رواية شظايا قلوب محترقة ( وكأنها لي الحياة ) الجزء الثانى الفصل الثالث والثمانون
"لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين "
مـــا بـــيـــن عِـــشـــقٍ لـــم يـــمُـــت... وقـــلـــبٍ يـــتـــظـــاهـــر بـــالـــنـــســـيـــان
الـــثـــالـــث والـــثـــمـــانـــون
يظنُّ الإنسان أنه حين يبتعد... ينجو.
يُقنع نفسه أن المسافات كفيلة بأن تُطفئ الحنين، وأن القسوة قادرة على قتل ما عجز الزمن عن محوه.
لكن بعض الأشخاص لا يسكنون الذاكرة فقط... بل يسكنون الروح.
تُغلق الأبواب في وجوههم، تُقال الكلمات التي تترك ندوبًا لا تُرى، وتُهدم الجسور التي ظنوا يومًا أنها لا تسقط... ومع ذلك يبقى الحب واقفًا بين الركام، يرفض أن يموت.
ذلك الجزء الذي يتذكر كيف كان الحب قبل أن يتحول إلى وجع.
فما أقسى أن تقف أمام من كان يومًا وطنك، وتحاول إقناع نفسك أنه غريب. وما أصعب أن تراه يتألم، بينما أنت من المفترض أن تكون سعيدًا بانتصارك عليه.
فبعض الانتصارات لا تُشبه الانتصار... بل تكون هزيمةً أخرى، حين تكتشف أنك خسرت الشخص الذي كنت تحاول معاقبته.
وبين اعترافٍ تأخر كثيرًا... وصمتٍ قتل ألف فرصة...
يبقى السؤال الأصعب:
هل يكفي الحب وحده حين يصبح الطريق إليه مليئًا بالندم؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
توقَّفت آسيا أمامه، تحدِّق فيه بعينين امتلأتا بالوجع، وبداخلها ألف صرخة تتزاحم، لا يقوى منها شيء على الخروج، ارتجفت شفتاها وهي تهمس بصوتٍ بالكاد سُمع:
_أنا...جاهزة.
ساد صمتٌ ثقيل..
ثوانٍ مرَّت عليهما كأنَّها سنوات، ظلَّ آسر يحدِّق بها، وفي ذهنه يتردَّد ما حدث قبل ساعة فقط...حين ذهبت إليه توصيه على أختها، أمسك بها يهزُّها بعنف الكلمات، يستفزها، يهاجمها، يتمنَّى أن تغضب، أن تصرخ، أن تدافع عن نفسها، أن تمنحه سببًا واحدًا ليصدِّق أنَّ كل ما يحدث كذبة... لكنَّها لم تفعل.
لم تمنحه سوى خذلانٍ مزَّق قلبه.
تقدَّم نحوها خطوة، وكلُّ العيون معلَّقة به، تنتظر كلمته التي ستحدِّد مصير الليلة.
توقَّفت أنفاس الجميع.
قال بصوتٍ مبحوح يخفي خلفه قلبًا ينهار:
_بس...أنا مش جاهز.
ما إن خرجت الكلمات حتى شعرت آسيا وكأنَّ سهمًا ملتهبًا اخترق صدرها. تلاشت الأصوات من حولها، ولم تعد ترى سوى وجهه وهو يبتعد عنها... بينما قدماها تجمَّدتا في مكانهما، وعيناها امتلأتا بدموعٍ رفضت السقوط.
تقدَّم يزن نحو ابنه، وقد أدرك أنَّ الأمر خرج عن السيطرة، أين سدن، هل تراجعت عن الزواج؟؟
_آسر إيه اللي بيحصل؟
لكن آسر لم ينظر إليه، فجال ببصره بين الوجوه ثم قال بصوتٍ مضَّطرب:
_آسيا...فين سدن؟
في تلك اللحظة..
دخل كريم، يسند إيمان التي كانت شاحبة الوجه، تكاد قدماها لا تحملانها، ورحيل خلفهما.
وما إن وقعت عينا يزن عليهما حتى اندفع نحوهما:
_في إيه؟
رفعت رحيل رأسها بصعوبة، وقالت بهمس:
_سدن..مش موجودة يا يزن.
سافرت...وسابت جواب..وقالت إنَّها مش هتتجوِّز.
ارتدَّت الكلمات كالصاعقة على الجميع.
اتَّسعت عينا أرسلان وهو يهمس بذهول:
_مشيت؟!..
استدار في لحظة نحو مالك، وكأنَّ الإجابة عنده.
لكن مالك لم يملك سوى أن يهزَّ رأسه بالنفي، وعيناه مشتعلة بالغضب والصدمة:
_اسألوا أمن الفندق...أنا ذنبي إيه؟
قطب أرسلان حاجبيه، وصاح بانفعال:
_يعني إيه "ذنبك إيه"؟! بنت كانت هتتجوِّز بعد شوية...تختفي كده، إزاي؟!
انهارت إيمان بين ذراعي كريم، بينما بقيت آسيا واقفة مكانها، لا تبكي... فقط تنظر إلى الفراغ، وقلبها يتفتَّت إلى شظايا..
كل هذا ويوسف وبلال يراقبان بصمت.
وصل إلياس برفقة ميرال، فقال بصوتٍ حازم:
_اتأخَّرتوا ليه..المأذون عنده كتب كتاب تاني.
لكن توقَّفت الكلمات على شفتيه.
وهو يرى انهيار إيمان بين ذراعي يزن، تبكي بحرقة وكأنَّ روحها تُنتزع منها، وهي تردِّد بصوتٍ متقطِّع:
_أنا عايزة بنتي يا كريم...هاتوا لي بنتي...هاتوا لي سدن.
تجمَّدت ملامح إلياس، واتَّسعت عيناه بصدمة، ثم التفت سريعًا نحو العروس الواقفة في صمت.
همس وكأنَّه يخشى سماع الإجابة:
_أسيا!!..فين سدن؟
ساد صمتٌ ثقيل.
ثم تحوَّلت نظراته إلى أرسلان، الذي وقف متخصِّرًا يحاول كبت غضبه.
قال بجمود:
_مشيت...وسابت جواب.
ارتدَّ إلياس خطوةً للخلف، وكأنَّ أحدهم صفعه:
_مش فاهم...مشيت إزاي؟! حد كان غاصبها، إزاي تسيب فرحها وتمشي؟
التفت بعصبية إلى مالك:
_إنتَ كنت فين؟
ردَّ مالك بضيق وهو يرفع كفَّيه:
_خرجت من الفندق...وأنا ذنبي إيه؟ ده فرح، والأمن الداخلي موجود.
انفجر إلياس فيه:
_ شوفتوا الكاميرات ولَّا لسه؟
لم ينتظر ردًّا، بل أشار إلى أحد رجال الأمن بصوتٍ يحمل أوامر لا تحتمل التأخير:
_اتِّصلوا بالمطار...وقَّفوا سفرها. اتحرَّكوا...إنتوا لسه واقفين بتفكَّروا؟
ثم التفت إلى أرسلان من جديد:
_مشيت إمتى بالظبط؟
نظر إلى يزن وقال بحسم:
_الناس كلَّها برَّة...والمأذون مستنِّي.
ثم وقعت عيناه على آسر...وعلى آسيا الواقفة بفستان الزفاف، شاحبة الوجه، وكأنَّها لا تشعر بمن حولها.
ارتبكت ملامحه، وكوَّر قبضته وهمس بصوتٍ مختنق:
_أنا...أنا مش عارف أعمل إيه.
قبل أن يردَّ أحد، تقدَّم بلال خطوة:
_ آسيا تخرج على إنَّها سدن... والموضوع يتلم.
التفت إليه إلياس بعينينِ تقدحانِ شررًا:
_لا والله...إنتَ بتهزَّر!! هيتجوِّز أختها وهوَّ بيحبَّها؟!
زفر يزن بقوة، ثم قال بنبرةٍ مثقلة:
_للأسف يا إلياس...مفيش قدَّامنا حل غير ده.
تحوَّلت الأنظار كلَّها نحو آسر.
كان واقفًا كتمثالٍ من حجر، قبضته مشدودة حتى ابيضَّت مفاصل أصابعه، وعيناه معلَّقتان بآسيا التي لم ترفع رأسها.
قال إلياس بصوتٍ أجش:
_هتعمل إيه يا آسر؟
رفع آسر عينيه إليها، ينتظر منها نظرة واحدة...كلمة واحدة...أي شيء، لكنَّه لم يجد سوى وجهٍ جامدٍ يخفي وراءه ألف انهيار.
فتح فمه ليتكلَّم، إلَّا أن يوسف سبقه.
اقترب من والده وهمس:
_بابا...محتاج حضرتك دقيقة.
نظر إليه إلياس طويلًا، ثم تحرَّك معه بصمت، وكأنَّ عقله لم يعد يحتمل كلمة أخرى.
في الجهة الأخرى...
كان يزن يحتضن إيمان، يحاول إسناد جسدها المرتجف، وهي تبكي بحرقة، تردِّد بين شهقاتها:
_يا ترى إنتِ فين يا سدن...عملتي فينا كده ليه يا بنتي...ليه؟
ربت على كتفها بحنان:
_اهدي يا حبيبتي...إن شاء الله هنلاقيها.
بينما دار كريم حول نفسه كالمجنون:
_ليه يابنتي تفضحينا كدا؟!.
في تلك اللحظة، دوى صوت يزن :
_آسر...خد آسيا واطلع للمأذون..مش عايز حد يتكلِّم.
لم يتحرَّك آسر.
ظلَّ ينظر إلى آسيا، ثم قال بهدوء أخفى خلفه عاصفة كاملة:
_أطلع مع آسيا على أساس إيه يا بابا، مش لمَّا أسمع منها الأوَّل إنها موافقة؟
لم يمهله أحد.
قاطعتهم رحيل بحدَّة:
_يعني نازلة بفستان الفرح علشان تتصوَّر بيه؟! لم الدور يا آسر...مش ناقصين فضايح.
رفعت إيمان رأسها نحو رحيل، وقلبها يتمزَّق، وهمست لنفسها وكأنها تحدِّث ابنتها الغائبة:
_ليه يا بنتي...ليه عملتي فينا كده؟
اقترب يزن من ابنه، وناداه بصوتٍ خافت يحمل الرجاء أكثر من الأمر:
_آسر...
لكنَّه لم ينظر إليه.
كانت عيناه معلَّقتين بآسيا وحدها.
وأشار إليها ببطء:
_أنا مش هتحرَّك...غير لمَّا أسمعها هيَّ.
رفعت رأسها أخيرًا.
التقت عيناهما...وفي تلك النظرة، كان الغضب، والخذلان، والوجع، والاتِّهام... وكأنَّ كليهما يحمِّل الآخر ذنب ما يحدث.
زمَّ شفتيه، ثم قال بمرارة لاذعة:
_إيه يا عروسة...موافقة نلمّ فضيحة أختك؟
كانت كلماته كسكِّين يغرسه في صدرها.
تمنَّت في تلك اللحظة لو تصفعه...لو تصرخ في وجهه...لو تخبره أنَّها أكثر من انكسر الليلة.
لكنَّها دفنت كل شيء..وقالت ببرودٍ مخيف:
_موافقة.
ظلَّ ينظر إليها.
ثم قال بجمود:
_مش سامع.
تمتمت رحيل وهي تهزُّ رأسها:
_جبروت...يا ابن يزن.
ثم أمسكت يد آسيا برفق:
_يلَّا يا حبيبتي...ادخلي، الناس زمانها بدأت تسأل.
لكن آسر لم يتحرَّك.
ردَّد للمرَّة الأخيرة:
_مش هتحرَّك...غير لمَّا أسمعها كويس.
في تلك اللحظة، عاد إلياس..نظر إليهما:
_ادخل يا آسر...وإنتوا كل واحد على مكانه، مش عايز ألفت الأنظار.
ضحك آسر ضحكة خرجت مليئة بالمرارة:
_أنظار إيه يا عمُّو؟...عروستي هربت، وحضرتك بتكلِّمني عن الأنظار.
انفجر إلياس لأوَّل مرَّة:
_ولا...أنا على أخري!
أشار إلى آسيا:
_خد عروستك ولمّ الليلة الزفت دي... إيه الفرق بين آسيا وسدن؟.
أكمل وهو يضغط على أسنانه:
_وبعدين...طلَّقها الصبح لو مش عايزها، محدش هيغصبك عليها...هيَّ أصلًا خسارة فيك.
اتَّسعت عينا آسر بصدمة:
_حضرتك بتقول إيه؟!
اقترب منه إلياس حتى أصبح أمامه مباشرة:
_بقول...لو ما دخلتش خلال ثانيتين، هطلع للناس أقول العروسة جالها الزايدة، والفرح اتلغى...اختار.
ثم أشار بيده نحو الباب:
_تطلع...ولَّا أطلع أنا؟
مدَّ آسر يده أخيرًا، وأمسك كف آسيا، كانت يدها باردة كالجليد..أمَّا قلباهما... فكانا يحترقان..
قشعريرة أصابت كليهما من لمس الأيدي، رفع نظره إليها، وجد انهيار لدموع أوشكت على الانفجار، للحظة ضعف قلبه، وأراد أن يضمُّها لصدره، ويخبرها بما يجيش به، ولكنَّه يعلم أنَّها عنيدة ولن ترضخ أبدًا، لهذا أصرَّ على أن يتمَّ الأمر كما خطَّط حتى ينل بها دون أن يكشف أمره، شبك أصابعه بأصابعها، توقَّفت وهي تحاول فك يدها:
_إنتَ بتعمل ايه؟!
ابتسم رغما عنه، ثم سحبها إليه بقوة:
_لو لمحت التكشيرة دي في الفرح، هلغي وأقول العروسة هربت.
_ما تقول.
_تمام...شوفي بقى الفضايح اللي هتكون ترند وسائل الاعلام، بنت الدكتور والدكتورة اللي هربت ليلة زفافها على ابن خالها، وعندي صور وهيَّ بتعيط ومش عايزة تتجوز، طبعًا عارفة عمِّك إلياس مالي البيت كاميرات، مش كدا يا قطَّة، تضحكي، مش عايز حد ياخد باله إنِّي هتجوز غصب عن مراتي.
_واطي.
تجمَّد للحظة على كلماتها، فنطق:
_ولسة هتشوفي من الشخصية دي كتير.
صمت على صوت الموسيقى لتعلن عن قدوم العروسين.
