رواية جبروت جبل الفصل الخامس
الجبل لما بيضم، بيحمي من الطوفان .. ولما بيغضب، بيهد السرايا على اللي فيها.
لم تكن الصرخة التي شقت سكون السرايا وقت الفجر مجرد استغاثة عادية، بل كانت كنعيب غراب ينذر بخراب وشيك. صوت زهرة كان يحمل فزعاً مصطنعاً، يهدف لقلب الموازين وإثارة الفوضى قبل أن ينكشف المستور.
في تلك اللحظة الحاسمة، لم يتردد جبل ثانية واحدة. لم يلتفت لمصدر الدخان أو لصراخ المكر الآتي من الأسفل. عيناه كانتا مثبتتين فقط على "ورد".. تلك الفتاة التي كانت قبل ساعات تقف أمامه كالند للند، باتت الآن ترتجف كعصفور يتيم بلله مطر الشتاء القارس في زنزانة موحشة.
وبحركة خاطفة، حاسمة، لم يعهدها أحد من "كبير الهوارية"، خلع جبل عباءته الصوفية السوداء الثقيلة، وبسطها ليحتوي بها جسد ورد الهزيل. لم يكن يقيها من لفحة البرد فقط، بل كان يخبئها من قسوة العالم بأسره. جذبها بقوة نحو صدره العريض بذراعه السليمة، لتستند عليه. رائحته تغلغلت في أنفاسها، ولأول مرة، شعرت ورد أن الجبل الذي كان مصدر رعبها، أصبح هو حصنها وملاذها الوحيد.
هبط بها جبل درجات السلم كإعصار غاضب يقتلع ما يقف في طريقه.
بهو السرايا كان يغرق في سحب من الدخان الأسود الكثيف المتصاعد من كومة سجاد قديمة. نار مفتعلة.. نار خبيثة لا تهدف للحرق بقدر ما تهدف للتعمية والهروب. رائحة الجاز كانت تفضح اللعبة الدنيئة لكل ذي أنف.
وسط هذا المسرح الهزلي، كانت زهرة تقف تفتعل السعال وتصرخ بتمثيلية مفضوحة، بينما هنادي تلطم خديها وتولول بصوت عالٍ:
- يا مري.. السرايا بتتحرق.. إلحقونا يا غفر!
لكن جبل لم يركض هذه المرة لإطفاء النيران أو طلب النجدة. بل تسمر في منتصف السلم، وورد محتمية بظهره العريض وعباءته تلتف حولها. عيناه كانتا كالصقر الجارح، تمسحان المكان بنظرة ثاقبة كأنها شعاع يخترق ضباب الدخان الكاذب ويكشف النفوس السوداء.
صرخ جبل بصوت جهوري رجّ جدران السرايا، وأسكت عويلهم في ثانية واحدة:
- بطلوا عويل نسوان! اكتمي إنتي وهي! دي مش حريقة.. دي دخان بيعمي العيون عشان الحرامي يهرب.. بس الحرامي وقع، ومحدش سمّى عليه!
كلمات جبل نزلت على زهرة كالصاعقة. بهت لونها، وتصلبت أطرافها، وسقطت يد هنادي التي كانت تلطم بها إلى جوارها وكأن شللاً أصابها.
أشار جبل بيده، ليدخل "هريدي" ورجاله يسحبون الرجل المأجور الملطخ بالدماء والطين، ويرمونه كالكلب الأجرب تحت أقدام زهرة التي تراجعت للخلف وكأن عقرباً لدغها.
نزل جبل باقي درجات السلم بخطوات بطيئة، كل خطوة كانت تدق كمسمار في نعش زهرة. وقف أمامها مباشرة، وعيونه تشتعل بنار حقيقية تحرق أكثر من نار المخازن، وقال بنبرة هادئة لكنها تقطر موتاً:
- الراجل ده غنى وسمعني طرب يا بنت خالي.. قالي على الفلوس اللي دفعتيها من لحم عمك عشان تحرقي شقاه.. وقالي على السلسلة اللي سرقتيها من بنت عمك ورميتيها في النار عشان تلبسيها التهمة وتخرجيها من السرايا مكسورة.
هنادي حاولت تتدارك المصيبة، رمت نفسها تحت رجلين جبل وهي تبكي بدموع التماسيح:
- كداب يا ولدي.. الكلب ده كداب وعايز يتبلى على لحمك ودمك.. زهرة بتخاف من خيالها هتعمل إكده كيف؟
ركل جبل طرف جلباب هنادي ليبعدها عنه، وصرخ:
- الدم اللي يخون يتحلل كبه! خافت من خيالها؟ دي حية رقطة لفت حوالين رقبتنا وكانت هتقرص وتموت!
في هذه اللحظة، خرجت ورد من خلف جبل. كانت ترتدي عباءته الواسعة التي تكاد تبتلعها، لكن رأسها كان مرفوعاً للسماء. نظرت لزهرة نظرة خالية من الشماتة، نظرة مليئة بالشفقة والاحتقار، وقالت بصوت هادئ ومسموع:
- قولتلك الصبح.. النار لو زادت بتحرق الزرع والضرع.. وأنتي نارك كلتك يا زهرة قبل ما تطولني.
زهرة انهارت على الأرض تبكي برعب حقيقي هذه المرة، وهي تنظر لجبل تتوسل رحمته:
- سامحني يا جبل.. شيطان وعماني.. سامحني عشان خاطر صلة الرحم.
أغمض جبل عينيه لحظة، محاولاً كبح الوحش الذي يطالبه بقتلها الآن، ثم فتح عينيه وأصدر حكمه الذي لا رجعة فيه:
- صلة الرحم اللي قطعتيها بيدك ملهاش دية عندي.. من الليلة دي، إنتي وأمك ملكمش قعاد في سرايا الهواري.. هتتلموا في الدوار القديم اللي في آخر الأرض، لا تخرجوا منه ولا عين مخلوق تشوفكم.. واللي هيعتب بره الباب، هقطع رجله وأرميها للكلاب.. خدوهوم من قدامي مش طايق ألمح خيالهم!
صرخات زهرة وهنادي ملأت المكان وهم يسحبونهم الغفر للخارج، بينما وقف جبل يتنفس بصعوبة وكأن جبلاً انزاح عن صدره.
التفت جبل لينظر لورد.. الفتاة التي ظلمها، وسجنها، وشك فيها، ومع ذلك ظلت صامدة. اقترب منها، ولأول مرة، تلمع في عيني كبير الصعيد نظرة اعتذار وانكسار لم يرها أحد من قبل، وهمس بصوت لا يسمعه غيرها:
- حقك عليا يا بت عمي.. الجبل مال ووقع، بس أنتي اللي سندتيه.
ابتسمت ورد بوجع ممزوج براحة، وردت وهي تشد عباءته حولها أكثر:
- الجبل مبيقعش يا جبل.. بس كان محتاج يتغسل من التراب عشان يرجع يلمع من تاني.
هل ستنتهي مكايد زهرة عند الدوار القديم؟ وكيف ستكون شكل العلاقة بين جبل وورد بعد أن أصبح هو حاميها وأصبحت هي نقطة ضعفه الوحيدة؟
