رواية دكة السادة الفصل السادس بقلم فطمة محمد علي النعيمي
وما ان خرج زيد من مجلس سيد نمر، حتى نادى السيد نمر ابنه عبدالله واخبره بما حصل.
لكن الصدمة التي لم يتوقعها السيد نمر كانت ردة فعل عبدالله غير المتوقعة، حين رأى عبدالله وقد عبس وقال بعتب:
ليش يبوي ورطتني بهل ورطة؟ اشلون تگبل اخذ مرا سمعتها علچ بأثوم الناس؟!!!!
انفعل الاب وقال بغضب:
عجيب امرك! انت مو چنت تريدها؟
رد عبدالله وقال:
اي نعم، هذا الحچي چان گبل سنة.. گبل ما يغتصبها ابن عمها.
رد السيد منفعلا وقال:
استغفر الله العظيم، وانت صدگت حچي الناس؟ يول اني حضرت السالفة من اولها والبنت دافعت عن نفسها وماصار شي. وهيچ بنت تنحط عالراس، بنية ماخافت من كلام الناس وسكتت واستسلمت للخسيس حتى تحفظ نفسها من كلام الناس.. بنية دافعت عن نفسها وصرخت وضرب وخمشت، وماهمها احد يحچي بس حتى تضل طاهرة!
رد عبدالله وقال:
يبوية حت لو ماصار شي، آني اشلون راح اقنع الناس؟ اني لمن اخذتها لگيتها بنت، ليش ماياخذها ماهر اخو الخسيس خالد ويستر عليها؟! هو ابن عمها وهو اولى بيها مني، هما اجناب (غرباء)، لاعارهم عارنا ولافخرهم فخرنا.
صرخ به ابوه بانفعال كبير قائلا:
هو هذا السبب! عبنا (لأننا) اجناب عنهم والعرف يگول: اذا اخذها ماهر وحلف ميت يمين انها طلعت بنت، محد راح يصدگو، راح يگولون عبن ابن عمها يريد يستر على نفسو عبنها عرضو وشرفو! بعدين شنو هذا كلامك العجيب؟ منين جايبو؟ من ايمت ونحنا السادة نحسب انو عار الجناب مو عارنا؟ اسمع يعبدالله: العار عار كل انسان شريف، والعرض اذا هان عندك عبنهم اجناب، باچر عرضك يهون عالناس. يا أبني العرض والأمان مايتفصل على كيف الناس، العرض لازم الكل تحميه، والأمان لازم الكل يحرص عليه. الأدمي الي يشوف غلط ويسكت عليه، باچر الغط يصير عندو ويكع براسو وهم الناس راح تسكت عليه ويضل وحدو يلطم على مصيبتو. نحنا كلنا بهل ديرة واحد، والرسول الكريم عليه الصلاة والسلام يگول:
«مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى»
عار زيد عارنا وفخرهم فخرنا، واذا انت اخذتها وطلعت بنت - واني متأكد انها بنت - راح تسد حلوگ الناس كلها. واسمعني زين يعبدالله: اني انطيت كلمة للرجل، وانت راح تاخذها اذا البنت گبلت.. إن گلت اي وان گلت لا! عود اذا ما طلعت بنت طلگها واهلها ينجازون بيها، وترى حت اذا طلعت مو بنت، ترى ماعليها ذنب.. المجبورة ماعليها ذنب.
رد عبدالله بتذمر وقال:
يبوية ليمت تضل تسوالف سوالف الملالي؟ ترى نحنا عرب وسوالف الملالي ماتاكل ولاتشرب عدنا.. مجبورة ولا بكيفها، هي بنت مكسورة واني ماريدها.
رد الاب باستسلام وقال:
اسمع، اخذ البنت بس چم شهر، واذا ما توالمتم طلگها، اشرفلها من وضعها هسع. توالمتم وطلعت خوش بنية؟ هاي هية، وانت راح تاخذها وأشحدك تكسر كلمتي، وانتهى الموضوع!
