رواية دكة السادة الفصل الخامس 5 بقلم فطمة محمد علي النعيمي

 

 

 

 


رواية دكة السادة الفصل الخامس بقلم فطمة محمد علي النعيمي




عطا العلي وهيلة

في بادية الشام.......

في احد الليال الشتوية من أواخر العام 1914
دخل عطا الى والده الحاج علي
ذلك الرجل الذي كان اصغر اخوته السبعة
لكنه كان الحكيم الذي يأمر الجميع فيطيعوه بلا نقاش
لشدة ذكائه وصواب حكمته وحبه الكبير لأخوته

حين دخل عطا على أبيه 
كان مرتباكا 
فسأله والده الذي كان يلتف بفروة من جلد الخراف الصغيرة
ويتكيء على وسادة من الصوف قرب مدفأة الخشب
التي لم يكن يمتلكها الكثير من الناس في ذلك الوقت،
غير ان اسرة الحاج علي كانوا من ذوي المال والحلال
قال الحاج علي

-خير ياعطا اش عندك من المشاكل هاليوم؟

بعد تردد وارتباك
أخبر عطا والده انه يريد الزواج من ابنة عمه هيلة
ذهل الاب لهذا الطلب واعتدل في جلسته
وقال بحدة مقنعة باللطف
-يا أبني نحنا عرب عدنا اصول واعراف مانتعداها
وهيلة خطبها أبن عمك ابراهيم
وعمك ابراهيم اكبر الاخوان يحقلو يحير ومايتحير عليه
وهو خطب هيلة لولده ساري گبلگ 
اشلون اخطبها اشلون انت تفكر بيها 
والبارحة گضبنا عجدها على ابن عمك
انت اشبيك البنية راحت لقسمتها
وانتهى الموضوع
عندك خضيرة اختها اروح اخطبها لك ؟

لم يستطع عطا ان يقول لوالده الحقيقة
وقال بتذمر

-يا ابوية اني اريد هيلة من لمن چنا زغار
وچم نوبة گتلگ اخطبها وانت ماگبلت،

هنا صرخ به ابوه بعنف وقال منفعلا

-اشلون اخطبها وهي من لما چانت باللفة 
وهي مسمية لساري ابن عمك ابراهيم
بس انت يعطا والله وبالله وتالله فلا ردت هيلة
الا عبنها مسمية لساري
تدري ليش؟
عبنك دني نفس وماتحب غير الحاجة الي بيد غيرك
واشلون اخطبلك ها ؟
وانت من لما وعيت عالدنيا
لو بايگ نعجة وذابحها بالبرية
وماچلها مع ربعك الخايسين
لو تسطي على بيت واحد من عمامك وتبوگ فلوسو
لو جايني واحد من أهل الجرية يهددني انو راح يذبح
اذا شافك يم بيتو او تحچي مع بنتو
لو مسويلك مكسورة مع بنية واني اروح اطمطم
وراك
نسيت وردة يعطا؟
نسيت اش سويت بيها؟

الي يحب بنت عمو ما يومية عندو رفيجة شكل
هم ضلت بنية لو حرمة متزوجة وانت ماتحارشت بيها
وآني وعمامك نركض وراك
ناس نسكتها بفلوس وناس نسكتها بجاهنا=وجاهتنا
وحت عمامك ماسلمو منك ومن أذاك
انت يعطا مالك حل غير اني اطردك من الجرية
بلچي الطرد يسويك ادمي
عمامك لو ما لخاطري يمچن چان اذبحوك من زمان
بس ترى يعطا اني مو دايملك
روح تعلم من اخوتك زيد ونواف اشلون تصير خوش ازلمة مثلهم
أنت على منو طالع ها؟
والله نحنا خوش ناس ومستورين وماذكر احد من كبارنا
انو طلع عدنا واحد خايس مثلك
گوم اطلع من جدامي گوم انعل ابو شاربك،

لم يكن الاب يعلم ان عطا قد اقنع هيلة بأنه يعشقها هي ورغم سمعته السيئة
بادلاته العشق بعشق اعمى
وهامت به حد الجنون
وان هيلة حين تم عقد قرانها لابن عمها أمس
ركضت الى عطا تطلب منه ان يتحرك بسرعة
وحين اخبر ابوه كان هذا رد الحاج علي،

