رواية تلميذ الجن الفصل التاسع والخمسون 59 بقلم جمال الحفني

 

 


رواية تلميذ الجن الفصل التاسع والخمسون بقلم جمال الحفني




فتحت الكتاب مرة تانية يمكن ألاقي معلومة تدلني على مكان سلهب أو معلومة تعرفني طبعه أو قبيلته أو أي حاجة عنه, عقلي كان رافض إن المعلومة دي تكون الوحيدة من نوعها ومش مربوطة بأي معلومة تاني جوه الكتاب, وبالصدفة الكتاب اتفتح على نفس الصفحة اللي قفلته عليها واتفاجئت لما لقيت الجملة اتغيّرت! 

"شهدتُ بنفسي سجن الجني المسمى سلهب، وجُعل قبره في الجبل الذي لا تشرق عليه الشمس، وأُخذ علينا العهد ألا يُرفع عنه الختم ما دامت القبائل على عهدها, فإن جاء زمان تبدلت فيه الأحوال، واختلفت فيه كلمة القبائل، فلعل سلهب أحق بالخروج ممن حكموا عليه" 

قريت الجمل الأخيرة اللي اتبدلت, قريتهم أكتر من مرة وفي كل مرة كنت بكتشف حاجه جديدة, أولا مفيش مانع لو قدرت احرر سلهب, ثانيا أكيد اتظلم أو كان ضحية خطأ مش مقصود وإلا الكاتب مش هيحاول ينصفه, ثالثا والأهم إنها مغامرة جديدة بالنسبالي ولازم أخوضها..

قعدت على الكرسي وأنا حاطط الكتاب قدامي، وبقيت أقلب الصفحة اللي فيها التعليق يمين وشمال, الخط كان قديم، والحبر باهت، لكن الغريب إنه مختلف عن كل التعليقات اللي قبله, ده مش خط واحد كان بيصحح معلومة أو بيعترض على المؤلف, ده خط واحد كان بيحاول يسيب شهادة..

قفلت الكتاب بهدوء وأنا لسه باصص على الهامش، وحسيت إني لو فضلت أقراه ألف مرة مش هفهم هو مين اللي كتب الكلام دا؟ ومين سلهب؟ وفين مكان؟

فضلت ساكت شوية وبعدين استدعيت جرموق، ظهر قدامي وهو بيتمطى وسألني وهو مبتسم " لحقت تخلّص الكتاب في ساعة؟" 

مقولتش حاجة، مدّيت الكتاب ناحيته وقلتله,اقرأ الهامش ده..

 أخده مني وهو مش مهتم، لكن أول ما عينه وقعت على اسم سلهب، الابتسامة اختفت بالتدريج من على وشه وعينه بتتحرك بين باهتمام..

فضل واقف مكانه شوية، بيقرأ السطور ببطء، وبعدها رجع يقراها من الأول مرة تانية، كان واضح إن الخبر مفاجئ ليه, وإنه يعرف الحادثة دي ويمكن كان شاهد عليها زي الراجل اللي كتبها..

في اللحظة دي ظهر مرهوب، وبمجرد ما شاف وش جرموق عرف إن فيه حاجة مش طبيعية، قرب منه وخطف الكتاب من إيده وهو بيسأله "مالك؟"
لكن جرموق مردش...

 مرهوب بدأ يقرأ الهامش، وكل ما ينزل بعينه سطر، ملامحه كانت بتتغير هي كمان، ولما وصل لآخر جملة قفل الكتاب مرة واحدة وحطه على الترابيزة وقال وهو باصص لجرموق 
"أنا افتكرت إن كل النسخ اللي مذكور فيها سلهب ده اتحرقت!"

 جرموق هز راسه وقال بهدوء "واضح إن دي كانت آخر نسخة"

بصيتلهم بعد ما بدأت أفقد صبري وقلتلهم هو أنتوا هتفضلوا تتكلموا بالألغاز؟ مين سلهب ده؟

 الاتنين سكتوا، ولا واحد فيهم رد..

 كررت السؤال تاني، بس المرة دي بصوت أعلى، لكن جرموق هو اللي اتكلم أخيرا وقال

 "فيه أسماء في عالمنا، مجرد إنك تعرفها بيخليك طرف في حكايتها، وسلهب واحد من الأسماء دي" 

استغربت وسألته يعني إيه الكلام ده؟ هو جني ولا ملك ولا إيه بالظبط؟

مرهوب رجع خطوة لورا وهو بيبص من باب الخيمة وقال 
"كان جن, لكن مش زي باقي الجن" 

حسيت إن كلامهم بيزود الغموض بدل ما يكشفه, فتحت الكتاب من تاني على نفس الصفحة، يمكن ألاقي حاجة جديدة ظهرت، أو حتى كلمة اتغيرت زي اللي حصل أول مرة، لكن الهامش كان زي ما هو, نفس السطور، نفس الحبر الباهت، ونفس اسم سلهب اللي بقى عامل زي الشوكة في دماغي..

