رواية جبروت جبل الفصل السادس
شمس الصعيد طلعت على نجع "الهوارية" كأنها بتغسل السرايا من هباب الليلة اللي فاتت. السكون كان مالي المكان ..... سكون نضيف، مفيش فيه همس الحيات ولا خطاويهم المسمومة.
في الجناح اللي كان مقفول من سنين، فتحت "ورد" عينيها. جبل أمر الغفر ينضفوه عشية وينقلوها فيه، الجناح ده مكنش بيدخله غير "ست الدار".
قامت ورد من على السرير وبصت للعباية الصوف السودا بتاعة جبل اللي كانت متغطية بيها. مسكت العباية وشمّت ريحتة اللي فيها، وابتسامة خفيفة، مكسورة بس دافية، اترسمت على شفايفها. الجبل اللي كان هيهرسها امبارح، هو نفس الجبل اللي حماها بعبايته.
في الحوش بره، كان "جبل" واقف وسط الرجالة كالعادة، هيبته تزلزل الأرض، وعصايته الأبنوس في إيده بيشاور بيها للغفر والعمال اللي بينضفوا بقايا المخزن المحروق.
- الرماد ده يتشال قبل ما الشمس تتعامد على الروس! والخشب المحروق ده يترمي بره البلد.. مش عايز ألمح أثر للي حصل عشية، خابرين ولا لاه؟!
صوته كان رعد، والكل بيهز راسه بـ "أوامرك يا كبير".
دخل جبل المندرة عشان يستريح شوية وياخد قهوته، بس اتفاجئ لما لقى "ورد" داخلة وراه، شايلة صينية الفضة وعليها فنجان القهوة المظبوط بتاعه، وكوباية مية ساقعة.
جبل عقد حواجبه، وقام وقف، وراح ناحيتها بخطوات واسعة، أخد الصينية من إيدها وحطها على الطبلية بعصبية مكتومة وقال:
- إنتي بتعملي إيه إهنه؟ أنا مش قولت لـ "نعمة" الشغالة هي اللي تخدم؟ مكانك مبقاش في المطبخ يا ورد.. إنتي ست الدار دي، ومقامك فوق الروس، الخدم هما اللي يخدموكي مش العكس.
ورد رفعت عينيها اللي بتلمع بذكاء وبصتله بثبات وقالت بصوتها الهادي:
- ست الدار مقامها بيكبر لما تخدم ناسها وراجلها يا ولد عمي.. أنا ميهمنيش القعاد في الجناح الشرقي ولا لبس الحرير، أنا يهمني إن اللقمة اللي تاكلها والقهوة اللي تشربها تكون من إيد تتمنالك الخير، مش إيد ترشلك فيها السم.
الكلمة ضربت في وتر حساس جوا جبل. افتكر خيانة زهرة، وافتكر إزاي ورد هي الوحيدة اللي قلبها كان صافي. اتنهد تنهيدة طويلة طلعت من أعماق صدره، ومد إيده في جيب جلبابه، وطلع حتة قماشة قطيفة صغيرة لونها أحمر.
فتح القماشة بالراحة، وكانت جواها "السلسلة الدهب" بتاعتها.. بس مكنتش محروقة زي امبارح، جبل خلا الصايغ في الفجرية ينضفها ويلمعها ويردها كأنها لسه طالعة من سكتها.
مد إيده وحط القماشة بالسلسلة في كف ورد، وقفل صوابعها عليها برفق غريب على إيد خشنة زيه، وقال وعينيه في عينيها:
- السلسلة دي مكانها في رقبتك.. مش في النار. والليلة اللي نمتيها في الضلمة بسبب غبائي، هعوضهالك نور يغطي الصعيد كله.. حقك عليا يا وردتي.
ورد قلبها دق بسرعة وكأنه هيطلع من ضلوعها. دي أول مرة جبل ينطق اسمها بالطريقة دي.. "وردتي". حست بوشها بيسخن، ونزلت عينيها في الأرض بكسوف لأول مرة، وشدت السلسلة على صدرها كأنها بتحضن روحه.
على الجانب التاني، وفي أطراف الأرض الزراعية، كان "الدوار القديم" عبارة عن خرابة. ريحة التراب والكمكمة مالية المكان، والحيطان مشققة.
هنادي كانت قاعدة على حتة حصير مقطوعة، بتندب حظها وتدعي على ورد، بينما زهرة كانت واقفة قدام مراية مكسورة، بتمسح وشها اللي بهدله الطين والعياط.
سكتي يا أما بطلي نواح زي البوم! (صرخت زهرة بغل
هنادي لطمت على صدرها:
- أسكت كيف يا مقصوفة الرقبة؟ طردونا زي الكلاب الجربانة.. جبل رمانا ومسح بينا الأرض عشان حتة بت يتيمة لا راحت ولا جت
زهرة لفت لأمها، وعينيها بتطق شرار أسود، وابتسامة شيطانية شقت وشها وقالت:
- جبل فاكر إنه كسرني.. وفاكر إنه قفل عليا الباب إهنه عشان أموت بحسرتي.. بس هو نسي إن الحية لما بتتحبس بتعض في اللي حواليها لحد ما تطلع سمها
هنادي بصتلها باستغراب:
- ناوية على إيه يا مصيبتي؟ إحنا متراقبين ومحدش يقدر يوصلنا
زهرة قربت من أمها وهمست بفحيح:
- جبل قوي.. ومحدش في النجع يقدر يقف قصاده.. إلا واحد بس.. واحد كاسر عينه التار، وجبل طرده من خمس سنين من البلد.. "دياب الهواري".. ولد عمنا التاني.
هنادي شهقت وحطت إيدها على بؤها:
- يا مري! دياب؟ ده جبل حالف لو لمح طيفه في النجع ليفرغه من دمه!
زهرة ضحكت بشر:
- وماله.. خلي الدم يوصل للركب.. هبعت لدياب مرسال في السر، وأقوله إن جبل غافل ومفيش وراه غير حتة بت.. ولما دياب يرجع.. جبل هيتشغل في دمه، وساعتها السرايا هترجعلي، وورد دي أنا اللي هرميها للكلاب تاكل لحمها.
في السرايا، جبل كان خارج من باب المندرة، بس وقف فجأة ولمّ الغفر كلهم حواليه.
وقف بشموخه المعتاد، ورفع صوته اللي خلى الطير يطير من على الشجر:
- اسمعوا ياد منك ليه! من النهاردة، كلمة "ست ورد" هي كلمتي.. اللي تأمر بيه يتنفذ قبل ما يرتد طرفها.. واللي يرفع عينه فيها، أو يكسرلها كلمة، هعتبره كسر كلمتى أنا، وساعتها ملوش عندي غير قطع رقبته.. مفهوم؟!
الرجالة بصوت واحد يهز الأرض:
- مفهوم يا كبير!
ورد كانت واقفة ورا شباك المندرة العالي، سامعة كلامه، وشايفة ضهره اللي عامل زي الجبل الحقيقي. لأول مرة تحس إنها مش وحيدة في الدنيا.. ولأول مرة تحس إن النار اللي جوا جبل، ممكن تكون أدفى مكان في العالم.
هل زهرة هتقدر توصل مرسالها لـ "دياب"؟
ولما "دياب" يرجع النجع.. إيه اللي هيحصل بينه وبين جبل؟ وهل ورد هتكون نقطة ضعف جبل ولا سر قوته في المعركة اللي جاية؟
