رواية تلميذ الجن الفصل الثامن والخمسون بقلم جمال الحفني
رجعنا من سوق الجن بعد ساعات طويلة من المشي والغريب إن أول ما خرجنا منه بصيت ورايا ملقيتلوش أي أثر!
لا خيمة ولا مشعل ولا حتى آثار أقدام، زي ما يكون المكان كله ابتلع نفسه ورجع مجرد صحرا فاضية, بصيت لجرموق وسألته "إحنا خرجنا منين؟"
قال وهو مكمل طريقه "لو فضلت واقف تبص لورا أسبوع كامل، عمرك ما هتعرف منين دخلت ولا منين خرجت، السوق بيختار اللي يشوفه، ولما تمشي منه بينساك"
ساعتها بصيت للكتاب اللي كنت ضامه لصدري، وافتكرت إني دفعت فيه تلات سنين من عمري، ولأول مرة حسيت إن اللي في إيدي لازم يكون يستاهل العمر اللي راح, تلات سنين من العمر مش تمن قليل, جايز يكونوا هقضيهم في مرض مثلا من الأمراض اللي بتلازم الشيخوخة, وجايز اقضيهم في صحة وسعادة وسط أحفادي, أحفادي!
سألت نفسي ساعتها أنا ليه لحد دلوقتي متجوزتش؟
عشان يكون لي أحفاد لازم يكون لي أبناء!
مراتي هتوافق إنها تتجوزي حد زيي؟ ولا اتجوز عادي بدون ما احكيلها سري!
بس كدا هيكون خداع من البداية ووارد تعرف بعد شهر أو سنة من الجواز وتحصل مشكلة!
طب لو حكيتلها من البداية ووافقت, ممكن الجن يأذي حد من عيالي عشان ويهددني بيهم مثلا؟
أمواج من الأسئلة جات في بالي وخلتني اكلم نفسي في سري, نسيت أنا جاي منين ورايح فين, لحد ما انتبهت للكتاب الي في إيدي, لمست غلافه الجلد بإيدي، الجلد كان خشن ومتشقق من الأطراف، لكن كل ما ألمسه كنت أحس بدفء خفيف، كأن حد ماسكه قبلي بدقايق، مع إن البائع أكدلي إن آخر مرة الكتاب اتباع فيها كانت من عشرات السنين, حاولت أفتحه أكتر من مرة، لكن مرهوب كان كل شوية يقولي "استنى لما نرجع الكتب القديمة بتحب الهدوء"
كنت فاكره بيهزر، لكنه نبرته كانت فيها جدية خلتني أقتنع بكلامه وانتظر لحد ما اوصل لمكان هادي افتح فيه الكتاب..
رجعنا للمكان اللي سبت فيه العربية, ركبت ورجعت لمكان شغلي, القمر ليلتها كان واضح جدا والنجوم بتلمع وأغلب العمال ناموا بعد يوم طويل وشاق كالعادة, دخلت خيمتي وحطيت الكتاب على الطرابيزة الصغيرة بتاعتي، ولعت المصباح وقعدت قدامه كأني قاعد قدام صندوق كنز..
فتحت الغلاف الأول بهدوء، وأول حاجة خرجت منه كانت ريحة غريبة، الريحة دي عمري ما شميتها قبل كده، مكانتش زي ريحة ورق الكتب ولا المخطوطات القديمة اللي شوفتها في حياتي، كانت زي ريحة مكان مقفول من مئات السنين واتفتح، ريحة تراب وبخور، وحاجة تانية مش عارف أوصفهالكوا..
قلبت أول صفحة, اسم الكتاب مكتوب بخط كبير, جواهر البيان في تسخير الجان, ومكتوب تحت العنوان بخط صغير "نسخت هذه الأوراق عن أصل أقدم لا يعلم ناسخه"
وبعد كام صفحة بدأت ألاحظ حاجة غريبة! الكتاب كله مكتوب بخط واحد، منظم وجميل، لكن الهوامش كانت مليانة كتابات بخطوط مختلفة، مرة الخط رفيع ومرة عريض، ومرة الحبر أسود ومرة بني باهت، كأن الكتاب فضل يتنقل بين ناس كتير، وكل واحد فيهم ساب أثره قبل ما يسيبه للي بعده..
"يا ترى الكتاب كان بينتقل من شخص للتاني إزاي؟" سألت نفسي..
