رواية تلميذ الجن الفصل الرابع والستون 64 بقلم جمال الحفني

 


رواية تلميذ الجن الفصل الرابع والستون بقلم جمال الحفني




كنت في آخر يوم من أجازتي المعتادة، قاعد لوحدي في البيت بعد ما الدنيا هديت والساعة كانت عدت منتصف الليل بشوية، البيت كله ساكت بشكل مريح، وكنت مستغل الأيام القليلة دي إني أبعد دماغي عن كل اللي حصل في الفترة الأخيرة، خصوصا حكاية سلهب والجبل والرسالة اللي أجبرتني أرجع وكنت وقتها حاسس إني محتاج أقضي كام يوم من غير ما أسمع اسم جن ولا أشوف كتاب قديم ولا ألاقي نفسي داخل مغامرة جديدة، ولأول مرة من فترة طويلة كنت حاسس إن الدنيا رجعت طبيعية لحد ما النور اللي في الصالة بدأ يضعف لوحده..

 في البداية افتكرت إن اللمبة فيها مشكلة فقمت من مكاني وبصيت عليها لكنها رجعت تنور تاني، وبعدها بثواني حصل نفس الشيء مرة تانية لكن المرة دي النور مطفاش، هو بس بقى أضعف تدريجيا لحد ما المكان كله غرق في إضاءة خافتة، وفي اللحظة دي بالذات حسيت بالحرارة اللي بقيت أعرفها كويس، نفس الإحساس اللي بييجي قبل ظهور رسالة منهم، وفجأة ظهرت قدامي من الفراغ..

وفيها:

إلى تلميذ الجن..

"لقد أتممت ما طُلب منك، وحين خُيّرت بين فضولك وطاعتك، اخترت العهد ولذلك فقد تقرر أن تكون مكافأتك عام كامل لا يُطلب منك فيه شيء، ولا تستدعى فيه إلى حكم، ولا تكلّف فيه بمهمة، ولا تُلزم فيه بالبحث عن أثر أو جني أو ساحر, عش عامك كما تشاء، وعد إلى حياتك التي تركتها، فالقبائل لا تحتاج منك شيئا خلال هذه المدة"

حسيت وقتها بحاجة غريبة جدا، مزيج بين الراحة وعدم التصديق، قعدت على الكرسي وأنا لسه ماسك الورقة وقريتها مرة تانية وبعدها ابتسمت وقلت أخيرا سنة كاملة من غير ما حد يطلب مني حاجة, رجعت اقرا الرسالة تاني قبل ما تختفي ووقفت عند الجملة الأخيرة تحديدا، 
"عد إلى حياتك التي تركتها" لأن الجملة دي شدتني أكتر من كل اللي قبلها!

كأنهم لأول مرة بيعترفوا إن اللي حصل خلال الشهور اللي فاتت أخد مني حاجة، وإنهم فاهمين إن الإنسان اللي دخل عالمهم من البداية مش هو نفس الإنسان اللي واقف دلوقتي في بيته.

فضلت باصص في الورقة وأنا سرحان وفجأة لقيت سطر جديد ظهر من تحت خالص 

"ولا تحاول أن تبحث عن سلهب خلال هذا العام" 

ابتسامتي اختفت في لحظتها وفضلت باصص للجملة شوية وبعدين هزيت راسي وقلت لنفسي إنهم واضح إنهم عارفينني أكتر مما كنت فاكر..

حطيت الورقة على الترابيزة، لكن قبل ما أبعد إيدي عنها اختفت تماما لا دخان ولا نار ولا حتى أثر رماد، بعدها رجعت أبص للساعة وبصراحة لأول مرة من شهور طويلة حسيت إن عندي حاجة أخطر من أي مهمة كلفوني بيها, وقت فاضي!!!

بس بصراحة كنت حاسس براحة غريبة ممزوجة بفراغ، كأن حد فجأة شال من فوق دماغي حمل كنت متعود عليه لدرجة إني نسيت شكله, وأول حاجه قررت أعملها الصبح إني ابعت إيميل للشركة واطلب منهم أجازة شهرين أو أكتر شوية وكنت عارف إنهم هيوافقوا لأن فترة الشتا الشغل فيها بيكون قليل وبكدا هيوفروا راتبي بالكامل..

