رواية فوق جبال الهوان الفصل الخامس والسبعون
حينما أبصرت شقيقتها تخرج من بوابة قسم الشرطة، وضعت "دليلة" يدها على مقبض باب السيارة لتفتحه، ثم هرعت ناحيتها لتأخذها في أحضانها، ضمتها تلك الضمة الحنون التي تنسي كافة الهموم، ولم تقل شيئًا، أرادت فقط أن تشعرها بالاحتواء، بوجود من يدعمها في أشد مواقفها احتياجًا.
تراجعت "إيمان" عنها لتبتسم لها في امتنانٍ، فيما سألتها شقيقتها الصغرى في اهتمامٍ:
-أحسن دلوقتي؟
أومأت برأسها قائلة بعد تنهيدةٍ صغيرة:
-الحمدلله.
القليل من التوتر انعكس على ملامحها وهي تنتقل إلى سؤالها التالي:
-حد ضايقك؟
قبل أن تخبرها بشيء تولى "عادل" الكلام عنها مرددًا بثقةٍ:
-هما يقدروا وأنا موجود؟
نظرت "دليلة" ناحيتها، وردت في امتنانٍ:
-شكرًا يا أستاذ "عادل" على تعبك معانا الفترة اللي فاتت، عطلناك كتير وآ...
قاطعها فيما يشبه المعاتبة:
-ما تقوليش كده، أنتو من العيلة، ولا خلاص مابقاش ليا لازمة؟
ابتسمت وهي تعلق في لطافةٍ:
-لأ طبعًا، هو احنا نقدر.
في تلك الأثناء عاد "غيث" وهو يحمل بعض المشتريات، ليصغي إلى ما يدور بينهما من حوار ودي، فاستثيرت مشاعر الغيرة لديه، ليسرع تجاه الثلاثة معقبًا بجديةٍ ظاهرة على نظرته، ونبرته، وكذلك قسمات وجهه:
-متجلجش يا أستاذ، أني موجود معاهم، لو عاوزا حاجة مش عتوخر عليهم.
هز "عادل" رأسه بإيماءةٍ مقتضبة، والتفت ناظرًا من جديد نحو "إيمان" ليخاطبها:
-تسمحيلي يا مدام "إيمان" أبقى أطلبك، ماما كانت عايزة تكلمك، وأنا وعدتها في أقرب فرصة.
قالت بترحيبٍ مهذب:
-أهلًا وسهلًا بيها في أي وقت.
مرة أخرى تكلم "غيث" بعبوسٍ طفيف:
-الوجفة إهنه مالهاش عازة، خلونا نمشي جبل ما نشوف الخِلق العِكرة إياها.
وافقه "عادل" في رأيه بنوعٍ من التأييد:
-أنا رأيي كده برضوه.
شجعت "دليلة" شقيقتها على السير معها تجاه السيارة، فيما مد "غيث" يده لمصافحة "عادل" مودعًا إياه بنبرته الجادة:
-اتشرفنا يا سي الأستاذ.
بادله المصافحة قائلًا بابتسامةٍ منمقة:
-الشرف ليا يا "غيث" بيه، نتقابل على خير إن شاء الله.
رد وهو يستدير للعودة إلى السيارة:
-بأمر الله.
رفضت "إيمان" الجلوس في المقدمة مثل المرة السابقة، وأصرت على البقاء في المقعد الخلفي، لتتيح الفرصة لشقيقتها لتكون قريبة من زوجها، على أمل أن تُعاد روابط الود والوفاق بين الزوجين.
يا لحظ "غيث" السعيد، جلوسها بالقرب منه أشعره بالانتشاء والسرور، فها هي المسافات تتقلص، ويا ليتها تسمح له بإزالة ما بينهما من حواجز لتختبر معه شعور أن تكون زوجته بحق.
................................
ما زال عقله لا يستطيع استيعاب ما جرى، الأحلام ضاعت للأبد، وأصبح وضع زيجته على المحك، كيف يمكنه التعامل مع خسارته بهدوءٍ وعدم تأثر وهو غارق حتى النخاع في هذا الأمل البعيد؟ لم يتمكن "محروس" من البقاء في المشفى، وفضل العودة إلى منزله للبقاء بمفرده، يبكي ألم الفقد المرير. لم تشعر "تفيدة" بوجوده إلا حينما سمعت نهنهات بكاءٍ خافتة، حز في قلبها أن ترى زوجها حزينًا متحسرًا على شيءٍ لم تتبين أسبابه بعد.
سارت تجاهه بخطواتٍ متمهلة، وعيناها تراقبان الحزن المرسوم بشكلٍ جلي على كامل وجهه، لتجلس عند قدميه تسأله بصوتٍ خافت وهي تمد يدها لتمسد على رفقته بحنانٍ ورفق:
-كيفها دلوجيت يا سي "محروس"؟
بصوتٍ مختنق أجابها، وهو يمسح ما سال من طرفيه بظهر كفه:
-كانت حبلى يا أم البنات، كانت حبلى وراح الضنا جبل ما يشوف الدنيا.
أشفقت على حالها بعدما سمعت بما صار معها، وقالت في تعاطفٍ حقيقي:
-محدش بيهرب من جدره، وحد الله، وربنا جادر يعوضك بالأحسن منه.
ليقول في صوتٍ شجي مملوءٍ بالأسى:
-معدتش ينفع يا "تفيدة"، معدتش ينفع.
سألته مستفهمة، وعلامات التوجس قد افترشت تقاسيمها:
-ليه بس؟ دي لساتها إصغيرة، وبطنها عتشيل الولد.
داهمه المزيد من إحساس الألم المُوجع للقلوب وهو يخبرها:
-خلاص، بجت زيها زي الأرض البور!
شهقت متسائلة في وجلٍ فزع:
-بـــاه، إيه اللي حُصل؟
........................................
