رواية عناد الصقر الفصل الخامس
بعد ثلاثة أيام فى فيلا طارق كان الصمت يحكم البيت منذ زيارة كمال.
طارق لم يخرج من غرفة مكتبه، ونيرمين تبكي في صمت كل ليلة
وأيسل.. أيسل كانت تتظاهر بأن شيئاً لم يحدث. كانت تجلس في غرفتها ترسم تصميماً هندسياً لمشروع الكلية تحاول إشغال عقلها عن كل ما يدور حولها لكن..
فُتح باب غرفتها بدون استئذان. وقف طارق أمامها.. وجهه متعب، عيناه محمرتان من قلة النوم.. لكن في عينيه قراراً لا رجعة فيه
طارق بصوت ثابت .. أيسل احنا رايحين الأقصر بكره. سقط القلم من يدها.
أيسل بصدمة: - إيه؟! طارق بحزم غير معتاد: - اللي سمعتيه يا أيسل.. الحاج عثمان في المستشفى وحالته خطر..
ومهما اللي حصل بيني وبينه.. هو في الآخر الراجل اللي ربّاني بعد ما أبويا مات.. مقدرش أسيبه يموت وأنا مشوفتوش
أيسل وقفت... يا بابا! إنت نسيت إنه طردك؟! نسيت إنه عايز يجبرني أتجوز واحد ما أعرفوش؟!
طارق اقترب منها وأمسك كتفيها بحنان.... أيسل.. أنا مش هسمح لحد يجبرك على أي حاجة.. أنا وعدتك ووعد طارق لا يتكسر.. بس أنا محتاج أروح.. محتاج أقفل صفحة مفتوحة من 20 سنة..
ومحتاجك تكوني جنبي. نظرت في عينيه.. رأت فيهما الألم والخوف والحب.. كلهم في نفس الوقت. بلعت كلامها القاسي واستبدلته بتنهيدة عميقة
ماشي يا بابا.. هاروح معاك.. بس بشرط واحد
طارق: - إيه هو؟ أيسل بعناد ونار في عينيها ..محدش يقرر مصيري هناك..
لا جد ولا عم ولا حد اسمه زين.. أنا أيسل ومصيري بإيدي أنا بس.
ابتسم طارق ابتسامة حزينة وقبّل جبينها ...إنتي بنتي فعلاً.
« « « « « « « « « «
في مستشفى ألمانيا - عبر مكالمة فيديو كان زين جالساً في مكتب المستشفى الألماني المتخصص في جراحات القلب
ينتظر رأي الطبيب عبر الشاشة بعد إرسال تقارير جده. ظهر الطبيب الألماني على الشاشة وقال بلكنة إنجليزية
Mr. Radwan.. your grandfather's condition is serious but not hopeless. We can perform the surgery, but he needs to be stable for at least two weeks before travel. Any emotional stress could be fatal.
(حالة جدك خطيرة لكن مش ميؤوس منها. نقدر نعمل العملية بس محتاج يكون مستقر أسبوعين قبل السفر. أي ضغط نفسي ممكن يكون قاتل.)
أغلق زين المكالمة وأسند رأسه للخلف. "أي ضغط نفسي ممكن يكون قاتل".. يعني لازم ينفذ كلام جده.. على الأقل يظهر أمامه إنه موافق.. لحد ما يعمل العملية ويخف..
لكن....يتجوز فعلاً ؟! هو اللي حلف إنه عمره ما هيقرب من أي بنت بعد اللي حصله؟! هو اللي بنى إمبراطوريته على مبدأ إن القلب ده ..مقفول بالشمع الأحمر؟!
ضحك ضحكة ساخرة مريرة زين الرضوان يتجوز.. ده لو الدنيا اتقلبت.. رن هاتفه..
كمال. زين: - أيوة يا أبويا.. كمال بصوت فيه شيء غريب.. شيء بين الخوف والأمل
يا زين.. طارق.. طارق وافق ييجي الأقصر.. هو وبنته.. هيوصلوا بكره. صمت زين. كمال.... زين؟ زين بهدوء مرعب ... سمعت يا أبويا..
جهزوا السرايا... أغلق الخط. ونظر لصورة منعكسة له على شاشة اللاب توب المطفأ.. قال لنفسه بصوت كالرعد البعيد
بنت طارق.. اللي قالتلي في المول "أعمى".. اللي مخافتش من اسمي.. اللي فاكرة إنها تقدر تواجه زين الرضوان.. أغمض عينيه
خلاص.. أنا هستناكي في عقر داري.. وهناك.. هتعرفي يعني إيه "الصقر" لما يقرر يصطاد.