خرج عطا غاضباً وهو يردد
بصوت مرتفع

-أگلو اخطبلي هيلة يگلي اخذ اختها خضيرة
حواووين احنا عدكم حوواين مو؟ ،

هز الاب راسه اسفاً وهو يحوقل واخذ يفكر
ماذا عساه ان يفعل مع هذا الولد الذي اهلكه
هما وحزنا،

خرج عطا وهو يفكر ماذا سيفعل
وكيف سيحل هذه المعضلة ويستطيع أن يحصل على هيلة
وما ان غادر البيت حتى ذهب 
الى الدرب الذي يمر خلف بيت هيلة
وكالعادة مد عصاه داخل تلك الكوة الواقعة في نهاية دام
هيلة وطرق بالعصا على صندوق ثيابها 
وتلك هي الاشارة التي تجعل هيلا تهرول
الى المخبأ الذي كانا يلتقيان فيه
والذي كان عبارة عن غرفة صغيرة من الطين مهجورة
بعد ان مات النحل الذي كانت خلاياه تزدحم على الجدران قبل عام ولم تزل رائحة شمع العسل عالقة على جدران هذه الغرفة تلك الرائحة التي تجمع رائحة الحقول
كلها لتخلق مزيجا دافئا تشعر بحلاوته من خلال انفك

جلسا سوية على كومة قش كانت هيلة قد وضعتها هناك كي تكون مكان مريح لجلوسهما

وانطلقا يفكران كيف سيقنعون الجميع بحبهم
وبعد الكثير من المناقشات والكثير من اللماسات،

قالت هيلة:

-اسمع يعطا خل ننهزم نروح لاي ديرة ونتجوز
وعود من يصير عدنا جهال نرجع وكلشي ماراح يگدرون يسوون
فكر عطا بالفكرة وقال:
- يهيلة ابوية وعمامي سبعة كل واحد منهم مخلف ثنين وثلاثة واربعة عدا ابوچ الي عندو بس محمد
بالقرعان الا يدورون علينا بكل مچان ويذبحونا
بعدين اشلون نگضب عجد وانتي مگضوبة عجد لساري؟
لازم ساري يطلگچ اول شي،

سكتت هيلة وهي تفرك يد بيد لتدفىء اصابعها وتهدي اعصابها المشدودة
هنا ......
قال عطا:
-اسمعي يهيلة باچر اروح لساري واگعد احچي معاه
بلچي الله يهديه ويعوفچ نحنا أول وتالي واليد عم 
واظن راح يساعدنا شتگولين؟

ردت هيلة بتوتر وهي خائفة وقالت:

-لا يعطا انتي ماشفت ساري البارحة
لمن فات عليا جايب مهري وكت عجدو العجد
شاورني وگلي اني وانتي سوا للموت
بالقرعان فلا يتنازل عني بالساهل ،

خيم الصمت عليهما كل واحد منهما يفكر بحل لهذه المصيبة
اخيرا بدا على عطا الفرح وقال بلهفة:

-اسمعي هيلة ماكو حل غير اني انام معاچ
وبهل حالة راح يعوفچ ساري وغصبا عنو
عبن ماكو رجل يگبل ياخذ مرا مو بنت
و راح يگبلون
انتزوج حتى لاينفضحون
بالتالي نحنا واليد عم وسمعتچ سمعتنا كلنا

توقفت هيلة لحظات تفكر وهي خائفة من هذا القرار
لكنها كانت صغيرة كانت في السادسة عشر من عمرها
لم تدرك مطلقا حجم الكارثة
اطاعت ابن عمها
و استسلمت له
وغرقا في المهانة
و لم يعد اي واحد منهما يفكر بحلول
فالدافع الذي كان يدفعهم للبحث عن حل قد اختفى،

