رواية تلميذ الجن الفصل الواحد والستون 61 بقلم جمال الحفني

 

 

 

 


رواية تلميذ الجن الفصل الواحد والستون بقلم جمال الحفني




مرهوب نزل على ركبة واحدة، وحط كفه على الأرض المتجمدة، وقفل عينه ثواني، ولما فتحها بص ناحية جرموق وقال بصوت واطي "وصلنا متأخر"

اتوترت وسألته, متأخر على إيه؟
قالي وهو بيقوم ببطء "الحجاب بدأ يقفل"

أول ما قال الجملة دي الجبل الأسود اللي قدامنا بدأ يختفي قدام عينينا بالتدريج، مش لأنه بيتحرك لكن لأن الضباب الأبيض بدأ يطلع من الأرض نفسها ويغطيه طبقة ورا طبقة، كأن المكان كله بيحاول يخبيه من أي حد جاي يدور عليه، وخلال ثواني قليلة اختفت القمة بالكامل، وبقى قدامنا مجرد جدار أبيض ملوش أول من آخر، ولو مكنتش شايف الجبل من لحظات، مكنتش هصدّق إنه كان موجود أصلا!
 

فضلت واقف مكاني وأنا ببص للضباب اللي بلع الجبل بالكامل، وبصراحة للحظات حسيت إن اللي شوفناه قبل كده كان مجرد وهم جماعي وإن الجبل مكانش موجود من البداية، لكن مرهوب كان أسرع مننا كلنا، اندفع ناحية المكان اللي كان واقف فيه الجبل ومد إيده اللي بدأت تطول قدامه كأنه بيحاول يلمس حاجة مش موجودة أو يلحق حاجه قبل ما تختفي..

 صرخت فيه؟ استنى رايح فين لكنه مردش عليا..

راح يجري وسط الضباب كأنه شايف طريق محدد أنا مش قادر أشوفه، بصيت لجرموق وسألته هو بيعمل إيه؟ 
 قال لي "بسرعة متسيبوش لو دخل جوه الحجاب مش هنعرف نرجعه" 
جريت وراه أنا وجرموق وأنا مش شايف قدام رجلي أكتر من خطوتين، البرد كان بيزيد مع كل متر بندخله، لحد ما سمعت صوت مرهوب قدامي وهو بيصرخ "ارجعوا حالا"

وقفت مكاني أنا وجرموق مع بعض وفي نفس اللحظة, بصيت قدامي لكن الضباب كان كثيف لدرجة إني مش شايف غير كتلة بيضا متحركة، وبعد ثواني ظهر مرهوب من وسطها وهو راجع ناحيتنا وملامحه كانت متغيره، سألته في إيه؟

 فقال وهو بيبص وراه "الجبل اختفى!"

قلتله ما إحنا عارفين إنه اختفى..

 قال "لأ أنت مش فاهم, أنا أقصد إيه الجبل نفسه اختفى من المكان، مش مستخبي في الضباب، الأرض اللي كان واقف عليها فاضية، مفيش لا صخور ولا تلج ولا حتى أثر لوجوده، كأن حد شاله من هنا وحطه في مكان تاني"

 جرموق قرّب منه وسأله "شفت إيه جوه؟"
 مرهوب سكت ثواني وبعدين سرح بعقله كأنه بيفكر في شيء محيّره..

سألته أنا بسرعة, إيه اللي شوفته؟ لكنه مردش عليا وبدل ما يجاوبني بص ناحية الكتاب اللي كان لسه في إيدي وقالي  "افتح الكتاب كدا تاني" 

فتحته وأنا مش فاهم هو عايز إيه، وكانت الخريطة لسه في نفس الصفحة والجبل الأسود لسه مرسوم في مكانه، لكن اللي اتغير إن اللون الأسود بدأ يخف بالتدريج، وبعدها ظهر مكانه خط رفيع جدا بيتحرك فوق الورقة، نفس الخط اللي كان بيمثل الطريق بيننا وبين الجبل، لكن المره دي الخط خرج من الخريطة نفسها، امتد لحد طرف الصفحة، وبعدها وقف عند علامة صغيرة مكنتش موجودة قبل كده، كانت عبارة عن دائرة مفتوحة من ناحية واحدة!

جرموق قرب من الكتاب وقالي بصوت واطي "افتح الدائرة"
بصيتله وسألته أفتحها إزاي؟

رد من غير ما يبعد عينه عن الصفحة "أكيد مش هتفتحها بإيدك"

في اللحظة دي افتكرت الجملة اللي كانت مكتوبة تحت الجبل، ومديت إيدي وحطيت صباعي على كلمة سفالبارد، وبعدها قلت بصوت مسموع الجبل الذي لا تشرق عليه الشمس وما تحته ليس للأحياء..

 مفيش حاجة حصلت!

