رواية دكة السادة الفصل السابع بقلم فطمة محمد علي النعيمي
قدر أم تدبير ظالم؟
في تلك الليلة
حضر جميع رجال قرية الحويدة والقرية المجاورة
أم الگرون
ابناء عم عبدالله واقارب نمر الاحمد
وذهبوا لخطبة نفلة رغم اعتراض الكثير منهم
بل كلهم
ولكل واحد منهم سبب
بعضهم معترضين بسبب سمعة البنت الملوثة
والبعض الآخر يرى أن السيد نمر خطب فتاة لا اصل لها
بل غريبة حتى عن الديرة
واخرون يلومون السيد نمر لانه لم يخطب منهم
فهم ابناء عم وهم احق بعبدالله من واحدة لايعرفون اصلها وفصلها
لكنهم جميعا ذهبوا مع السيد نمر
للخطبة وابتلعوا ارائهم بصمت مع جرعة من النفاق
الأجتماعي.
تمت الخطبة بسلاسة لحكمة السيد نمر وطيبة زيد
فقد اهداها زيد للسادة بلا مهر
لكن السيد نمر اصر
ان يمهرها مهر يليق بسمعة السادة
صاح السيد نمر ابن اخيه صالح
وقال له
-يابا يصالح روح لعمتك وضحى وجيب الغربال(١)
وانطلق صالح
وتهامس الجميع فيما بينهم
يرددون باصوات منخفضة
-غربال؟
-غربال؟
-غربال ذهب؟
وصل صالح وهو يمسك بغربال مغطى بقطعة من القطيفة الحمراء
ووضع الغربال أمام السيد نمر
كشف السيد نمر عن الغربال واخرج رزمة من المال
من جيبه و وضعها فوق المجوهرات
التي اشتراها خلال السنين الماضية واخفاها لزواج ابنه
وقال لزيد العلي
-يبو نفلة هذا مهر بنتك
روح وديه لها وجيب وكالتها حتى نعجد العجد
نهض زيد العلي وحمل الغربال وهو مبتسم
ويصلي على محمد وال محمد ودار على الرجال واحد واحد يريه مهر ابنته كما تعارف عليه الناس
والبعض يبارك بكلمات مريضة والبعض يكتفي بالنظر
ثم دخل على ابنته التي كانت تلبس اجمل ثيابها وجالسة بين النساء وهن يصفقن وينشدن اناشيد الافراح في ذلك الزمن
عيني عيني يبنية
تعالي هين يبنية
نوري بيتج يبنية
اني شوگچ يبنية
حين دخل الاب هبت النساء بالزغاريد
استقبلن الغربال بالزغاريد وفرح لايوصف
وقال لها ابوها
-يمة ينفلة راح اگضب عجدچ على عبدالله النمر
وهذا مهرچ
تگبلين بهل زواج؟
وكما اوصتها أمها فعلت.....
لم تجيب في اول مرة
اعاد الاب سؤاله مرة اخرى
ولم تجيب...
حين سالها في المرة الثالثة
اجابت بهدوء وقد انزلت رأسها الى اقصى مدى ممكن
- اگبل
وانطلقت الزغاريد كأنها عاصفة فرح تجتاح كل القلوب
المحبة وحتى الكارهة
فالفرح كالحزن يصيب الناس بسرعة كعدوى فيروسية
وخرج الاب فرحا مستبشرا
بعد ان سلم الغربال لزينة كي تريه للنساء واحدة واحدة
كما فعل هو مع الرجال
ذهب زيد
وجلس قرب السيد نمر
قال له السيد نمر
-ها يخوي بشر
ابتسم زيد وقال
-أگبلت
شعر عبدالله ان سكين انغرز في قلبه
حتى تغير لونه
بينما استقبل السيد نمر القبول بالحمد والشكر
طلب السيد نمر من زيد ان يمد يده لعبداللة وينظر في عينيه ويردد خلفه
مد زيد يده لعبدالله
وشعر ببرودة يد عبدالله ونظر الى عينيه
كان عبدالله عابسا ثم نظر زيد الى السيد نمر
كان السيد نمر فرحا مبتسما مبتهجا
اوما السيد لزيد براسه بمعنى لاعليك استمر