كان موعد زفاف هيلة لابن عمها في الربيع القادم اي بعد ثلاثة اشهر

وكانا قد اقنعا نفسيهما انهما سيسكتان حتى موعد الزفاف
ويخبرو اهلهم على نطاق ضيق بما حصل
وسيسعى الاهل الى لف الموضوع واخفاء ما جرى
ويزوجوهما وينتهي كل شيء
ولكن.....
بعد شهر أو اكثر بقليل
شعرت هيلة بوجع في بطنها وغثيان 
ومع جميع محاولات العلاج الشعبي الذي جربته امها
لم ينفع اي شيء
فاضطر اخوها محمد وأمها الى اخذها الى اقرب طبيبة شعبية كانت في قرية قريبة من قريتهم
لعلاجها
لكن الاخ والام ذهلا حين خرجت الطبيبة وقالت لهم 

-مبارك عليكم حرمتكم مثگلة

حينها توقف الزمن عند الأخ ونظر الى امه التي غرزت اظافرها في خديها وخرطت الجلد كله لهول المصيبة
خرجت هيلة وهي لاتعرف اصلا بماحصل
نظرت الى وجه امها الممزق ووجه اخوها المذهول وفهمت كل شيء
وتملكها الرعب الذي سحب الدم من وجهها وبلحظة واحدة بدت كالأموات

أما الاخ
خرج صامتا لكن وجهه كان كقطع من الليل العتيم
اخذ اخته وأمه ورجع لقريته
كانت هيلة تبكي بصمت وترتجف لصمت اخيها
وتنظر لأمها بين لحظة واخرى كأنها تستنجد بها
وهم يركبون البغال

والأم تلطم وتبكي وتحاول ان تفهم من محمد ماهي نيته
حين كانت تساله بين لحظة واخرى
بصوت باكي:

-يمحمد اش راح نسوي
بس رد عليا يمحمد خلي نگول لابوك ونشوف رايو

لكن محمد كان ينعي كرامته بصمت 
اخته شرفه سمعته بين الناس
اُنتهِكت
ويدور في رأسه سؤال يتكرر ويدق في راسه
كدق القهوة في الهاون
دق منتظم يحطمه شيء فشيء
من الذي فعلها؟!!!!
من الذي تجرأ عليهم؟!!!!
من ذاك الذي لم يقف بوجهه رجولة اكثر من ثلاثين رجل من اهله؟!!!
من ذا الذي لم يراهم رجال؟!!
وكان محمد واعمامه وابناء اعمامه اهون عنده من ذبابة؟

لم يتكلم كان كأنه يفكر
لكنه في الحقيقة
كان يذبحها بكل خطوة تخطوها البغال الف مرة
وفي كل طريقة ذبح كانت تخطر بباله
يتمنى لو ان اخته تملك الف روح ليزهقها تباعاً

ويتخيلها وهي تموت تنزف دمائها لتطفي تلك النار التي شبت به عند باب الحكيمة
لم ينظر لها ولا الى أمه كان ينظر فقط لعرف بغلته
الذي كان يهتز برتابة تسحق اعصابه سحقا

حين توغلوا في البرية راجعين
عرج محمد عن الطريق ومال بأتجاه طريق الجبل

فهمت الأم سبب تحويل الطريق
نادته عدة مرات بتوسل قائلة:

-يمحمد يبوي رد عليا واسمعني
خل نصل البيت ونشوف راي أبوك ،

لم يلتفت محمد كانه اصبح من صخر
سار قدر ساعة حتى ارتقى الجبل 
حينها
نزل الاخ من على ضهر دابته 
والتفت الى أخته التي تجمدت في مكانها
ومالت بجذعها لتنام على ضهر البغل ممسكة بعرفه
كأنها تتمنى ان تلتصق بالبغل
لكن اخاها
ذهب اليها وأنزلها من فوق الدابة 
بهذه اللحظة الرهيبة.....
حين انزلها كانت ثيابها تقطر بولا
من هول ما ينتظرها وأنها حقا مقبلة على الموت
بطريقة بشعة

اجلسها على الارض وجلس أمامها وامسك ذقنها ورفع وجهها اليه
وسالها بهدوء مرعب قائلا:

-منو الي حبلچ؟

كان صوته كانه يخرج من الجحيم

كانت ترتعد وقد اصفر وجهها وعيناها شاردة تدور يمين ويسار لعل هناك من ياتي وينقذها من الهول الذي
كانت تتخيله من لحظة خروجها من عند الحكيمة
نزلت الام وانطلقت تتوسل بأبنها ان يترك اخته
لم يكن يسمع امه