ودون أن ينطق أيٍّ منهما بحرف، تحرَّكا معًا إلى الداخل.
تنفَّس بلال بارتياح، ثم ربت على كتف إلياس الذي يراقبهما بصمت حتى يتأكَّد من كلام يوسف بابتسامةٍ متعبة:
_ما يجيبها إلَّا كبارها...كنت فين من بدري يا راجل؟
رمقه إلياس بنظرةٍ حادَّة، ثم التفت إلى يوسف:
_إنتَ وهوَّ...حسابكم معايا بعدين.
ثم نظر إلى ميرال:
_خدي إيمان...خلِّيها تغسل وشَّها.
أخذ نفسًا طويلًا، قبل أن يقول بصوتٍ متهدِّج:
_يلَّا...تعالوا...كتب الكتاب.
ارتفعت الموسيقى مع دخول العروسين إلى القاعة، لكن كل نغمة كانت تُغرس كسكِّين في صدر آسيا. كانت تسير إلى جواره بخطواتٍ ثابتة، بينما روحها تتهاوى مع كلِّ خطوة. شعرت وكأنَّها لا تدخل قاعة زفاف، بل تُساق إلى قدرٍ لم تختره.
كيف قبلت أن تجلس في مكانٍ لم يكن لها اليوم؟
هذا المقعد...كان من حقِّ أختها.
وهذا الرجل...كان من نبض قلبها، لكنَّها كانت تحلم أن يأتيها يومًا لأنَّها هي من اختاره، لا لأنَّها أصبحت البديل بعد هروب العروس.
وصلا إلى طاولة عقد القران.
سحب آسر المقعد بهدوء، وأشار إليها أن تجلس.
رفعت رأسها إليه ببطء، تتشبَّث بآخر خيط من الأمل...لعلَّها ترى في عينيه وجعًا يشبه وجعها، أو تردُّدًا، أو حتى اعتراضًا صامتًا يقول إنَّه يريدها هي وليس أختها.
لكنَّها لم تجد...
إلَّا وجهًا جامدًا...وعينين أنهكهما الغضب حتى لم يعد فيهما متَّسع لأي شعور.
بدا وكأنه ليس مغصوبًا على تلك الليلة..
وكأنَّ ما يحدث معها لا يعنيه.
ازدادت غصَّتها..
نظرت لعينيه ونظرات تحكي الكثير..
ألم تحاول لأجلي ؟
أأنا بهذه السهولة...أصبحت اليوم مجرَّد اسم يملأ الفراغ الذي تركته أختي؟
جالت عيناها بالقاعة، حتى شعرت أن الجميع ينظر إليها، لا كعروس...بل كبديلة تجلس في مكانٍ لا يخصُّها.
تردَّدت قدماها، وبقيت واقفة تحدِّق في المقعد، كأنَّه يرفض استقبالها أكثر ممَّا ترفض هي الجلوس عليه.
اقتربت رولا سريعًا بعدما التقطت نظراتها المرتبكة.
همست برفق وهي تمسك بكفِّها البارد:
_آسيا...يلَّا يا حبيبتي...الناس كلَّها بتبص علينا.
التفتت إليها آسيا..لم تتكلَّم، لكن عينيها كانتا تصرخان بما عجز لسانها عن قوله.
كان فيهما سؤالًا واحدًا...
_ليه الوجع دا؟!
ابتلعت رولا دموعها، واقتربت أكثر حتى لا يسمعها أحد:
_إحنا اتفقنا...الليلة دي لازم تعدِّي. علشان مامتك...والله ممكن يحصلَّها حاجة لو الموضوع اتكشف دلوقتي.. استحملي...أرجوكِ.
أغمضت آسيا عينيها لحظة.
كأنَّها تدفن نفسها بيديها.
ثم جمعت أطراف فستانها بأنامل مرتعشة، وجلست ببطءٍ شديد...
وكأنَّها لا تجلس على مقعد عقد القران...
بل تجلس فوق قلبها المكسور.
عدَّلت رولا الفستان حولها بحنان، وربتت على كتفها في صمت، قبل أن تتراجع متَّجهة إلى أخيها.
وقفت أمام آسر، وقالت بصوتٍ خافتٍ لا يسمعه سواه:
_ااسر ايه اللي بتعمله دا
ثم تراجعت تربت على كتف اسيا
_ممكن...ما تزعلهاش أكتر من كده؟ اللي حصل كفاية عليها...كلِّنا مخنوقين، وهيَّ أكتر واحدة بتدفع تمن اللي حصل.
حوَّل آسر بصره نحو آسيا للحظة...
رآها جالسة مطأطأة الرأس، تقبض على أطراف فستانها حتى ابيضَّت أصابعها.
ثم رفع عينيه إلى رولا، وقد بدا الاحتقان واضحًا في نبرته:
_ممكن تروحي تقعدي...وتسُكتي؟ أنا على تكَّة من كل اللي بيحصل.
ابتسمت ابتسامة باهتة، وربتت على كتفه برفق، وهي تتمتم:
_هتعدي حبيبي
ثم ابتعدت...وتركت خلفها أخًا يحترق بصمته..وحبيبته تجلس مكان أختها، ظنًّا أنَّها بديلة، تستعدِّ أن تُزفَّ إلى الرجل الذي أحبَّته من قلبها، لكن ليس كحلمٍ تحقَّق...
بل كجرحٍ سيظلُّ ينزف كلما تذكَّرت أنها كانت في تلك الليلة، مجرَّد بديل.. وليس كعروسٍ حارب من أجلها.
ذهب آسر بنظره إلى يوسف، الذي كان يقف بعيدًا يتحدَّث في هاتفه، ثم حوَّل بصره إلى بلال، الذي تقدَّم بخطواتٍ هادئة وجلس إلى جواره، وعلى وجهه ابتسامة انتصار.
مال بلال نحوه وقال بخفَّة متعمَّدة:
_ألف مبروك يا عريس...إيه رأيك يا حبيب والديك، حلو الفرح؟
التفت إليه آسر ببطء، ثم ابتسم بسخرية باردة، وهمس حتى لا يسمعه أحد:
_متحسِّسنيش إنك عملت معجزة... كلُّه بكيفي يا أخويا.
هزَّ بلال رأسه ساخرًا:
_أيوه...ما أنا عارف.
صمت لحظة، ثم اتَّجهت عيناه إلى آسيا.
كانت تجلس في مكانها كتمثالٍ من زجاج...تنظر أمامها بلا تركيز، بينما أصابعها تعصر أطراف الفستان في صمت، وكأنها تمنع نفسها من الانهيار أمام الجميع.
تنهَّد بلال، وقال بصوتٍ خافتٍ يحمل أسفًا حقيقيًا:
_والله...ما قاطع في قلبي غير آسيا. خسارة فيك...دي تستحق راجل يشوفها أغلى ست في الدنيا، مش يحسِّسها إنها جاية تكمِّل مكان واحدة تانية.
اشتدَّت ملامح آسر، والتفت إليه بعينينِ اشتعل فيهما الغضب:
_كلمة كمان...وهنسى إن بينَّا قرابة.
ثم أردف وهو يضغط على كلماته:
_ويا ريت متكونش إنتَ والأهبل التاني اتهورتوا...وضيَّعتوا سدن، أتمنى تكونوا عقلتوا، ومتصرفتوش تصرُّف غبي.
ابتسم بلال بسخرية مرَّة، وربت على كتفه ربتة خفيفة:
_ولما إنتَ عامل فيها الراجل الجدع والحقَّاني...كنت عايز تدمَّر الأختين ليه؟
اقترب أكثر، وخفض صوته حتى أصبح همسًا لاذعًا:
_واحدة كانت هتتجوِّزك وهيَّ مش بتحبَّك...والتانية بتحبَّك وإنتَ كسرت قلبها بإيدك..وعايز تنتقم منها، بص لنفسك الأوَّل يا آسر...وبعدين ابقى احكم على غيرك.
انعقد فكُّ آسر بقوة، حتى برزت عضلاته من شدَّة الغضب، لكنه لم ينطق.
في تلك اللحظة...
أمسك المأذون بالقلم، ورفع بصره نحو الجالسين أمامه، ثم قال بصوته الوقور:
_اسم العروس؟
تجمَّدت أنفاس آسيا..وخفق قلبها بعنف.
للحظة... تمنَّت أن يتوقَّف الزمن، أن ينطفئ صوت المأذون، أن يقتحم أحد القاعة ويُنهي هذا الكابوس..هي لا تريد أن تكون البديل، هي فقط تريد أن يقف حبيبها أمام الجميع ويصرخ باعترافه، النهاردة أحسن يوم في حياتي ياحبيبة آسر، ولكنَّها لم تجد منه سوى خذلان، انتقام، لا شئ يشبهها، بل انكسارٍ لقلبها.
بعد دقائق قليلة تمَّ عقد القران.
دفع يوسف العقد أمامه يشير بعينه:
_امضي يا حبيبي...هعمل نفسي مصدَّقك، وبعدين ده شعار العيلة.. جواز بالغصب ينجح أكتر من جواز بالرضا.
رفع إليه نظرة ازدراء صامتة، فتنحنح الآخر:
_النظرة دي شتيمة...وأنا متعوِّدتش أتشتم.
لكزهما أرسلان:
_ما تسكت يا حيوان منك له... هتمضي، ولَّا ننهي الليلة الزفت دي؟
اعتدل في جلسته، ثم قال ببرودٍ مستفز:
_انهيها يا عمُّو...والله تبقى نِعمة..أطلع آخد مراتي، وأنزل أقول للناس، معلش يا جماعة...ده عيد جوازي، بس أبويا غلط في الدعوة.
لم يُكمل جملته حتى تلقَّى لكزة قوية في ذراعه جعلته يتأوَّه، فاختطف الآخر القلم من يده ودسَّه بين أصابعه:
_امضِ...رباعي كمان، مش ضامنك.
زفر بحرقة، ثم خطَّ اسمه ببطء، وسحب الورقة نحوه وهو يتمتم:
_يا فرج الله...ولا نصر أكتوبر.
رفع الآخر عينيه إليه بغيظ، بينما اكتفى هو بغمزة واسعة وقال بخبث:
_يومين بس...وهحتاج الإمضا دي تاني.
نهض من مكانه وهو يسبُّهما، بينما انفجر الباقون في الضحك، ولم يدرك أحد أن خلف ذلك المزاح قلبه الذي يرفرف بالسعادة.
بعد دقائق، انتهى الجميع من تهنئة العروسين، وتعالت الزغاريد وسط التصفيق والابتسامات المتوَّترة.
مال بلال على آسر، وهمس بمكر وهو يغمز له:
_مش هتبارك لعروستك يا عريس؟
رفع آسر عينيه إليه للحظة، ثم حوَّل نظراته إلى آسيا.
كانت تقف جامدة، تهرب بعينيها من الوجوه كلَّها، وكأنَّها لو التقت بعين أحد لانفجرت باكية، لم تكن تريد شيئًا...سوى أن تصرخ، أو تهرب، أو تستيقظ لتكتشف أنَّ كل ما يحدث مجرَّد كابوس.
ابتسم آسر ابتسامة غامضة، وقال بصوتٍ سمعه المقرَّبون:
_طبعًا...لازم أبارك لها...ما بقت مراتي.
تعلَّقت به الأنظار.
تقدَّم نحوها بخطواتٍ واثقة، بينما ظنَّ الجميع أنَّه سيطبع قبلة هادئة فوق جبينها، احترامًا للموقف.
لكن...رفع كفَّيه، احتوى وجهها بين راحتيه برفق، وأجبرها أن تنظر إليه.
للحظة...تجمَّد الزمن.
ثم انحنى، وطبع قبلة خاطفة فوق شفتيها.
شهقة بصدمة رغم الرعشة التي أصابت جسدها!
اتَّسعت أعين البعض من شجاعته..
أغمضت رولا عينيها فورًا، ودفنت وجهها في كتف بلال وهي تتمتم بخجل:
_يا نهار أبيض...
أمَّا بلال، فانفجر ضاحكًا وهو يصفِّق بكفِّه على ساقه:
_يا لهوي عليك يا آسر، والله أنا مكسوفله..
إحنا كنَّا عبط أوي كدا؟!
اتَّجه بنظره إلى رولا التي اختبأت خلف ظهره:
_أنا هموت وأعمل اللقطة دي.
لكزه يوسف سريعًا وهو يتمتم من بين أسنانه:
_بس يا ابني...روح خلِّيهم يبدأوا الحفلة، أنا خايف من اللي هيحصل بعد كده..
الواد دا مش مضمون.
في الجهة الأخرى، كان أرسلان يحدِّق في آسر بعدم استيعاب، ثم التفت إلى يزن وقال بذهول:
_هوَّ ابنك بيعمل إيه!! ولَّا أنا كبرت وبقيت مش فاهم حاجة؟
ابتلع يزن ريقه بصعوبة.
وعادت إلى رأسه كلمات رحيل...حين أخبرته أنَّ آسر يحبُّ آسيا.
زفر ببطء، وهمس لنفسه:
_إنتَ كنت بتعمل إيه يا ابن يزن...
أمَّا آسيا...فتجمَّد جسدها، لم تستوعب ما حدث.
لم تشعر إلَّا بحرارة القبلة التي أربكت أنفاسها، ونبضات قلبها التي أخذت تضرب بعنف داخل صدرها، بينما عيناها بقيتا معلَّقتين بعينيه..وكأنَّهما وحدهما في هذا المكان الصاخب.
في تلك اللحظة...انطلقت الموسيقى معلنةً افتتاح رقصة العروسين الأولى.
مدَّ آسر يده إليها..تردَّدت، وما زالت نظراتها إليه.
انحنى قليلًا، حتى لامست حرارة أنفاسه وجنتها:
_الفرح لازم يكمل يا عروسة... ومتنسِيش إنِّك مراتي، يعني أقدر أخدك دلوقتي ونكمِّل فرحنا لوحدنا.
رفعت رأسها ببطء، حتى لم يعد يفصل بين وجهيهما سوى أنفاسٍ متلاحقة، وقالت بثباتٍ يخفي خلفه بحرًا من الانكسار:
_هكمِّل الفرح يا عريس...علشان يفضل ذكرى عمرها ما تتنسي.
ظلَّ يحدِّق بها لثوانٍ، ثم أومأ بصمت، قبل أن يلتفت إلى المدعوين، فقلبه لم يعد يرى أحدًا سواها.
امتدَّت كفَّها المرتجفة تستقرُّ داخل كفِّه.
