رواية تلميذ الجن الفصل الخامس والستون 65 بقلم جمال الحفني

 

 


رواية تلميذ الجن الفصل الخامس والستون بقلم جمال الحفني





قررت تاني يوم إني اروح الطريق دا واشوف العفريت بنفسي, كنت دايما بسمع عن عفاريت الطرق لكني عمري ما اهتميت بيهم بالشكل الكافي، يمكن لأني كنت فاكر إنهم مجرد حكايات قديمة السواقين بيحكوها لبعض عشان يكسروا ملل السفر، لكن بعد اللي قريته عن الطريق ده بدأت أفتكر كلام قديم سمعته من شدام في مرة، كان بيقول إن عفريت الطريق مش بيعيش في الطريق بالمعنى اللي البشر فاهمينه، هو بيعيش في اللحظة اللي بيحصل فيها الخوف، يعني ممكن يفضل سنين في نفس المكان من غير ما يظهر لحد، وممكن يظهر في ليلة واحدة لأكتر من شخص، لكنه عمره ما بيختار أي حد، لازم الشخص يكون لوحده أو يكون مرهق أو شارد أو عنده خوف جواه لأن العفريت حسب كلام شدام مش بيظهر عشان يخوف الناس وخلاص، هو بيظهر لما يلاقي إن الإنسان نفسه فتح له الباب, وأحيانا بيظهر بدون أي سبب من الأسباب دي, بيظهر عشان عايز يظهر ويرازي في خلق الله, أو أحيانا عشان يفرض سيطرته على الشارع وينبسط لما الناس تقول الشارع دا ساكنه العفريت الفلاني وعمل كذا مع فلان وكذا مع فلان..
وكان فيه اعتقاد غريب عند بعض الجن إن عفاريت الطرق بتتعلق بالأماكن اللي حصل فيها موت مفاجئ، خصوصا لو الموت حصل من غير ما صاحبه يعرف إنه قرب، وعشان كده بعضهم بيفضل واقف في نفس النقطة لسنين، لا بيتحرك منها ولا يقدر يبعد عنها، ويظهر مرة في شكل راجل، ومرة في شكل طفل، ومرة في صورة شخص واقف بعيد كأنه مستني حد، لكن الشكل الحقيقي محدش من البشر شافه, أو تقريبا عدد قليل جدا وأحيانا بتحصلهم صدمة وبيفقدوا النطق أو يتجننوا وأحيانا بيلازموا السرير فترة وبعدها يموتوا!

وأغرب حاجة كنت أعرفها عنهم إنهم مش بيظهروا لكل اللي يعدوا من المكان بالعكس، معظم الناس ممكن تعدي من فوق نفس النقطة عشرات المرات ومتشوفش حاجة، لكن في بعض الليالي بيختار واحد بعينه ويبدأ معاه بحاجات بسيطة جدا، العربية مثلا تبقى تقيلة فجأة والسواق مش عارف يتحكم فيها, راديو يقطّع، صوت صرخة جايه من بعيد، ظل يعدي قدام النور ويختفي أول ما عينك تلمحه، وبعدها لو الشخص وقف أو رد أو حاول يدور ورا الصوت تبدأ الحكاية الحقيقية!

 وعشان كده كان بعض السواقين زمان يقولوا إن أسوأ حاجة ممكن تعملها لو شفت حد واقف في طريق صحراوي بالليل إنك تقفله!

يمكن عشان كده كنت متحمس وأنا سايق ناحية المكان، أنا مش رايح أدور على شخص ظهر قدام عربية وخلاص، أنا كنت عايز أعرف إذا كانت كل الحكايات دي مجرد خوف جماعي اتوارثه السواقين، ولا إن الطريق فعلا فيه حاجة وعايزه حد يشوفها!

ركبت العربية بعد المغرب بشوية، وخدت الطريق الصحراوي وأنا سايب الموبايل على الكرسي اللي جنبي، كل شوية أفتح الخريطة أتأكد إني ماشي في الاتجاه الصح، وكل ما قربت من المكان بدأت العربيات تقل لحد ما بقيت ما بشوفش غير أضواء بعيدة بتظهر وتختفي قدامي، وبعد حوالي ساعة ونص وصلت للجزء اللي الناس اتكلمت عنه..