حاولت هيلة ان تتكلم
منعها
بأن وضع إصبعه المرتجف على فمه وقال:

-هششششششش اريداسم بس
گولي فلان بس
فلان بس واي كلمة ما اريد اسمع

لم تقاوم اخبرته بصوت مرتجف منخفض

-عطا
صرخ بها 

-منووووو
رفعت صوتها قليلا وهي تضع يدها على 
وجهها وقد بركت على الارض
وامه تحاول ان تهديه وهي تتقدم ببطىء 
لكنه رفع اصبعه محذرا اياها من التقدم خطوة واحدة
وصرخ بامه

-ارجعي لي ورا
فتسمرت الام قرب بغلها وهي ترتجف وتضرب صدرها

قالت هيلة وهي تبكي بلا دموع

-عطا
صرخ وقد بدأ يغلي

- هي عطا هي عطا گولي ؟؟

وكأنه نسي تماما ان هناك ابن عم له اسمه عطا
أو انه لم يكن في حسبانه ابدا ان ابن عمه
هو بذاته داس شرفه بهذا الشكل المريع
صرخت برعب

-عطا عطا ابن عمي علي

كانت الأم تلطم وجهها المدمي
بأصابع مرتجفة وقدجف الدم على اظافرها

وبلا اي تردد استل محمد
خنجره وذب...حها من الوريد للوريد
انطلق ال....دم كشلال 
رافست هيلة رفسات الموت وهي تمسك رقبتها
كأنها تحاول ان تتمسك باخر خيوط الحياة
وعيناها مفتوحتان تنظر الى اخيها برعب
والأخ وقف يراقب اخته وهو يصر على اسنانه
بغضب يكاد ان يذبح نفسه ايضا.

سقطت الام مغشيا عليها
حمل محمد الج.....ثة
وسار بها عدة امتار حتى وصل الوادي
انزلها على الارض ق...طع ك.....فها(2)

وحملها مرة اخرى
والقاها في الوادي بين الصخور
كأنه يلقي مجموعة نفايات
برك على الارض ينظر الى الجثة وقد استقرت بين الصخور البعيدة ،
صرخ بقوة لعله يرتاح ولو للحظة لكنه

شعر كأن النار تخرج من عينيه و فمه مع الصرخات

رجع الى امه وضع الكف في خرج بغلها
وحملها ووضعها على البغل 
ورجع الى البيت
افاقت الام في الطريق تمنت لو أن ماحصل كان حلما
لكنها حين التفتت خلفها ووجدت بغل ابنتها خاليا
ادركت أن ماحصل كان حقيقة

لم تبكي لكنها كانت تون ونين مذبوح،

حين وصل محمد البيت
علق كف اخته على باب البيت
ودخل مسرعا والتقط السيف من على الجدار
وخرج من دام العيلة
وقد استل سيفه 
كان محمد سيخرج من الباب حين رجع الاب وشاهد الكف معلقاً
على الباب ففهم كل شيء
دخل مسرعا ليعرف من الذي فعلها ومالذي جرى

وجد ابنه يركض وهو يردد 

-عطا الكلب والله لشرب من دمك

وذهب يركض الى بيت عمه
وابوه يركض خلفه وامسك به عند باب اخيه
وقال له
-اسمع اسمع
كان محمد يغلي 
احتضنه ابوه كي يهديه وهمس باذنه قائلا:

-اسمع اسمع يمحمد
انت غسلت عارك من اختك 
ولو چان الچلب هذا غريب
چان هسع نذبحو بس هذا ابن عمك وعندو اخين اذا ذبحتو
اخوه راح يذبحك وانت وحيدي
وهشكل راح اخسر ثلاثة ويمكن يطلع چم واحد من واليد عمك يفزعلو وتصير مذبحة بين واليد العم
اسمعني والحگ ما ينوخذ بالخبال 
اسمعني هاي للها عرف عدنا
وعمك أبو عطا هو الي يحكم بيها لا اتهور وتسبب لنا مصيبة اهدأ وانت عبرت نص المحنة،