أطبق عليها برفق، وكأنه يخشى أن تنسحب منه مرَّةً أخرى، ثم جذبها إليه حتى استقرَّت بين ذراعيه.
لم تكن المسافة بينهما تسمح سوى لسماع نبض قلبيهما رغمًا عنهما، فكانت أنفاسهما تقول كل ما عجزت عنه الألسن.
لفَّ ذراعه حول خصرها، يشدُّها إليه في هدوء، حتى شعرت أن دقَّات قلبها تكاد تفضحها أمام الجميع، ولو اقترب أكثر...لسمع بنفسه ذلك القلب الذي طالما أنكر أنَّه ما زال ينبض باسمه.
أمَّا عيناه...فلم تعرفا طريقًا إلَّا إليها.
كان يحفظ ملامحها من جديد؛ يتتبَّع تفاصيل وجهها بشوق رجلٍ استعاد معجزته بعد أن أيقن أنَّها ضاعت إلى الأبد.
ففي كلِّ نظرة اعتذار لكنَّها لم تستوعب، وفي كلِّ ابتسامة موجوعة اعتراف...
وفي كل لحظةِ صمت، كان يخبرها أنه دفع ثمن ذلك الخطأ من عمره وروحه.
لم يكن يرقص معها...بل كان يحتضن حلم زواجه منها الذي ظنَّه يومًا أصبح سرابًا، ثم وجده بين ذراعيه واقعًا، يخفق، ويتنفَّس.
أمَّا آسيا...
فكانت كل خطوة تخطوها معه تهدم سورًا جديدًا بنتْه حول قلبها..تحاول أن تبدو قوية..لكنَّها كانت تنهار بصمت.
زاد من اقترابه، ثم رفع ذراعيها برفق حتى استقرَّتا حول عنقه.
حاولت أن تتراجع، ولو بخطوة واحدة...
لكنَّه تمسَّك بكفِّها، لا بعنف، بل بإصرار رجلٍ أقسم ألَّا يتركها تضيع منه مرَّةً أخرى.
اغرورقت عيناها بالدموع.
ليس خوفًا منه...بل خوفًا من قلبها الذي بدأ يضعف، رغم كل ما أقسمت أنَّه لن يغفر له.
أغمض عينيه للحظة، وأراح جبهته بين خصلات شعرها، يستنشق عبقها في صمتٍ موجع.
كأنَّه يجمع من قربها ما يكفيه لسنوات.
يعلم أنَّ الطريق إليها لن يكون سهلًا، وأنَّ جرحها أعمق من أن تداويه رقصة أو كلمة.
لذلك كان يختلس من هذه اللحظة ما يستطيع...
فإن كان القدر قد أخذه منها بسبب سوء فهمٍ كاد يقتلهما معًا...
فلن يدع هذه الدقائق تمر، قبل أن يسرق منها ذكرى تبقيه حيًّا، حتى يأتي اليوم الذي تقف فيه بين ذراعيه...لا كعروسٍ فرضتها الظروف، بل كامرأةٍ اختارها قلبه منذ البداية، ولم يختر غيرها يومًا.
سحبت كفَّيها محاولةً الابتعاد، لكنَّه شدَّهما برفق، ثم وضعهما فوق صدره مباشرة.
ارتجفت أصابعها حينما شعرت بنبضاته تتسارع تحت راحتيها... نبضات لم تكن هادئة كما يحاول أن يبدو.
رفعت عينيها إليه، وقالت بسخرية تخفي بها ارتباكها:
_عايز إيه يا متر؟ متنساش إنِّنا ممثِّلين في مسرحية...بلاش تعيش الدور أوي. واللي موقَّفني الوقفة دي أختي...الله يسامحها.
ظلَّ صامتًا.
لم ينطق بحرف، لكن عينيه كانتا تتحدَّثان بكلِّ ما عجز عنه لسانه.
ضاقت أنفاسها من تلك النظرة، فضغطت بكعب حذائها على ساقه بقوة علَّه يفيق من ذلك الجمود الذي يقتلها.
إلَّا أنَّه، وعلى غير المتوقَّع، جذبها إليه بقوَّة.
شهقت، واتَّسعت عيناها بذهول.
لم يعد يفصل بينهما سوى أأنفاسهما حتى شعرت أن قلبها سيفضحها.
رفع ذراعه يحيط برأسها، وأسندها إلى صدره، ثم بدأ يدور بها على أنغام الموسيقى في هدوء...دون أن ينطق بكلمة..أغمضت عينيها..
كانت رائحته..نبضه..قربه..كلَّ شيء يعيد إليها ما حاولت دفنه.
انسابت دمعة حارَّة على وجنتها..
تلعن قلبها..كيف ما زال يرتجف له..
كيف يحنُّ إلى رجلٍ وقف يومًا يطلب يد أختها؟
ألم تدرك، أيها القلب الأحمق، أنَّه لو سارت الأمور كما أراد...لكانت امرأة أخرى الآن بين ذراعيه؟
فلماذا ترتجف وكأنَّ العالم لم يخذلك؟
قطع همسه شرودها، وصوته يلامس أذنها ببحَّةٍ موجعة:
_من كام ساعة بس...كنت أتعس واحد في الدنيا.
توقَّف لحظة، ثم ابتسم ابتسامة لم ترها، وهمس:
_ودلوقتي...أنا أسعد واحد فيها.
رفعت إليه عينيها الغارقتينِ بالدموع..
ظنَّت أنَّه يشمت.
ظنَّت أنه يحتفل بانتصاره...بأنه كسر كبرياءها، وأجبرها أن تصبح زوجته.
فابتلعت وجعها، وقالت بثباتٍ كاذب وهي تغرس عينيها في عينيه:
_مبروك...بس متفكَّرش إن دي نهاية اللعبة.
اقترب أكثر، حتى استندت جبهته إلى جبهتها، وانسابت أنفاسه الدافئة فوق وجهها، وأغمض عينيه لثانية، ثم همس بصوتٍ لم تسمع فيه انتصارًا... بل راحةُ رجلٍ عاد إليه نبض قلبه:
_مش مهم يحصل إيه بعد كده...
فتح عينيه، وأردف وهو ينظر إليها وكأنَّه لا يرى سواها:
_المهم...إنِّك دلوقتي هنا...معايا.
ثم ابتسم ابتسامة خافتة، خرجت من قلبٍ أنهكه الفراق:
_أنا كسبتك يا حبيبة آسر.
انتهت الموسيقى..ولم ينتبها.
لم يوقظهما من عالمهما سوى تبدُّل اللحن، وتصفيق الحاضرين.
ابتعدت عنه ببطء، لكن عينيها ظلَّتا معلَّقتين بعينيه.
كانت تريد أن تصرخ في وجهه...أن تخبره أنَّه قتلها يوم اختار أختها، وأنَّ هذا القرب لا يمحو ذلك الجرح.
أمَّا هو...فكان ينظر إليها يريد
أن كل كلمة قالها لم تكن شماتة، بل اعترافًا..وأنَّه منذ اللحظة التي ظنَّ فيها أنَّه خسرها...لم يعرف لقلبه حياة، حتى عادت إليه بين ذراعيه..
على إحدى الطاولات، كانت ميرال تجلس في مواجهة إلياس، وعيناها لا تفارقان ساحة الرقص
تنهدت بخفوت وهي تهمس:
_غريبة... اللي يشوف آسر وهو بيرقص كده يقول إنه بيرقص مع حب عمره، مش مع واحدة مجرد بديل.
رفع إلياس بصره إلى آسر للحظات، ثم عاد ينظر إليها بهدوء.
_وإيه الغريب في كده يا ميرو؟ ده المطلوب... لو بان عليه أي حاجة، هيلفت الأنظار.
خفضت بصرها وهمست بصوت حمل وجعًا
_هو ليه الرجالة... بيعرفوا يبيعوا اللي بيحبوهم بالسهولة دي؟
تجمدت ملامحه، وعقد حاجبيه وهو يطالعها طويلًا.
_قصدك إيه؟
ابتسمت ابتسامة باهتة وهزت رأسها.
_ولا حاجة...
مد يده وسحب كفها بين راحتيه، يربت عليها برفق.
_لأ... أنا مش فاهم كلامك، لكن متأكد إنك فاهمة الموضوع غلط. آسر عمره ما حب غير آسيا... من الأول.
انتفضت رأسها نحوه، واتسعت عيناها بصدمة.
_يعني إيه؟! أومال كان هيتجوز أختها ليه؟
أطلق زفرة طويلة وهو يهز رأسه.
_دي حكاية لو كنت عرفتها وقتها... والله كنت لففته حوالين نفسه. الواد قرر وخطط لوحده
ازدادت حيرتها. _مش فاهمة...
مال إليها قليلًا وقال بصوت منخفض: _يوسف... هو اللي ساعد سدن تهرب.
شهقت بقوة حتى وضعت يدها على فمها. _إيه؟! اتجنن؟! إزاي يعمل حاجة زي دي؟
ابتسم إلياس بسخرية.
_بالعكس... عمل الصح. بس بطريقة غلط، لو عرفت قبل دا كله،كنت شربته من البحر، عاى الاقل البنت مش تضطر للجواز كبديل
هزت رأسها بعدم استيعاب وهي تتمتم: _مش قادرة أصدق... ده غبي.
ضحك بخفة وهو يغمز لها.
_ما هو ابن أخوكي... هيجيب الذكاء منين؟
رفعت حاجبها، ونظرت إليه باستنكار مصطنع. _يا سلام! وليه بقى؟
وقبل أن يجيب، قطع حديثهما صوت طارق
_ميرو...
التفتت سريعًا، وما إن وقع بصرها على طارق حتى أشرقت ملامحها بابتسامة واسعة، ونهضت تستقبله.
_حبيبي... حمد لله على السلامة.
ابتسم طارق وهو يصافحها، ثم التفت إلى إلياس.
_إزيك يا إلياس؟
أومأ إليه بابتسامة هادئة. _الحمد لله.
ثم حول نظره إلى هند.
_إزيك يا أم علي؟
ابتسمت باحترام. _الحمد لله، إزي حضرتك؟
ربت إلياس بحنان على رأس الصغير. _كويس الحمد لله.
اقتربت ميرال من هند، وحملت الطفلة بين ذراعيها، تتأملها بعينين يفيض منهما الحنان.
_حبيبة عمتو... إيه الجمال ده كله؟ ربنا يحفظك.
ابتسمت الطفلة بعفوية، ثم مدت كفها الصغيرة تقرص وجنة ميرال، فضحكت الأخيرة وهي تضمها إلى صدرها.
أشار إلياس إلى المقاعد المجاورة. _اتفضلوا... اقعدوا.
ثم نهض وهو يجيل ببصره أرجاء القاعة. _هروح أشوف يزن وكريم.
أومأت ميرال برأسها، بينما جلس طارق وهو يحمل طفلته، ثم التفت إلى ابنه الأكبر الذي كان يقف يتابع ما يحدث حوله.
_مازن.. تعالى اقعد هنا.
لكنه أشار بحماس إلى الجهة الأخرى. _هروح عند رولا.
ابتسم طارق وربت على رأسه. _ماشي... بس متبعدش
أومأ مسرعًا، وانطلق نحو رولا.
التفتت ميرال إلى طارق تتأمله للحظات، ثم قالت بقلق: _لسه تعبان؟
هز رأسه نافيًا، وارتسمت على شفتيه ابتسامة امتنان.
_لأ... الحمد لله. أخدته لدكتور نفسي، والحمد لله بقى أحسن بكتير.
ثم نظر إلى هند بعينين تملؤهما المحبة. _والفضل بعد ربنا... لهنود. عمرها ما سابتني ولا سابت الولد.
ابتسمت هند في خجل، وصلت غرام، تلقي السلام بحرارة.
_إزيك يا هند؟ مصر نورت.
ابتسمت هند وردت بلطف:
_متشكرة... ده نوركم.
جلست غرام إلى جوار ميرال، ثم مالت عليها هامسة: _هو إيه اللي حصل؟
تنهدت ميرال وهي تنظر نحو العروس. _لما الفرح يخلص... هحكيلك كل حاجة.
فجأة هدأت الموسيقى للحظات... قبل أن تنفجر القاعة بالأغاني الشعبية الصاخبة، ليهتف الشباب ويقتحموا ساحة الرقص، يلتفون حول العريس وسط التصفيق والزغاريد.
أما على إحدى الطاولات...
فكانت إيمان تجلس بجسدها فقط.
ابتسامة باهتة ترتسم فوق شفتيها كلما التفت إليها أحد، بينما في داخلها أم تحترق خوفًا على ابنتها.
كانت تشاهد آسيا بين الجميع... ترتدي فستان العرس، لكن روحها غائبة، وعيناها لا تنتميان إلى هذا المكان.
كانت تجلس كأنها في مأتم... لا في ليلة زفاف.
اقتربت رولا وجلست إلى جوارها، ثم أمسكت كفها برفق.
_آسيا...
رفعت آسيا عينيها إليها بتيهٍ موجع
ابتسمت رولا محاولة بث بعض الراحة _ينفع أقولك... مبروك يا مرات أخويا؟
ضحكت آسيا ضحكة خالية من أي حياة.
_عمري... ما هكون مرات أخوكي يا رولا.
تألمت ملامح رولا.
_ليه بتقولي كده؟ يمكن ربنا كتب كل ده علشان في الآخر تكوني من نصيبه.
أغمضت آسيا عينيها لحظة، ثم قالت بصوت مكسور:
_رولا... بالله عليكي، بلاش.
فتحت عينيها وقد امتلأتا بالقهر.
_ولولا خوفي على أمي... والله لو أخوكي ولع قدامي، ما كنت وافقت.
ساد الصمت بينهما للحظة، قبل أن تكمل بمرارة:
_اصبري... بس الليلة دي تخلص، وساعتها هعرف سدن عملت فيا كده ليه.
تنهدت رولا وهي تهز رأسها.
_وسدن ذنبها إيه بس؟
التفتت إليها آسيا بعينين تمتلئان بالغضب.
_ذنبها؟ إنها كانت مرتبة لكل حاجة من زمان... رفضت كتب الكتاب، وكانت مستنية اللحظة دي. لو كانت وافقت وقتها... ما كنتش أنا النهارده قاعدة في مكان مش مكاني.
في تلك اللحظة...وصل آسر بعد وصلة رقصه مع الشباب
توقفت قدماه فور أن سمع كلماتها.
انعقد قلبه، لكنه أخفى كل ما بداخله خلف ملامح جامدة.