على مسافةٍ لم تكن ببعيدةٍ عنهما، تلصصت "وجدان" عليهما دون أن يلمحها أيًا منهما، لتبرق عيناها بهذا الوميض اللامع، كما ظهرت ابتسامة عريضة على ثغرها فور أن علمت بالكارثة التي أصابتها، إذًا نجحت خطتها الماكرة، وأصاب الســم بدنها، بل وأكثر من ذلك بكثير، حيث جعلها تعاني ويلات فقدان ما يميز المرأة في مجتمعٍ يعتز بمن تكون قادرة على إنجاب الذكور. انتشت للغاية، وهسهست مع نفسها في فرحةٍ عظيمة لم تستطع إخفائها:
-يا بركة دعاكي يامه، تستاهل بت المحـــروج!
لم تبرح "وجدان" مكانها، وظلت تتجسس عليهما، خاصة و"تفيدة" تتساءل مستفهمة:
-وناوي على إيه يا سي "محروس"؟ عتفوتها إكده لواحدها؟
أجابها ببرودٍ:
-بوها وولد عمها معاها.
لم تعتد عليه أن يكون هكذا صلدًا، وغير مراعٍ، لذا عاتبته في حذرٍ ودون أن تتجاوز معه في الحديث لئلا يسيء فهمها:
-ملكش حق، إنت بردك راجِلها، لازمًا تكون معاها.
نال منه الحزن بالفعل، فقال في فتورٍ واضح:
-ربك يسهل.
حان وقت ظهورها الآن، لم تبقَ "وجدان" في مخبأها، خرجت إليهما وهي تطلق الزغاريد المبتهجة مما أثار ذهول الاثنين، لتبرر تصرفها اللئيم ذلك بقولها الفرح:
-حمدلله على السلامة يا سيد الناس، نورت بيتك يا رجالنا.
من فورها صاحت "تفيدة" معترضة بغلظةٍ على ما تقوم به، وقد ارتفع حاجباها للأعلى:
-في إيه يا مخبلة إنتي؟ عتزغردي وفي نصيبة حاصلة؟
ادعت الوداعة، وسألتها في حزنٍ مصطنع وهي تدق على صدرها:
-يا ساتر يا رب، نصيبة إيه بس؟
لتظهر تلك البسمة الخبيثة على فمها مجددًا وهي تتابع:
-ده أني فرحانة براجعة جوزي الغالي، اتوحشته ونفسي أخده في حضني.
لكزتها "تفيدة" في جانبها وهي تنهرها:
-اتحشمي يا حُــرمة، إنتي مش شيفاه كيف مضايج؟
-كل حاجة تهون طالما إنه وسطينا وبخير.
-جوم يا راجلي افرد جتتك وريح ضهرك، إنت شجيان ليل نهار.
كان فاقدًا للرغبة في فعل أي شيء، وعبر عن ذلك بوضوحٍ وقد تهدل كتفاه:
-ماليش مزاج لحاجة.
إلا أنها استمرت في تحفيزه على مقاومة أحزانه والتغلب على همومه بحديثها الجاد:
-روح لمَرتك ياخوي، هي عايزاك جارها، وإنت طول عمرك تفهم في الأصول كويس.
كانت محقة فيما قالت، فأومأ برأسه موافقًا:
-لأجل خاطرك يا "تفيدة".
ردت في امتنانٍ:
-تعيشلي يا سي "محروس".
بنفسٍ مهمومةٍ استجاب لنصيحتها، واتجه إلى الباب ليغادر عائدًا إلى المشفى، في حين انتظرت "تفيدة" ذهابه لتقبض على ذراع "وجدان"، وضغطت عليه في شيءٍ من القسوة هاتفة في استعتابٍ منزعج:
-صدج اللي جال مخك مفوت، إزاي يرتاح ومَرَته راجدة في المشتشفى؟
لترد الأخيرة في شماتةٍ واضحة بعدما انتشلت ذراعها من أسفل قبضتها:
-إلهي ترجد ما تجوم منها واصل!!
رمقتها ضرتها بنظرة حادة قبل أن توبخها في صدمةٍ:
-واه، إيه الجسوة دي؟
قوست شفتاها في تأففٍ، ثم سألتها في عدم مبالاة، وكأنها لم تكن المتسببة فيما تعانيه الآن:
-ليه مالها ست الهوانم؟
ليأتي تعليق "تفيدة" مستهجنًا:
-عتتمألسي عليها وهي مرضانة إكده؟
زمت فمها صائحة في إنكارٍ:
-بــاه، وأني مالي بيها إياك؟ الله يساهلها حالها بعيد عني.
نظرت إليها بتشككٍ، لم تبدُ مقتنعة بتلك الوداعة الزائفة تجاهها، فهي ليست من النوع المتساهل مع الآخرين، بل إنها تضمر شرًا لمن يمسها بسوءٍ. صرحت بما يدور في رأسها من أفكار وظنون بشكلٍ مباشر:
-أه لو طلع ليكي يد في اللي جرالها!
مرة أخرى زفرت "وجدان" في سأمٍ، وأخبرتها وهي تشير بيدها:
-بجولك إيه يا "تفيدة" شيلني من نافوخك، أني كل همي جوزك يكون راضي عني وبس، تولع "أحلام" باللي عيتشددلها!
وتركتها لتمضي بعيدًا عنها، بينما نظرات الأخيرة لا تزال مرتكزة عليها، فهي أكثر الناس درايةً بطبيعة شخصيتها الانتقامية؛ لكن ليس لديها ما يثبت صحة شكوكها.
........................................
نهارٌ طويل وكئيب مـــر على الجميع، إلى أن استقرت أخيرًا في حجرتها الخاصة بهذا المشفى المميز بعدما تمكن الأطباء في النهاية من إنقاذها. وقف "راشد" بجوار فراش ابنته النائمة يُطالعها بنظراتٍ آسفة، فأقسى ما يمكن أن يختبره المرء تعرض فلذة كبده للأذى وهو يقف عاجز عن مساعدته مهما امتلك من مالٍ أو سلطة.