ابتعد محمد عن ابيه خطوة وقال له وهو منهار تماما
وقد مد يديه امام ابوه وهي ملوثة بالدم
وقال وهو يبكي:

-يابا اني ذبحت اختي بيدي من ورا هالچلب
يابا انت تعرف شنو يعني 
يعني اني بيدي ذبحت هيلة هيلة هيلة
الي چانت مثل شمعة بالبيت 
ذبحتها بيدي من ورا هذا الچلب الأجرب الي نجس شرفنا
يابا هذا الچلب داس شرفنا ،

رد الاب بهدوء تام وقال:

-أسمع يمحمد
لاتتأسف عليها ولت الله يسود وجهها دنيا واخرة
لو انها حطتك ابالها وحسبت حسابك
چان ما سوت الي سوتو
چلبة جربة وذبحناها
اهدأ وركز معايا أبني
لازم تگضب عگلگ وتصبر حتى لا تزيد المصيبة مصايب
لكن محمد رغم كل هذا الكلام 
لم يستطع ان يهدأ ،

ودخلا بيت الحاج علي
ومحمد يصرخ 
-وين الچلب الأجرب عطا وين الخسيس النذل

كان عطا وزيد خلف البيت يعلفا الاغنام حين سمع زمجرة محمد
عرف ان سره قد افتضح ترك كل شيء من يده وركض الى غرفة الاعلاف واختبأ بها

رآه زيد وركض ليفهم القصة لكن في قرارة نفسه
كان يعلم ان عطا فعل شيء فضيع
حين وصل الفناء
وجد عمه أبو محمد
يخبر اخوه بكل مافعل ابنه

كان الحاج علي يرتجف قهراً وغضباً ويكاد ان يفقد عقله
اصبح يعض على اصابع يديه
ويردد .....
-آخ يلقهر لو بس اني ذابحك يعطا آخ يعطا الچلب
نجستنا كلنا بفعالك الشينة سودت وجهي يالخسيس

تلفت حوله يبحث عن عطا وسأل زيد وهو يصرخ
-وين الخسيس يازيد؟
انكر زيد معرفته بمكان عطا
التفت الحاج علي الى اخيه أبو محمد وقال له
وهو لم يزل يغلي
-اسمع يخوي هيلة بنتي اني وعرضك عرضي آني
والله في سماه لآخذ حقك ثلثين ومثلث
قسما بالله يخوي أول ما اگضبو الا
اجيبو لكم حتى تذبحوه جدامي،

رد زيد بكل شموخ وقال

-والله وأيمان الله الي يمد ايدو على اخوية لأگطعها من زندها كائن من يكون
التفت الحاج علي الى زيد وبصق على وجه زيد بصقة غطت وجهه

رد أبو محمد وقال
-يخوي نحنا كلنا فاير دمنا 
خلي هالموضوع لي باچر ونشوف اش نسوي
وامسك الرجل ابنه ومشى

حين خرج محمد وابوه
التفت الحاج علي الى زيد وقال له 
- تفزع للخايس اخوك والله انك مغبيه
گلي وينو؟
لم يرد زيد بل وقف امام ابوه وهو مطأطأ الراس
كان واثقا من حب ابيه له
فزيد احب ابناء الحاج علي عليه ولم يخطر بباله مطلقا
أن
يرفع ابوه العصا التي كان يتكأ عليها وينزل بها بكل قوته
على كتف زيد واخذ يضربه
ليبرد تلك النار التي شبت في قلبه 
لم يتحرك زيد ولم يصد عصا ابوه بل ركع أمام ابوه
الذي حاول ان يفرغ كل قهره من عطا بزيد

كانت ألأم واقفة على جنب تبكي
حتى قسى الاب على ابنها فرمت بنفسها فوق ابنها
بعد ان انهار امام ابوه والاب مستمر بضربه
حين نامت الام فوق ابنها تماما
هنا فقط توقف الحاج علي وجلس على الارض يبكي 
وهو يضرب رأسه ويردد:

- انفضحنا يولو انفضحنا
ياناس فضحني عطا ياناس منين طلعلي هالنجس
منين والله عمامو وخوالو من احسن الناس
اشلون يطلع عدنا هيچ حيوان
ياولو لو بس اني ذابحو من وكت سالفة 
بنت عيسى الجوال