 بصيت لجرموق باستغراب فقالي "عيدها تاني"
 كررتها مرة تانية، وفي المرة التانية بدأ الكتاب يهتز تحت إيدي، مش اهتزاز قوي، لكنه كان كفاية يخلي الثلج اللي اتجمع على أطرافه يقع على الأرض، ولما قلت الجملة للمرة التالته حصلت حاجة عجيبة..

الضباب اللي حوالينا بدأ يتحرك عكس اتجاه الريح, كأنه بيتراجع قصاد شيء احنا مش شايفينه..
مكانش بيخف ولا بيتفرّق، كان بيتراجع كأنه بيتسحب للخلف بقوة هائلة، وفي ثواني قليلة ظهر الجبل من جديد، لكن مظهره كان مختلف، القمة السوداء ظهرت قدامنا أقرب من الأول بكتير، لدرجة إني حسيت إن المسافة اللي كانت بيننا وبينه اختفت، لكن الجبل نفسه مكنش واقف في مكانه اللي شوفناه فيه في المرة الأولى..
 كان واقف قدامنا مباشرة!

 ضخم لدرجة إن قمته اختفت وسط السما، وعلى امتداد واجهته السوده ظهرت خطوط طويلة مضيئة بلون أزرق باهت، خطوط بدأت من القمة ونزلت لتحت، وكلها كانت بتتجمع عند نقطة واحدة قدامنا!

مرهوب بص للعلامة وقال "هو ده المكان"
سألته مكان إيه؟
قال وهو بيبص للثلج تحت رجلينا "المكان اللي لازم نقف فيه"

بصيت تحت رجلي ومكنتش شايف غير طبقة تلج سميكة، لكن جرموق قرب مني وقال " خليك ثابت متتحركش" 

وقبل ما أفهم قصده بدأت الأرض نفسها تذوب من غير ما تتحول لمية، التلج اختفى كأنه بيتسحب لتحت وظهر تحته صخر أسود أملس وفي نص الصخر كانت فيه دايره محفوره، نفس الدايره اللي ظهرت على الخريطة، لكن كان جواها سبعة رموز، ستة منهم مطموسين والرمز السابع كان مضيء بنفس اللون الأزرق اللي ظهر على الجبل!

قربت خطوة وأنا مستمتع وفي نفس الوقت مش قادر أصدق اللي شايفه!
 لكن جرموق مسكني من كتفي وقال "استنى"
بصيتله وقلتله إيه تاني؟

رد وهو بيبص للرمز المضيء "أنا حاسس إن سلهب مش محبوس هنا"
بصيتله وأنا مش فاهم وقلتله أمال فين؟
رفع عينه ناحية الجبل وقال
المكان ده مش باب المقبرة, ده الطريق اللي بيفتحه""
 
وزي ما يكون الجبل كان سامعنا لأنه في نفس اللحظة فيي جرموق قال فيها جملته الأخيرة فجأة بدأ الصخر الأسود تحت رجلينا يصدر صوت عميق، صوت كأنه جاي من جوف الأرض نفسها، وبعدها ظهرت أول درجة سلم وسط الدائرة, كانت درجة واحدة بس ومصنوعة من نفس الحجر الأسود، نزلت لتحت واختفينا في ظلام ملوش نهاية..

 وقتها فهمت إن الجبل اللي كنا بندور عليه مكنش مجرد جبل، وإن المقبرة اللي اتدفن فيها سلهب مكنتش موجودة فوق الأرض أصلا من البداية, كانت تحت الأرض..
 لكن السؤال اللي جي في بالي وقتها, احنا هنفضل ننزل تحت الأرض لحد فين؟
 

مزلنا مسافة طويلة وأنا مش عارف قد إيه بالظبط لأن الوقت نفسه بدأ يتصرف بطريقة غريبة كل شوية كنت أبص في ساعتي ألاقي العقرب ثابت وبعدها فجأة ألاقيه اتحرك ساعات كاملة من غير ما احس بيها والدرجات كانت كلها شبه بعض كنت كل شوية أحاول أفتكر شكل المكان اللي عدينا منه لكن كل ما أبص ورايا ألاقي السلم اختفى في الضلمة وكأننا من أول ما نزلنا وإحنا ماشيين في اتجاه واحد ملوش نهاية..

بعد فترة طويلة فجأة وقف جرموق قدامنا ورفع إيده وقال "متتحركوش"
 بصيت حواليا وأنا مش شايف أي حاجة غير السواد فسألته في إيه؟
 لكنه حط صباعه على بقي وبعد ثواني سمعت صوت بعيد جدا جاي من تحتنا صوت خبطات منتظمة خبطتين وبعدها سكون خبطتين وبعدها سكون كأن حد بيخبط على باب من الناحية التانية مرهوب قرب من الحيط وحط إيده عليه وبعدها سحبها بسرعة وقال ده مش صوت جاي من تحتنا سألته أمال جاي منين؟ فقال "دا جاي من جوه الجبل"
وفجأة الخبطات توقفت, وفجأة بعدها سمعنا صوت خطوات جايه ناحيتنا, خطوة, بعدها خطوة تانية..
 