تنهد في تعبٍ، وأطرق رأسه قليلًا، لينتبه إليها وهي تتأوه بأنينٍ خافت، على ما يبدو قد بدأت تستفيق من تأثير المخدر. تحفز في وقفته وانتظر بترقبٍ قلقٍ استعادتها للوعي.
رمشت "أحلام" بعينيها للحظاتٍ حتى تتمكن من الرؤية بعدما غشاها ذلك الضباب العجيب، أمالت رأسها للجانب وهي تئن في صوتٍ خفيض، لتتساءل بوهنٍ، وفي نبرة متحشرجة مبحوحة:
-أني فين؟
مد يده وربت على كتفها بترفقٍ وهو يخاطبها بصوته الخفيض:
-حمد لله على السلامة يا بتي.
تفاجأت من وجوده مرددة في دهشةٍ:
-بوي!
نظر لها بهذه النظرة التي استغربتها، كما رأت في عينه دمعة نافرة تقــــاتل للظهور فيها إشفاقًا عليها.
انتبهت إلى كونه صامتًا، فسألته في استرابةٍ، وخفقان قلبها قد ازداد:
-إيه اللي جرى؟ وعتعمل إيه إهنه؟
دارت ببصرها في محيط الغرفة متسائلة باستغرابٍ، وهذه النظرة الحيرى تصدح من عينيها:
-وفينه "محروس"؟ أني فاكرة إنه كان إمعاي وجايبني على الوحدة.
حدق فيها بتعبيرٍ ينم عن شيءٍ خطير قد حدث. حاول أن يبحث عن المناسب من الكلمات ليخبرها بما اختبرته مستطردًا:
-إنتي هنا في المشتشفى يا بتي.
تسارعت دقات قلبها في توترٍ، وسألته مستوضحة بعينين شبه تائهتين:
-ليه؟ حُصل إيه؟
بدأ التوجس يختمر بداخلها، وخصوصًا مع طول صمته؛ لكنه رغم كل شيء كان مضطرًا لإطلاعها على الحقيقة المؤسفة. استجمع جأشه، ورتب أفكاره ليسرد لها بإيجازٍ ما تعرضت له، ليطغى عليها -من رأسها لأخمص قدميه- إحساس القهر والعجز التام.
انفرج فمها عن استنكارٍ جلي، ليتحول إلى نوبة من الصراخ الهيستري وهي تلومه في التيــاعٍ وحُرقــة:
-عملت إكده ليه يا بوي؟ كنت فوتني إكده أموت ولا إني أعيش كيف البيت الخربان.
قال في برودٍ، وكأنه لا يعي تبعات ذلك القرار:
-أني اخترت اللي فيه نجاتك.
لتستمر في لومه وهي تبكي بشدةٍ:
-إنت خدت مني أغلى ما في الحُرمة.
لكنه قابل عنفوان مشاعرها الهادرة بجبلٍ من الجمود، وأخبرها:
-دي إرادة ربنا، عتعترضي إياك؟
انفلتت منها صرخة موجوعة أخرى عميقة، لتنهال عليه بوابل أسئلتها بصوتٍ باكٍ جريح وعاجز:
-ليه يا بوي؟ ليه جيت عليا إكده؟ ليه بتكسر بفرحتي في أي حاجة أعوزها.
خلال نقاشهما المحتد، والذي وصل صداه إلى خارج الغرفة، جاء "محروس" إلى المشفى، وقبل أن يدفع الباب الموارب بيده سمع جدالهما الذي أثار اهتمامه وفضوله بدرجةٍ كبيرة، فتسمر في موضعه ليصغي إلى صوت "راشد" وهو يتساءل بتعجبٍ:
-وأني من ميتى كسرت فرحتك؟ أني كل اللي بعمله لأجل مصلحتك.
سمع "أحلام" وهي ترد بنبرة جمعت ما بين الألم والسخرية:
-مصلحتي؟ لحجت تنسى يا بوي؟
ارتكن بظهره على الحائط، وأرهف أذنيه لها وهي تتكلم من بين نهنهات بكائها بنفس الصوت المتهدج المنفعل:
-من يوم ما وعيت على الدنيا وإنت عتشوف اللي فيه مصلحتك وتعمله، حتى لو جيت عليا....
سرعان ما ملأ الشجن نبرتها وهي تكمل:
-جوزتني وأني لساتني بِنتّه صغار لأجل الأرض والمال، ووافجت، ولما ربنا خاد جوزي وطلبت منيك أتجوز واد عمي موافجتش.
صدمته الحقيقة غير المتوقعة، وأحس بدمائه الحُرة تفور في عروقه، خاصة وهي تضيف بصراخها الباكي:
-أني كنت أولى بيه من الغريبة، لحمه وعرضه، وعملت اللي ما يتعمل لأجل ما يكون ليا، بس إنت عاندت، وكنت خابر كيف أني عاشجاه، وروحت جوزتني لواحد متجوز تنين جبلي، وأني معحبوش، بكرهه كيف ما بكره حالي...
صدمة أخرى أشد قســـوة هبطت على رأسه، فجعلته غضبه يندلع، ومع ذلك ظل يغلي في مكانه، ولم يبرحه ليسمع ما تبوح به بألــمٍ:
-ولما ربنا أراد يكرمني بحتت عيل منيه حرمتني من الحَبَل والخلفة، ليه يا بوي؟ ليه؟
حفَّ به الحنق من كل جانب، بالكاد تمكن من ضبط أعصابه لئلا يتهور ويقتحم الغرفة، فينقــض على عنقها ويخنــقها حتى تفارق روحها بدنها الهزيل، أهكذا تعترف ببساطة بعشقها لآخر غيره، وهو الســاذج الذي توهم أنه يحظى بوافر حبها غير المشروط؟ كز على أسنانه في قـوةٍ وهو يتساءل مع نفسه بسخطٍ مغتاظ:
-بجى أني المغفل اللي اتعمل إمعاه إكده؟
قست نظراته بشدةٍ، وراح يتوعد بلا رأفةٍ متناسيًا وصايا زوجته الأولى بشأنها:
-والله ما عفوت اللي عملتيه يا بت الـ...... من غير ما أخد حَجي!