نهضت رولا وهي ترمقه بعتاب ، لكنه لم يلتفت إليها.
تقدم مباشرة نحو آسيا، وانحنى يمسك كفها.
سحبت يدها بعنف، وقالت بحدة:
_مش هرقص تاني... قرفت، وعايزة أرتاح، انهي الليلة دي
لم يناقشها.. ولم يمنحها فرصة للرفض.
أعاد الإمساك بكفها، وسحبها برفق امتزج بالإصرار، حتى وقفت أمامه.
ثم التفت إلى رولا، وضي، وشمس، وأشار إليهن بعينيه.. وانحنى يهمس اليها وذراعيه يطوقونها
_مش عايز لفت انتباه، الكلام هيكون عليكم مش علي
تقدمن الفتيات نحو آسيا، وأحطنها من كل جانب، وبدأن يرقصن حولها وسط الزغاريد والضحكات، في محاولة يائسة لإخفاء انكسارها عن أعين الحاضرين...
بينما كانت هي ترقص بجسدها فقط...
أما قلبها...فكان يقف بعيدًا، عند حياةٍ سُرقت منها في ليلة كان من المفترض أن تكون أسعد ليالي عمرها
بأحد اركان القاعة، كان يقف أمام مالك الذي يقص له ماصار
_ليه ماقولتليش قبل ماتتصرف، من امتى وانت بتتصرف من دماغك
_الياس الموضوع كان معقد، وأنا اقتنعت بوجهة نظر يوسف وبلال، وبعدين البنت في الحفظ والصون، اسر كان بيغلط، وكان لازم ابعد عنك علشان لو اتغابى مايجيبش العيب فيك
_يعني هي عند ماما دلوقتي
اومأ له وقال:
_مكنش قدامي غير الحل دا، بس فيه حاجة انا استغربتها
تطلع اليه باهتمام
_يعني اول مايوسف طلب مني اساعدها تسافر لاخوها كانت موافقة جدا، يوم الحنة بالليل لقيت يوسف بيقولي هي مش هتسافر، عايزين نشوف يوم تقعد فيه يوم الفرح
_مين اللي غرق قاعة المناسبات، انت ولا يوسف
_لا طبعا مش انا، بس على مااظن دا شغل بلال، لانه عارف لو الفرح هيكون هنا هي
مش هتعرف تهرب
_تمام
بفيلا السيوفي
دلفت فريدة الى غرفتها
_نمتي
_لا ياتيتا صاحية، اتفضلي
خطت فريدة الى جلوسها وجلست على طرف الفراش
_انا معرفش ايه اللي حصل خلاكي تعملي كدا، بس أنا بثق في حفيدي، ومتأكدة انه مش هيعمل حاجة تأذي العيلة
تطلعت اليها للحظات ثم اومأت
_اكتشفت اني مش هقدر اكمل
_حتى ولو يابنتي مينفعش، كنتي اتكلمي مع اسر وهو هيتفهم
_ماهو لما اتكلمت معاه تفهم
ضيقت عيناها بعدم فهم
_طيب لما هو تفهم، كمل الفرح ليه.
_علشان اسيا
_مالها اسيا مش فاهمة
_اسيا واسر بيحبوا بعض ياتيتا، وهي لما عرفت اني بحبه ضحت بنفسها وراحت قال كلام مش كويس في حقها
_طيب خديني جنبك ياتيتا، وهتصل بيهم يطلعونا عشا أنا وانتي، انا جعانة اوي، جدو اخد العلاج ونام، فانتي هتفتحي نفسي ونتعشا مع بعض وتحكي لي كل حاجة... تمام ياتيتا
اومأت لها دون حديث
بعد فترة، جلست سدن على طرف الفراش، وظلت صامتة للحظات، ثم اقتربت من فريدة ببطء، وفتحت ذراعيها، لتضع رأسها في حضنها
ابتسمت فريدة بحنان، وأخذت تمرر أصابعها بين خصلات شعرها في هدوء.
_شعرك حلو أوي... ناعم، وأصفر زي شعر الأجانب.
ابتسمت سدن ابتسامة باهتة، سرعان ما اختفت خلف وجعها.
_شعر آسيا أحسن بكتير... ماما كانت دايمًا تقولنا إن شعرنا طالع حلو عشان شبه شعر خالو يزن... ورولا كمان زينا...
صمتت لثوانٍ، ثم همست بصوت خافت، وكأن الاسم خرج منها رغمًا عنها:
_... وآسر كمان.
نظرت إليها فريدة طويلًا، ثم سألتها بهدوء:
_إنتِ بتحبي آسر يا سدن... وعملتي كل ده علشان أختك؟
تنهدت سدن بعمق، وأغمضت عينيها.
_هتفهميني يا تيتا... ولا هتقولي زي ماما؟
_احكي... وأنا هسمع للآخر، وبعدها أحكم.
اعتدلت سدن قليلًا، ثم رفعت عينيها إليها، وقالت بصوت مرتجف:
_الأول جاوبيني...
أومأت فريدة.
ابتلعت سدن غصة مريرة، ثم سألت:
_هو أنا وحشة يا تيتا؟
توسعت عينا فريدة بصدمة، وأمسكت وجهها بين كفيها بسرعة.
_ليه بتقولي كده يا قلب تيتا؟! إنتِ زي القمر... ولسه من شوية بقولك إنك شبه الأجانب.
اهتزت شفتا سدن وهي تكافح دموعها.
_طيب ليه... ليه عمري ما لفتُّ انتباه حد؟ ليه دايمًا الكل يشوف آسيا؟ والله ما بغير منها... دي أختي وحبيبتي... بس ساعات بحس إني واقفة جنبها ومحدش شايفني. بحس إني أقل... وإن أي حد هيختارها هي الأول.
لم تتمالك نفسها، وانهمرت دموعها.
احتضنت فريدة وجهها، ومسحت دموعها بإبهامها، ثم قالت بحنان:
_بصيلي يا سدن... كويس.
رفعت سدن عينيها بصعوبة.
ابتسمت فريدة وقالت:
إنتِ بنت جميلة... وجمالك هادي، وعندك عقل ورزانة وأدب، ودي نعم ناس كتير تتمناها. ناقصك حاجة واحدة بس... إنك تعرفي قيمتك، ومتستنيش حد يعرفهالك.
تنهدت ثم أكملت:
اسمعيني يا بنتي... أكبر ظلم ممكن تعمليه لنفسك إنك تقفي طول عمرك تقارني نفسك بغيرك. المقارنة عمرها ما صنعت إنسانة سعيدة، لأنها بتخلي عينك على اللي ناقصك، وتنسيكي اللي ربنا أنعم به عليكي.
ربنا سبحانه وتعالى قسم الأرزاق بين عباده... في واحدة رزقها جمال يلفت من أول نظرة، وواحدة رزقها قبول يكبر مع الأيام، وواحدة رزقها عقل، وواحدة رزقها قلب حنين. ولو ربنا جمع كل النعم في شخص واحد، يبقى ظلم باقي خلقه، وهو سبحانه لا يظلم أحدًا.
أمسكت يدها وربتت عليها.
متخليش قيمتك تتحدد بنظرة شاب، أو إعجاب حد. البنت اللي تستنى الناس تقول لها إنها جميلة، هتفضل طول عمرها أسيرة لكلام الناس. لكن اللي عارفة قيمتها، محدش يقدر يقلل منها.
ابتسمت وهي تشير إلى قلبها.
الجمال الحقيقي يا سدن، مش أول نظرة... الجمال الحقيقي هو اللي يخلي الناس تتمسك بصاحبه بعد ما تعرف أخلاقه. الشكل يلفت، لكن الأخلاق هي اللي بتخلي الإنسان يفضل في القلب.
سكتت لحظة، ثم قالت بحكمة:
وعارفة أكتر حاجة بتكسر البنات؟ إنهم يقيسوا نفسهم بغيرهم. كل واحدة فيكم ربنا خلقها لحكمة، وليها نصيبها، وليها الشخص اللي هيشوفها أجمل واحدة في الدنيا، حتى لو الناس كلها شايفة غيرها.
اغرورقت عينا سدن بالدموع أكثر.
فابتسمت فريدة وربتت على شعرها.
_ ومتنسيش... اللي يختارك علشان شكلك، ممكن يسيبك لما يشوف شكل أجمل. لكن اللي يختارك علشان دينك، وأخلاقك، وعقلك، وقلبك... ده هيتمسك بيكي حتى لو الزمن غيّر ملامحك.
وبعدين انت زي القمر مش وحشة خالص، لكن حكاية انك مالفتيش انتباه حد، علشان لسة ماظهرش اللي يقدرك
ثم ضمتها إلى صدرها بقوة وهمست:
اعملي لنفسك قيمة بالعلم، وبالأخلاق، وبقربك من ربنا. دي الحاجات اللي كل ما العمر يزيد، بتزيد جمالها، مش بتقل.
ابتعدت عنها قليلًا، ومسحت دموعها
ثم انحنت فريدة، وطبعت قبلة طويلة على جبينها، وأخذت تمسح دموعها بأنامل مرتعشة
تنهدت بعمق، ثم سألتها بهدوء:
_إنتِ كنتِ عارفة إن أختك بتحب آسر يا سدن؟
هزت سدن رأسها سريعًا
_لا والله يا تيتا... أقسم بالله ما عرفت غير ليلة الحنة. أصل... أنا من شهر قلت لآسر إني مش عايزة أكمل، بس حاول يقنعني اننا ينفع نكمل، ولما حسيت اني مش هقدر اكمل قبل الفرح كلمته تاني وقلتله نفس الكلام... بس هو ما أخدش كلامي بجد.
ابتلعت ريقها بصعوبة، وأكملت بصوت يملؤه الندم:
_كنت فاكرة إنه هيحاول يقرب مني... يحببني فيه... يخليني أغير رأيي. مكنتش أعرف إن كل اللي في دماغه... الانتقام من آسيا.
انعقد حاجبا فريدة وهي تنظر إليها باستغراب.
_يعني إيه... ينتقم منها؟
أخفضت سدن رأسها خجلًا، وكأنها تشعر بثقل الكلمات.
_هما... كانوا بيحبوا بعض.
_ولما آسيا عرفت إني بحبه... راحت قالتله إنها عمرها ما حبته، وإنها كانت بتستغله... مجرد كوبري علشان نرجع نسافر تاني.
شهقت فريدة
_يا ساتر يا رب... يا غبية يا آسيا! قالتله كده؟!
أومأت سدن والدموع تلمع في عينيها.
_وأكيد أخدها على كرامته...
هزت سدن رأسها بالنفي، ثم قالت بصوت يكاد يختنق:
_دي مش قالت كدا بس
شعرت فريدة بانقباض في قلبها.
_في إيه تاني؟
تنفست سدن بصعوبة، ثم قالت:
_فهمته... إنها كانت بتصاحب شباب قبله... وإنه كان واحد منهم وبس.
اتسعت عينا فريدة في ذهول، حتى انعقد لسانها لثوانٍ.
_يا نهار أبيض..
_يعني جرحت قلبه... وكسرت كرامته... وخليته يشك في شرف البنت اللي كان بيحبها!
انفجرت سدن في البكاء.
_والله ما كنت أعرف... لو كنت أعرف إن الأمور هتوصل لكده، كنت وقفتهم بأي طريقة.
أغمضت فريدة عينيها للحظة، ثم فتحتها وهي تشعر بالخوف
_ودلوقتي... اتجوزها.
قالتها ببطء، وكأنها تستوعب الكارثة.
ثم همست بصوت يملؤه القلق:
_ربنا يستر عليها...
رفعت بصرها إلى سدن، وقالت بحزن شديد:
_آسر لو فعلًا اتجوزها وهو داخل الجواز بقلب مليان وجع وإهانة... يبقى أخطر حاجة مش إنه يكرهها... أخطر حاجة إنه يفضل يعاقبها كل يوم على كلام قالته في لحظة غضب.
سكتت لحظة قبل أن تضيف بحسرة:
_يا خسارة... كلمة واحدة ممكن تهد بيت، وكلمة واحدة وقت الغضب ممكن تجرح جرح ما يخفش العمر كله. ربنا يصلح ما بين قلوبهم... لأن اللي بينتقم في الجواز، بيهدم نفسه قبل ما يهدم اللي قدامه.
_أنا لازم أكلم إلياس، يوقف الجوازة دي، اسر مش هيسامحها ابدًا.
رفعت الهاتف لحظة واحدة واجابها الياس.
_أيوة ياماما... بابا كويس
_وقف الجوازة دي ياالياس، مش لازم تتم
حاولت سدن ايقافها
_تيتا استني، انت بتعملي ايه
تطلعت اليها باستغراب، وهمست
_اقفلي مع عمو إلياس الأول
استمعت الى كلمات إلياس
_متقلقيش ياماما، كل حاجة تمام، ومش زي ماحضرتك متوقعة، خلي بالك من سدن
لحد مااشوف هنعمل ايه، اوعي تسافر، انا همنع سافرها، بس اوعي تمشي من عندك
نظرت الى سدن وأجابته
_أنا هفضل صاحية كلمني بعد الفرح
التفتت إليها فريدة ببطء، وقد انعقد حاجباها.
_ليه قولتي كدا
_لان اسر عرف كل حاجة
_إنتِ عرفتي كل ده إزاي؟... آسيا هي اللي حكتلك؟
مسحت سدن دموعها بطرف كفها، وسرحت بعينيها إلى ليلة الحنة.
خرجت تبحث عن آسيا في أنحاء الحديقة، حتى تلتقطان بعض الصور، لانها قررت السفر، تحركت بينما أصوات الضحكات والأغاني تملأ المكان،
فاتجهت إلى الطاولة التي كان يجلس حولها والدها كريم، وإيمان، وبلال، ونور، ويوسف، وآسر، ويزن، يتبادلون الأحاديث.
اقتربت وهي تنظر حولها.
_فين آسيا يا ماما؟
أشارت إيمان إلى الطابق العلوي.
_فوق... رولا طلعت لها.
قطبت سدن حاجبيها.
_فوق!!... ليه؟!
_محتجاها في حاجة؟
_لا يا حبيبتي... بس ضي وشمس وصلوا، وهي قالت هتدخل تغير وترجع.
أضاف نور بابتسامة هادئة:
_كانت معايا من شوية، ودخلت من هنا
أومأت سدن، واستدارت متجهة إلى داخل المنزل لتصعد إليها...