آخ يالقهر آخ

نهضت الأم وانهضت ابنها وادخلته لغرفتها
وهي تبكي وتدعو لعطا بالهداية
التفت زيد اليها وقال وهو يبكي:

-مو صوچ عطا يمة صوچ ابوية
أبوية لو جابر عطا ياخذ وردة بنت عيسى الجوال
بدل ما يزوجها لمسعود الخبل وينطيهم فلوس حتى يسكتون
چان عطا تحمل ذنبو ووگف عند حدو
ابوية هو الي خيس عطا بدلالو 
ضل يداريه ويغطي عليه ويدفع من جيبو حتى 
يطلع عطا من كل مصيبة يسويها

شعل زرع خليف الحمد وتالي گبت النار واخذت محصول السنة كلها لكل الجرية وما حصدنا
أتذكرين يمة؟
لمن جا عطا وسولف لأبوية انو هو الي حرگ الحنطة
أبوية أش سوا ها؟
أبوية گلو دير بالگ تحچي هالكلام وتورطنا
وكل هذا ليش 
عبن خليف الحمد شاف عطا يچط على بيتو وعرف انو عطا رايح يشوف بنت خليف
وگضبو خليف وضل يضربو الا سواه جنازة
راح عطا وشعل ارض خليف وتالي انتي شفتي اشصار
يمة ابوية هو سبب كل الي وصل له عطا
ولمن اني كبرت اعرف زين ابوية يحبني بس ابد مابين هالشي من خوفو لا اصير مثل عطا خلاه يدفن حبو وحنانو علينا كلنا بگلبو
ابوية تعلم
بس بعد ايش بعدما دمرنا عطا كلنا
وطول عمري وآني اشيل مصايب عطا
بس عطا اخوية الچبير
وآني ما اتنازل عن أخوية
وآني اعرف زين ذنبو برگبة ابوية،
آني وعيت عالدنيا وآني على اچتاف عطا
اول شي اتذكرو بحياتي انو عطا شايلني بحضنو ويلعبني

كانت الأم تبكي وهي تهز براسها اتفاقا مع كل كلمة قالها زيد

في مساء ذلك اليوم وبعد ان جلس الحاج علي
في غرفته لساعتين يفكر كيف سيحتضن غضب اخوته
ويداويهم من هذا الجرح الغائر ويبقي الرابط الاسري 
متصلاً فيما بينهم.

حتى وصل لحل يرضي جميع الاطراف
لقد وجد أخيرا حلا شافيا لهذه العلة التي صنعها هو
بنفسه

نهض مسرعا 
ولبس فروته وخرج الى بيت اخيه 
وحين دخل بيت أبو محمد
وجد جميع اخوته وابنائهم في مجلس اخيه
بعد ان سلم على الجميع
ذهب وجلس امام اخيه أبو محمد كمذنب
كرجلاً شريفاً جاء ليجلس للحق
فالحق لا يجلس له الا الشرفاء

قال له
-اسمع يخوي
عطا الچلب بعرفنا ما ينذبح عبن عندو اخين
وانت ابنك وحيد عدا واليد العم الي ناس منهم راح يصفون مع عطا
وناس مع محمد
يعني اي غلط نسويه راح ندمر عيلتنا كلها،

ايده الجميع........
اردف الحاج علي قائلا:

- لهل السبب
عطا ينطرد ومايرجع للديرة ودنيا بيها ليل 
ونهار 
وأي واحد منكم أو من اهلنا يشوفو بمحاري الديرة
بعد باچر يذبحو 
والي يذبح عطا
اني انطيه بنيتي الزغيرة غزالة هدية حك ماذبح عطا .

أما بناتي ريمة ومها تاخذوهن بلا مهر
وحدة لمحمد ابنك والخ لساري ابن اخونا
وهالموضوع انتهى
اذا رضيتو تعالو اخذوهن هسع اوباي وكت تريدون
أذامارضيتو انطيكم الحگ تگومون هسع وادورون على عطا وتذبحوه ومثلما گلت غزالة للي يذبحو
اني مدري وينو بس اكيد خاتل بمكان جريب.