نظر عبدالله الى أبيه نظرة عتب وسكت، واطرق مفكرا يحاول ان يجد اي حجة يستطيع ان يقنع والده بأنه لايريد هذه البنت، لكنه وجد انه استنفد كل مايمكن ان يقال. تنهد بحزن بالغ اوجع قلب ابيه، ثم نهض وكان سيخرج، حين قال له ابوه برقة مبالغ بها:
عبدالله يبوي انت تعرف اشكد انت غالي عليا.. والله ثم والله لو بس البنية تناسبني بالعمر، چان آني اخذتها حتى بس اشيل الضيم عن أبوها. ميخالف يبوي احسبها صدقة في سبيل الله: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾.
لم يقتنع عبدالله مطلقا، وشعر بالموضوع في قلبه كصخرة كبيرة كتمت انفاسه. اراد السيد نمر ان يتكلم لكنه ايضا لم يجد مايقال، فسكت واطرق برأسه يفكر ويسال نفسه: هل ظلم ابنه؟ ام ان ابنه سلك في تفكيره طريقا بعيدا عن الاسلام واخلاقياته العظيمة بل استبدلها بالاعراف العشائرية؟ وكان هذا اكثر مايقلق السيد نمر، الذي استطاع بكل جدارة خلال عمره ان يروض الاعراف العشائرية على الدين، وكان طوال عمره يمسك الدين بيد والاعراف بيد ثانية ويرجح كفة الدين على الاعراف،
بعد صمت طال بينهما، نهض عبدالله وخرج ولم يستطع ابدا ابتلاع هذه المصيبة؛ ان يأخذ فتاة ويضطر أن يدافع عنها في كل مكان،
بدل أن يأخذ فتاة كتنومة... تلك الجميلة التي يعتقد الناس ان الحسد هو الذي قتلها، فلا مكان للقدر في عقولهم؛ فأنكروا القدر حتى خلقوا له أعذاراً كالحسد والعين والسحر والجن! ولم يقنع احد من الناس مطلقا ان قدرها ان تموت بهذا المكان وبهذا الشكل.. ولو كان الايمان بالقدر هيناً، ماجعله الله شرطاً من شروط الايمان. (1)
على الجانب الآخر
حين رجع زيد الى أبنته نفلة بخبر خطبة عبدالله النمر لها، عقدت الدهشة لسانها، ونظرت الى ابوها وهي في حالة غريبة بين الفرح والاستغراب، وقالت:
يابا، سيد نمر من كل عگلو خطبني لأبنو لو شنو السالفة؟
رد الاب بفرح غامر وقال:
اي والله من كل عگلو!
دخلت ام نفلة الى الغرفة وسألت زوجها قائلة:
خير يبو نفلة اشعندك؟
طلب زيد منها ان تتركهم هو وابنته ليتكلم معها، وقال لها كي يحذر نفلة من الرفض:
يزينة، ابن عمچ سيد نمر خطب نفلة لعبدالله واني گبلت، وهسع اريد اعرف راي نفلة حتى اردلو خبر. واذا ماگبلت نفلة راح تكسرني جدام سيد نمر وماراح يضل لنا مچان بهل ديرة.
كادت زينة ان تزغرد وقالت بفرح غامر:
عفية يبو عبدالله، عفية يبعد أبوي! هشكل اشحد الي يفك حلگو بكلمة على بنتي!
رد زيد بقوله:
روحي دزي حسين ينادي عمو عطا، وخليني مع بنتي.
خرجت الام وهي في قمة فرحها وقالت لهما:
بس يرجع حسين من البستان ادزو.
وجلست نفلة عند ابوها وقالت له:
يابا، بس اريد افهم شي واحد.. عبدالله چان موجود معاكم؟
اجاب الأب بحذر قائلا:
لا ماچان موجود بس ابوه گال.........