لكن قبل أن تخطو خطوتين، توقفت على صوت خطوات، كانت رولا تنزل أولًا، وخلفها آسيا.
بدت آسيا شاحبة الوجه، رغم محاولتها رسم ابتسامة باهتة
اقتربت سدن منهما سريعًا.
_كنتوا فين؟
ابتسمت آسيا ابتسامة تخفي بها اضطرابها.
_كنت فوق يا حبيبتي... فيه شوية حاجات.
وقبل أن تسألها سؤالًا آخر...
اعتدل نور في جلسته، ينظر إلى كريم بثبات وقال بصوت واضح:
_دكتور كريم... أنا طالب إيد بنت حضرتك، وهكون أسعد إنسان لو وافقت.
تجمدت الأنفاس.واتجهت كل العيون إلى نور، بينما اتسعت عينا سدن بسعادة، نظرت آسيا إليه وكأنها لم تستوعب ما سمعته.
أما بلال، فلم ينتظر لحظة، فابتسم ابتسامة واسعة، ومد يده يصافح نور بقوة.
_وأنا موافق... ألف مبروك.
ضحكت سدن على كلمة بلال، اتجهت بنظرها الى اسر
_بلال خلاص جاوب... ولكنها توقفت عليه
كان واقفًا في مكانه، كالتمثال، وجهه جامد بصورة مخيفة، وعيناه معلقتان بآسيا وحدها.. نظرة لم تستطع فهمها وقتها...
أما الآن...
فأدركت أنها لم تكن نظرة عادية لرجل
بل نظرة قلب كان ينكسر في صمت.
اقتربت آسيا بخطوات مترددة، وعيناها لا تقويان على النظر إلى والدها.
_آسفة يا بابا...
ثم التفتت إلى نور، وقالت بصوت متحشرج:
_إحنا اتكلمنا في الموضوع ده قبل كده... آسفة يا نور، أنا... مبفكرش في الجواز.
التفتت سدن إليها بذهول، تحدق في وجهها غير مصدقة.
كيف؟! كانت تجلس معها بلأمس تخبرها أنها تحب نور
فلماذا ترفضه الآن؟
خرج صوتها تلقائيًا:
_إيه اللي بتقوليه ده يا آسيا؟
ارتجفت شفتا آسيا، وامتلأت عيناها بالدموع، لكنها لم تجب.
استدارت فجأة، وركضت إلى داخل المنزل، تصعد الدرج سريعًا قبل أن يراها أحد وهي تنهار.
ظلت سدن تنظر إلى أثرها، وقلبها يزداد اضطرابًا.
وفي وسط حالة الذهول، التقطت أذنها صوت بلال وهو يربت على كتف آسر، قائلًا بإعجاب:
_والله إنها بمية راجل... مش زي ناس أعرفهم.
لم تفهم وقتها معنى الجملة.
بينما تنهد كريم بأسف، وقال لنور:
_حقك عليا يا ابني... بس هي صاحبة القرار.
ابتسم نور ابتسامة موجوعة، حاول أن يخفي بها انكساره.
_لا يا دكتور... من حقها طبعًا. أنا بس... افتكرت إنها مستنية إني أكلم حضرتك، مكنتش فاهم
عقدت سدن حاجبيها، ونظرت إليه مباشرة.
_هو... إنت كلمتها قبل كده؟... وهي رفضتك؟
أومأ نور بخجل، ثم ابتسم ابتسامة باهتة.
_أيوه.
لم يقل شيئًا آخر.. نهض من مكانه، وعدّل سترته، ثم قال بصوت هادئ:
_ألف مبروك... عن إذنكم.
ثم التفت إلى يزن.
_كنت عايز أتكلم مع حضرتك في موضوع.
أومأ يزن، ونهض معه، وغادرا المكان.
أما سدن...
فبقيت واقفة، وكأن عقلها توقف عن العمل.
إذا كانت رفضت نور...
فلمن كانت تهمس بحبه ب؟
هل كانت تكذب؟
أم أنها هي التي فهمت خطأ؟
دب القلق في قلبها، فاتجهت مسرعة إلى الداخل.
صعدت الدرج بخطوات متلاحقة، حتى وصلت إلى غرفة آسيا.
مدت يدها لتطرق الباب...
لكنها تجمدت على صوت بكاءٍ مكتوم...
ثم كلمات متكسرة، خرجت من بين شهقات آسيا، تمزق القلب قبل الأذن.
وهي تقص معاناة عشقها لاسر
ارتجفت يد سدن فوق المقبض.
وكلمات اسيا بالداخل كسكاكين تغرس في صدرها.
_إزاي قدر يعمل فيا كده..
حاولت رولا تهدئتها، لكن انهيار آسيا كان أكبر من أي محاولة.
كل كلمة كانت تصل إلى سدن...وتكسر شيئًا بداخلها.. اتسعت عيناها بصدمة.
رفعت كفيها إلى فمها تكتم شهقة خرجت رغمًا عنها.. وفي لحظة واحدة...
تجمعت أمامها كل الصور.
اعترافها لآسر بمشاعرها...نظراته المرتبكة...
واصراره انها كاخته، وفجأة موافقته على الزواح، وتغير حالة اسيا كليا اتجاهه، وكلماته المجروحة معظم الوقت عن اسيا
أغمضت عينيها بقوة، وهمست وهي تكاد تختنق:
_أنا... أنا اللي عملت فيهم كده...
تذكرت انهيارها بين ذراعي اسيا بعد رفض اسر لها، ظنت ان اسيا تنازلت عنه لها
تراجعت خطوة... ثم أخرى.
لم تعد قدماها تحملانها.
خرجت من أمام الغرفة كالهاربة من جريمة.
هبطت الدرج دون أن تشعر، حتى وصلت إلى الحديقة.. كانت الموسيقى لا تزال تعلو...لكنها لم تسمع شيئًا.
وقفت وسط الحديقة الواسعة، ورغم ذلك شعرت أن الهواء اختفى من حولها.
وضعت يدها فوق صدرها، تحاول التقاط أنفاسها، لكن صدرها كان يضيق أكثر فأكثر.
والسؤال الوحيد الذي كان يطاردها، ويكاد يمزق روحها:
هل أنا... بتسرعي... دمرت حياة أختي؟!
_ياغبية... عملتي ايه.
صور كثيرة بدأت تصفع عقلها بعد طلبه بالزوااج، لم تفكر كثيرا، ركضت سريعا اليه علها تنقذ مايجب انقاذه
بعد فترة وصلت سدن إلى منزل يزن بخطواتٍ متعثرة، كان آسر يقف في الحديقة يتحدث في هاتفه، وما إن التفت حتى تجمد مكانه.
وجهها كان شاحبًا، وعيناها متورمتين من كثرة البكاء، وأنفاسها تتلاحق كأنها خرجت من معركة.
أنهى المكالمة على الفور، واندفع إليها.
_سدن... في إيه؟
لم تجبه.. وقفت أمامه مباشرة، تحدق في عينيه، ثم خرج صوتها مكسورًا
_عايز تتجوزني ليه... وأنا مش بحبك يا آسر؟
ارتجف قلبه.. فواصلت وهي تبكي، وكأنها لم تعد ترى أمامها سوى أختها.
_أنا مش بحبك يا آسر... وعارف، أنا ههرب... مش هكمل في الجوازة دي. ومش بس كده... أنا رتبت كل حاجة، ومعايا تذكرة السفر... إيه يا شهم، هتكمل برضه؟ هترضى تهين كرامتك قدام الناس كلها؟
فتح فمه ليتكلم، لكنها رفعت إصبعها في وجهه، تمنعه.
_لا... اسمعني للآخر. والله ما هتعرف توقفني. ههرب... يعني ههرب. ولو اتفرض عليا الجواز... هموت نفسي. وساعتها... الصورة اللي رسمتهالك جوايا هتتمسح، وهيفضل مكانها صورة قذرة... لشبه راجل.
اشتعلت عيناه غضبًا، وقبض على ذراعها بقوة حتى انتفض جسدها.
_اديني فرصة أتكلم!
هتف بها بصراخ
_أنا أصلًا... مكنتش هتجوزك.
توسعت عيناها، وكأنها لم تستوعب ما سمعته.
_ يعني إيه؟
تنهد بعمق، ثم ترك ذراعها، وأمسك بكفها يقودها إلى المقعد المجاور.
جلس أمامها، وأسند مرفقيه إلى ركبتيه، يمرر كفيه على وجهه في إرهاق.
_كنت ناوي أقولك كل حاجة... من أول ما جيتي وقولتي إنك مش عايزة تكملي. بس... كنت خايف من رد فعلك.
ظلت تنظر إليه بصمت، تنتظر.
رفع رأسه وقال بهدوءٍ مثقل:
_هنلعب لعبة قدام الكل... لا إنتِ تخسري، ولا أنا أخسر.
عقدت حاجبيها.
_مش فاهمة.
ابتلع ريقه، ثم قال:
_كنت هاخدك قبل الفرح بأي حجة... ونرجع نقول لأهلنا إننا كتبنا كتابنا في الحسين، في لحظة تهور وإحنا بنتفسح. وبعدها نكمل الفرح عادي... زي ما بلال ورولا عملوا. قدام الناس نبقى متجوزين... لكن بينا إحنا... لأ.
أومأت ببطء
_وليه؟ ليه كل ده؟
ظل ينظر إليها للحظات، ثم قال بصوت خافت:
_سدن... لو فعلًا بتحبيني... فأنا محتاجك تقفي معايا.
قطبت جبينها، وخرج السؤال ممزوجًا بالألم:
_ليه علشان تكسر أختي؟
اخترق السؤال صدره كالرصاصة، حتى
تجمد في مكانه.
أما هي، فلم تعد تقوى على التماسك.
انهارت دموعها، واختنق صوتها قائلة:
_أنا آسفة... والله آسفة. أنا السبب. أنا اللي بعدتها عنك. عمري ما كان قصدي أفرق بينكم... اتبهرت بيك، وبشخصيتك. كنت فاكرة إني أخيرًا حبيت... واتحبيت. مكنتش أعرف أني بموت أختي.
شهقت وهي تضرب صدرها بيدها.
_أنا... أنا اللي كسرت قلبها بإيدي.
اقترب منها بسرعة، وأحاط وجهها بكفيه يمنعها من الانهيار أكثر.
_ششش... اسكتي.
قالها بحنان.
_متحمليش نفسك ذنب مش ذنبك. إنتِ معملتيش حاجة.
هزت رأسها بعنف.
_لأ... آسيا سابتك... عشان عرفت إني بحبك... أو على الأقل عشان افتكرت كده.
ابتعد عنها ببطء.
أخرج علبة سجائره، وأشعل واحدة، ثم اتجه ببصره إلى الظلام الممتد أمامه.
سحب نفسًا طويلًا، وأطلقه ببطء، وكأن الدخان يحمل معه ثقلًا يعجز عن البوح به.
ثم قال، دون أن يلتفت إليها:
_لا...ثم تابع بصوتٍ أنهكه الوجع:
_مش ده السبب.
قالها وهو يرمقها بنظرة موجوعة أكثر منها غاضبة:
_أختك كانت ناوية تلعب بمشاعر آسر... علشان ترجع تسافر تاني. يعني كنت أنا مجرد كوبري تعدي عليه وتكمل حياتها... مش ده كان اتفاقكم يا سدن؟
انتفضت سدن من مكانها، تهز رأسها بعنف.
_لأ... والله لأ. إنت فاهم غلط. هي قالتها مرة... بهزار. ويومها ضحكنا، وبعدها بنفسها قالت إنها عمرها ما هتقدر تعمل كده. كان كلام طلع وقت عصبية... بس. مين اللي قالك الكلام ده؟
استدار إليها بكامل جسده، وعيناه تغليان.
_كلام؟
كررها بسخرية موجوعة.
_يعني الفكرة عدت على دماغها أصلًا.
ارتبكت وهي تحاول إيجاد الكلمات.
_آسر... إنت فاهمها غلط.
ضحك بمرارة.
_غلط؟
اقترب منها خطوة، وصوته بدأ يعلو.
_يعني واحدة عارفة إني بحبها من سنين... وبرضه تفكر تستخدمني علشان مصلحتها؟ ده اسمه إيه؟
ازدادت أنفاسه اضطرابًا، وكأن كل الذكريات تنقلب داخله إلى نار.
_ طيب تقدري تبرري انكم قعدتوا مع شباب باايه
قبض على ذراعها دون أن يشعر بقوة قبضته.
_إزاي قدرتوا تبقوا بالفكر ده؟ فين أخلاقكم؟ فين تربيتكم؟ فين دينكم؟ شباب؟! وياترى كنتوا بتعملوا إيه؟
تأوهت سدن من شدة قبضته، ثم دفعته بعيدًا بكل ما تملك من قوة.
_بس!
صرختها شقت المكان.
_إيه اللي بتقوله ده؟! إنت ظلمتها!
كانت دموعها تنهمر وهي تدافع عن أختها بكل ما بقي فيها.
_محصلش أي حاجة من اللي في دماغك... والله محصلش.
ظل ينظر إليها بصمت، بينما أكملت بصوت يرتجف:
_آه... إحنا فكرنا في الموضوع... أو بمعنى أصح... أنا اللي طلبت منها.
ظل يحدق فيها، ينتظر بقيّة الحقيقة.
ابتلعت غصتها وقالت:
_كان فيه شاب بيحب آسيا بجد... وكان نفسه يقرب منها ويتقدملها. هي كانت رافضاه من الأول، ومكنتش بتشوفه غير شخص عادي. أنا... أنا اللي فضلت أزن عليها وأقول لها: اديه فرصة يمكن يطلع كويس.
تابعت بصوت متقطع:
_والله... ما كان فيه خروج حرام، ولا علاقة زي ما إنت متخيل. كل اللي حصل إن مارسيل كان بيحاول يثبت لآسيا إنه بيحبها... ولما بابا عرف إنه بيحاول يقرب منها، عزمنا أسبوع في مزرعته. المزرعة كانت بعيدة عن البلد، وأصرّينا نروح... بس مش علشان اللي في دماغك، كان مجرد خروجة وتغيير جو. بابا اتجنن من الفكرة نفسها، وكان أصلًا بدأ يضيق من طريقتنا في اللبس وتصرفاتنا.
أطرقت رأسها خجلًا، وهمست:
_عارفة إننا غلطنا في حاجات... بس مش الغلط اللي إنت بنيت عليه كل حاجة.