قال أبو محمد بكل حب واحترام
-كلامك على راسي يخوي لا بالله رضينا
ونجي ونجيبلهن مهر ونزفهن مثل الشيخات
بس خل تمضي هالسالفة فرد چم يوم ،

رجع الحاج علي للبيت 
وصاح زيد باعلى صوته
حين وقف زيد امامه
ابلغه ان يبلغ عطا
انه قد حكم عليه بالنفي الى الابد

هنا انفعل زيد وقال لوالده بأصرار الرجال
وهو لم يزل يراهن على حب ابيه له

-اذا نفيت اخوية راح اروح معاه
رد الاب بكل هدوء لم يتوقعه زيد مطلقا:

-الى جهنم وبئس المصير
بس خل ابالك شغلة ولاتنساها
اخوك هذا خسيس دني نفس واذا مشيت وراه احذر منو
لا يوگعگ بمصيبة وايمت ماشفت نفسك تريد ترجع ارجع
وحدك ودير بالك يخطر على بال اخوك يرجع ترى اني هدرت دمو واي واحد يشوفو بعد باچر يذبحو
وأذا طلعتو اطلعو بالليل وبلا مايشوفكم احد من
واليد عمامكم دمهم فاير 
اخاف تسولنا مذبحة،

ولم يبيت الشابين تلك الليلة عند اهلهم بل انطلقا الى غير رجعة بعد ان جهزتهم امهم بجهاز الوداع الاخير وهي تبكي
واعطت زيد كذلك عشر ليرات ذهبية
قالت لهما ان الليرات من مالها الخاص

ولم يعرفا ان ابوهم اعطاها المال لتعطيه لهم واوصاها ان تقول انه من مالها الخاص
خرج عطا من خلف البيت وذهب الى اطراف القرية
اما زيد دخل مجلس ابيه ليودعه
كان الأب يبكي ليس على عطا حتما 
بل على زيد ذلك الشاب الصغير الذي كان الحاج عليه يحبه حبا لا يوصف لدماثة خلقه وبره بوالده
جلس زيد امام أبيه واحتضنه
وانطلق الاثنان يبكيان ثم نهض زيد ومشى
قال له ابوه:

-الله يرضى عليك يازيد محالل وماهوب يا أبني
ادري يجوز بعد ما اشوفك للموت
دير بالك على نفسك يبوي وأذا شفت ان هالطردة ماعدلت عطا عوفو وارجع
وأذا ما رجعت اني راح افهم انو عطا تعدل،

كان زيد في حالة نفسية لايمكن لقلم ان يكتبها
امسك ملفع امه وقال لها بكلمات متهدجة
-يمة انطيني ملفعچ هذا
نزعته واعطته لزيد وهي تبكي بمرارة تفوق حد احتمالها
قالت وهي تغص بدموعها:

-يمة يزيد سلملي على عطا وگلو امك چثير تحبك
ولاتنسى ابد اذا شفت عطا ابد مالوا چارة.ارجعلي يمة
وآني راح اضل اتانيك.

هز زيد راسه وخرج مسرعا كي لايبكي امام أمه
اخذ بغلين من بغال ابيه وخرج.

وقضت الام بقية عمرها تجلس على درجات غرفة الدواب
وهي تراقب طريق زيد
تتمنى ان يرجع تارة لتعرف ان عطا لم يعتدل ابدا
فتظفر بعودة زيد
وان لايرجع تارة اخرى ليطمأن قلبها ان عطا اصبح رجلا صالح
وبين هذا وذاك انقضى عمرها
وذات يوم شتوي بارد
وجدوها متوفية على تلك الدرجات وهي تراقب الطريق،

أما زيد
التقى بعطا في اطراف القرية وركبا وانطلقا بأتجاه العراق

كان عطا يتحدث طول الوقت 
يسب حين ويهدد احيانا ويلوم اهله كثيرا
وزيد يبكي بصمت وقد لف ملفع امه على رقبته