وحكى لها ابوها كل مادار بينه وبين سيد نمر من موضوع الخطبة، وسكت كأنه كان يفكر هل يخبرها عن ماحكاه للسيد نمر عن تاريخ عطا؟
شعرت نفلة أن للكلام بقية وان ابوها توقف فجاةً. لم يخطر ببالها اي شيء غير ماحصل معها، شكت ان ابوها سكت عن كلام ربما قد حصل بينه بين السيد نمر عن سمعتها الملوثة. هنا وقفت نفلة وقالت بصوت متهدج:
يابا لاتستعجل، خلي نشوف راي عبدالله.. ترى الي سواه ابن عمي كسرني، ومايگبل ولا شاب بهل جرية يخطب بنية سمعتها مكسورة.
واخذت تبكي وهي تقول:
ابن عمي كسرني يبوية.. صحيح ما گدر يسوي شي بس سمعتي انداست بالوحل، الله يسود وجهو.. هم تصدك عبدالله يگبل ياخذ بنت مثلي؟!!!!
قال الاب بحزن بالغ:
والله ينفلة انچ خوش بنت وانچ اصيلة، وبنت السيدية زينة بنت عم السيد نمر.
اجابت نفلة وهي تمسح دموعها بملفعها وقالت:
يابا انت ماحچيتلي كل الي صار بينك وبين سيد نمر.. اكو شي صار، انت چنت تحچي وسكتت وصفنت.. بالله عليك يابا، سيد نمر مصدگ اني وحدة وصخة لو لا؟
اجاب ابوها قائلا باستنكار شديد:
لااااااا يبوية ينفلة، والله ماصار شي من الي تظنيه! ولو السيد يفكر بهل سالفة مثلما تكولين چان ماخطبچ.. ترى انتي من خوش اصل، لو ما هذا عمچ الي دمرني ودمر عمامي وصار السبب بطردنا من العشيرة.
صدمت نفلة فهي
لم تسمع قبل هذا اليوم اي شيء عن اهل والدها، لهذا سالته بأستغراب شديد:
أي عشيرة هاي؟ ليش انت وعمي مو گلتو انو اهلكم كلهم ماتو بسنة الثلث ليرات؟
رد الاب وقال:
لا يبنتي، نحنا اني وعطا طلعنا من الشام گبل سنة الثلث ليرات بسنتين. لمن جت سنة الثلث ليرات چان عمج مخلف خالد، واني تجوزت امچ گبلا يصير المحل.. ولمن جا المحل (القحط)، هذيچ السنة زرعنا المچا (الذرة) هينا بهل ديرة وعشنا عليها وعالبطاطا والحمد لله ماعازنا شي. بس.. بس السالفة الي سكتت عنها سالفة بعيدة عن الي صار من ابن عمج، وچثير بمدي احچيلچ، بس يبنتي اخاف عليچ من حمل هالهم الي شلتو آني سنين.
رجعت نفلة وجلست عند ابوها وسالته:
هي هم يابا احچيلي كلشي ولاتضم عليا سالفة، ويبوي انت تعرفني زين، بعمري لاحبيت نگل العلوم ولا عندي حت ربيعات غيرك انت وأمي.
قال زيد لها:
ماريد حت أمچ تعرف شي.
اجابت بثقة:
ابد يابا للموت، بس گلي شكو.
(وانطلق الاب يحكي لابنته ما حصل بالتفصيل)
حين انهى القصة ونفلة تسمع، كانت تبكي على قهر ابوها وذبح هيلة التي لم يكن لها ذنب غير صغر عمرها وتصديقها لأبن عمها. سمعت نفلة ابوها وهو يقول:
ابوية حذرني من اخوية، ووالله ماشفت من اخوية غير الخير.. چثير تندم علي سواه وتاب، ويحرم اذا غلط مثل هذيچ الغلطة الي دمرتنا...