ارتجف صوتها وهي تكمل:
_وبعدها... بابا رجعنا مصر فورًا.
تقدمت نحوه خطوة، بينما سبقت دموعها كلماتها.
_عمري... والله عمري ما خطر في بالي إنكم بتحبوا بعض. إنت قلت قبل كده إنك كنت مرتبط... بس ما قلتش مين. النهارده بالصدفة سمعتها وهي بتتكلم مع رولا... متظلمهاش يا آسر... آسيا بتحبك بجد.
ظل يحدق فيها، وعيناه فارغتان من أي رد فعل، ثم تراجع للخلف حتى جلس على المقعد، ومرر كفيه فوق وجهه بعنف، وكأنه يحاول أن يمحو كل ما سمعه.
كل كلمة كانت تصفعه.
كل موقف مر أمام عينيه من اتهاماته ومن
قسوة كلماته...محاولاته اليائسة لاستعادتها...
وهي... لا تعلم أصلًا سبب كل ذلك.
لم تكن تهرب منه لأنها خانته...
بل لأنها كانت تظن أنه اختار غيرها.
أغمض عينيه بقوة، وشعر أن قلبه كاد أن يتوقف
في تلك اللحظة، استمع الى صوت رولا من خلفه بهدوء موجع:
_سدن بتقول الحقيقة... بس تعرف؟ لو أنا مكان آسيا... مستحيل أرجع لك مهما حصل.
رفعت عينيها إليه وعيناها تنطق بالغضب
_يوسف وبلال حذروك... مرة واتنين وعشرة، وإنت رفضت تسمع. قولي... لو سدن ما سمعتش انهيار أختها النهارده... كنت هتكمل؟ كنت هتتجوز أخت البنت اللي بتحبها؟
قالتها بنبرة مبحوحة، احتوى رأسه وقال:
_سبوني... لوحدي.
اقتربت منه رولا أكثر.
_لا... مش هسيبك وإنت بتغرق نفسك بالشكل ده.
رفع رأسه فجأة، وقد احمرت عيناه.
_قولت... سبوني لوحدي!
جلست بجواره دون أن تخشاه، وأمسكت وجهه برفق حتى أجبرته أن ينظر إليها.
_ليه بتعمل في نفسك كده يا آسر؟ ليه تكسر قلبك بإيدك؟ فكرت لو بابا عرف الحقيقة هيعمل إيه؟ فكرت في عمتو؟ طيب... فكرت في سدن؟
وأشارت إليها.
_لو كانت سدن بتحبك فعلًا، وكملت الجوازة... كنت هتعيش إزاي؟ كنت هتبصلها كل يوم وإنت شايف في وشها أختها؟
انخفض رأسه في صمت قاتل.
نهضت رولا وأمسكت يد سدن لتغادرا، لكنه أوقفهما بصوت خافت:
_مش عايز... حد يعرف إني عرفت.
التفت إلى رولا، وقال برجاء:
_مش عايز حد يعرف
تجمدت مكانها.
_علشان اعرف ارجعها ازاي
فهمت ما يقصده، فعادت إليه، وضمت رأسه إلى صدرها.
_حبيبي... ربنا يجبر قلبك. سامحني لو شدّيت عليك... بس والله أهم حاجة عندي سعادتك.
أغمض عينيه للحظة، مستندًا إليها، ثم قال بصوت مكسور:
_متقوليش حاجة لبلال.
ثم رفع عينيه نحو سدن.
_أنا... والله ما كنتش بنتقم من آسيا فيكي. ولا مرة فكرت أوجعها بيكي. أنا... مشيت ورا كلام بابا... وورا عقلي. كنت فاكر إن الأيام هتغير كل حاجة... وإني هقدر أبدأ من جديد.
شهقت سدن وهي تبكي.
_أنا آسفة يا آسر... ما كنتش أعرف إن اعتراف أهبل مني هيقلب الدنيا بالشكل ده.
ابتسم ابتسامة موجوعة.
_متأكد... وآسيا كمان مستحيل تسامح بسهولة.
لكزته رولا بخفة، محاولة كسر ذلك الاختناق.
_متقلقش... أكيد هتتحل
نظر إلى سدن وقال بهدوء:
_أهم حاجة... متغلطيش قدام آسيا. وبكرة هبعتلك فستان. حاولي تعملي أي خناقة قدامها.
ظلت تحدق فيه بعدم فهم.
_ أنا كنت هسافر بكرة... قبل الفرح بيوم، علشان يلاقوا حل.
هز رأسه بسرعة.
_لا...خلي فكرة السفر يوم الفرح.
ثم التفت إلى رولا.
_خليها تفضل مع يوسف وبلال... وقولي لهم إنها هتمشي يوم الفرح.
عقدت رولا حاجبيها.
_ليه يا آسر؟ كده هتعمل فضيحة للعيلة.
نظر إليها بثبات، وقد عاد شيء من إصراره رغم الألم الذي ينهش قلبه.
_علشان العروسة تبقى آسيا... مش سدن.
زفر بااختناق... حتى شعر بتوقف تنفسه
ثم أكمل:
_ساعتها... مش هيبقى قدامها غير إنها تنزل مكان سدن.
نظر إلى أخته ابتسامة باهتة.
_والبركة فيكي يا روليتا.
همست رولا بقلق:
_ولو رفضت؟
تنهد طويلًا، وقال وعيناه غارقتان في الوجع:
_هترفض... لو عرفت إني عرفت الحقيقة.
اقتربت منه سدن مرة أخرى.
_آسر... متزعلش مني.
رفع بصره إليها، لكن عقله لم يكن معها.
كان يرى حالة آسيا منذ اعلان خطوبته
وأدرك أخيرًا أنه كان يحارب امرأة لم ترتكب ذنبًا، ويعاقب قلبًا كان ينتظره بصمت موجع، بل اعدام نبض كل منهما
هنا أقسم بينه وبين نفسه...أن أصعب معركة في حياته لن تكون استعادتها...
بل أن يجعلها تصدق، بعد كل ما فعله بها، أنه لم يتوقف يومًا عن حبها.
عودة للحاضر
انتهت من اخبار فريدة من كل ماحدث، مع بكاؤها المستمر
ضمتها فريدة بحنان، تمسد على خصلاتها
_متقلقيش... مفيش حد بيحب بيكره بسهولة، ومن كلامك اسيا بتحبه اوي، يعني بكرة هيرجعوا لبعض، وكويس انها هتنجبر، المهم بيت واحد يضمهم المهم ماتكونيش انت ندمانة او مضايقة
_نامي وارتاحي
اوماﭢ لها، دثرتها فريدة جيدا وثم طبعت قبلة فوق جبينها
بعد ساعاتٍ طويلة، أُسدلت الستارة أخيرًا على حفل الزفاف...
زفافٌ لم يكن يشبه أي زفاف.
كل ابتسامةٍ فيه كانت تخفي دمعة، وكل تهنئةٍ كانت تحمل خلفها سرًا لم يعرفه سوى القليل.
في المقابل، كان يزن قد علم بكل ما حدث من رحيل، بعدما شاركت رولا وضي في إقناع آسيا بأن تكون البديل في اللحظة الأخيرة.
ترجلت آسيا من السيارة ببطء، ثم توقفت أمام المنزل، تنظر إلى الوجوه المحيطة بها بحيرة.
زفرت أنفاسها، وقالت بإرهاق:
_خلاص... كده دوري انتهى، أظن كلكم عرفتوا اللي حصل... دلوقتي المفروض أرجع بيتنا... ولا إيه؟
اقترب يزن، وربت على كتفها بحنان.
_مش الليلة يا حبيبتي... متنسيش إن في خدم وأفراد أمن، وأي صورة أو كلمة ممكن تطلع تعمل أزمة أكبر. اقعدي أسبوعين... لحد ما الدنيا تهدى.
اتسعت عيناها بصدمة.
_إيه؟! أسبوعين؟!
ثم أشارت إلى نفسها باستنكار.
_حضرتك بتقول إيه يا خالو؟! أسبوعين إيه بس!
لم تستطع إيمان احتمال الموقف أكثر.
اقتربت من ابنتها، احتضنت وجهها بكلتا يديها، ثم ضمتها بقوة، وانفجرت باكية، كأنها تعتذر لها عن كل ما اضطرت إليه.
ارتبكت آسيا وهي تربت على ظهر والدتها.
_خلاص... يا ماما، متعيطيش... أنا هبات الليلة بس علشان خاطرك... لكن بعد كده محدش يجبرني على أي حاجة.
ارتفع صوت آسر الجاف:
_أنا تعبت من الوقفة... نمشي ولا إيه؟
التفتت إليه الجميع في آنٍ واحد.
نظر إليهم باستغراب مصطنع.
_مالكوا؟ بتبصوا لي كده ليه؟ واقف من الصبح على رجلي... نفسي أقعد شوية.
لكزه يزن في ذراعه وهو يتمتم بين أسنانه:
_حسابك معايا بعدين.
ابتسم آسر ببرود، ثم تقدم نحو آسيا، أمسك يدها بهدوء، وتحرك بها إلى الداخل دون أن ينطق بكلمة.
راقبتهما رحيل حتى اختفيا، ثم عقدت ذراعيها وقالت بابتسامة جانبية:
_مفتري... زي أبوه بالظبط.
التفت إليها يزن رافعًا حاجبه.
_أنا كنت مفتري يا رحيل؟
ضحكت وهي تهز رأسها.
_ارجع للماضي يا حبيبي... المهم دلوقتي.
ثم أشارت بعينيها نحو إيمان، التي ما زالت تحدق في المكان الذي غادرت منه ابنتها.
_هات كريم وإيمان يباتوا عندنا الليلة... إيمان مش على بعضها، ومحتاجة حد يهديها... قبل ما تتفاجئ بعمايل ابنك.
نظر إليها يزن بريبة.
_ليه؟ هو هيعمل إيه؟
ابتسمت ابتسامة ذات معنى.
_علمي علمك... بس أنا عشت معاك سنين، وهو نسخة طبق الأصل منك... فتوقع أي حاجة.
قهقه يزن، وجذبها إلى حضنه، فضربته في صدره بخفة وهي تبتسم.
التفتت إليهما إيمان باستغراب، فابتعد عنها سريعًا، ثم اقترب منها قائلًا باعتذار:
_تعالي يا إيمان... باتوا عندنا الليلة، خلاص الفجر قرب يطلع.
لكن كريم هز رأسه وهو يضم زوجته إليه.
_لا... هنرجع بيتنا.
نظر إليه يزن للحظة، ثم قال لرحيل:
_خدي إيمان جوه... وأنا هتكلم مع كريم شوية.
_تمام.
•••
في منزل آسر...
توقف أمام الباب، بينما بقيت آسيا خلفه، تنظر إلى الأرض، وكأنها ترفض حتى النظر إلى المكان.
أخرج المفتاح، لكنه لم يفتحه.
استدار إليها.
فرفعت رأسها وقالت بجمود:
_إيه؟ مش هتفتح القبر بتاعك؟
ارتفع حاجبه، ثم استند بذراعه على الباب وهو يبتسم باستفزاز.
_قبر؟!
ثم قرب وجهه منها قليلًا.
_مش عيب يا أفريقيا... تقولي على عش الزوجية قبر؟
رفعت عينيها إليه، ونظرتها هذه المرة كانت حادة كالسكين.
_أي حاجة بينا من النهارده... هتبقى شبه الموت.
صمتت لحظة، ثم أكملت بلهجة قاطعة:
_إياك تستفزني.
ابتسم ابتسامة واسعة، وانحنى حتى أصبح على مقربة منها، ثم قرص وجنتها بخفة.
_وأنا... بعشق سيرة الموت.
اقترب أكثر وهو يغمغم بمشاكسة:
_ويا سلام على الموت... وسيرة الموت... والموت نفسه...
اتسعت عيناها بغيظ، وارتفعت يدها تلقائيًا، ثم تماسكت في اللحظة الأخيرة.
_والله همشي
ضحك بخفوت، ثم أدخل المفتاح في الباب.
_وتسيبي دخلتنا يا عروسة؟
أغمضت عينيها ببطء، تتمتم داخلها بما يمنعها من ارتكاب جريمة.
فتح الباب على مصراعيه، ثم انحنى بإشارة ساخرة.
_اتفضلي...ولا استني عايز اشيلك
ابتعدت كالملدوغة
_اياك..ابتعد ضاحكًا، يشير اليها
_انتي الخسرانة
تنفست بعمق، ثم عبرت العتبة بصمت...
بينما أغلق الباب خلفه قائلًا بخفة:
مبروك ياعروسة نورتي بيتك، اينعم مكنش بيتك، بس دلوقتي بقى بيتك
_حاليًا يامتر، وبعدين مين قالك ان انت وبيتك يهموني، وزي ماقولت، مش بيتي
نزعت طرحة الزفاف وألقتها على الأرض
ثم تحركت فوقها بحذائها، وهو يراقبها بعينان تضجان بنيران الغضب
جالت عيناها بالمنزل
_متقدرش على بيتي يامتر، اخرك تقعد هنا، جوا المكتب دا وتكتب مرافعاتك الهابطة اللي مادلش على القسم
نزع ربطة عنقه بغضب، واقترب منها، يشير على طرحة زفافها
_انت ازاي ترمي الطرحة كدا
رفعت حاجبها متصنعة الذهول
_ياراجل... قول كلام غير دا، قصدك ازاي تحملتي تلبسي البتاعة دي
اقتربت منه هي الاخرى حتى توقفت أمامه
_شوفت المجر. م لما بيلبسوه كلابش
مش بتقولها كدا، وبيضطر يلبسه علشان مجبور بيه، اهي طرحتك بفستانك، كلابش
_اسياااا. صاح بها حتى انتفضت عروق رقبته
طالعته ببرود، تخفي خلف ملامحها قلبًا يكاد يقفز من بين ضلوعها.
_أنا جعانة... وعايزة آكل في ليلتك البنفسجي دي.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة جانبية، لم يمنحها فرصة لتلتقط أنفاسها. في لحظة باغتتها تمامًا، انحنى يحملها بين ذراعيه، وكأنها لا تزن شيئًا.
شهقت بفزع، وتشبثت تلقائيًا بقميصه، ضمها إلى صدره بقوة جعلتها تسمع نبضات قلبه بوضوح... نبضات متسارعة، لا تقل اضطرابًا عن نبضاتها.
مال برأسه قليلًا وهمس قرب أذنها بصوت أجش امتزجت فيه الدعابة بالشوق:
_مش... لما نتمم دخلتنا يا عروسة... وبعدين نبقى ناكل؟
تجمدت بين ذراعيه.