غادر خلسة مثلما جاء دون أن يلاحظه أحد، ليستمر "راشد" في مواساة ابنته:
-كله مجدر ومكتوب.
توقفت عن البكاء، وردت عليه في نبرةٍ غاضبة:
-بلاش حديتك ده اللي عيجهرني أكتر.
تجاهل ما تشعر به وتعامل معها بجفاءٍ مستفز، فتحدث إليها بنفس الأسلوب الفظ غير المهتم وهو يهم بالرحيل:
-بركة إنك جومتي بالسلامة، عفوتك دلوجيت، وبكرة راح أطل عليكي.
قبل أن يبتعد عن فراشها مدت يدها لتمسك به من رسغه، وصاحت فيه:
-ماردتيش عليا يا بوي، فايتني إكده محـــروجة بناري؟
انتزع معصمه من قبضتها بخشونةٍ، ورمقها بهذه النظرة المتجافية قبل أن يودعها ببرودٍ مغيظ:
-اتمسي بالخير.
إلا أن صوتها اللائم ظل يرافقه وهي تلح عليه بسؤالها الذي لم ولن تجد له أي إجابة تريحها:
-ليه يا بوي؟ ليــــه ................................... ؟!!!
🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤
طوال فترة تواجده بمحله، وزع نظراته ما بين مدخل البناية، والشرفة العلوية لمسكن هذه المرأة العجوز، لتظل دومًا تحت مراقبته الشخصية، فإن حدص ما يرجوه، وأتت ضالته المنشودة لزيارتها، تمكن من الإيقاع بها في مصيدته، واختطافها بسهولةٍ ويسر.
كذلك أراد الظهور بمظهر الرجل الفضيل ذي المروءة والشهامة ممن يهب لمساعدة المحتاج دون سؤاله، فأكسبه ذلك المزيد من الثقة بين أهالي المنطقة، فلم يتخيل أحدهم أن من اقتحمها قبل سابق بأتباعه الأشقياء وتعدوا على إحدى السيدات هو ذات الشخص الذي يدينون له الآن بالتقدير والعرفان بالجميل.
سرعان ما تأهب "زهير" في جلسته عندما لمح العمة تخرج من العمارة، كانت تسير بخطوات متهادية وهي ممسكة في يدها بورقة صغيرة، وتجر خلفها حقيبة قماشية موضوعة على حامل، تلك التي تستخدم في وضع المشتريات بداخلها. تبعها بعينيه الحادتين كالصقر المتربص بطريدته وهي تنتقل إلى الجهة الأخرى من الشارع.
انشغلت "رضا" في قراءة الورقة، فلم تكترث لمتابعة الطريق أثناء مرورها، حيث استقل أحدهم دراجته البخارية، وكان قادمًا في اتجاهها، ظل يطلق الأخير نفير دراجته بشكلٍ متواصل، إلا أن ذلك لم يلفت انتباهها، لو لم ينتفض "زهير" ويسرع نحوها بسرعة البرق لربما اصطدم قائدها بها، وأطـــاح بجسدها المرهق في الهواء.
تفاجأت بمن يصيح عاليًا ويقبض على ذراعها ليسحبها بقوةٍ نحو الرصيف:
-حــــاسبي يا حاجة.
صرخت في فزعٍ كردة فعلٍ تلقائية، ليصاب تفكيرها بالشلل للحظاتٍ قبل أن تستوعب ما يدور.
هدر "زهير" موبخًا قائد الدراجة بنبرة خشنة ومرتفعة:
-إنت اتهبلت؟ مش شايفة الحاجة وهي بتعدي؟
تدخلت من فورها لوأد الشجـــار قبل أن يندلع، لكونها تعرف جيدًا بطبيعة الشباب المندفع هنا:
-حصل خير يا جماعة.
لكن "زهير" واصل استفزازه للآخر بترديده المتعمد:
-استني يا حاجة أما أعلمه الأدب.
ليرد عليه الشاب بغيظٍ، وقد فارت دمــــائه:
-تعلم مين، ده هي اللي طارشة وعامية وما بتشوفش، وأنا عمال أكلكسلها، إيــــه!! كـــفرت يعني؟!!!
بحركةٍ مباغتة انقض "زهير" على عنق الشاب ليخــنقه، وصاح فيه بغلظةٍ:
-ده إنت عيل مش متربي.
إلا أن الشاب دفع يده بقوةٍ ليتخلص من قيده، وهتف عاليًا بنبرة مهددة، وتحمل الإهانة أيضًا في طياتها:
-لِم نفسك يا جدع بدل ما أقل منك، ومش هراعي إنك كبير في السن.
استطاع "زهير" أن يحقق غرضه من استثارة أعصاب ذلك الشاب المندفع، واستغل الموقف لصالحه، ليبدو كمن يزود عن تلك المسكينة المضطــهدة، فجعل نبرته ترتفع أكثر وهو ينادي في الأرجــاء ليلفت أنظار جميع المتواجدين:
-يا رجـــالة تعالوا شوفوا العـِرة ده بيقول إيه.
هذه المرة هجم الشــاب على "زهير" يريد الفـــتك به وهو يتوعده بحنقٍ متصاعد:
-مين ده اللي عرة! وربنا لأقلبها عليكم.
تجمهر المـــارة واحتشدوا حول ثلاثتهم بعدما تدخل أتباع "زهير" للفصل بينهما، كما ارتفعت صيحات التنديد والوعيد، ليقول أحدهم في نبرة لائمة:
-أما إنك بجح بصحيح، بتتخانق مع الحاج "صالح"؟ إنت مش عارف ده مين؟
فيما أضاف آخر على نفس الوتيرة المهتاجة:
-الواد ده مش عامل اعتبار لحد، خلينا احنا نربيه!