اطمأن زيد لشدة فرح السيد نمر بهذا الزواج
وتم العقد رغم تلك العصرة القوية التي شعر بها
زيد تؤلم قلبه،
اما وضحى فقد قرصت زند زينة وهمست باذنها
قائلة
-عمت عين حظچ يزينة
مو گلتي راح ترفض
همست زينة باذنها وقالت
-يا ام عبدالله والله حجيت.بس زيد انطى كلمة للسيد وماضل بيها مجال
وانتي تدرين اذا الرجال گالو اي ترى كل حجينا لايقدم ولايأخر
بالله عليچ يخيتي ديري بالچ على بنتي
ردت وضحى بيأس وقالت
-ليش منو يكدر يگف بوجهچ انتي وسيد نمر
الامر لله
انتهى الموضوع والبنت صارت محسوبة علينا
بس كون الله يسترنا ويطلعنا من حلوگ الناس
طبطبت زينة على يد وضحى وقالت
-لاتخافين بنتي واعرفها زين
طاهرة وعفيفة
بنية حبابة وعاجلة والله الا ادللچ انتي وابنج
انتي بس كولي يارب
وكان الزفاف بعد يومين
ولكن الافراح والدبكة والطبل انطلقت من
يوم المشاية
وجائت ليلة الدخلة
كانت ليلة صعبة على الجميع الكل يترقب
حين وقف عبدالله امام باب العروس وقف معه ابوه
وهمس في أذنه قائلا
-نحنا مو من عادتنا نطلع نيشان البنت جدام الناس
لكني گلت لأمك تجمع عواجيز الجرية عدها
بغرفتها
حتى يشهدن على براءة نفلة
تفوت تاخذها وتجيب نيشانها لأمك
هاك هاي الوصلة البيضة
وامك ونسوان الجرية ينتظرنك بغرفة العيلة
دخل عبدالله الى نفلة
لكنه كان في حالة نفسية سيئة جدا
اقترب منها مترددا وسلم عليها
ردت نفلة السلام بكل هدوء ورصانة
هدوء صوتها ازاح عن قلب عبدالله الكثير من التوتر
والقلق
جلس قربها وكشف عن وجهها
نظر اليها ارتبك حتى ارتجفت يداه
كانت جميلة للحد الذي لا يمكنه تحمل الموقف
لكنه وكرد فعل لما يعتمل في صدره
قال لها
-انتي تدرين اني ما اريدچ؟
اجابت بهدوء
-أي ادري
قال بأستغراب
-ليش گبلتي ؟
اجابت بهدوء
-حتى بس اثبت برائتي ومو مشكلة اذا عفتني وراها
قال عبدالله
-يعني گبلتي بيا مثل ثور التلقيح
التفتت اليه ونظرت له نظرة جعلته يرتبك
وقالت
-حشا والف حشا انتم السادة تاج على روسنا
آني گبلت بيك عبني اعرف نخوتكم وغيرتكم على عرض بنت شريفة راحت ضحية لچلب مع الاسف ابن عمها.
ارتاح عبدالله وابتسم لأول مرة
وقبلها من جبينها. ليس اقتناعا تاما
لكنه كأي شاب في مثل موقفه اراد ان ينسجم
مع عروسه في ليلة كهذه
وينهي مهمته على اكمل وجه
وبعد ساعة خرج عبدالله
واعطى نيشان برائة نفلة وبرائته
لأمه
التي دخلت للغرفة وفردت قطعة القماش الملوثة
امام النساء وهي تزغرد
ليس فرحا ببراءة نفلة فقط بل
برجولة ابنها المتهمة بالنقص
والتي هي نفسها كانت تشك بوجودها فعلا،
فقط......
لانه لم يقترب من اي فتاة خلال سنين عمره كلها
ورغم وجود بعض المشككين
الا ان قصة اغتصاب نفلة قد انتهت
لكن قصة قبول عبدالله بنفلة لم تنتهي تماما
بل كانت حاضرة في كل لقاء يتم فيما بينهما
خلال تلك الفترة
وزاد الوضع سوءا بتصرفات عمتها معها
ليس لأن عمتها شريرة
لكنها أم ترى ان أبنها غير سعيد
تحاول ان تساعده كي يتخلص من فتاة اجبره ابوه
على الزواج بها...