 الطريق كان عادي جدا ومفيش حاجة تلفت النظر، لا صوت غريب ولا ظل ولا حتى حركة على الجانبين، وقفت العربية على جنب ونزلت منها، فضلت واقف شوية أبص للصحراء على اليمين والشمال وأنا مستني أي حاجة تحصل، لكن مفيش حاجة حصلت!

-العفريت مبيطلعش للي عايز يشوفه-

رجعت للعربية وقعدت جواها، واتحركت في الاتجاهين رايح جاي أكتر من مرة، مرة أبطأ ومرة أسرع، حتى إني وقفت في نفس النقطة اللي الراجل قال إنه شاف فيها الشخص، ونزلت وبصيت حواليّا لكن النتيجة كانت واحدة مفيش حاجة!

وقتها جاتلي فكرة وهي إني مش هقف مستني إيه يظهر, هستفزّه واخليه هو اللي يظهر لوحده..

رجعت العربية لنقطة أبعد من المكان بحوالي كيلومتر وطفيت الأنوار، وسيبت العربية تتحرك ببطء شديد لحد ما وقفت تماما في نص الطريق، وبعدها نزلت منها ومشيت شوية بعيد عن العربية، وبمجرد ما بقيت واقف لوحدي في الضلمة طلعت الموبايل وفتحت تسجيل الصوت، وقلت بصوت مسموع وأنا ببص للطريق الفاضي قدامي أنا عارف إنك هنا ولو بتظهر للناس اللي بتخاف منك، فأنا مش خايف..

سكوت ومحصلش حاجه..

ثواني عدت من غير ما يحصل أي شيء بعدين سمعت صوت فرامل عربية جاي من ورايا

لفيت بسرعة وأنا ناسي إني سبت أنوار العربية مطفية ودا خطر جدا وممكن أي عربية تخبط عربيتي, لكن اتفاجئت بأن الطريق كان فاضي وعربيتي اللي كنت سايبها على بعد عشرين متر تقريبا أنوارها كلها اتفتحت لوحدها!
أول ما أنوار العربية اتفتحت بصيت ناحيتها ثواني، وبعدين حسيت بحضور حواليا وبطرف عيني لقيت جرموق ومرهوب واقفين على بعد خطوة ورايا، ظهورهم كان طبيعي بالنسبالي خصوصا إن السنة اللي أخدتها من غير مهام كان واضح من أولها إنهم مش هيسيبوني أتحرك لوحدي..

 جرموق بص للعربية وقال وهو بيحط إيده في جيبه "واضح إن صاحبنا قرر يظهر أخيرا"

 مرهوب ابتسم وقال "كان لازم يعني يستنى لما تطفي النور عشان يضمن إنك لوحدك!"

 سألتهم يعني أنتوا شايفينه؟ 

جرموق رد من غير ما يبصلي "شايفينه من أول ما وقفت هنا"
سألتهم وأنا لسه مركز عيني على العربية هو ده اللي كان بيظهر للناس؟
 جرموق هز راسه من غير ما يتكلم، وفي اللحظة دي ظهر شخص على بعد مسافة صغيرة من العربية، واقف في الضلمة ومش باين منه غير جزء من جسمه، لكن أول ما لمحته عرفت إنه مش إنسان، وقبل ما يتحرك قلت لجرموق ومرهوب بهدوء هاتوه..

أول ما الكلمة خرجت من بقي أنوار العربية اتطفت مرة واحدة، المنطقة كلها بقت ضلمة، وفي نفس اللحظة حسيت بطاقة بتتحرك ناحية الصحرا العفريت كان بيهرب لما حس باللي معايا، كان بيجري بطريقة مستحيل أي إنسان يجري بيها، لكن جرموق ومرهوب اختفوا في نفس اللحظة، وبعد ثواني سمعت صوت صرخة مكتومة جاية من بعيد، وبعدها ساد الصمت من جديد..
جريت على العربية, ركبت وشغلت المحرك وانطلقت ناحية الصحرا وتحديدا الصوت اللي سمعته, مكانش ينفع نكمل كلامنا على الإسفلت قدام اللي رايح واللي جاي, وتقريبا العفريت اختار المكان المناسب إنه يتمسك فيه..
بعد تلات دقايق مشي في الصحرا ظهرلي جرموق ومرهوب، وكل واحد فيهم ماسك ذراع من ذراعي العفريت، وكان بيقاومهم بكل قوته، لكن واضح إن محاولته كانت بلا فايدة، بصيت للعفريت كويس لأول مرة كان شكله أقرب لرجل عجوز طويل ونحيف، جلده شاحب بشكل غريب وشعره أبيض ومتشابك ونازل على جزء من وشه، لكن أكتر حاجة شدت انتباهي كانت عينيه، مفيهاش بؤبؤ واضح، مجرد سواد واسع..

