رواية جبروت جبل الفصل الرابع
الظلم نار بتاكل في روح المظلوم.. بس لو طالت الظالم، بتحرقه هو وكل اللي بناه في لحظة.
باب الأوضة الضلمة في بدروم السرايا اتقفل على ورد بصوت رزعته اللي رجت الحيطان، بس المرة دي الرجة مكنتش في الحيطان، دي كانت في قلب جبل اللي فضل واقف ورا الباب ثواني بيتنفس بصعوبة. إيده كانت قابضة على السلسلة الدهب وكأنها جمرة نار بتكويه.
نزل جبل المندرة وقعد لوحده.. السكون كان مميت، مفيش غير صوت أنفاسه الغضبانة. بص للسلسلة اللي نصها سايح من النار، وكلمة ورد بتتردد في ودانه: "أنا قلبي لسه لحم ودم".
عقله كان في صراع.. ورد اللي داوت جرحه الصبح وخافت عليه، معقول هي اللي تحرق شقاه؟ ورد الذكية اللي عيونها بتفضح كل حاجة، إزاي تسيب دليل إدانتها في مكان الحريقة بالغباء ده؟ السلسلة دي مقطوعة كأن حد شدها غصب، مش وقعت بالصدفة!
وقف جبل فجأة وكأن حية لدغته، الكبرياء كان عاميه بس عقله شغال مبيرحمش. نده بأعلى صوته:
- يا هريدي!
دخل الغفير وهو بيترعش:
- أؤمر يا كبير.
جبل مسكه من ياقته وعيونه بتطق شرار:
- الكلب اللي كان بيجري ناحية الجبل الغربي.. لو ملقتهوش قبل ما الشمس تطلع، هخلي السرايا دي مقبرتك أنت وكل الغفر.. غوووور لم الرجالة وهاتوهولي حي!
في الوقت ده، زهرة كانت فوق في أوضتها قاعدة مع أمها هنادي، بتضحك بانتصار وبتفرك إيديها:
- خلاص يا أما.. العقربة اتسجنت، وجبل شالها من عينه ومن قلبه.. السرايا دي بقت بتاعتنا، والجبل ملوش غير زهرة.
هنادي خبطت على صدرها بخوف مداري:
- اكتمي يا بت.. جبل لو شم خبر إنك ورا الحريقة دي هيعلقنا على باب النجع.. الكلب اللي أجرناه ده هج ومشي صوح؟
زهرة ضحكت بغرور:
- غار في داهية يا أما، أخد الفلوس واختفى.. اطمني.
عدت الساعات تقيلة وباردة. ورد في الأوضة الضلمة كانت قاعدة على الأرض، ضامة ركبها لصدرها من البرد. جسمها كان بيرتعش، بس عيونها كانت بتلمع بتحدي مش بكسرة. كانت بتدعي ربنا في سرها يظهر الحق، لأنها عارفة إن جبل لو فضل مصدق، دي هتبقى نهايتها.
قبل الفجر بساعة، باب السرايا الخارجي اتفتح ودخل هريدي ومعاه تلاتة غفر بيجروا وراهم راجل متلثم ومتبهدل طين وضربه مأثر في وشه. رموه تحت رجلين جبل في الحوش.
جبل وطى عليه زي النسر اللي بينقض على فريسته، شال اللثام من على وشه، وطلع سلاحه وحطه بين عينيه وقال بصوت واطي ومخيف:
- مين اللي دفعلك عشان تحرق مخازن جبل الهواري؟ ومين اللي إداك السلسلة دي ترميها في النار؟ انطق يا روح أمك بدل ما أخلي مخك يسيح على الأرض إهنه!
الراجل من الرعب اتبول على نفسه وصرخ:
- الأمان يا كبير.. الأمان وأنا أقولك على كل حاجة.. والله ما كنت أقصد، دي ست زهرة بنت خالك هي اللي أدتني صرة الفلوس.. وهي اللي شدت السلسلة من رقبة البنية الصبح وإدتني إياها وقالتلي ارميها وسط الرماد عشان التهمة تلبس فيها!
جبل حس إن الجبل اللي متسمي على اسمه اتهد فوق دماغه. الدم غلي في عروقه لدرجة إن عينيه احمرت كأن فيها دم. الغضب اللي جواه المرة دي مكنش نار، ده كان جحيم هياكل الأخضر واليابس. زهرة؟ بنت خاله ومن لحمه بتطعنه في ضهره وتلعب بشرفه واسمه عشان توقع بنت عمه اليتيمة؟
وقف جبل ورد سلاحه في جنبه، وبص لهريدي وقال بجمود مرعب:
- كتفوه وارموه في المخزن.. وحسكم عينكم مخلوق في السرايا يعرف إنه اتمسك لحد ما أدي أمري.
نزل جبل بخطوات سريعة ناحية البدروم. قلبه كان بيدق بندم لأول مرة يحسه في حياته. ظلمها.. قسي عليها وهي الوحيدة اللي قلبها كان عليه.
فتح القفل الحديد ورزع الباب.. لقى ورد قاعدة في الركن، بتترتعش زي العصفور المبلول، وشها شاحب بس عيونها لسه فيها كبرياء الهواري.
لما شافته، وقفت بضعف وسندت على الحيطة.. ملامحها كانت عتاب صامت بيجلد روحه.
جبل مقدرش يتكلم.. الكلمات هربت منه، لأول مرة كبير الصعيد ميعرفش يقول إيه. قرب منها بخطوات هادية، وبدون مقدمات مد إيده السليمة، ومسك دراعها برفق غير متوقع، وسحبها معاه لبره.
ورد بصتله باستغراب وهمست بصوت مبحوح من البرد:
- واخدني على فين يا جبل؟ رايح تقتلني وتغسل عارك الكداب؟
جبل بصلها بنظرة كلها حماية ونار في نفس الوقت ورد بصوت أجش:
- رايح أجيبلك حقك لحد تحت رجلك.. من اللي خلوكي تنامي ليلة في الضلمة.
بدأ جبل يطلع السلالم وورد وراه جسمها بيترتعش من البرد والخوف من اللي جاي.
في اللحظة دي، زهرة كانت خارجة من أوضتها تتباها، ولمحت من فوق "الراجل المأجور" متكتف والغفر بيسحبوه للمخزن. وشها جاب ألوان، وعرفت إن رقبتها طارت.. وإن جبل عرف كل حاجة.
الرعب عماها، مكنتش عارفة تعمل إيه عشان تشتت انتباه جبل وتخلي الراجل يهرب أو تخفي أي أثر. جريت زي المجنونة ناحية بهو السرايا، جابت جاز وكبته على كومة سجاد قديمة، ورمت فيها عود كبريت. الدخان الأسود بدأ يطلع ويملا المكان بسرعة يخنق الأنفاس.
وقفت زهرة على السلم تلطم وتصرخ بأعلى صوتها عشان تلم السرايا كلها.