الصوت مكانش جاي من تحتنا ولا من فوقنا كان جاي من كل الاتجاهات في نفس الوقت!

جرموق شدني ناحيته ومرهوب وقف قدامنا, وأنا لأول مرة أشوف الاتنين واخدين الوضع ده, وضع الاستعداد..

 وبعد لحظات ظهر شيء في آخر السلم, كان طويل جدا ونحيف بشكل غير طبيعي, شوفته على الرغم من الإضاءة الخفيفة جدا اللي ظهرت فجأة واللي مكنتش عارف مصدرها!

 مشينا ناحيته لكن كل ما قربنا منه كان بيرجع لورا بنفس المسافة بالظبط, لحد ما جرموق قالي "متبصش في عينه"

بصيت بسرعة بعيد عنه وسألته هو إيه دا ولا مين دا؟

 قالي "مش عارف. لكن لو كان عايز يقتلنا كان عملها من أول ما شافنا"
مرهوب قال وهو مركز في الضلمه "سيبوه"

وبعدها كملنا النزول والشيء ده فضل ماشي ورانا من غير ما يلمسنا ولا يقرب مننا, وكل ما نوقف كان يقف, وكل ما نتحرك كان يتحرك ورانا, لحد ما فجأة اختفى ومحدش فينا عرف اختفى امتى..

وبعدها بدقائق السلم انتهى..

آخر درجة نزلتها كانت على أرض صلبة ومسطحة, ولأول مرة من وقت ما دخلنا المكان ده حسيت إن فيه مساحة واسعة حوالينا, جرموق أشعل نار صغيرة في إيده ورفعها قدامنا وفي اللحظة دي ظهر المكان كله بشكل أوضح..

كنا واقفين في قاعة ضخمة محفورة داخل الجبل, سقفها كان بعيد لدرجة إني مش قادر أشوف نهايته, والأعمدة اللي حوالينا كانت ضخمة وكل عمود عليها نقوش لجن بأشكال مختلفة, بعضهم لابس تيجان وبعضهم ماسك أسلحة, وبعضهم راكع على الأرض, لكن كل الوجوه كانت متآكلة كأن حد تعمد يمسح ملامحهم من الحجر!

وفي آخر القاعة كان فيه باب, باب واحد بس, ضخم مغطى بسلاسة من الحجر ملفوفه حواليه من كل ناحيه..
 
وقفت وأنا ببصله وقلت هو ده؟

جرموق مردش, لكن مرهوب هو اللي اتكلم وقال "يمكن!"
 
بصيتله باستغراب وقلتله, يمكن؟

 
قربنا منه ببطء وكل خطوة كنا بنمشيها كان صدى صوتها بيتردد من جوانب القاعة كأن المكان كله بيراقبنا, ولما وصلنا قدام الباب لاحظت إن فيه سبع فتحات صغيرة على سطحه, كل فتحة على شكل رمز مختلف, ستة منهم كانوا مقفولين بحجر أسود والفتحة السابعة كانت فاضية!

جرموق مسك الكتاب من إيدي وفتحه على الخريطة وبعدها بص للرمز اللي في الصفحة وبص للباب كأنه بيقارن بينهم..

وبعدين قال
"الخريطة مكنتش بتدلنا على المقبرة, كانت بتدلنا على المفتاح!"

 
مديت إيدي ناحية الفتحة الفاضية لكن قبل ما ألمسها مرهوب مسك دراعي وقال "استنى"

بصيتله باستغراب..

قال "سلهب اتحبس هنا من زمن طويل واللي حبسه مكانش عايز حد يوصله"
قلتله بس إحنا وصلنا!
هز راسه وقال " لأ, إحنا لسه موصلناش للباب"

وفي اللحظة دي بدأ صوت عميق يخرج من وراه, صوت مبحوح وقديم لدرجة إن الحجر نفسه اتهز معاه..
وبعدها سمعنا كلمة واحدة
ارجعوا""
بصيت ناحية جرموق ومرهوب, ولأول مرة من بداية الرحلة ملامحهم هما الاتنين اتغيرت!
 
جرموق قرب من الباب وقال بصوت واطي "سلهب"
لكن الصوت اللي جاي من خلف الباب رد عليه "أنا لست سلهب"
 
وبعدها السلاسل الحجرية بدأت تتحرك ببطء فوق الباب, واحدة منهم اتكسرت, ثم التانيه, ثم التالته وقبل ما الباب يفتح بالكامل ظهر من الشق الضيق بين ضلفتيه ضوء أحمر خافت
ومن وراه صوت رخيم وعميق جدا, أعمق صوت سمعته في حياتي..

"من منكم جاء يبحث عن سلهب "
سكتنا كلنا..

بصيت للباب وأنا حاسس إن كل الرحلة وكل اللي حصل من لحظة ما فتحت الكتاب لأول مرة كان بيقودني للحظة دي, فقولت بصوت مرتعش, أنا.
 
سكت الصوت للحظات وبعدها قال 
 
"إذن دخلت المقبرة الخطأ"


تعليقات