قربت منه خطوة وقلت اسمك إيه؟ فضل ساكت، بصيت لجرموق وقلت له سيبه يتكلم لوحده، جرموق ومرهوب بعدوا عنه خطوتين، والعفريت فضل واقف قدامي وهو بيبصلي وبعد لحظات قال بصوت خشن ومتقطع "إنت مش المفروض تكون هنا"

 ابتسمت وقلتله وأنا مش جاي عشان أشوفك بس، أنا جاي أعرف ليه بتظهر للناس في الطريق، وليه الطريق ده بالذات!

فضل ساكت شوية وكأنه بيحاول يطلع الكلام من مكان بعيد جواه، مكان مليان سنين من الانتظار والغضب, عينه راحت للطريق ورايا وبص لنفس المكان اللي بيظهر فيه، كأنه مش شايف الأسفلت والتراب لكنه شايف ليلة قديمة لسه عايشة قدامه بكل تفاصيلها, بعدها رفع عينه ناحيتي وقال بصوت خشن ومتقطع "أنا مش عفريت زي ما الناس فاكرة أنا قرين"
اتثبت مكاني وأنا ببصله باهتمام، وقلت له قرين مين؟

 فضل ساكت لحظات وبعدها قال "قرين واحد اسمه محمود إنسان عادي عاش ومات وهو مش عارف إن فيه حد كان معاه طول عمره، كان شايف خوفه قبل ما يخاف، وحاسس بألمه قبل ما يحس بيه، لكني مقدرتش أنقذه في اللحظة اللي كان محتاجني فيها"

لف وشه ناحية الطريق وقال بصوت مليان مرارة "الطريق ده وقتها كان جديد، ومكانش فيه سواقين كتير بتعدي منه, محمود كان راجع بعربيته في ليلة هادية وفجأة العربية عطلت منه هنا بالظبط, نزل يحاول يشوف فيها إيه وكان فاكر إنها مشكلة بسيطة وهيكمل طريقه لكنه مكنش يعرف إن حياته هتنتهي هنا"

سكت شوية وكأنه بيجمع شجاعته عشان يكمل، وبعدها قال "بعدها بدقايق ظهرت عربية جاية من بعيد، كانت ماشية بسرعة كبيرة، محمود حاول يبعد عن الطريق، لكن الوقت كان فات العربية خبطته ورمته على الأرض، والسواق وقف للحظة, لحظة واحدة بس شافه وهو مرمي شبه جثة على الأرض وفي اللحظة اللي وراها هرب بأقصى سرعة"
"كنت موجود وشايف كل حاجة, كنت واقف جمبه وهو بيحاول ينادي، كنت سامع أنفاسه وهي بتضعف، لكني كنت مربوط بقوانين تمنعني إني أغير اللي حصل, آخر حاجة شفتها منه إنه كان باصص للطريق مستني حد يساعده ومحدش جه, ومن يومها وأنا هنا الناس بتفتكر إني بحرس الطريق أو بخوف اللي يعدي منه، لكن محدش يعرف إني مش مستني أي حد أنا مستني العربية"

قلت له باستغراب العربية؟

 هز رأسه وقال "أيوه العربية اللي أخدت محمود مني, أنا حافظ صوت محركها، حافظ شكلها، حافظ الأثر اللي سابته على الطريق, كل ليلة لما أسمع صوت عربية من نفس نوعها جاية من بعيد بفتكر إنها رجعت"
 سكت لحظة وبعدها بصلي بعينين مليانين غضب وقال "أنا مش عايز أأذي حد أنا بس مستني القاتل يرجع مستني اللحظة اللي يعدي فيها بعربيته، عشان أوقفه وأقوله إن فيه حد فضل واقف هنا سنين طويلة مستني اليوم اللي يعرف فيه إن اللي سابه يموت مكنش لوحده"

بصيت لمرهوب وجرموق بصة عرفوا معناها, وفي اللحظة التانية اختفوا..
وأنا اتمشيت ناحية عربيتي بهدوء وأنا بدعي بالرحمة لمحمود..


تعليقات