(وصمت لحظات كأنه تذكر شيئا اقسم ذات يوم انه لن يحكيه مقابل توبة عطا، شيئا حصل بعد خروجهم من الشام، واكمل كلامه قائلا):
بس كلشي نصيب وقدر.. والله وبالله وتالله، چان يجر اللگمة من اثمو ويحطها باثمي بسنة المحل، وچان يشتغل ويجمع فلوس حتى يزوجني. الي محيرني انو عطا تاب گبلا ينخلق خالد.. اشلون خالد يفعل فعل ابوه وهو ماشاف أبوه الارجل مستقيم؟ بس الظاهر ابن الخسيس يطلع خسيس مثلو! اخوية تعدى على شرف بنت عمو وراحت البنت بسببو، يعني هي چانت زغيرة سن وهو رجل كامل.. وسبحان الله ابنو سوا نفس الشي. ويبنتي اني رجال غريب واخاف اذا متت واليد عمكم يدوسوكم.. اريد تصير بيني وبين السادة نسبة، بلچي يصيرون سند لاخوتچ الزغار. اگبلي بهل زواج وخلينا گاعدين بين ربعنا، والله انهم خوش ناس ويشهد الله اني احبهم، ومثلما تدرين أمج منهم.. يعني اني منطيچ لخوالچ، وأبو المثل يگول: (الي يفرش للرجال يغطوه)، يعني هما انطوني حرمة وهما يستاهلون احسن البنات وانتي والله احسن البنات.
أجابت نفلة بقولها:
ميخالف يابا، خل نعرف راي عبدالله ونشوف اش راح نسوي.
بهذه الاثناء دخل عطا وسلم، نهضت نفلة ولم ترد السلام على عمها وخرجت مسرعة قبل ان تسمع توبيخه. جلس عطا وهو يسأل اخوه ويشير بيده الى نفلة قائلا:
اشبيها هاذي انوب؟ اشو حت السلام ماردتو!
لم يكن يعرف عطا بتلك اللحظة انه سقط من عيني ابنة اخيه. لم يرد زيد على السوال بل قال:
يخوي يعطا، ابو عبدالله سيد نمر خطب نفلة لابنو عبدالله.
رد عطا مستغربا وقال:
كل عگلگ؟ يمعود يگولون عبدالله يمچن حت مو رجال! صار عمرو فوگ الـ 31 وما خطب ولا أبنية، ويگولون مايرفع عينو على بنت.
هز زيد راسه اسفا وقال في سره: (والله لو مثل هالسالفة تسولفها جدام واليدك الا يسوون مثلما سويت ابنت عمك حتى يثبتون رجولتهم بالحرشة بالبنات! عجل هو هذا مقياس الرجولة عندك؟ يا حيف بس.. هسع فهمت كلشي. صحيح انك تبت بعدما طفحتني المر، بس الظاهر چنت تنطي مجال لواليدك يسوون انجس.. لهل سبب واليدك طلعو خايسين! خالد حاف فراش بنتي، وماهر واخوه يومية للهم سالفة من جوا لي جوا.. اشلون يطلع عندك ولد شريف وانت مربيه عالخيسة؟)
سمع زيد اخوه يسأله:
هييي يزيد، اشبيك ساكت؟ گلي انت اش گلت لسيد نمر؟
اجابه اخوه بقوله:
والله يعطا، يا كبر حظي اذا گبل عبدالله ياخذ نفلة.. بس كون يگبل!
فرد عطا وقال بغضب:
وليش ماتنطيني نفلة لماهر؟
رد زيد وقال:
يخوية اني انطيت كلمة لسيد نمر، والبنت صارت للهم اذا گبل عبدالله يأخذها بعدما ابنك كسرها. واني گلت لك أذا ماهر اخذ نفلة راح ايثبت التهمة عليها، واني انطيت كلمة للسيد وانتهى الموضوع.
رد اخوه بعد ان وقف وقال:
عجل ليش مرسل وراي؟ انت جاي تبلغني مو تاخذ رايي!
فرد زيد بثقة وقال:
اي نعم، جاي ابلغك بس.
فخرج عطا غاضباً.
