رواية قلوب لا تعرف الحب الفصل الخامس
أشرقت شمس اليوم التالي ثقيلة وباهتة، تحمل في طياتها غيوم الانتقام وعواصف المجهول.
في الجناح المعزول، كانت رغد تجلس على أطراف الصبر، تنصت لأقل حركة خارج الباب ويدها تضغط على الورقة المطوية التي أعطاها لها العم "عماري". سمعت صرير القفل، وفتح الباب ليطل حارس غليظ الملامح، وخلفه العجوز الطيب يحمل صينية الافطار.
تظاهر العم عماري بالضعف والهوان وهو يضع الصينية، وفي لحظة انشغال الحارس بإشعال سيجارته عند الباب، مرر عماري هاتفاً صغيراً بدائياً وخبأه أسفل غطاء الفطائر، ثم همس بنبرة خاطفة كالفحيح:
"الرقم متسجل باسم (د. سامح).. كلميه بسرعة قبل ما الحراسة تتغير وتنكشف اللعبة!"
انصرف العجوز سريعاً، بينما سحبت رغد الهاتف ببديهية لاهثة. دخلت إلى الزاوية المظلمة خلف الستارة الثقيلة، وأصابعها ترتجف وهي تضغط زر الاتصال...
رن الهاتف ثلاث رنات حبست معها أنفاسها، حتى جاءها صوت رزين ولكنه متوجس:
"ألو.. مين معايا؟"
قالت رغد بنبرة يمتزج فيها التوسل بالأمل:
"دكتور سامح؟ أنا رغد.. زوجة سليم بيه الألفي! أنا بكلمك سرّاً من القصر، سليم في خطر يا دكتور! بياخد سم بيقتله بالبطيء باسم العلاج، وعامر والدكتورة نجوى حابسينه ومسيطرين على كل حاجة!"
ساد الصمت لثوانٍ معدودة على الطرف الآخر، قبل أن ينطق الدكتور سامح بصوت مبحوح بالصدمة والغضب:
"كنت عارف! قلبي كان حاسس إن عامر مش هيسيبه! عامر هددني بالقتل وقطع العيش وزوّر تقارير ضدي عشان يطردني ويجيب نجوى تنفذ جريمته! بس قلتي إيه يا بنتي؟ سليم لسه فيه الروح؟! مخه استوعب اللي بيحصل?!"
ردت رغد بدموع حارقة:
"عايش يا دكتور! وإرادته بدأت ترجع وحرك إيده امبارح.. بس عامر ونجوى ناويين يضاعفوا الجرعة النهاردة عشان يخلصوا منه كلياً! أرجوك يا دكتور.. ساعدنا قبل ما يقتلوه!"
قال الدكتور سامح بحسم وقوة:
"اسمعيني كويس يا رغد.. أنا معايا الملف الطبي الأصلي لسليم، والتحاليل الحقيقية المخفية اللي تثبت إن تلف أعصابه كان مؤقت وممكن يتعالج، وإن حالته الحالية بسبب عقاقير مخدرة وسامة. بس عشان أقدر أدخل الشرطة والقضاء للقصر، محتاج عينة حقيقية من العقار اللي بيدوهوله دلوقتي، أو تقرير فحص رسمي تحت رعاية النيابة! حاولي تحافظي على الموبايل ده، وأنا هبدأ أتحرك فوراً!"
في جناح سليم.. المواجهة الصامتة!
في هذه الأثناء.. كان الجو داخل جناح سليم مشحوناً برائحة الخطر والقتل المأجور.
دخل عامر وبرفقته الدكتورة نجوى، وهي تحمل محقناً زجاجياً ضخماً يحتوي على ضعف الجرعة السامة! كانت يدا نجوى ترتجفان وهي تقترب من السرير، وقالت بهمس مذعور:
"عامر بيه.. أنا خايفة! نظرة عينيه امبارح مش طبيعية.. سليم صاحي ومُدرك كل كلمة بنقولها!"
رد عامر بقسوة ونبرة نارية وهو يقف فوق رأس أخيه المريض كأنه ملك الموت:
"انجزي يا نجوى! اخلصي منه النهاردة، وأنا هأمنك بمليون جنيه وتطيري بره مصر فوراً! بابا قاعد في مكتبه مكسور ومش هيدخل هنا خالص بعد الكلام اللي سمعوا من رنيا!"
اقتربت نجوى، وعندما رفعت المحقن لتغرز السن في ذراع سليم...
فتح سليم عينيه فجأة!
لم يمسك يدها هذه المرة، بل استخدم ذكاء التخطيط؛ أطلق حشرجة عالية ومفاجئة، وبحركة خاطفة لم يتوقعها أحد من جسد مشلول، ضرب بقدمه المجهزة طاولة العلاج الجانبية بكل ما أوتي من نوبة غضب!
انقلبت الطاولة بصوت مدوٍّ كالانفجار! سقطت المحاقن والأدوية على الأرض، وتهشمت زجاجات العقاقير القاتلة إلى آلاف الشظايا على السيراميك!