ارتاعت "رضا" من رؤية الجميع في حالة غليانٍ، فأرادت تهدئة الوضع برجائها الخائف:
-بالله عليكم ما تضربوه، ده غلبان، وأنا اللي غلطانة، كان المفروض أخد بالي أكتر من كده.
لكن "زهير" استمر في شحن الحاضرين مستغلًا حمئتهم الرجولية بقوله:
-حتى لو غلطانة يا حاجة، المفروض يعملك احترام، وهو هيتحاسب على قِلة أدبه.
تحدث آخر معززًا موقفه:
-ده ما بيكبرش لحد، وخصوصي الحاج "صالح".
ومع ذلك استمرت "رضا" في رجاواتها الوجلة:
-علشان خاطري أنا، سيبوه يروح لحال سبيله، أنا مسمحاه.
ليكسب تلك الجولة، ومعها يتمكن من إقناع الجميع على أرض الواقع بحسن نواياه، ادعى رضوخه لمطلبها، وهمهم مستسلمًا، وبملامحٍ ممتعضة تنم عن انزعاجه:
-كلامك على راسي يا حاجة، والله لولا خاطرك الغالي كنت شيعته.
ردت في امتنانٍ وهي تضرب على صدرها بضعة مراتٍ في خفة:
-كتر خيرك.
ليقوم "زهير" بدفع الشاب بخشونةٍ من كتفه آمرًا إياه:
-اطرق من هنا يالا، ماشوفش خلقتك تاني نواحي المنطقة.
برطم الشاب بعبارات ناقمة وساخطة وهو يستقل دراجته من جديد قبل أن يفسح له المــارة الطريق للابتعاد، لتقوم "رضا" بشكره على ما وصفته مجازًا بموقفه البطولي:
-تسلم يا حاج "صالح".
لم تلن قسمات وجهه وهو يوجه إصبعه لها ليوصيها:
-خدي بالك يا حاجة وإنتي ماشية، ولاد الحــــرام مش سايبين الغلابة في حالهم، بيعملوا دقات النقص دي معاهم لأجل ما يسرقوهم ومحدش دريان.
شهقت مصدومة وهي تدب على صدرها خوفًا:
-يا ساتر يا رب.
قطب جبينه متابعًا:
-اسمعي مني، أنا ياما شوفت الأشكال دي، مش جديد عليا، ده أنا بقالي ياما في السوق.
من فورها هتفت تدعو له كتعبيرٍ عن شكرها:
-ربنا يكرمك ويوسع في رزقك.
قال موجزًا ومجاملًا:
-تعيشي...
ثم التفت ناظرًا إلى تابعه يأمره:
-روح ياض مع الحاجة وماتسيبهاش للحظة.
رد عليه في طاعةٍ:
-عينيا.
ابتسمت تقول في شيءٍ من الحرج:
-تعباك معايا.
ليعقب في هدوءٍ:
-متقوليش كده.
ودعته بالمزيد من عبارات الشكر، فاكتفي "زهير" بالتلويح لها، إلا أن ذلك الصوت اللئيم ظل يردد في رأسه:
-كده ضمنتك في عبي، واللي جاي بقى أسهل!
..........................................
كادت عجلة القيادة أن تختل أثناء قيــادته للسيارة، فقد شرد لأكثر من مرة مستحضرًا في ذهنه كلمات "أحلام" القاسية عن حقيقة علاقتها الزائفة به، لقد قضت في لحظة غير متوقعة على كل شيءٍ جميل توهم وجوده بينهما ذات يومٍ ببشاعة ما عرف مُصادفةً .. ويا ليته ما سمع! فكلما استعاد تفاصيل الموقف انتفض عرق جبينه، وانتفخت أوداجه حنقًا وغضبًا.
لم يعرف "محروس" كيف وص إلى منزله بعد عناء القيادة المتهورة. أطفأ المحرك، وظل جالسًا في مقعده وصدره لا يزال يتهدج صعودًا وهبوطًا من فرط انفعاله. كور قبضته وأطبق على أصابعه بقوةٍ حتى ابيضت سلامياته، ثم أخذ يضرب على المقود بغيظٍ متصاعد.
أطلق تأويهة حاقــدة للغاية قبل أن يدمدم مع نفسه في استهجانٍ عظيم:
-على وخر الزمن أتجرطس إكده؟!!
ضرب بكفيه جانبي رأسه، وتابع فيما يشبه العويل وهو يستعيد في ذاكرته مشاهد تفضيلها على زوجتيه المخلصتين له:
-آه يا بـــوي! حتت بت زي دي تلبسني أني العِمة، وتطلعني كيف البهايم عبيط، وماليش جيمة.
لقد منحها ما لم يمنح أي أحدٍ من قبل مؤمنًا بحبها غير المشروط له، إلا أنها كانت حيلتها الخبيثة لإبقائه كالخاتم في إصبعها.
جاهد قدر استطاعته للسيطرة على أعصابه المنفلتة، فإن انساق وراء عاصفة غضبه الجارفة، وانفصل عنها في لحظة هوجاء، لربما خسر الكثير، خاصة تلك القائمة على المصالح المشتركة بين العائلتين.
لم يكن "محروس" بالشخصية التي يُستهان بردة فعلها، صــر على أسنانه بشدة وهو يطلق وعيده:
-أني خابر كيف أدفنك بالحيا يا بت "راشد"!
لقد جلبت ذلك لنفسها باعترافها النزق، ليكون كالشرارة التي أشعلت النار في الهشيم، فكيف لها أن تخمدها بعدما أتت على الأخضر واليابس؟!
.............................................
