رواية شظايا قلوب محترقة ( وكأنها لي الحياة ) الجزء الثانى الفصل الرابع والثمانون 84 بقلم سيلا وليد


 رواية شظايا قلوب محترقة ( وكأنها لي الحياة ) الجزء الثانى الفصل الرابع والثمانون 

"لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين "

سيدي قاضي الحب 
أقف أمام عدالتكم اليوم، لا بصفة عاشق، بل بصفة رجل أضاع أغلى مايمتلك 
فإن كان للحب قاضٍ... فأنا أول المدانين، ولا أطلب البراءة... بل حكمًا واحدًا: أن تغفر لي المرأة التي ظلمتها بسوء ظني.
فمذنب أنا... حين أقنعتُ نفسي أن صمتكِ كان اعترافًا بالذنب، ولم أفهم يومًا... أن أكثر القلوب وجعًا هي التي لا تدافع عن نفسها.
ظالم أنا... حين صدقتُ سوء ظني، وتركتُ امرأةً كانت تحملني في دعائها، وأهديتُ خاتمي لغيرها، ظنًا مني أنني أنتصر لكرامتي... ولم أكن أعلم أنني أذبح قلبي بيدي.
ثم أفقت...
متأخرًا... لكنني أفقت.
وحين علمتُ الحقيقة، لم أطلب منكِ فرصةً جديدة... بل سرقتُ القدر إلى صفي، ونسجتُ لعبتي، حتى انتهى الطريق بكِ زوجةً لي... لا لأنها كانت حيلة، بل لأنكِ كنتِ حقي الذي أضعته بغبائي.
واليوم...
أراكِ تقسين عليّ، تدّعين كراهيتي، وتقابلين اعتذاري بالصمت، لكنني أعرفكِ أكثر مما تعرفين نفسك.
أعرف أن قلبكِ ما زال يرتجف كلما اقتربت، وأن عينيكِ تخونان كل الكلمات التي تحفظينها جيدًا.
وأعرف أيضًا... أن أصعب أنواع الحب، هو حب امرأةٍ كسرتها بظلمي، ثم بقيت رغم ذلك... تعشقني في صمت، وتنتظر أن أُصلح ما أفسده سوء ظني.
وأخيرًا... أغلقتُ ملف القضية، بعدما أيقنتُ أن القاضي الوحيد القادر على إنصافي... هو قلبكِ إن سامح.