بنفس الوقت في بيت السيد نمر
خرج عبدالله ووجهه اصفر من القهر، يحاور نفسه ويردد باستمرار:
اش اسوي؟ اش اسوي؟ اش اسوي ياربي اش هالبلوة!
حين دخل عند امه وضحى ورأته، جفلت وقالت بخوف:
اسم الله يبوي، اشبيك؟!! عسى ماشر؟
اخبرها بالخبر بقوله:
يمة، ابوي بلاني ابلوة چبيرة.. أبوي خطبلي نفلة بنت زيد العلي ويگلي اشحدك تكسركلمتي! وييمة اني ليش اخذ بنت سمعتها طامسة بالوحل؟ ييمة باچر اذا خلفت منها شنو مصير واليدي؟
كانت الأم تضرب صدرها بأستمرار وهي تسمع ابنها وقد تقلص وجهها وهي في حيرة من امرها. لاتستطيع ان تراجع السيد في قراره؛ لقد خطب الفتاة بالفعل، وهي كسيدة عربية اصيلة لن تجعل زوجها اضحوكة، ولن تقبل ان يتراجع عن كلمة قالها لرجل وتكسر سمعته كسيد لبيته. فاخذت تطبطب على كتف ولدها وقالت له:
ميخالف يعيوني، لاتعصي ابوك وانت ماتعرف وين الخير.. بلچي تطلع خوش بنية.
لكنها في قلبها كانت تقول كلام آخر.. كانت تتذكر زينة أم نفلة، وكيف جاء زوجها ذات يوم وقال لها:
انتي حرمتي وام واليدي وماريد اغثچ، بس زينة ماضل عدها والي وگاعدة ابيتنا من لمن توفى عمي وتزوجت امها، ومايصير شرعا هالشي.. واني اگول اعجد عليها، خوف الناس باچر يحچون علينا.
يومها لم تستطع وضحى أم عبدالله ان تقول له شيء لانها تعرف سيد نمر؛ اذا رفضت سيأخذ زينة رغم انفها. لكنها قالت بصوت مريح:
والله ياسيد احسن راي، بس ياسيد اخاف تظلم البنية.. انت رجل چبير بگد ابوها وهاي بنية جاهل، الي ياخذها لازم يماثلها بالعمر.
لم يقل سيد نمر يومها اي شيء لأنه مقتنع بهذه النقطة، فزينة كانت بالكاد في السادسة عشر وهو على ابواب الخمسين. وفي اليوم الثاني عرفت ان سيد نمر اعطى زينة لزيد! لم تصدق وضحا نفسها وان الله دفع البلوى عن راسها.. لكن ها قد دارت السنين ووقعت بلوة ابنة زينة برأس ابنها! ماذا ستفعل؟
لم تستطع النوم تلك الليلة. خرجت من غرفتها ودخلت عدة مرات تفكر بحل يريح أبنها ويحفظ كرامة وسيادة زوجها. خرجت كي لاتوقض زوجها بكثرة تقلبها في الفراش، وذهبت الى مطبخها وجلست فيه وهي تستعيد في ذهنها ذكريات قديمة...
تذكرت وضحى يوم أن كانت في السابعة عشرة، حينها كان فناء بيت اهلها يطل على فناء بيت عمها من الجانب الايمن. كانت كلما سمعت صوت السيد نمر في فناء بيتهم، تنشغل بشيء لا يحتاج إلى انشغال؛ مرة تقوم بكنس الفناء الذي كنسته صباحا، ومرة تحمل العلف لتطعم البغال المربوطة مقابل تلك الفسحة بين البيتين كي تراه من بعيد وتُشعرهُ بوجودها.
يومها دخلت الغرفة ووجدت امها تضحك وقالت لها:
يابنية.. لو تظلين تروحين وتجيـن هيچ، راح اطش حنطة على دربج حتى تسويها طحين من كثر طلعاتج وفوتاتج!