لم تستطع الرد...
كأن الكلمات تبعثرت داخل حلقها، وجسدها كله فقد القدرة على الحركة. لم تعد تسمع سوى خفقات قلبها الصاخبة، وأنفاسه التي تلامس وجنتها، أغلق باب الغرفة بقدمه دون أن يرفع عينيه عنها.
تقدم بها حتى الفراش، ثم أنزلها برفق بالغ، وكأنها أغلى ما يملك. لم يبتعد... حاوط جسدها بذراعيه يتأملها طويلًا، بعينين امتلأتا بعشقٍ لم يعد قادرًا على إخفائه.
ابتسم ابتسامة هادئة، وقال بصوت خفيض يحمل من الحنان أكثر مما يحمل من المزاح:
_المفروض دلوقتي أقولك... مبروك يا حبيبة آسر.
توقفت أنفاسها وهي ترفع عينيها إليه.وصدرها يعلو ويهبط رغمًا عنها، من قربه المهلك، وتجمد جسدها، تريد أن تصرخ أن تبتعد، ولكن لا تعلم ماذا حدث لها
ابتلع ريقه، ثم أكمل وهو يهز رأسه ببطء:
_بس... مش هقولها دلوقتي.
اقترب، حتى لم يعد يفصل بينهما سوى أنفاسٍ مرتعشة.. ووضع جبينه فوق جبينها
_اينعم بقيتي ملك الاسر، بس مش هقولها.الا لما تكوني مراتي قولًا وفعلًا.. وإن مفيش في الدنيا كلها حاجة تقدر تبعدك عني.
اهتز قلبها بعنف، ولأول مرة... تفقد النطق في حضرته، ولم تجد ردًا ساخرًا، ولا كلمة تلوذ بها من ارتباكها.
دنا من شفتيها ووووو
صعدت الدرج بخطوات متلاحقة، حتى وصلت إلى غرفة آسيا.
مدت يدها لتطرق الباب...
لكنها تجمدت على صوت بكاءٍ مكتوم...
ثم كلمات متكسرة، خرجت من بين شهقات آسيا، تمزق القلب قبل الأذن.
وهي تقص معاناة عشقها لاسر
ارتجفت يد سدن فوق المقبض.
وكلمات اسيا بالداخل كسكاكين تغرس في صدرها.
_إزاي قدر يعمل فيا كده..
حاولت رولا تهدئتها، لكن انهيار آسيا كان أكبر من أي محاولة.
كل كلمة كانت تصل إلى سدن...وتكسر شيئًا بداخلها.. اتسعت عيناها بصدمة.
رفعت كفيها إلى فمها تكتم شهقة خرجت رغمًا عنها.. وفي لحظة واحدة...
تجمعت أمامها كل الصور.
اعترافها لآسر بمشاعرها...نظراته المرتبكة...
واصراره انها كاخته، وفجأة موافقته على الزواح، وتغير حالة اسيا كليا اتجاهه، وكلماته المجروحة معظم الوقت عن اسيا
أغمضت عينيها بقوة، وهمست وهي تكاد تختنق:
_أنا... أنا اللي عملت فيهم كده...
تذكرت انهيارها بين ذراعي اسيا بعد رفض اسر لها، ظنت ان اسيا تنازلت عنه لها
تراجعت خطوة... ثم أخرى.
لم تعد قدماها تحملانها.
خرجت من أمام الغرفة كالهاربة من جريمة.
هبطت الدرج دون أن تشعر، حتى وصلت إلى الحديقة.. كانت الموسيقى لا تزال تعلو...لكنها لم تسمع شيئًا.
وقفت وسط الحديقة الواسعة، ورغم ذلك شعرت أن الهواء اختفى من حولها.
وضعت يدها فوق صدرها، تحاول التقاط أنفاسها، لكن صدرها كان يضيق أكثر فأكثر.
والسؤال الوحيد الذي كان يطاردها، ويكاد يمزق روحها:
هل أنا... بتسرعي... دمرت حياة أختي؟!
_ياغبية... عملتي ايه.
صور كثيرة بدأت تصفع عقلها بعد طلبه بالزوااج، لم تفكر كثيرا، ركضت سريعا اليه علها تنقذ مايجب انقاذه
بعد فترة وصلت سدن إلى منزل يزن بخطواتٍ متعثرة، كان آسر يقف في الحديقة يتحدث في هاتفه، وما إن التفت حتى تجمد مكانه.
وجهها كان شاحبًا، وعيناها متورمتين من كثرة البكاء، وأنفاسها تتلاحق كأنها خرجت من معركة.
أنهى المكالمة على الفور، واندفع إليها.
_سدن... في إيه؟
لم تجبه.. وقفت أمامه مباشرة، تحدق في عينيه، ثم خرج صوتها مكسورًا
_عايز تتجوزني ليه... وأنا مش بحبك يا آسر؟
ارتجف قلبه.. فواصلت وهي تبكي، وكأنها لم تعد ترى أمامها سوى أختها.
_أنا مش بحبك يا آسر... وعارف، أنا ههرب... مش هكمل في الجوازة دي. ومش بس كده... أنا رتبت كل حاجة، ومعايا تذكرة السفر... إيه يا شهم، هتكمل برضه؟ هترضى تهين كرامتك قدام الناس كلها؟
فتح فمه ليتكلم، لكنها رفعت إصبعها في وجهه، تمنعه.
_لا... اسمعني للآخر. والله ما هتعرف توقفني. ههرب... يعني ههرب. ولو اتفرض عليا الجواز... هموت نفسي. وساعتها... الصورة اللي رسمتهالك جوايا هتتمسح، وهيفضل مكانها صورة قذرة... لشبه راجل.
اشتعلت عيناه غضبًا، وقبض على ذراعها بقوة حتى انتفض جسدها.
_اديني فرصة أتكلم!
هتف بها بصراخ
_أنا أصلًا... مكنتش هتجوزك.
توسعت عيناها، وكأنها لم تستوعب ما سمعته.
_ يعني إيه؟
تنهد بعمق، ثم ترك ذراعها، وأمسك بكفها يقودها إلى المقعد المجاور.
جلس أمامها، وأسند مرفقيه إلى ركبتيه، يمرر كفيه على وجهه في إرهاق.
_كنت ناوي أقولك كل حاجة... من أول ما جيتي وقولتي إنك مش عايزة تكملي. بس... كنت خايف من رد فعلك.
ظلت تنظر إليه بصمت، تنتظر.
رفع رأسه وقال بهدوءٍ مثقل:
_هنلعب لعبة قدام الكل... لا إنتِ تخسري، ولا أنا أخسر.
عقدت حاجبيها.
_مش فاهمة.
ابتلع ريقه، ثم قال:
_كنت هاخدك قبل الفرح بأي حجة... ونرجع نقول لأهلنا إننا كتبنا كتابنا في الحسين، في لحظة تهور وإحنا بنتفسح. وبعدها نكمل الفرح عادي... زي ما بلال ورولا عملوا. قدام الناس نبقى متجوزين... لكن بينا إحنا... لأ.
أومأت ببطء
_وليه؟ ليه كل ده؟
ظل ينظر إليها للحظات، ثم قال بصوت خافت:
_سدن... لو فعلًا بتحبيني... فأنا محتاجك تقفي معايا.
قطبت جبينها، وخرج السؤال ممزوجًا بالألم:
_ليه علشان تكسر أختي؟
اخترق السؤال صدره كالرصاصة، حتى
تجمد في مكانه.
أما هي، فلم تعد تقوى على التماسك.
انهارت دموعها، واختنق صوتها قائلة:
_أنا آسفة... والله آسفة. أنا السبب. أنا اللي بعدتها عنك. عمري ما كان قصدي أفرق بينكم... اتبهرت بيك، وبشخصيتك. كنت فاكرة إني أخيرًا حبيت... واتحبيت. مكنتش أعرف أني بموت أختي.
شهقت وهي تضرب صدرها بيدها.
_أنا... أنا اللي كسرت قلبها بإيدي.
اقترب منها بسرعة، وأحاط وجهها بكفيه يمنعها من الانهيار أكثر.
_ششش... اسكتي.
قالها بحنان.
_متحمليش نفسك ذنب مش ذنبك. إنتِ معملتيش حاجة.
هزت رأسها بعنف.
_لأ... آسيا سابتك... عشان عرفت إني بحبك... أو على الأقل عشان افتكرت كده.
ابتعد عنها ببطء.
أخرج علبة سجائره، وأشعل واحدة، ثم اتجه ببصره إلى الظلام الممتد أمامه.
سحب نفسًا طويلًا، وأطلقه ببطء، وكأن الدخان يحمل معه ثقلًا يعجز عن البوح به.
ثم قال، دون أن يلتفت إليها:
_لا...ثم تابع بصوتٍ أنهكه الوجع:
_مش ده السبب.
قالها وهو يرمقها بنظرة موجوعة أكثر منها غاضبة:
_أختك كانت ناوية تلعب بمشاعر آسر... علشان ترجع تسافر تاني. يعني كنت أنا مجرد كوبري تعدي عليه وتكمل حياتها... مش ده كان اتفاقكم يا سدن؟
انتفضت سدن من مكانها، تهز رأسها بعنف.
_لأ... والله لأ. إنت فاهم غلط. هي قالتها مرة... بهزار. ويومها ضحكنا، وبعدها بنفسها قالت إنها عمرها ما هتقدر تعمل كده. كان كلام طلع وقت عصبية... بس. مين اللي قالك الكلام ده؟
استدار إليها بكامل جسده، وعيناه تغليان.
_كلام؟
كررها بسخرية موجوعة.
_يعني الفكرة عدت على دماغها أصلًا.
ارتبكت وهي تحاول إيجاد الكلمات.
_آسر... إنت فاهمها غلط.
ضحك بمرارة.
_غلط؟
اقترب منها خطوة، وصوته بدأ يعلو.
_يعني واحدة عارفة إني بحبها من سنين... وبرضه تفكر تستخدمني علشان مصلحتها؟ ده اسمه إيه؟
ازدادت أنفاسه اضطرابًا، وكأن كل الذكريات تنقلب داخله إلى نار.
_ طيب تقدري تبرري انكم قعدتوا مع شباب باايه
قبض على ذراعها دون أن يشعر بقوة قبضته.
_إزاي قدرتوا تبقوا بالفكر ده؟ فين أخلاقكم؟ فين تربيتكم؟ فين دينكم؟ شباب؟! وياترى كنتوا بتعملوا إيه؟
تأوهت سدن من شدة قبضته، ثم دفعته بعيدًا بكل ما تملك من قوة.
_بس!
صرختها شقت المكان.
_إيه اللي بتقوله ده؟! إنت ظلمتها!
كانت دموعها تنهمر وهي تدافع عن أختها بكل ما بقي فيها.
_محصلش أي حاجة من اللي في دماغك... والله محصلش.
ظل ينظر إليها بصمت، بينما أكملت بصوت يرتجف:
_آه... إحنا فكرنا في الموضوع... أو بمعنى أصح... أنا اللي طلبت منها.
ظل يحدق فيها، ينتظر بقيّة الحقيقة.
ابتلعت غصتها وقالت:
_كان فيه شاب بيحب آسيا بجد... وكان نفسه يقرب منها ويتقدملها. هي كانت رافضاه من الأول، ومكنتش بتشوفه غير شخص عادي. أنا... أنا اللي فضلت أزن عليها وأقول لها: اديه فرصة يمكن يطلع كويس.
تابعت بصوت متقطع:
_والله... ما كان فيه خروج حرام، ولا علاقة زي ما إنت متخيل. كل اللي حصل إن مارسيل كان بيحاول يثبت لآسيا إنه بيحبها... ولما بابا عرف إنه بيحاول يقرب منها، عزمنا أسبوع في مزرعته. المزرعة كانت بعيدة عن البلد، وأصرّينا نروح... بس مش علشان اللي في دماغك، كان مجرد خروجة وتغيير جو. بابا اتجنن من الفكرة نفسها، وكان أصلًا بدأ يضيق من طريقتنا في اللبس وتصرفاتنا.
أطرقت رأسها خجلًا، وهمست:
_عارفة إننا غلطنا في حاجات... بس مش الغلط اللي إنت بنيت عليه كل حاجة.
ارتجف صوتها وهي تكمل:
_وبعدها... بابا رجعنا مصر فورًا.
تقدمت نحوه خطوة، بينما سبقت دموعها كلماتها.
_عمري... والله عمري ما خطر في بالي إنكم بتحبوا بعض. إنت قلت قبل كده إنك كنت مرتبط... بس ما قلتش مين. النهارده بالصدفة سمعتها وهي بتتكلم مع رولا... متظلمهاش يا آسر... آسيا بتحبك بجد.
ظل يحدق فيها، وعيناه فارغتان من أي رد فعل، ثم تراجع للخلف حتى جلس على المقعد، ومرر كفيه فوق وجهه بعنف، وكأنه يحاول أن يمحو كل ما سمعه.
كل كلمة كانت تصفعه.
كل موقف مر أمام عينيه من اتهاماته ومن
قسوة كلماته...محاولاته اليائسة لاستعادتها...
وهي... لا تعلم أصلًا سبب كل ذلك.
لم تكن تهرب منه لأنها خانته...
بل لأنها كانت تظن أنه اختار غيرها.
أغمض عينيه بقوة، وشعر أن قلبه كاد أن يتوقف
في تلك اللحظة، استمع الى صوت رولا من خلفه بهدوء موجع:
_سدن بتقول الحقيقة... بس تعرف؟ لو أنا مكان آسيا... مستحيل أرجع لك مهما حصل.
رفعت عينيها إليه وعيناها تنطق بالغضب
_يوسف وبلال حذروك... مرة واتنين وعشرة، وإنت رفضت تسمع. قولي... لو سدن ما سمعتش انهيار أختها النهارده... كنت هتكمل؟ كنت هتتجوز أخت البنت اللي بتحبها؟
قالتها بنبرة مبحوحة، احتوى رأسه وقال:
_سبوني... لوحدي.
اقتربت منه رولا أكثر.
_لا... مش هسيبك وإنت بتغرق نفسك بالشكل ده.
رفع رأسه فجأة، وقد احمرت عيناه.
_قولت... سبوني لوحدي!
جلست بجواره دون أن تخشاه، وأمسكت وجهه برفق حتى أجبرته أن ينظر إليها.