وقفت عند أول تعليق مكتوب في الهامش, كان بخط صغير جدا لدرجة إني قربت المصباح من الكتاب عشان اعرف اقراه, كان مكتوب "من نقل هذا الباب أخطأ في السطر السابع والكلمة الصحيحة هي العهد وليس الوعد, وقد دفعت ثمن هذا الخطأ سبعة رجال"
سرحت مع الجملة شوية بعدها لقيت نفسي بروح للسطر السابع وأقارن بين الكلمتين واشوف أنهي واحده الصح فيهم, وقتها حسيت إن التعليقات اللي في الهوامش جايز تكون أهم من الكتاب نفسه, لأنها أكيد بتحكي تجارب اللي اتعاملوا مع الكتاب وطبقوا الموجود فيه..
كملت تقليب، وبعد عشر صفحات تقريبا لقيت تعليق تاني، لكن الحبر كان أغمق، والخط مختلف تماما عن التعليق الأول، وكأن اللي كتبه كان مستعجل، قريت مكتوب
"لو كنت تقرأ هذا الكتاب بعد سنة ثلاثمائة، فلا تبحث عن البئر المذكورة في الفصل الثامن ’لقد سبقوك إليها، وما بقي فيها لا يصلح للبشر ولا للجان"
ضحكت بيني وبين نفسي وقلت اللي كتب التعليق ده كان فاكر إن حد هيقرأ كلامه بعد مئات السنين فعلا, لكن وأنا بقفل الصفحة، وقعت عيني على تاريخ صغير جدا مكتوب تحت التعليق, لو التاريخ ده صح يبقى الراجل اللي كتبه مات من أكتر من ألفين سنة!
حواجبي اترفعت غصب عني من الدهشة..
كملت تقليب وأنا ببحث عن الهوامش اللي الناس كاتباها وطنشت الكلام الأصلي الموجود في الكتاب..
قريت تعليق كمان عجبني بيقول:
"الكاتب بالغ في وصف قبيلة السمران، وقد جاورتهم سبع سنين، فما رأيت منهم ما ذكر"
ابتسمت غصب عني وقولت حتى في كتب الجن فيه ناس بتصحح للمؤلف!
بعد كام صفحة لقيت كلمة متشطبة عليها بعنف، وتحتها مكتوب
"إن قرأت هذا الباب ولم تفهمه فلا تحاول تطبيقه, لقد ظننت أني فهمته وكانت تلك اّخر ليلة"
الجملة كانت قصيرة، لكنها خلتني أقفل الكتاب للحظة, وتساءلت..
مين الراجل ده؟
وإيه اللي حصله بعد الليلة دي؟
حاولت اتناسى الموضوع وكملت تقليب في الكتابة لحد ما حصلت حاجه عجيبة جدا, فجأة وأنا بقرا في باب مواثيق القبائل حصلت لمعة كدا في الصفحة وبدأ كلام يظهر وهو بيتكتب كلمة كلمة, الكلام مكانش موجود من البداية ولما وقفت على الصفحة بدأ يتكتب كأنه يقصدني أنا, أو اللي كتبه كان شخص قوي ووسمه بطلسم إنه ميظهرش غير لشخص قوي زيه, لأنه بالمنطق مستحيل يكون قاصدني أنا بالذات!
بدأت أقرا الكلام وهو بيتكتب كلمة كلمة
"شهدتُ بنفسي سجن الجني المسمى سلهب، وجُعل قبره في الجبل الذي لا تشرق عليه الشمس، فإن تبدلت أحوال القبائل، فلعله أحق بالخروج ممن حبسه"
حطيت علامة على الصفحة دي ورجعت أقلب الصفحات بسرعة يمكن ألاقي اسم سلهب في أي مكان تاني، أو حتى إشارة للمقبرة دي، لكن ولا كأن الاسم اتكتب في الكتاب قبل كده!
قلبت من الأول للآخر وأنا ببحث بعيني بسرعة، ورجعت من الآخر للأول، مفيش أي ذكر ليه, كأن اللي كتب التعليق ده كان متعمد يسيب رسالة لشخص هيجي بعده، مش مجرد يصحح معلومة في الهامش!
قفلت الكتاب وأنا سرحان, وقولت لنفسي لو سلهب دا كان خطر للدرجة اللي تخلي القبائل كلها تحكم عليه بالسجن الأبدي، ليه محدش خصص له ولو سطر واحد في الكتاب؟ ولو كان مجرم فعلا ليه صاحب التعليق ختم كلامه بالجملة دي؟