زيارةٌ مطلوبة لطالما تأجلت بسبب الظروف الطارئة التي كانت تمر بها العائلة، والآن حان أوانها. حسب العنوان المذكور، أبطأ "غيث" من سرعة السيارة عندما أصبح قريبًا من وجهته، ثم خفض رأسه ليقرأ الأرقام المدونة على مدخل كل بناية، إلى أن بلغ ضالته، فأوقف المحرك ليستدير نحو "دليلة" مستوضحًا في صيغة تساؤلية:
-الشُجة إهنه؟
هزت كتفيها بالنفي عندما أجابته، وهذه النظرة الحيرى تطل من عينيها:
-مش عارفة.
حسم الأمر، وترجل من السيارة بعدما وجه أمره إليهما بلهجته التي لا تُرد:
-خليكوا مطرحكم وأني عنادم على البواب استفهم منيه.
علقت عليه "إيمان" وهي تفتش في حقيبتها عن المفتاح الذي وضعته داخلها:
-طيب.
فيما رانت إليه "دليلة" بنظرة متابعة، يشوبها الاهتمام، لتبدو حرجة بعض الشيء عندما أمسك بها وهي تتطلع إليه أثناء حديثه إلى حارس البنـــاية، لحظتها أبعدت عينيها عنه في توترٍ خجل، وادعت انشغالها بالحديث مع شقيقتها.
لحظات وعاد إليهما ليقول في جديةٍ وهو يهم بفتح الباب لـ "دليلة":
-ده المُطرح، انزلوا.
تفاجأت من تصرفه اللبق معها، وترجلت من السيارة وهي تتعمد التكاسل في خطاها، لتتأبط ذراع شقيقتها التي استطردت تخاطبها في نبرة حزينة نسبيًا:
-مكونتش أتخيل إننا هنيجي هنا من غير "فارس".
لترد عليها بعد تنهيدةٍ بطيئة:
-الله يرحمه.
سبقهما "غيث" في خطواته، ليصيح من الداخل وهو يشير بيده:
-السانسير من إهنه.
تبعته الاثنتان في صمتٍ، ولحق بهما الحارس ليرشدهما إلى المكان، بعد ذلك استدار "غيث" نحو "إيمان" يسألها:
-معاكي المفتاح؟
أجابته وهي تبسط راحتها لتظهرهه:
-أيوه.
تنحى للجانب لتتمكن من المرور ومحاولة فتحه، إلا أنها جاءت عبثًا، ولم تستطع إتمام هذه المهمة البسيطة، فقد كان مغلقًا بإحكام.
بدا صوت "غيث" آمرًا إلى حدٍ ما وهو يطلب منها:
-عنك، أني اللي عفتح باب الشُجة.
لم تجد بدًا من معارضته، وأعطته إياه قائلة بعدما تراجعت للوراء:
-اتفضل.
تقدم للأمام، ثم دسه في موضع القفل بالباب وأمسك بالمقبض يجذبه للخلف قليلًا حتى يتمكن من تحريكه. كتلة من الهواء العطن -والتي عبقت الجو- اندفعت للخارج فور أن قام بفتحه، ليدفع الكتلة الخشبية بشيءٍ من القوة قبل أن يبحث عن مفتاح الإنارة ليضيء البهو فتظهر معالمه بوضوح.
كان الثلاثة مأخوذين بتفاصيل الصـالة التي احتوت على أثاث جديد وقيم. لم يتوقع أحدهم أن يكون المنزل مهيئًا للإقامة الفورية. بادرت "إيمان" بالتجول في أرجــائها معلقة في إعجابٍ بائن على ملامحها:
-مش معقولة "فارس" عمل كل ده! طب إمتى وإزاي؟
سارت "دليلة" نحو الأرائك المريحة، ومررت يدها على المساند المبطنة، لترد باسمة:
-واضح إنه لما كان بيحط حاجة في دماغه بينفذها، من غير شوشرة.
أسرعت "إيمان" نحو شقيقتها تجذبها برفقٍ من ذراعها وهي تستطرد في حماسٍ:
-تعالي يا "دليلة" أما نتفرج على المكان.
من ناحية أخرى، لحق حارس البناية بهم بعد عدة دقائق ليتفقدهم، فأقبل "غيث" ناحيته عندما أبصره واقفًا عند عتبة باب البيت، أخرج من حافظة نقوده ورقة مالية ذات قيمة عالية، طواها في راحته وأعطاها له قائلًا:
-مشكرين يا بلدينا، الجماعة عيشوفوا الشُجة وبعد إكده نازلين.
تهللت أساريره حينما حاز عليها دون عناءٍ، وهتف في سرورٍ:
-خدوا راحتكم، دِه مُطرحكم، والريس "وهبة" موصيني أخد بالي من المكان.
ربت على كتفه معقبًا قبل أن يصحبه للخارج:
-تسلم.
انتظر ذهابه ليغلق الباب، ثم سار عائدًا إلى الداخل ليستمع مصادفةً إلى الحديث الدائر بين الشقيقتين، فقد أردفت "إيمان" في إسهابٍ بما استرعى فضوله:
-فاكرة واحنا صغيرين قبل ما ننقل بيتنا القديم، كنا عند تيتة بنتكلم عايزين ندهن أوضتنا إيه، وإنتي كنتي عايزاها بامبي فاتح، زي فستان لعبتك باربي، وبابا الله يرحمه قالك هي ادهنت أخضر خلاص، وزعلتي أوي، ووعدك لو وضبنا البيت تاني هيبقى يدهنهالك زي ما إنتي عاوزة.
سمعها ترد في جديةٍ:
-تقريبًا ده حصل، مش فاكرة التفاصيل بس ساعتها "فارس" خد مني العروسة وأعد يتريق عليا، وأنا كنت مضايقة أوي من تصرفه معايا، كان غاوي يغلس عليا.
ليصدمه تعقيب "إيمان" غير المتوقع:
-بس واضح إنه كان عايز يحققلك كل أحلامك.