والأنسان بطبعه يرفض قبول العسل اذا كان بالاكراه،
لكن نفلة كانت عاقلة عقل عشرين رجل
كانت تعرف تماما مشكلة عبدالله لهذا سعت بكل الطرق لكسب مودته
وعبدالله كان رجلا صالح وشيء فشيء بدأ يميل الى نفلة
ويتذكر لها فقط تلك المرات الثلاثة التي لمحها بها وهي تنزل للنهر لتجلب الماء لبيتها قبل ليلة الفضيحة
لكن بذرة الشك والرجولة المنقوصة
كانت تنمو في اعماقه بصمت وهدوء،
والعمة ما أن رأت انسجام ابنها مع زوجته حتى
خففت من قسوتها على نفلة
واستطاعت نفلة ان تستوعب عمتها واصرت على كسبها
بعملها المتقن وصبرها الجميل عليها
حتى استطاعت كسب قلب عمتها وضحى بقوة،
بعد مدة شهر اعلنت نفلة انها حامل
وانطلقت الزغاريد والافراح،
بنفس الوقت الذي خطب السيد نمر ابنة اخيه
لولده الثاني حازم على ان يزفها لولده حازم
بعد عام لصغر سن العروس
عم الفرح بيت السيد نمر
ومع مرور الايام
كبرت بطن نفلة حتى لم تعد تستطيع النهوض
اقسمت وضحى ان نفلة حامل بأثنين او ثلاثة
فبطنها كبيرة بشكل لايتناسب مع الحمل الأول
واخيرا......
ومع بداية نيسان من العام 1940
تلك السنة التي تجاوز هطول الامطار فيها النسبة الطبيعية
حتى اصبحت كل القرى الواقعة على الانهر مهددة بالدمار
وحين شعر السيد نمر بخطر الفيضانات ونفلة قد اصبحت في شهرها الأخير خاف كثيرا عليها وعلى مافي بطنها
لهذا أمر عبدالله أن يأخذ بيت الشعر ويخرج به الى
الجبل ويقوم بنصبه ونقل نفلة اليه مع حماتها
وأسرة زيد كما فعل اهل القرية كلهم
تحسباً من فيضانات النهر في مثل هذاالوقت من السنة
رغم ارتفاع القرية عن مجرى النهر فهي اساسا تقع على تلة تطل على النهر
فالامطار الغزيرة في تلك السنة كانت تشكل خطرا كبيرا على القرية والناس
وهناك بين الروابي الخضراء والزهور الملونة التي لونت وجه الارض بألوان زاهية مبهجة
بدات نفلة تشعر بالمخاض
واستمر المخاض اربعة ايام حتى
وأخيراً وبعد عذاب طويل.
جاء للدنيا حسن وحسين
طفلين في منتهى الجمال والكمال
كان فرح عبدالله بولديه لايوصف
وبالتالي بدأ يتناسى ماحصل لنفلة
و اصبح يناديها أم الحسنين
وشيء فشيء تحولت شكوك عبدالله بزوجته الى مجرد رماد نثره في الهواء
ولم يعرف عبدالله حينها ان الزوابع تدور تدور وترجع بالرماد لتعمي به عينيه
عن نعمة كانت بين يديه وفرط بها في لحظة ضعف
سيندم عليها بقية عمره
وكذلك السيد نمر الذي عبر عن فرحته بأن
ذبح للولدين عجل واولم للناس وليمة ضل اهل القرية يتحدثون عنها في مجالسهم لزمن طويل
********
حين اصبح عمر الطفلين سنة
حملت نفلة مرة ثانية وأنجبت ولداً كأنه البدر
يفوق حسن وحسين جمالاّ وضخامة
مع بداية الشهر الأخير من العام 1941
اسماه جده محمد
لكن هذا الطفل كان حكاية تختلف عن التؤام
كان الطفل جميل جمال يخلب العقول
وديع هاديء كأنه ملاك
ومن الشهر الأول لولادته اصبح السيد نمر
لايتركه بل ترك جلسات الرجال عصر كل يوم
وكذلك سهرات الذكر في الجامع
وتعلق بالطفل حد الولع
ولشدة تعلق السيد نمر به كان يرفض ان تاخذه نفلة
عندها بعد ان اصبح عمره اربعة اشهر
لم يعد يفارقه
كانت تفرش لعمها السيد نمر فراش أمام البيت وتضع محمد عنده وتذهب لعملها
وحين يبكي الطفل ينادي امه لترضعه او تضعه في المهد
واذا دخل السيد نمر غرفة الضيوف يحمل حفيده
وياخذه معه
ويلاعبه الى ان يحتاج الطفل تنظيف او رضاعة فينادي امه لتقوم بواجبها
وحين تكمل مهام الطفل ترجعه لجده
وقد ارتاحت نفلة كثيرا من خوفها على طفلها خصوصا بوجود ثلاثة اطفال في البيت حسن وحسين وابنة حازم
في ربيع ذلك العام
كان الطفل قد بلغ من العمر خمسة اشهر ينام قرب جده في غرفة الضيوف
حين حان موعد آذان الظهر
خرج السيد نمر من الغرفة وصاح:
-يمة ينفلة اني رايح اصلي ومحمد نايم بالغرفة
اخاف يكعد ويبچي وانتي ماتدرين تعالي اخذيه لغرفتج.