_ليه بتعمل في نفسك كده يا آسر؟ ليه تكسر قلبك بإيدك؟ فكرت لو بابا عرف الحقيقة هيعمل إيه؟ فكرت في عمتو؟ طيب... فكرت في سدن؟
وأشارت إليها.
_لو كانت سدن بتحبك فعلًا، وكملت الجوازة... كنت هتعيش إزاي؟ كنت هتبصلها كل يوم وإنت شايف في وشها أختها؟
انخفض رأسه في صمت قاتل.
نهضت رولا وأمسكت يد سدن لتغادرا، لكنه أوقفهما بصوت خافت:
_مش عايز... حد يعرف إني عرفت.
التفت إلى رولا، وقال برجاء:
_مش عايز حد يعرف
تجمدت مكانها.
_علشان اعرف ارجعها ازاي
فهمت ما يقصده، فعادت إليه، وضمت رأسه إلى صدرها.
_حبيبي... ربنا يجبر قلبك. سامحني لو شدّيت عليك... بس والله أهم حاجة عندي سعادتك.
أغمض عينيه للحظة، مستندًا إليها، ثم قال بصوت مكسور:
_متقوليش حاجة لبلال.
ثم رفع عينيه نحو سدن.
_أنا... والله ما كنتش بنتقم من آسيا فيكي. ولا مرة فكرت أوجعها بيكي. أنا... مشيت ورا كلام بابا... وورا عقلي. كنت فاكر إن الأيام هتغير كل حاجة... وإني هقدر أبدأ من جديد.
شهقت سدن وهي تبكي.
_أنا آسفة يا آسر... ما كنتش أعرف إن اعتراف أهبل مني هيقلب الدنيا بالشكل ده.
ابتسم ابتسامة موجوعة.
_متأكد... وآسيا كمان مستحيل تسامح بسهولة.
لكزته رولا بخفة، محاولة كسر ذلك الاختناق.
_متقلقش... أكيد هتتحل
نظر إلى سدن وقال بهدوء:
_أهم حاجة... متغلطيش قدام آسيا. وبكرة هبعتلك فستان. حاولي تعملي أي خناقة قدامها.
ظلت تحدق فيه بعدم فهم.
_ أنا كنت هسافر بكرة... قبل الفرح بيوم، علشان يلاقوا حل.
هز رأسه بسرعة.
_لا...خلي فكرة السفر يوم الفرح.
ثم التفت إلى رولا.
_خليها تفضل مع يوسف وبلال... وقولي لهم إنها هتمشي يوم الفرح.
عقدت رولا حاجبيها.
_ليه يا آسر؟ كده هتعمل فضيحة للعيلة.
نظر إليها بثبات، وقد عاد شيء من إصراره رغم الألم الذي ينهش قلبه.
_علشان العروسة تبقى آسيا... مش سدن.
زفر بااختناق... حتى شعر بتوقف تنفسه
ثم أكمل:
_ساعتها... مش هيبقى قدامها غير إنها تنزل مكان سدن.
نظر إلى أخته ابتسامة باهتة.
_والبركة فيكي يا روليتا.
همست رولا بقلق:
_ولو رفضت؟
تنهد طويلًا، وقال وعيناه غارقتان في الوجع:
_هترفض... لو عرفت إني عرفت الحقيقة.
اقتربت منه سدن مرة أخرى.
_آسر... متزعلش مني.
رفع بصره إليها، لكن عقله لم يكن معها.
كان يرى حالة آسيا منذ اعلان خطوبته
وأدرك أخيرًا أنه كان يحارب امرأة لم ترتكب ذنبًا، ويعاقب قلبًا كان ينتظره بصمت موجع، بل اعدام نبض كل منهما
هنا أقسم بينه وبين نفسه...أن أصعب معركة في حياته لن تكون استعادتها...
بل أن يجعلها تصدق، بعد كل ما فعله بها، أنه لم يتوقف يومًا عن حبها.
عودة للحاضر
انتهت من اخبار فريدة من كل ماحدث، مع بكاؤها المستمر
ضمتها فريدة بحنان، تمسد على خصلاتها
_متقلقيش... مفيش حد بيحب بيكره بسهولة، ومن كلامك اسيا بتحبه اوي، يعني بكرة هيرجعوا لبعض، وكويس انها هتنجبر، المهم بيت واحد يضمهم المهم ماتكونيش انت ندمانة او مضايقة
_نامي وارتاحي
اوماﭢ لها، دثرتها فريدة جيدا وثم طبعت قبلة فوق جبينها
بعد ساعاتٍ طويلة، أُسدلت الستارة أخيرًا على حفل الزفاف...
زفافٌ لم يكن يشبه أي زفاف.
كل ابتسامةٍ فيه كانت تخفي دمعة، وكل تهنئةٍ كانت تحمل خلفها سرًا لم يعرفه سوى القليل.
في المقابل، كان يزن قد علم بكل ما حدث من رحيل، بعدما شاركت رولا وضي في إقناع آسيا بأن تكون البديل في اللحظة الأخيرة.
ترجلت آسيا من السيارة ببطء، ثم توقفت أمام المنزل، تنظر إلى الوجوه المحيطة بها بحيرة.
زفرت أنفاسها، وقالت بإرهاق:
_خلاص... كده دوري انتهى، أظن كلكم عرفتوا اللي حصل... دلوقتي المفروض أرجع بيتنا... ولا إيه؟
اقترب يزن، وربت على كتفها بحنان.
_مش الليلة يا حبيبتي... متنسيش إن في خدم وأفراد أمن، وأي صورة أو كلمة ممكن تطلع تعمل أزمة أكبر. اقعدي أسبوعين... لحد ما الدنيا تهدى.
اتسعت عيناها بصدمة.
_إيه؟! أسبوعين؟!
ثم أشارت إلى نفسها باستنكار.
_حضرتك بتقول إيه يا خالو؟! أسبوعين إيه بس!
لم تستطع إيمان احتمال الموقف أكثر.
اقتربت من ابنتها، احتضنت وجهها بكلتا يديها، ثم ضمتها بقوة، وانفجرت باكية، كأنها تعتذر لها عن كل ما اضطرت إليه.
ارتبكت آسيا وهي تربت على ظهر والدتها.
_خلاص... يا ماما، متعيطيش... أنا هبات الليلة بس علشان خاطرك... لكن بعد كده محدش يجبرني على أي حاجة.
ارتفع صوت آسر الجاف:
_أنا تعبت من الوقفة... نمشي ولا إيه؟
التفتت إليه الجميع في آنٍ واحد.
نظر إليهم باستغراب مصطنع.
_مالكوا؟ بتبصوا لي كده ليه؟ واقف من الصبح على رجلي... نفسي أقعد شوية.
لكزه يزن في ذراعه وهو يتمتم بين أسنانه:
_حسابك معايا بعدين.
ابتسم آسر ببرود، ثم تقدم نحو آسيا، أمسك يدها بهدوء، وتحرك بها إلى الداخل دون أن ينطق بكلمة.
راقبتهما رحيل حتى اختفيا، ثم عقدت ذراعيها وقالت بابتسامة جانبية:
_مفتري... زي أبوه بالظبط.
التفت إليها يزن رافعًا حاجبه.
_أنا كنت مفتري يا رحيل؟
ضحكت وهي تهز رأسها.
_ارجع للماضي يا حبيبي... المهم دلوقتي.
ثم أشارت بعينيها نحو إيمان، التي ما زالت تحدق في المكان الذي غادرت منه ابنتها.
_هات كريم وإيمان يباتوا عندنا الليلة... إيمان مش على بعضها، ومحتاجة حد يهديها... قبل ما تتفاجئ بعمايل ابنك.
نظر إليها يزن بريبة.
_ليه؟ هو هيعمل إيه؟
ابتسمت ابتسامة ذات معنى.
_علمي علمك... بس أنا عشت معاك سنين، وهو نسخة طبق الأصل منك... فتوقع أي حاجة.
قهقه يزن، وجذبها إلى حضنه، فضربته في صدره بخفة وهي تبتسم.
التفتت إليهما إيمان باستغراب، فابتعد عنها سريعًا، ثم اقترب منها قائلًا باعتذار:
_تعالي يا إيمان... باتوا عندنا الليلة، خلاص الفجر قرب يطلع.
لكن كريم هز رأسه وهو يضم زوجته إليه.
_لا... هنرجع بيتنا.
نظر إليه يزن للحظة، ثم قال لرحيل:
_خدي إيمان جوه... وأنا هتكلم مع كريم شوية.
_تمام.
•••
في منزل آسر...
توقف أمام الباب، بينما بقيت آسيا خلفه، تنظر إلى الأرض، وكأنها ترفض حتى النظر إلى المكان.
أخرج المفتاح، لكنه لم يفتحه.
استدار إليها.
فرفعت رأسها وقالت بجمود:
_إيه؟ مش هتفتح القبر بتاعك؟
ارتفع حاجبه، ثم استند بذراعه على الباب وهو يبتسم باستفزاز.
_قبر؟!
ثم قرب وجهه منها قليلًا.
_مش عيب يا أفريقيا... تقولي على عش الزوجية قبر؟
رفعت عينيها إليه، ونظرتها هذه المرة كانت حادة كالسكين.
_أي حاجة بينا من النهارده... هتبقى شبه الموت.
صمتت لحظة، ثم أكملت بلهجة قاطعة:
_إياك تستفزني.
ابتسم ابتسامة واسعة، وانحنى حتى أصبح على مقربة منها، ثم قرص وجنتها بخفة.
_وأنا... بعشق سيرة الموت.
اقترب أكثر وهو يغمغم بمشاكسة:
_ويا سلام على الموت... وسيرة الموت... والموت نفسه...
اتسعت عيناها بغيظ، وارتفعت يدها تلقائيًا، ثم تماسكت في اللحظة الأخيرة.
_والله همشي
ضحك بخفوت، ثم أدخل المفتاح في الباب.
_وتسيبي دخلتنا يا عروسة؟
أغمضت عينيها ببطء، تتمتم داخلها بما يمنعها من ارتكاب جريمة.
فتح الباب على مصراعيه، ثم انحنى بإشارة ساخرة.
_اتفضلي...ولا استني عايز اشيلك
ابتعدت كالملدوغة
_اياك..ابتعد ضاحكًا، يشير اليها
_انتي الخسرانة
تنفست بعمق، ثم عبرت العتبة بصمت...
بينما أغلق الباب خلفه قائلًا بخفة:
مبروك ياعروسة نورتي بيتك، اينعم مكنش بيتك، بس دلوقتي بقى بيتك
_حاليًا يامتر، وبعدين مين قالك ان انت وبيتك يهموني، وزي ماقولت، مش بيتي
نزعت طرحة الزفاف وألقتها على الأرض
ثم تحركت فوقها بحذائها، وهو يراقبها بعينان تضجان بنيران الغضب
جالت عيناها بالمنزل
_متقدرش على بيتي يامتر، اخرك تقعد هنا، جوا المكتب دا وتكتب مرافعاتك الهابطة اللي مادلش على القسم
نزع ربطة عنقه بغضب، واقترب منها، يشير على طرحة زفافها
_انت ازاي ترمي الطرحة كدا
رفعت حاجبها متصنعة الذهول
_ياراجل... قول كلام غير دا، قصدك ازاي تحملتي تلبسي البتاعة دي
اقتربت منه هي الاخرى حتى توقفت أمامه
_شوفت المجر. م لما بيلبسوه كلابش
مش بتقولها كدا، وبيضطر يلبسه علشان مجبور بيه، اهي طرحتك بفستانك، كلابش
_اسياااا. صاح بها حتى انتفضت عروق رقبته
طالعته ببرود، تخفي خلف ملامحها قلبًا يكاد يقفز من بين ضلوعها.
_أنا جعانة... وعايزة آكل في ليلتك البنفسجي دي.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة جانبية، لم يمنحها فرصة لتلتقط أنفاسها. في لحظة باغتتها تمامًا، انحنى يحملها بين ذراعيه، وكأنها لا تزن شيئًا.
شهقت بفزع، وتشبثت تلقائيًا بقميصه، ضمها إلى صدره بقوة جعلتها تسمع نبضات قلبه بوضوح... نبضات متسارعة، لا تقل اضطرابًا عن نبضاتها.
مال برأسه قليلًا وهمس قرب أذنها بصوت أجش امتزجت فيه الدعابة بالشوق:
_مش... لما نتمم دخلتنا يا عروسة... وبعدين نبقى ناكل؟
تجمدت بين ذراعيه.
لم تستطع الرد...
كأن الكلمات تبعثرت داخل حلقها، وجسدها كله فقد القدرة على الحركة. لم تعد تسمع سوى خفقات قلبها الصاخبة، وأنفاسه التي تلامس وجنتها، أغلق باب الغرفة بقدمه دون أن يرفع عينيه عنها.
تقدم بها حتى الفراش، ثم أنزلها برفق بالغ، وكأنها أغلى ما يملك. لم يبتعد... حاوط جسدها بذراعيه يتأملها طويلًا، بعينين امتلأتا بعشقٍ لم يعد قادرًا على إخفائه.
ابتسم ابتسامة هادئة، وقال بصوت خفيض يحمل من الحنان أكثر مما يحمل من المزاح:
_المفروض دلوقتي أقولك... مبروك يا حبيبة آسر.
توقفت أنفاسها وهي ترفع عينيها إليه.وصدرها يعلو ويهبط رغمًا عنها، من قربه المهلك، وتجمد جسدها، تريد أن تصرخ أن تبتعد، ولكن لا تعلم ماذا حدث لها
ابتلع ريقه، ثم أكمل وهو يهز رأسه ببطء:
_بس... مش هقولها دلوقتي.
اقترب، حتى لم يعد يفصل بينهما سوى أنفاسٍ مرتعشة.. ووضع جبينه فوق جبينها
_اينعم بقيتي ملك الاسر، بس مش هقولها.الا لما تكوني مراتي قولًا وفعلًا.. وإن مفيش في الدنيا كلها حاجة تقدر تبعدك عني.
اهتز قلبها بعنف، ولأول مرة... تفقد النطق في حضرته، ولم تجد ردًا ساخرًا، ولا كلمة تلوذ بها من ارتباكها.
دنا من شفتيها... دفعته واعتدلت صارخة اياك تقرب مني.
لكنه انحنى يحاوطها وقبض على ذراعيها
_ليه مش مراتي والليلة دخلتنا
ضربته بصدره ولكنه كان كالأسد المتربص، انسي يااسيا ووووو