للحظةٍ استثيرت لديه مشاعر الغيرة، وأحس بها تطغى عليها، فبذل الجهد ليحكم سيطرته عليها، وظل قابعًا في مكانه وهو يسمعها تقول في حزنٍ وبعد تنهيدةٍ بطيئة:
-أنا ساعات بحس بالذنب ناحيته، إني كنت السبب في موته، لو مكانش اتورط معانا في حوار المُجـــرم إياه، كان زمانه لسه عايش ووسطنا.
لم يتمكن من البقاء ساكنًا دون اتخاذ ردة فعلٍ، فولج إلى داخل الغرفة هاتفًا بصوتٍ خشن:
-جَدره إكده، ادعيله بالرحمة، وبكفيانا حديت عنه.
تفاجأت من سماعه لما فاهت به، وحملقت فيه بدهشةٍ متأملة تعابير وجهه المنزعجة، فيما رددت "إيمان" بقليلٍ من الارتباك بعدما أدركت خطئها، وأنه لم يكن من المفترض أن تتطرق إلى الماضي:
-ربنا يرحمه.
أشار "غيث" بيده مضيفًا في نبرة متجهمة:
-شوفوا ناجصكم إيه لأجل ما نرجع عن الست الحاجة أمكم.
أولته "دليلة" ظهرها وردت وهي تدعي انشغالها بالتطلع إلى محتويات الغرفة:
-ماشي.
خرج من الغرفة معاتبًا نفسه على ضيقه غير المبرر والذي قد يثير علامات الريبة بلا داعٍ:
-عغير من راجل ميت إيــاك! جرى إيه يا "غيث"؟ اركز إكده!
..........................................
منذ أن صعد "محروس" إلى بيتها، وهو على تلك الحالة، يجلس مطولًا على الأريكة، محدقًا في الفراغ بلا تعبيرٍ، ومستغرقًا في تفكيرٍ عميق. جاءت إليه "تفيدة" وشملته بنظرتها الحائرة، فهي عاجزة عن إدراك ما يتصارع بداخله. أشفقت عليه وتعاطفت معه، معتقدة أنه مهموم بسبب الوضع الصحي لزوجته.
ببساطتها وسجيتها غير المكلفة تمكنت من تحويل انتباهه إليها، فحملق "محروس" في وجهها وهي تتساءل باهتمامٍ صادق:
-روحت لمَرتك يا خوي؟
نظر لها مليًا، كأنما يعيد اكتشاف خصالها الحميدة، فاستطردت تتساءل من تلقاء نفسها، محاولة استشفاف ما يثقل لسانه ويمنعه عن البوح به:
-لاجيتها في سابع نومة؟
لم ينبس بكلمةٍ، فاستمرت في إيجاد الأعذار والمبررات لضرتها:
-معلش، العيا عِفش، وهي ماعتستحملش.
ألفها امرأة حنون، لا تحمل ضغائن تجاه الآخرين، حتى وإن جــار عليها. مد "محروس" يده ليمسح على طرف ذقنها بحنوٍ وهو يحادثها بلطافةٍ غير معتادةٍ منه:
-إنتي طيبة جوي يا "تفيدة".
تفاجأت من ترديده لاسمها بهذه الطريقة، خاصة وهو يسبل عينيه إليها، فعلقت بابتسامةٍ مشرقة مغلفة بقليلٍ من الخجل:
-بــاه، إجليل لما تنادم عليّ باسمي.
غازلها بمعسول كلامه الذي أطرب أذنيها:
-علشانك غالية، وأول دنيتي.
ردت في حياءٍ محبب إليه:
-واه، أني كبرت على الدلع.
ليقول ضاحكًا، ومتناسيًا معها همومه التي أثقلت كاهليه:
-لساتك شباب يا أم البنات.
بادلته الضحك الخجل، فطلب منها بنبرة متشوقة تنم عن الرغبة:
-جومي حضري الوكل، أني النهاردة مزاجي فيكي.
أدركت مقصده، وأبدت ترحيبها بليلة حالمة تتجدد فيها الأشواق:
-عينيا يا سيدي وتاج راسي.
شيعها بنظرته المهتمة إلى أن اختفت من محيطه، فغاب الدفء عنهما، وغمغم مع نفسه في وعدٍ صريح:
-ورب العزة لأخليكي مداس في رجلين حريمي يا "أحلام"!
...........................................
بللت شفتيها الجافتين بطرف لسانها قبل أن تبذل القليل من الجهد لتحرك ذراعها وتمسك بكوب المياه المسنود إلى جوار فراشها لترتشف القليل. نظرت "أحلام" أمامها لتجد خادمتها قد عادت من الخارج، أشارت لها لتأخذ من الكوب الفارغ، فانصاعت لأمرها غير المنطوق، ووضعته في موضعه، لتتساءل الأولى مستفهمة:
-"محروس" مجاش؟
ترددت "نعمة" في إخبارها بحقيقة ما حدث، حين أبصرته مرابطًا أمام الباب يستمع إليهما أثناء عودتها من الحمام، آنئذ توارت عن أنظاره لئلا يلمحها، وراقبته خلسة حتى غادر المكان في عصبيةٍ غريبة.
طال صمتها أمام صبر "أحلام" القليل، فهسهست الأخيرة في ضيقٍ:
-واكلة سد الحنك عاد؟ انطجي يا بت؟
بدا من المستبعد إخفاء الأمر عنها، لذلك أخبرتها بما شاهدته في توترٍ:
-أني شوفته يا ستي وهو خارج من المشتشفي لما كُت في دورة المياه.
افترضت مجازًا:
-يكونش خاف ليجلج منامي؟
هزت رأسها نافية:
-لع يا ستي....
فنظرت لها "أحلام" بتعجبٍ، لتتابع وهي تزدري ريقها:
-ده كان موجود وقت ما سيدي "راشد" كان إهنه.
