكِ.
قلت بهدوء: زي ما كلّ حاجة عديت بيها لوحدي ..
مجتش علي دي يعني.
بلع ريقه بأسي بعد ما أدرك حقيقة القِناع البارد اللي أُجبرت سندس تلبسه.