خرجت نفلة من المطبخ وذهبت الى غرفة الضيوف
نظرت الى طفلها كان نائما بوداعة الملائكة
وتبسمت وتركته في مكانه
خوفا انها اذا غيرت مكانه ان يصحى ويبكي
لانه لم يكتفي من النوم وأيضا هو في هذه الغرفة اكثر اماناً من عبث الاطفال في غرفة العيلة مع جدتهم
خرجت بهدوء وسدت باب الغرفة خلفها
ورجعت للمطبخ كي تكمل طبخ الغداء
كانت مستغرقة بعملها ومضت فترة صلاة الظهر
وبلحظة مرعبة
سمعت صراخ السيد نمر بعد ان انهى صلاته ورجع
كان يصرخ بكل مافيه من قوة
خرج الجميع يركضون الى غرفة الضيوف
وجدوا السيد نمر يحتضن الطفل ويصرخ
حينها هجمت نفلة على الطفل واخذته من جده لتجد وجهه مزرقا وقد توفى ،
أمسكت يده الذابلة كوردة مسحوقة وقبلتها
وهي لاتصدق ماحصل
صرخت نفلة ولطمت وبكت كادت ان تقتل نفسها
لكن ماحصل قد حصل وانتهى الأمر
يومها....
قال الناس....
يبدو ان الطفل صحى وتقيأ واختنق بقيئه ومات،
رغم عدم امكانية هذه الحالة مع طفل بعمر خمسة اشهر
لكن هذا التفسير الذي اراح الناس من التفكير باسباب
موت الطفل
لم يستطع السيد نمر تخطي موت حفيده
فتوفي بعده بمدة قصيرة من شدة حزنه على محمد
الذي حين دفنوه القى جده بنفسه في قبره ورفض ان يخرج
واخرجه الرجال حينها بالقوة
ورغم الحزن وبعد شهرين حملت نفلة
وانجبت خديجة مع بداية ربيع 1943
وتخطت نفلة موت محمد بعد ان شعرت انها الان فقط
اصبحت أم
فولادة البنت له طعم يختلف تماما عن ولادة الولد
حينها كان حسن وحسين قد بلغا
العمر الذي سيدقون على انوفهم وشم السادة الاشراف
في ربيع 1943، بعد ولادة خديجة بشهرين فقط
اولم عبدالله لاهله واجتمعوا كي يوشموا ابنا عبدالله
حسن وحسين بتلك (الدگة) =الوشم على ارنبة الانف
ورغم صراخ الطفلين اثناء الوشم
لكن نفلة كانت فرحة
فقد اصبحت ام لسيدين من آل البيت
في منتهى الجمال والكمال،
وكانت تمني نفسها ببلوغ ولديها سن الرجولة
ليصبحا سندا لها
بدل جدهما السيد نمر رحمه الله
ورغم استقامة حياة عبدالله
ورغم حبه لنفلة
لكنه حين يعرف ان احد ابناء عمها عطا جاء الى بيته يسأل عن نفلة حتى ينقلب كليا
ابدا لم يستطع عبدالله نسيان ماحصل
كان هناك شك في قلبه
ان لنفلة علاقة بخالد وألا كيف جروء خالد ان يذهب الى فراشها في تلك الليلة
ورغم عدم منطقية هذه الفكرة
لكنها لاتنفك تراوده بين فترة واخرى
خصوصا في وقت المشاكل الصغيرة
كان عبدالله كأنه ينتظر ان تخطأ نفلة ليعاقبها بظنه بها
وكانت نفلة تعرف هذا الامر
لهذا كانت تقطع عليه كل الطرق لهذا اوصت ابوها
ان يمنع اي احد من ابناء وبنات عطا من زيارتها
لكن..