خفق قلبها بقوةٍ وهي تهتف في ذهولٍ:
-بتجولي إيــــه!!
ارتاعت من فكرة سماعه لما دار بينها وبين أبيها من مصارحة صادمة اعترفت فيها بتهورٍ عما تكنه في صدرها، سرعان ما فقد وجهها الذابل ألوانه، وهربت الدماء من عروقها متمتمة في وجلٍ:
-شكلها انطربجت فوج راسي!
........................................
لم تكفِ المياه المنهمرة بغزارةٍ على جسده في إزالة آثار التجربة السيئة التي خاضها بداخل غرفة الحجز في قسم الشرطة، وكيف له أن يفعل وقد اختبر أسوأ ما يمكن لبشرٍ أن يعايشه. راح "راغب" يدعك أطرافه وبدنه بلوف الاستحمام حتى التهب جلده، ولم يعبأ بذلك، فقد أراد محو تلك الذكريات المريرة من عقله، لعله يستطيع تجاوزها ومتابعة حياته.
توترت "نجاح" من بقاء ابنها بداخل الحمام لفترة طويلة، فانتفضت قائمة من على مائدة الطعام تقول في توجسٍ:
-لأ كده كتير بجد، هو هيبات جوا.
مد زوجها يده ليمسك بها من معصمها قائلًا:
-سبيه يا "نجاح"، اللي شافه برضوه مش قليل.
أخبرته بما ينتابها من هواجسٍ أمومية مبررة:
-أنا خايفة يعمل في نفسه حاجة، هروح أطمن عليه.
تفهم طبيعة شعورها الغريزي، ونصحها في جديةٍ:
-طب بالراحة، ومافيش داعي تحكي في حاجة مالهاش لازمة.
لتتصعب بشفتيها معقبة:
-مسيره يعرف مهما خبينا عليه.
خطت بعد ذلك نحو الحمام، ووقفت أمام الباب تطرق عليه متسائلة في قلقٍ:
-إنت كويس يا حبيبي؟
أتاها صوته من الداخل مُجيبًا على قدر السؤال وفي إيجازٍ:
-أيوه.
استحثته على الخروج هاتفة:
-طب يالا قبل ما الأكل يبرد، أنا عملتلك كل اللي نفسك فيه.
جاء رده مختصرًا كسابقه:
-ماشي.
تلكأت في سيرها وهي تستدير عائدة إلى مائدة الطعام، سرعان ما ارتخت تعابير وجهها المشدودة عندما انضم إليهما وقد عادت النضارة إلى وجهه. ابتسمت له قائلة وهي تملأ صحنه بأشهى المأكولات:
-أغرفلك كمان؟
أشار لها بيده لتكف عما تفعل مرددًا:
-ماليش نفس.
لم تتجادل معه، واكتفت بهز رأسها ليحل الصمت عليهم لبعض الوقت حتى قطعه "راغب" بسؤاله المباشر:
-إنتي روحتي يا ماما لـ "فادية" وأبوها؟
تبادلت نظرة سريعة متوترة مع زوجها، فقرأت تلميحًا في عينيه يحثها على عدم التطرق إلى أي شيء، فامتثلت لذلك، وتشدقت بحماسٍ غريب وهي تلصق بثغرها تلك الابتسامة العريضة:
-دوق الفراخ دي مقرمشة، أنا عملاهالك زي ما بتحب بالبيض والبقسماط.
إلا أن "راغب" رفض تغيير الموضوع، وكرر سؤاله بشيءٍ من الحدة، وقد تقوس حاجبه الأيسر:
-ردي عليا يا ماما، روحتيلهم؟ ولا مرضوش يقابلوكي؟
مطت فمها للأمام في ترددٍ، ليقوم والده بالرد عليه موضحًا:
-للأسف يا ابني حماك وبنته سافروا.
نظر تجاهه متسائلًا في استنكارٍ لا يخلو من الانزعاج:
-أفندم؟ سافروا إزاي يعني؟
أضافت "نجاح" أيضًا بعدما تركت ملعقتها عند حافة طبقها:
-ده اللي بتاع الأمن قالهولي.
قست ملامحه صائحًا في امتعاضٍ مستنكر:
-أه طبعًا الهانم مش في دماغها ولا فارق معاها أنا فين ولا بيحصل معايا إيه، أهم حاجة تروق على نفسها بنت الـ....
لم يخجل من وصف زوجته بهذا الوصف المهين، وكأنه وسيلته المتاحة للتنفيس عن غضبه المكبوت بداخله، ليتكلم والده بنبرة ذات مغزى:
-هما كمان سابوا الفيلا.
لكنه لم يستوعب المعنى المقصود من جملته الأخيرة، وعلق بحسن نيةٍ:
-وهي من إمتى كانت بتركز في مكان؟!
لترد عليه "نجاح" في سخطٍ:
-يا ابني افهم مراتك سافرت مع أبوها برا البلد، وعرضوا الفيلا للبيع.
حول بصره تجاهها صائحًا في انفعالٍ آخذ في الازدياد:
-يعني إيه؟ أنا مش فاهم حاجة.
زفرت في نقمٍ قبل أن تقول:
-واضح كده إنها ناوية تنهي جوازتكم، يا حبيبي ملحقتش تفرح ولا تتهنى!!
هنا انتفض من مقعده ضاربًا بكفيه في عصبيةٍ على سطح المائدة، مما تسبب في بعثرة الطعام، وصوته الهادر في جنون يرن بين جدران الغرفة:
-ده لما تشوف حلمة ودنها، مش هيحصل، مابقاش رضيت بالـ.... وكمان بتشوف نفسها عليا الـ (....)
الألقاب التي وصف بها زوجته دلت على وجود خطب ما مريب بشأنها، مما دفع "نجاح" لسؤاله مستعلمة، وهذه النظرة المحققة تكتسح عينيها:
-هي مراتك عملت إيه .................................؟!!!