قبل الفجر بقليل كانا قد ابتعدا كثيرا عن القرية نزلا واشعلا نارا وجلسا قليلاً

وحفر عطا أسفل عصاه بسكينه 
واخفى الليرات داخل العصا وسد الفتحة بقطعة طين

تنقلا لسنة ونصف تقريبا حتى وصلا قرية الحويدة في موسم الحصاد في سنة 1915

لم يقل زيد لأحد اي كلمة عن ما حصل في تلك السنة والنصف
ولم يشرح ماتعرضا له من مشاكل بسبب عطا ولم يخبر  سيد نمر
كيف استقام عطا فخلف ذلك قصة طويلة.....
لكنه قال بأختصار 
-صار عطا خوش رجل بس آني
ماگدرت ارجع واعوفو،

وهكذا انهي زيد كلامه للسيد نمر
وقال له:

-وهسع بعدما عرفت كلشي
لسعك تريد البنية لولدك؟
رد السيد نمر وقال..
-هسع 
تأكدت انك شريف أبن اشراف
وراعي غيرة ونخوة ماگبلت تعوف اخوك رغم قناعتك انو اخطأ
واني يشرفني اخذ نفلة لعبدالله
بلچي يصير عند عبدالله ولد مثلك حنون على اهلو
وأذا تريد ازوجك نوبة انوب ترى ماعندي مانع
وضحك السيد نمر
وضحك زيد وهو يقول:

-اشحدني اتجوز عالسيدية
غير تشنقني على عامود السير.(٢)

وضحك السيد بتلك الاسنان الؤلؤية التي لايفارقها المسواك
نهض زيد العلي وهو يضحك مرتاحا منشرح الفؤاد
شعر لاول مرة منذ اربع وعشرون عام انه اصبح حرا من ذلك الذنب الذي حمله في قلبه سنين طويلة
ذهب ليرى رأي ابنته
بينما نادى السيد نمر ابنه عبدالله ليخبره الخبر

يتبع....

(1)
قطع كف الزانية تقليد عربي معروف وكان شائعا
حتى نهاية التسعينيات من القرن العشرين
حينها سمعت بآخر كف لفتاة دق على باب بيت اهلها،

وهذا يعني ان الاهل قد غسلوا عارهم وطهروا شرفهم
بدم الزانية بعد قتلها ورميها للكلاب
او رمي اشلائها في بئر مهجور
لأن بعض العشائر في تلك الفترة لا تدفن المقتولة بهذه التهمة، ويختلف هذا العرف من قبيلة إلى أخرى .

(٢)عامود السير
هو عامود من جذع الاشجار املس ابيض قطره يحدود خمس عشر سم
يبلغ ارتفاعه اكثر من مترين في اعلاه حلقة تدور حول نفسها.
حين تكتمل السنابل ويقوم الفلاحين بتجهيز البيادر
لأستقبال المحصول
يحفرون حفرة بعمق يجعل العامود يقف في وسطها بشكل قائم وثابت ويقومون بوضع الاحجار حوله لتدعيمه وييثبتون الحجر بالوحل المعجون مع التبن
كي لايتحرك ابدا
ثم يجمعون حزم السنابل حول العامود حتى يصل البيدر الى اعلى العامود
ويربطون في الحلقة حبل طويل يتم ربطه بالنير
والنير هو عامود يربط بشكل افقي على الوشاحين
بين بغلين
والوشاح هو حلقة عريضة ثخينة غالبا تصنع من جلد محشو بالقش
توضع في رقبة البغل كي لايؤذيهم النير بثقله

يربطون البغلين بالنير ثم ياتي المد الذي يربط النير بالجرجر
بنابض اسمه القطريب مثل ربط عربات القطار بمسمار اذا تم سحب هذا المسمار تنفصل العربات عن بعضها
وهناك تقليد جميل جدا.....
وهو ان رئيس الفعلة وهم مجموعة الحواصيد الذين يعملون على حصاد ارض صاحب البيدر
حين ينتهي الحصاد والدريس وهي عملية سحق السنابل
يسحب القطريب ويذهب ليضعه في عصابة سيدة البيت
وهذا التقليد يعني
اننا انهينا الحصاد وهذا القطريب قد تم سحبه وانتقل الجرجر من بيادركم ويجب عليك طبخ طعام لذيذ لنا
احتفالا بنهاية حصاد ارضكم
فتقوم سيدة البيت بذبح خاروف وطبخه واطعام الحواصيد قبل انتقالهم لارض فلاح اخر


تعليقات