« « « « « « « « « «
في القطار المتجه للأقصر - صباح اليوم التالي طارق أصر إنهم يركبوا القطار مش الطيارة.. قال عايز يفتكر الطريق اللي مشيه من 20 سنة وهو ماشي بالعكس.
أيسل جالسة بجوار النافذة تشاهد الحقول الخضراء تمر بسرعة.. نيرمين بجوارها ممسكة يدها في صمت..
طارق مقابلهم يراقب الأرض اللي كبر عليها وهي تقترب. أيسل فجأة.... يا بابا..
طارق نعم.. أيسل بهدوء لا يشبهها.... هو شكله إيه..؟
طارق باستغراب... مين؟ أيسل اتلفتت بسرعة وقالت بلا مبالاة مصطنعة... لا ولا حد.. كنت بسأل عن.. عن النيل! شكله إيه النيل في الأقصر! هو أنا قلت حاجة تانية؟!
نيرمين ابتسمت.. وطارق رفع حاجبه.. لكن محدش علق. أما أيسل فأدارت وجهها للنافذة وهي تلعن نفسها ....أنا غبية.. غبية.. بسأل عليه ليه أصلاً! ما هو مجرد عم متكبر!
لكنها.. رغم كل شيء.. وجدت قلبها يدق بطريقة مختلفة.. لم تكن تعرف هل هو الخوف من المواجهة القادمة..أم شيء آخر.
« « « « « « « « « «
الأقصر - محطة القطار - الساعة الرابعة عصراً
نزلوا من القطار. هواء الصعيد ضربهم في وجوههم كصفعة ساخنة.
الشمس كانت تغرب .. وقف طارق على رصيف المحطة.. نظر حوله.. والذكريات انهالت عليه كالسيل. هنا.. على هذا الرصيف بالذات..
وقف قبل 20 سنة بشنطة واحدة ومبلغ صغير من المال.. وعيون جده الغاضبة تحرق ظهره وهو يمشي. نيرمين أمسكت يده بحنان .. أنا معاك يا طارق.. أما أيسل.. فوقفت تتأمل المكان بعينين واسعتين. لم تزر الصعيد من قبل أبداً. كل شيء مختلف.. الناس.. الهواء.. حتى لون السماء.
فجأة.. توقفت أمامهم سيارة سوداء فاخرة.. وفُتح الباب الخلفي.. نزل منها مروان بابتسامة مرحة لا تتناسب مع الموقف.... أهلاً وسهلاً! أنا مروان الألفي.. ابن عمتكم.. تقدروا تقولوا أنا "وزير الخارجية" بتاع العيلة
بيبعتوني في المهمات الصعبة! أيسل رغم توترها.. ابتسمت على خفة دمه. مروان أشار للسيارة.... اتفضلوا.. السرايا مستنياكم.. وجدو عثمان لسه في المستشفى بس إن شاء الله يتحسن قريب.
ركبوا السيارة.. وبدأت الرحلة نحو سرايا الرضوان.. وأيسل تنظر من النافذة.. لترى طريقاً طويلاً تحفه أشجار النخيل.. وفي نهايته.. سرايا ضخمة كالقصور.. محاطة بأسوار عالية.. وعلى البوابة الرئيسية.. لافتة نحاسية مكتوب عليها بالخط العربي
"سرايا الرضوان"
بلعت ريقها.. فُتحت البوابة الضخمة ببطء.. دخلت السيارة. وهناك.. عند مدخل السرايا.. كان يقف ..هو... واقف بجلبابه الأبيض الصعيدي.. وفوقه "سديري" أسود.. وعلى كتفه شال مطرز.. شعره الأسود مسرح للخلف.. وعيناه الرماديتان تنظران للسيارة القادمة كصقر يرقب فريسته من فوق الجبل.
زين الرضوان.
توقفت السيارة. فُتح الباب. نزل طارق أولاً.. ثم نيرمين.. وأخيراً.. نزلت أيسل. وللحظة.. التقت عيناها البنيتان بعينيه الرماديتين..
الفتاة التي صرخت في وجهه في المول.. والرجل الذي هددها بقطع لسانها.. وقفا يتواجهان أمام سرايا الرضوان..
وفي تلك اللحظة بالذات.. فهم زين كل شيء. عرفها. عرف أنها هي.. بنت طارق.. حفيدة جده.. عروسته .. التي يريد جده أن يزوجها له.. ضحك.. ضحكة باردة مخيفة هزت أركان المكان..
وقال بصوت سمعه الجميع
يا خبر أسود.. الطفلة بتاعت المول😂
اشتعلت عيون أيسل وقالت بتحدى ...والغبي بتاع الشارع😂 صمت الجميع في رعب.. إلا مروان الذي وقف خلفهم وقال بهمس
ياااه.. العيلة دي هتولّع!