قمت رجعت لسريري فتحت الموبايل وقعدت أقلب في فيسبوك من غير هدف، فيديوهات وأخبار ومنشورات ملهاش علاقة ببعض لحد ما ظهر قدامي منشور واخد انتشار كبير، صورة لطريق صحراوي طويل وسط الضلمة، والعربية متصورة من بعيد وهي واقفة على جنب الطريق وفوق الصورة عنوان كبير بيقول إن زوجين كانوا راجعين من سفر بالليل وشافوا عفريت طريق وقف قدام عربيتهم ولما فتحت المنشور لقيت إن الراجل نفسه هو اللي كاتب اللي حصل، بيقول إنه كان سايق ومراته جنبه والطريق كان هادي ومفيش حواليهم أي عربيات وفجأة على بعد مسافة شاف شخص واقف في نص الطريق طويل بشكل ملفت ولابس هدوم غامقة, فهدا السرعة وفضل يدي له كلاكس لكن الشخص مكنش بيتحرك، ولما قرب منه أكتر اختفى من قدام العربية في لحظة وقدام عينه مباشرة، وبعدها مباشرة العربية نفسها اتطفت مع إن كل العدادات كانت شغالة، والراجل بيقول إنه فضل يحاول يدورها كذا مرة لحد ما سمع مراته اللي كانت شايفه المشهد من الأول وهي بتصرخ وتقوله إن الشخص واقف ورا العربية!

وقفت عند الحتة دي وقريت الكلام مرة تانية وبعدها نزلت للتعليقات وهنا بدأت القصة تاخد شكل مختلف، لأن بدل ما ألاقي ناس بتضحك وتقول خرافات كما هي العادة لقيت تعليقات من سواقين نقل وملاكي بيأكدوا إن الطريق ده فعلا مشهور بينهم بالحكاوي دي..

 واحد بيقول إنه شاف شخص واقف على جنب الطريق واختفى أول ما قرب منه، وواحد تاني بيقسم إنه كان سايق مع زميله وشافوا راجل بيجري جنب العربية بنفس سرعتهم لمسافة طويلة ولما وقفوا ملقوش أي حد، وسواق تالت كتب إنه عمره ما بيعدي من المنطقة دي لوحده بعد الساعة اتنين بالليل ولما حد سأله ليه رد وقال إن اللي بيظهر هناك مش دايما بيكون مجرد خيال أو وهم, خصوصا إنه أول مره يسوق على الطريق دا شاف واحدة ست واقفة بتشاورله ومعاها طفل صغير, وقفلهم وركبوا معاه وبعد مسافة وهو ساند بكوعة على الباب ناحية الشمال من كتر التعب والسهر ولما رجع بص عليهم عشان يسألها نازلين فيه ملقاهمش!

فضلت أقلب في التعليقات وأنا حاسس إن الموضوع بدأ يشدني أكتر من اللازم، خصوصا إن الناس اللي بتحكي مش عارفين بعض وكل واحد بيحكي موقف مختلف، لكن فيه حاجة واحدة مشتركة بينهم كلهم إن الحكايات بتحصل في نفس الجزء من الطريق تقريبا، عند منطقة مفيهاش أي بيوت ولا أعمدة إنارة ولا حتى محطة بنزين قريبة، وبدأت أسأل نفسي هو ليه المكان ده بالذات؟ وليه كل الناس بتشوف حاجات متشابهة فيه؟ 

دخلت على الخريطة ودورت على المكان، وبعد شوية بحث لقيت إن الطريق والموقع أبعد مما توقعت، لكن المسافة مكنتش مشكلة بالنسبالي، أنا أصلا عندي سنة كاملة مفيهاش مهمة واحدة، ومفيش حد مستنيني ولا قبيلة باعتالي أمر ووقتها حسيت إن الفضول شدني خالص، فتحت الخريطة تاني وحفظت الموقع على الموبايل، وقلت لنفسي وأنا ببتسم

أول مغامرة في سنة الحرية, شكلها هتبدأ من طريق صحراوي..


تعليقات