 فضلت أبصله شوية، لحد ما لفت نظري إن آخر نقطة في آخر سطر مكانتش نقطة عادية، كانت أكبر من باقي النقط بشوية، كأن اللي كتبها ضغط بالقلم زيادة عن اللزوم, قرّبت الكتاب من وشي، ومديت صباعي ألمسها، لكن قبل ما أوصلها، جرموق مسك إيدي بسرعة وقالي "اوعى"

بصيتله باستغراب وقلت, إيه؟
قال وهو لسه ماسك دراعي "دي مش نقطة, دا ختم"
مرهوب قرب هو كمان، وقعد يبص في الصفحة ثواني،  وهز راسه تأكيدا على جملة جرموق الأخيرة..

قلتله بعد ما بدأت أتوتر, يعني إيه ختم؟
جرموق ساب إيدي، وأخد نفس طويل، وقال "اللي كتب الهامش مكانش بيسيب شهادة وبس كان بيسيب مفتاح, محدش يقدر يشوفه غير اللي الكتاب اختاره"

أنا استغربت وسألته "يعني الكتاب اختارني أنا؟"

هز كتفه وقال "معرفش, الكتب القديمة مبتجاوبش على الأسئلة"

مديت إيدي تاني ناحية الصفحة، المرة دي جرموق مسكهاش، أول ما طرف صباعي لمس النقطة، حسيت بحرارة خفيفة طلعت من الورق، وبعدها النقطة بدأت تكبر قدام عينينا، والحبر انتشر ببطء، مش بشكل عشوائي، كان بيرسم خطوط دقيقة جدا، لحد ما ظهر شكل دائرة، وفي نصها رمز غريب، وتحت الرمز اتكتبت جملة مكانتش موجودة من ثواني

من أراد أن يبلغ مقبرة سلهب، فليحمل الكتاب معه، وليقف عند أول جبل يسبق شروق الشمس، ثم يقرأ العهد ثلاث مرات، فإن كان صادق النية أُزيح عنه الحجاب

سكتنا إحنا التلاتة, ولا واحد فينا نطق
 
أنا أول واحد كسر السكوت، بصيت ناحية جرموق وقلت "يعني المقبرة لسه موجودة؟"

مرهوب رد قبل ما جرموق يتكلم.

"المقبرة موجودة, لكن محدش يعرف يوصلها"
ابتسمت وأنا بقفل الكتاب وقولت, يبقى نجرب!
 
جرموق بصلي نظرة طويلة، النظرة دي أنا عارفها كويس، نفس النظرة اللي كان بيبصهالي كل مرة أقرر أعمل حاجة هو شايف إنها هتوديني للهلاك..
  
 
قال وهو بيبصلي نظرة طويلة
 "أنا مش هقولك متروحش لأن لو الكتاب اختارك يبقى فيه سبب، لكن اعرف إن الطريق اللي هتمشي فيه ده محدش من الجن اللي عايشين النهارده يعرف نهايته"

استغربت من كلامه وسألته يعني إيه محدش من الجن يعرف نهايته, أمال ليه كل التحذيرات دي كلها والخوف اللي بتحاولوا تزرعوه فيا, انتوا مش عارفين اسم سلهب وقصته وإن له مقبرة محبوس فيها؟

هز راسه بالنفي وقال "إحنا نعرف الحاجات دي ونعرف المقبرة ونعرف إنها موجودة ونعرف اسم الجبل, لكن الطريق ليها عمره ما كان ثابت, المقبرة كانت بتتنقل من مكان لمكان كل كام سنة، ودا مش بإرادة حد, دي كانت واحدة من الأحكام اللي اتحطت عليها يوم ما اتقفل بابها, علشان كده محدش قدر يوصلها من وقتها، وحتى اللي كان يعرف مكانها وميعرفش يفتحها لما يرجعله بعدها بسنين، يلاقي المكان فاضي كأن المقبرة عمرها ما كانت هناك!" 

بصيت للكتاب اللي في إيدي وقلت أمال الجملة اللي ظهرت دي معناها إيه؟

جرموق مد إيده وخد الكتاب، وقربه من وشه وهو بيقرأ السطور مرة كمان، وبعدها قال بهدوء 

"معناها إن اللي كتب الهامش كان أذكى من اللي حكموا على سلهب, هو عارف إن اليوم ده هييجي، وعارف إن هييجي شخص قوي هيحاول يعرف الحقيقة بنفسه، علشان كده ساب مفتاح الوصول جوه الكتاب"

مرهوب ابتسم, والاندفاع والتهور اللي متعود عليهم منه شوفتهم بيلمعوا في عينه وهو بيقول "واضح إن رحلتنا الجاية اتحددت" 


تعليقات