رغم كل براعتها ورجاحة عقلها
حين توفي سيد نمر شعرت نفلة ان هناك سدا منيعا كان يحميها قد انهار
اما زيد ورغم كل ماكانت تحكيه نفلة له عن علاقتها
غير المستقرة مع زوجها
الا انه كان في غاية السعادة
فعلاقته باخوه رجعت افضل من ذي قبل
وكان يسأله احيانا قائلا:
-هم تشتاگ لخالد؟
فيجيبه عطا بعبوس قائلا:
-انت عندي اهم من كل الدنيا
فيقول زيد :
-آني بس اريد اعرف اشلون چان حال ابوية لمن طلعنا
وعفناه
يسكت عطا وهو ينظر الى وجه زيد
الذي شعر عدة مرات ان عطا يرى خالد
او يعرف اخباره لكنه لايريد ان يكلم اخاه عنه،
فيقول زيد في سره:
-مايهم ان چنت تشوفو او لا المهم مايلفي عالجرية ويسويلنا مصيبة مثلما سويت بينا!!!!!
وتورطت بسببك وانحرمت من اهلي
******
في ذلك الربيع
وما ان بدأت السنابل بالضهور
في الاراضي المزروعة بالحنطة والشعير
حتى خرج الرعاة باغنامهم الى الجبال
ينصبون لانفسهم الخيام ويدقون في ارض الجبل اخشاب يربطون بينها بالحبال و الحصران لتكون عبارة عن
اماكن يضعون الاغنام بها في الليل اما في النهار فهم يسرحون بها بين الهضاب لترعى من خيرات الجبل
وتأتي نساء القرية على الحمير يحملن براميل الحليب
على ضهور الحمير
ويصعدن الجبل ليذهبن الى الرعاة ويحلبن حلبة الضحى
وكذلك يفعلن في حلبة العصر
في ذلك العام كانت زوجة حازم حامل بأبنتها الثانية
ولم يكن هناك سيدة في بيت سيد نمر تذهب للحلبة غير نفلة
تركت نفلة رضيعتها خديجة والطفلين عند جدتهم وضحى
ووضعت البراميل على ضهر الحمار وحملت نعالها
وضعته تحتا فوق البراميل وركبت الحمار وانطلقت
وصلت الجبل بعد عشرين دقيقة
جلست تحلب
والراعي يمسك لها وما ان تنهي النعجة حتى تقول له
-تروح
فيطلق الراعي تلك النعجة ويمسك غيرها
وهكذا حتى تنهي جميع اغنام العائلة
وتجمع الحليب في البرميلين
ويساعدها الراعي بوضع البراميل على ضهر الحمار
فتمسك لجام الحمار وتقوده وترجع ماشية
فيطول عليها الطريق ليصل لنصف ساعة
احيانا تصل مع المغرب واحيانا تصل قبل المغرب بقليل
في ذلك اليوم وصلت بعد المغرب
كانت خديجة تصرخ
والجدة تحملها وتدور بها في انتظار امها وهي امام باب البيت وما ان وصلت حتى ركضت خديجة لتاخذ ابنتها التي هلكت من البكاء
ودخلت البيت بسرعة
والقمتها ثديها وهي تهدهدها بحنان
رضعت الطفلة ونامت
تلفتت نفلة حولها وسألت عمتها
التي كانت تفرغ براميل الحليب بتلك القدور الكبيرة
-عمة وين حسن وحسين؟
اجابت العمة
-يمچن يلعبون مع الجهال برا
جفلت نفلة وقالت بخوف
-عمة اظلمت الدنيا وآني لمن جيت ماشفت ولا جاهل برا
اني وصلت البيت حت عبدالله مخلص صلاة المغرب،
نهضت بلهفة وخوف
وخرجت مسرعة وهي تنادي
-حسن حسين وينكم يمة حسن حسين
دارت بين البيوت لم ترى طفل واحد من اطفال القرية
رجعت للبيت وهي تصرخ برعب
-عبدالله الواليد ماكو
طمأنها عبدالله قائلا
-تلگيهم لو عند اهلج لو ابيت واحد من الجيران