احمر وجه وضحى وأطرقت برأسها. جلست أمها إلى جانبها وقالت:
عاجبچ نمر الأحمد؟
لم تجب، لكن ارتباكها كان جواباً كافياً. ابتسمت الأم وقالت:
اسمعيني يوضحى.. كل رجل بالدنيا له مفتاح. أكو رجل إذا شاف المرا تدور حواليه يركض وراها، بس هذا ماينفرح بيه عبنو راح يركض ورا غيرها، وتگضي عمرها مثل الواگف بالمطر والرعد مالي السما ومايعرف بيا ساعة تجيه صاجعة (صاعقة) تذبحو! وأكو رجل إذا شافها هيچ، ترخص بعينو.. ونمر من النوع الثاني.
صمتت وضحى وقالت بخجل بعد لحظة تردد:
يمة، اشلون المرا تكدر تحسس الرجل الي تحبو بحبها له بلا ما تگول؟ يعني ماترخص نفسها بس تخليه يشوفها ويحس بيها؟
اجابت امها قائلة:
شوفي يبنتي، نمر الأحمد رجل عاجل وفاهم وراعي ديوان أبوه وضيوفو.. هذا يحب المرا الشاطرة الثگيلة الي تحچي مع الرجل چنو مثلها، يعني لا اتكشكش منو وتسوي نفسها مستحية اكثر من الازم چنها تريد تحسس الرجال انها انثى، ولا تزت نفسها عليه فرد مرة. وخلي ابالچ نگطة ابد لاتنسيها: ترى الرجل يسمع كلماتچ الي تكوليها بگلبچ.. كلشي تكوليه بينچ وبين نفسچ يبين عليچ؛ على وجهچ، على عيونچ، على اديچ. نظفي كلماتچ لنفسچ راح يحس بيج نمر الاحمد أنچ نظيفة، ويجي يخطبچ ويدفع مهرچ وهو الممنون! تدرين يبنتي اشگد الزلم غشم؟ الزلم مقتنعين انهم هما الي يخطبون المرا، والصحيح المرا الذكية هي الي تخطب الرجل لما تسوي للرجل الشي الي يخليه يفكر بيها أم لبيتو وعيالو، مو كل تفكيرها بسالفة وحدة تخليه يشوفها وحدة رخيصة ويكدر يلعب عليها. المرا يبنتي بالصحيح هي اساس هالدنيا، والرجال بالصحيح لعب بيد النسوان المضبوطة.. النسوان الي تبني الرجال مثلما هي تريد.
رجعت وضحى من ذكرياتها وقد استقر في ذهنها ان تحل هذه المعضلة عن طريق النساء. قررت ان تذهب لزينة وتحدثها امرأة لأمراة بعد ان تاخذ منها عهد ان لايعرف السيد نمر بهذه الزيارة، وهي قد احسنت لزينة فيما مضى وتعرف قيمتها وقدرها عند زينة.
في اليوم الثاني، خرجت وذهبت الى زينة. حين دخلت وضحى بيت زيد، رأت نفلة في فناء البيت تكنس.. لم تسلم عليها بل ولم تنظر لها حين استقبلتها نفلة مرحبة، وانما سالتها بخشونة:
وين أمچ؟
صمتت نفلة واشارت بالمكنسة التي بيدها لدام العيال دون كلام.
دخلت وضحى وقالت لزينة:
گوچ يزينة، اشلونچ؟
كانت زينة تغطي العجين فنهضت واستقبلت وضحى وقبلتها وجلستا. حين دخلت نفلة، دارت ام عبدالله وجهها لزينة وقالت:
اريدچ بجوز كلام وحدنا.
اشارت زينة لأبنتها بمعنى اخرجي وتوجست شرا من وضحى، والتفتت الى وضحى وسألتها بقولها:
خير يأم عبدالله؟
قالت أم عبدالله باسلوب لين:
يزينة، من يوم مات ابوچ وانتي ابيتي.. وصحيح جيتينا وانتي صبية بس اني عاملتچ چنچ بنتي، وماذاك الفرگ بيني وبينچ؛ آني اكبر منچ بعشر سنين، وما أتذكر اني عزيت عليچ شي، صحيح لولا؟
ردت زينة بقولها:
لا والله وحشا، ماشفت منچ غير الخير يبنت عمي.. عسى ماشر يا اختي؟ گولي والي تريديه يصير.
