رواية جبروت جبل الفصل السابع
التار عامل زي الجمرة المكتومة تحت الرماد.. متشوفهاش بعينك بس لو دوست عليها تاكل لحمك وتوصل لعضمك.
وقفت زهرة ورا شباك خشب مكسور، عينيها بتراقب الطريق الفاضي زي الصقر الجعان. الغفر اللي موقفهم جبل بره كانوا قاعدين تحت ضل شجرة بيشربوا شاي وعينيهم بتغفل من الحر.
زهرة كانت عارفة إن دي فرصتها الوحيدة. لمحت "عوض"، عيل صغير من رعاة الغنم، معدي بغنمتين جنب السور الخلفي المكسور للدوار.
بحركة سريعة زي الحية، طلعت فردة حلق دهب كانت مخبياها من يوم الطرد، ومدت إيدها من الشق الخشب وهمست بصوت يشبه الفحيح
- واد يا عوض.. تعالى إهنه بسكات
الولد بص بخوف يمين وشمال وقرب. زهرة مدت إيدها بالحلق اللي بيلمع في الشمس، وقالت والغل بياكل في حروفها
الحلق ده ليك.. تروح بيه البندر وتبيعه وتجيب لأمك اللي نفسها فيه.. بس قصاده، حتة القماشة دي توصل لـ "دياب الهواري" في محجر الجبل الشرقي.. تقوله زهرة بتسلم عليك وبتقولك: "الجبل ساب سلاحه، ومبقاش بيحرس غير وردة.. اقطفها، الجبل يقع طوله."
الولد خطف الحلق والقماشة اللي مكتوب عليها بكحل العين الأسود، وجري حافي على الرمل السخن زي العفريت. زهرة رجعت لورا، وابتسامة مرعبة شقت وشها الشاحب، وهي بتهمس لنفسها نهايتك اتكتبت يا جبل.. على إيد اللي مابيرحمش.
في سرايا الهواري، الوضع كان مختلف. السكون مالي المكان
"ورد" كانت واقفة في الحوش الكبير، لفة طرحتها البيضا على راسها بشموخ، وبتشرف بنفسها على وزن الغلة وتخزينها في المخازن الجديدة.
صوتها كان هادي بس سيف، مفيش فيه زعيق، بس فيه هيبة خلت أكبر شنب في الغفر يوطي راسه وهو بيكلمها.
الشكارة دي متتخزنش إهنه يا ريس متولي.. دي تروح لبيوت الأرامل والمساكين قبل المغربية.. جبل الهواري مياكلش خير أرضه وناسه بتبات جعانة.
من شرفة المكتب فوق، كان "جبل" واقف بيشرب سجارته، وعينيه مركزة عليها.
الدخان بيطلع من بين شفايفه وهو بيراقب إزاي بنت عمه اليتيمة قدرت في يومين بس تحكم السرايا بالعدل مش بالخوف.
حس بشعور غريب بيعصر قلبه.. خوف! جبل اللي مبيخافش من الموت، بقى مرعوب إن الهوا يجرحها.
نزل السلالم بخطوات واسعة، وراح ناحيتها. الغفر أول ما شافوه وسعوا الطريق وانسحبوا بهدوء.
وقف جبل وراها، صوته كان دافي لما قال
اللي يشوفك وإنتي بتوزني الغلة، ميقولش دي نفس البنية اللي كانت بتترعش في البدروم عشية.
ورد لفت وشها، وابتسمت ابتسامة خفيفة، بس عينيها لمحت جرح في جبهته لسه ملمش من يوم الحريقة. رفعت إيدها بتلقائية ولمست طرف الجرح براحة صوابعها وقالت
اللي شاف الموت بعينه ومماتش.. بيتعلم إزاي يعيش يا ولد عمي. وأنا طول ما ضلي في ضلك، مفيش ريح تقدر تتنيني.
جبل مسك إيدها اللي على جبهته، نزلها بالراحة وباس باطن كفها في حركة خلت ورد تسحب نفسها بكسوف، بس هو فضل ماسك إيدها، وقال بنبرة فيها تحذير
أنتي بقيتي نقطة ضعفي يا ورد والديابة في الصعيد مابياكلوش غير من الحتة الطرية.
عينك متغفلش، ورجلك متخطيش بره باب السرايا مهما حصل.. خابرة؟
ورد بصتله بقلق، حست إن جبل حاسس بحاجة هو مش قادر يقولها. هزت راسها وقالت بيقين
في حماك يا كبير الهوارية.
على بعد أميال، في قلب الجبل الشرقي، حيث التراب بيخنق الأنفاس وصوت تكسير الصخر بيصم الودان.
كان قاعد على صخرة كبيرة، بيمسح العرق من على وشه اللي شقته ضربة سيف قديمة من أول حاجبه لحد خده.. ضربة سابها "جبل" تذكار ليه يوم ما طرده من النجع من خمس سنين.
"دياب الهواري".. راجل قلبه مات يوم ما اتكسر قدام كبارات البلد.
وقف واحد من رجالته، وجايب وراه الواد "عوض" وهو بيترعش.
الواد ده بيقول معاه أمانة ليك يا دياب بيه.. من ست في النجع.
دياب سحب حتة القماشة من إيد الولد، وفردها. عينيه فضلت متثبتة على الكلام المكتوب بالكحل الأسود لثواني.
ملامح وشه متغيرتش، بس عروق رقبته برزت زي الحبال.
قام ببطء مرعب، مسك حتة القماشة، وقربها من نار راكية مولعة جنبهم، وسابها تتحرق لحد ما بقت رماد.
بص لرجالته اللي واقفين مستنيين إشارة منه، وصوته طلع خشن زي حفيف الصخر
جبل زمان حرق قلبي وكسر هيبتي عشان حتة أرض.. والنهاردة، جبل بيحرس "وردة".
دياب سحب بندقيته الآلي من على كتفه، وعمرها بصوت شق سكون الجبل، وابتسم ابتسامة كلها دم وقال
جهزوا العربيات والسلاح.. الليلة مش هنضرب في المخازن ولا في الغفر.. الليلة هنقطع من لحم جبل الهواري شخصياً.. الليلة هنقطف الوردة من قلب السرايا.
المعركة مبقتش على الأرض.. المعركة بقت على الروح.
تفتكروا جبل، بحدسه القوي، هيكون مستعد لهجوم دياب؟
وورد اللي بقت قلب جبل النابض إزاي هتواجه دياب اللي مابيرحمش؟
وهل زهرة هينجح مخططها ولا هتشرب من نفس الكاس؟