انفزع عامر ونجوى وتراجعا للخلف برعب، وفي نفس اللحظة.. فتح باب الجناح بقوة ليطل "صالح بيه" وهو يمسك صدره بيده ويستند على عصاه، يرافقه حراس القصر بعد أن هزهم صوت الارتطام!
صاح صالح بيه بذهول وهو يلهث بألم:
"إيه اللي بيحصل هنا؟! الصوت ده إيه.. وإيه الزجاج والمواد اللي على الأرض دي?!"
تداركت نجوى الموقف بكذب محترف، وقالت وهي تتصنع الرعب والانهيار:
"صالح بيه! سليم بيه جتله نوبة تشنجات عصبية حادة! النوبة دي بتجيله لما يتأخر عن الدوا! شايف يا صالح بيه؟ لو الهانم رغد كانت منعت الدوا امبارح كان مات في إيدينا! هو محتاج الحقنة فوراً!"
كانت نظرات عامر تقطر غلاً وتهديداً نحو سليم المستلقي على الفراش.
لكن صالح بيه، برغم حزنه وعماة قلبه، لاحظ شيئاً جعل دماءه تتجمد في عروقه.. كان سليم يرفع سبابته بجهد أليم، ويشير بنظراته المشتعلة نحو زجاجة دواء سقطت ولم تنكسر، ثم أطلق صوتاً خفيضاً ومتقطعاً من بين شفاهه اليابسة:
"صـ... صالـ...ـح... كـ...ـذابين..."
صدم صالح بيه! سقطت عصاه الرخامية من يده، واقترب بدموع متجمدة:
"سليم؟! أنت ناديتني يا ابني؟! أنت اتكلمت?!"
خيانه الأخت.. والضربة القاضية!
في الجناح المعزول، كانت رغد تتفق في السر مع العم عماري لتوصيل زجاجة الدواء المتبقية للدكتور سامح.
لكن أفاعي القصر لا تنام!
لمحت "رنيا" العم عماري وهو يتسلل من الحديقة الخلفية للجناح. وبفضولها الخبيث وطمعها للتقرب من عامر وضمان حصتها من الثروة، تسللت خلفه وشاهدته يمرر زجاجة مياه صغيرة ورسالة لرغد عبر قضبان النافذة!
ابتسمت رنيا بابتسامة نذالة، وهرعت فوراً لإبلاغ عامر وشاهيناز!
وفجأة.. اقتحم عامر الجناح المعزول ومعه اثنين من الحراس المسلحين، ووراءه تسير رنيا بنظرات الشماتة!
سحب عامر الهاتف الصغير وزجاجة الدواء من يد رغد بالقوة، ووجه ضربة حادة للعم عماري على وجهه طارحاً إياه أرضاً!
صرخت رغد برعب وهلغ:
"سيب عم عماري يا مجرم! حرام عليك! أنت إيه.. معندكش دين ولا رحمة?!"
قبض عامر على شعر رغد بقسوة وجذبها نحو وجهه، ونظراته تشتعل بنار الشيطان:
"فاكرة الكروت الخايبة دي هتنفعك يا بنت الحارة؟! بتتفقوا عليا مع دكتور سامح؟! بقى عاوزين تجيبوا الشرطة والقضاء لقصر الألفي؟!"
ثم التفت لل حراس وقال بأمر صارم وقاتل:
"اربطوا العجوز ده وارموه في القبو المقفول! والهتيم دي تتكتف وتنقلوا مكانها فوراً للمخزن القديم في مزرعة الجبل! مش عاوز حد يعرف لها طريق ولا تسمعوا لها صوت لحد ما نخلص من سليم الليلة ونقفل الملف ده للأبد!"
صرخت رغد وهي تُسحب بالقوة بين أيدي الحراس، ونظراتها المكسورة تتعلق بأختها رنيا التي كانت تقف ببرود تطالع أظافرها:
"سلييييم! الحق يا عمي صالح! ابنك بيموت.. الشياطين هيقتلوه!"
في العتمة.. يقترب الحساب!
تطوقت مزرعة الجبل بالظلام الدامس. أُلقيت رغد مقيدة اليدين والقدمين داخل مخزن مهجور مليء بسلاسل الحديد والغبار.
وفي جناح سليم بقصر الألفي..
كان صالح بيه قد أُغشي عليه من صدمة المشهد ونُقل لغرفته، بينما استغلت شاهيناز وعامر الغياب التام للحماية، ودخلا غرفة سليم برفقة نجوى التي جهزت الحقنة السامة القاضية للمرة الأخيرة!
وقف عامر فوق رأس أخيه وابتسامة النصر المريضة تعلو طشفتيه:
"انتهت اللعبة يا سليم.. رغد بقت في الجبل، وبابا مش هيلحقك، والسر بيموت معاك الليلة!"
اقتربت نجوى بالحقنة وغرزتها في أنبوب المحلول..
لكن في تلك اللحظة بالذات.. بدأت أصابع سليم تتحرك بعنف، وتسارعت نبضات الشاشة الطبية بصوت صفير حاد يملأ أرجاء الغرفة!