ردت ام عبدالله وقالت:
گبل كلشي اريد منچ تحلفين يمين ان الكلام يضل بينا ومايصل احد ابد.
قالت زينة بصدق:
براس زيد والواليد فلا يطلع الكلام، بس احچي والله ضل بالي!
قالت أم عبدالله:
يزينة، عبدالله مايريد نفلة وابوه خطب نفلة بلا مايگلو.. وجيت حتى بلكي تقنعين نفلة هي الي ترفض الزواج. وسيد نمر تعرفيه، ملا مايگبل زواج الجبر! يخيتي الولد مايريد البنت، والله مو للسبب الي تعرفيه.. نفلة تعجب الملوك، بس... ترى عبدالله صار عمرو واحد وثلاثين سنة وماگبل ايتجوز، وكلما اگلو على بنت مايگبل! يخيتي اخاف الولد بيه شي ويستحي يسولف.. فلا تورطين بنتچ، أخاف حچي الناس عن ابني صحيح.
نظرت زينة اليها وفهمت ان وضحى رافضة لهذا الزواج، وفهمت ايضا ان البنت اذا دخلت في بيت واهل البيت لايريدونها ستعيش تعيسة. لكنها ايضا لم تجد اي طريقة كي تخرج نفلة من فضيحة ابن عمها، لهذا هادنت وضحى وقالت لها:
ابشري يبنت عمي، ومايصير خاطرچ الا طيب.. واني راح أگول هذا الحجي لنفلة وبلچي هي الي ترفض منها ومن ذاتها.
ونهضت وضحى وهي تقول:
عفية ام نفلة، هذا ظني بيچ.. ومثلما وصيتچ لاتجيبين طاري اني كلتلچ شي.
وخرجت.
وقفت زينة في باب غرفة العيال وقد وضعت يدها على ملبن الباب وهي تراقب وضحى تغادر البيت وتقول لنفسها: (ياوضحى خل يتزوج عبدالله نفلة حت لو شهر بس يثبت برائتها لناس ونطلعها من حلوك العالم وخل يطلگها! والله مابعد استجري انزل للمي من ورا عيون الناس الي يحجون شي ويقصدون شي ثاني).
حينها خرجت نفلة من المطبخ وجائت تسال امها عن سبب زيارة وضحى. قالت أمها وهي تبتسم:
عمتج تگول عبدالله فرحان ومكيف!
ابتسمت نفلة للحظة، ثم ماتت ابتسامتها على شفتيها وقالت:
والله يمة شكل عمتي وضحى وهي فايتة مايگول هالحچي.. حت ماسلمت عليا! بالله عليچ عليش جت؟
ولم تتركها نفلة حتى قالت لها:
بصراحة ام الولد تخاف لايكون ابنها مو رجل.. وانتي تعرفين هاي السالفة، ترى كل اهل الجرية يگولون عبدالله لا عشگ ولا تجوز وهسع عمرو عبر الثلاثين، فتگول اخاف نشيل خطية البنية.
ابتسمت نفلة وقالت:
سبحان الله! اني وعبدالله عدنا مشكلة وحدة؛ هو متهوم برجولتو واني متهومة بشرفي.. بس اني اگبل بيه يمة، واشلون ماچان اني راضية.
وضعت امها يدها على قلبها وصمتت، وهي تدعو الله ان يأتي لأبنتها بالخير.
في نفس الليلة، جاء السيد نمر ليعرف رد نفلة، وابلغه زيد ان نفلة موافقة. فخرج يمشي سريعا كي يبشر اهله، ويجمع الجاهة في اليوم الثاني لخطبة نفلة وعقد قرانها ويحددون موعد الزفاف.