خرجت تركض تسأل وتسأل وتسأل
ومع خروجها من كل بيت يزداد رعبها وصراخها
بعد مدة يسيرة
خرج اهل القرية كلهم يحملون الفوانيس والمشاعل
يبحثون عن الطفلين
قال احد الجيران
-شفتهم يمشون ورا أمهم لمن طلعت للحلبة
عبالي ماخذتهم معاها
غضب عبدالله بشدة وصرخ بها
-انتي اشلون ما انتبهتي ان الواليد وراج
لم تكن نفلة تفكر بالدفاع عن نفسها
شعرت للحظة ان الناس جميعا اختفوا وانها وحدها امام مصيبة كبيرة تقوى على حملها الجبال
اين ذهب الطفلين؟
هذا السؤال الذي كان يتردد في ذهن نفلة
خطر ببالها مكان
خرجت تركض متجهة الى الجبل وهي تحمل بيدها الفانوس والناس يركضون خلفها
وكانت تسقط مرات ومرات ثم تنهض وتركض وهناك من سبقها راكبا على بغل منطلقا الى الجبل
وصلت نفلةالرعاة سالتهم
وهي تنهج بقوة يكاد قلبها ان ينخلع
ليس من الركض بقدر ما كان من الخوف
لكنهم.......
أخبروها أن لم يراهم احد
سقطت على الارض تقبض على التراب وتحثه على راسها وهي تصرخ
حسن حسين
رجع بعض الرجال الى شواطيء النهر يبحثون
واستمر البحث عشرة ايام
لم يعد الجميع يبحثون عن طفلين تائهين بل كانوا يبحثون عن جثتين
لأنهما يستحيل بقائهما على قيد الحياة بعد هذه المدة
في اليوم العاشر
عثر غانم ابن عم عبدالله على ثياب الطفلين ملوثة بالدماء وممزقة في البرية قرب طريق الجبل
تأكد الجميع أن ذئبا اكلهما
يومها لم يستطع عبدالله تحمل المصيبة
ولم يجد شخصا يصب غضبه عليه الا نفلة
تلك الفتاة التي تزوجها رغم انفه
لهذا...
صرخ بها قائلا
-ينفلة انتي حارمة عليا مثل امي ليوم الدين
طلقها......
لكنه بعد يومين من خروج نفلة من بيته
شعر بحجم المصيبة التي فعلها بنفسه
سأل عمه الملا عن امكانية ارجاع نفلة
لكن الملا افتى بعدم امكانية ارجاعها
لانه لم يطلقها بل حرمها تحريم المظاهرة
وكان الملا مخطأً.
لم يتزوج عبدالله لفترة طويلة لم يستطع تقبل اي أمراة
حتى اقسمت عليه أمه ان يتزوج بعد
طلاق نفلة بسبع سنين
وتزوج سورية فتاة من بنات خالاته
أما نفلة فقد
رجعت الى بيت ابوها تحمل طفلتها الرضيعة
مكسورة القلب
على ضياع اسرتها الجميلة وتدمير بيتها
عاشت بعد هذا اليوم ثمان عشر سنة وهي تتذكر ذلك اليوم كلما ارادت ان تنام
وتبكي لتنزل دموعها على الوسادة كطقس يومي
لا ينتهي ابدا
وأصبحت نفلة رمزاً للنكبة بين نساء القرية
ورغم كره النساء لبعضهن لسبب (مجهول)
الا ان كل النساء لم يستطعن ان يضعن في نفلة كلمة خاطئة اوسمعة سيئة بل كن يشفقن عليها
مما حل بها من مصائب لايعرف احد سببها
أما نفلة التي كان عقلها يقبل موت ولديها
لكن قلبها كان يشعر بنبضهما يتدفق في انحاء روحها
فيرفض ان يصدق
واستمرت لثمان عشر عاما
وهي تبحث عنهما في كل مكان
الى صباح ذلك اليوم الذي زارتها به خديجة
وحدثتها عن غرق وطفة والشابين الذان انقذاها
خرجت نفلة وخديجة تركضان ليصلا سمرا ويسالانها
عن شابي النهر سليمان وجواد،
لكن.........