وضعها فوق الفراش برفقٍ يناقض العاصفة التي تضرب صدره، ثم أحاطها بذراعيه يخشى أن تفلت من بين يده، ظلَّ يحدِّق في ملامحها طويلًا، بعينين امتلأتا بعشقٍ أنهكه، وكأنَّه يحاول أن يحفظ كل تفصيلة فيها قبل أن يغمض عينيه.
ارتجفت شفتاها رغماً عنها من قربه المربك، بينما كانت أنفاسه الدافئة تلامس وجهها فتبعثر ما بقي من ثباتها.
رفع يده ببطء، وراح يمرِّر أطراف أصابعه على وجنتها، بحذرٍ يشبه ملامسة شيءٍ ثمين يخشى انكساره، حتى توقَّفت أنامله عند شفتيها. للحظة، خطفت ذاكرته تلك القبلة العابرة التي سرقها منها...قبلة أشعلت روحه، لكنَّها تركته أكثر جوعًا إليها، وكأنَّها لم تكن سوى بداية عطشٍ لا ينتهي.
أغمض عينيه وأسند جبهته إلى عنقها، يطلق زفرةً حارَّة أحرقت جلدها، وهمس بصوتٍ اختلط فيه الذهول بالامتنان:
_مش مصدَّق...إنِّك بين إيديَّا دلوقتي... معقول بقيتي مراتي؟
رفع رأسه ينظر إليها، فوجد عينيها تائهتين، وصدرها يرتفع ويهبط بسرعة، حتى خُيِّل إليه أنه يسمع دقَّات قلبها تعلن ارتباكها.
ابتسم ابتسامةً غلبها العشق، وقال بصوتٍ خافت:
_إنتِ بين إيديا يا حبيبة آسر...وإنتِ أغلى حاجة في الدنيا كلَّها.
أمَّا هي، فكانت ساكنة تمامًا، كأنَّ الكلمات هجرتها، وكأنَّ جسدها نسي كيف يتحرَّك، ظلَّ يمرِّر يده بين خصلات شعرها برفقٍ بالغ، ثم قال وهو يضحك بخفَّة:
_أنا عايز بنوتة...وأسمِّيها أفريقيا.
غمز لها بعينٍ مشاكسة، وأردف:
_بس مفيش مانع...تبقى واخدة حلاوتك، وشوية من شبهي.
اقترب منها يتمنَّى أن تكون ليلتهم مميزة، وما إن همَّ بأن يقترب أكثر، حتى استفاقت فجأة، وكأنَّها خرجت من صدمةٍ طويلة.
دفعت صدره بكلِّ ما أوتيت من قوَّة وهي تصرخ:
_ابعد عنِّي!...إنتَ اتجنِّنت؟!
قفزت من فوق الفراش، تتراجع خطواتٍ إلى الخلف، وجسدها يرتجف بعنف، ثم رفعت إصبعها تشير إليه بتحذيرٍ قاطع:
_أي تجاوز منك...هيزعَّلك، إياك...ثم إياك تقرَّب مني.
لم تمنحه فرصةً للرد.
اندفعت خارج الغرفة تركض، و دموعها تسبق خطواتها..فتحت أوَّل بابٍ صادفها، ودلفت إلى الداخل، ثم أغلقت الباب خلفها بعنفٍ اهتزَّت له الجدران.
وهناك...وقفت تنظر لنفسها بغضب:
_هل كان سيقبلها، هل كان يظنُّ أنَّها ستوافق، ولكن كيف يفكِّر بذلك، وهو الذي كان يعدُّ نفسه لهذه الليلة مع أختها..
آاااه....انهارت وأطلقت صرخةً خرجت من أعماق قلبها، ثم أخذت تحطِّم كل ما تطاله، كلُّ شيءٍ اعترض طريق وجعها.
في الخارج...
وقف آسر مكانه، وقد تجمَّدت قدماه.
وصلت إليه صرخاتها واضحة، وكل صرخةٍ كانت تهوي على قلبه كضربةٍ موجعة، شعر للحظة أنَّ فرحته التي حملها بين يديه منذ دقائق فقط، انزلقت من بين أصابعه.
أغمض عينيه بألم، وأسند رأسه إلى الحائط خلفه، يتمتم بصوتٍ مكسور:
_كنت عارف..أنا كنت عارف إنِّك مش هتستسلمي بسهولة 
نزع رابطة عنقه وجلس يفكِّر ماذا يفعل حتى تسامحه.

بمنزل يوسف...
خرجت من غرفة الملابس بخطواتٍ هادئة، ترتدي قميصًا ناعمًا بلونٍ أحمر زادها جمالًا، جالت بعينيها تبحث عنه، حتى وجدته واقفًا في الشرفة، يخبِّئ كفَّيه داخل جيبي بنطاله، يرفع بصره إلى السماء وكأنَّه يحادث النجوم بصمتٍ لا يفهمه إلَّا قلبه.

توقَّفت ضي للحظاتٍ تراقبه، تتأمَّل وقفته الهادئة، فابتسمت وهي تتذكَّر ما قالته له في حفل الزفاف:
_ فيه ناس كتير النهاردة في الفرح ومعظمهم دكاترة...إياكِ عينك تروح هنا ولَّا هنا، والله لأحط صباعي جوَّاها.
التفت إليها بابتسامته التي كانت دائمًا تُسقط كل أسلحتها:
_ليه، مش واثقة في نفسك؟
زمَّت شفتيها وهي تزفر بضيق مصطنع:
_يوسف...ما تجنِّنيش.
ضحك بخفوت، ثم جذبها إليه يطبع قبلة دافئة فوق رأسها:
_حد يبقى معاه ضي القمر...ويبص للأرض؟
رفعت حاجبها وهي تتمتم بغيرة:
_لا والله...معرفش عمُّو كريم عازم مستشفيات مصر كلَّها ليه! ومالهم كلُّهم صغيرين وحلوين كده؟... معرفش أنا ليه ما دخلتش طب.
انفجر ضاحكًا وهو يحاوط خصرها:
_الحمد لله إنِّك مدخلتيش طب...كان نصِّ المرضى ماتوا.
شهقت وهي تضربه بخفَّة على صدره:
_بقى كده يا يوسف، بتقلِّل من ذكائي؟
رفع ذقنها بأنامله، وغاص بعينيه داخل عينيها، وكأنَّه لا يرى سواها:
_لا يا حبيبي...كانوا هيموتوا من جمال الدكتورة اللي قدَّامهم، وبعدين...أنا أصلًا مكنتش هوافق تشتغلي دكتورة.
ضيَّقت عينيها بشك:
_ليه إن شاء الله؟
ابتسم بخبث وهو يمرِّر إبهامه على وجنتها:
_مش كفاية رسم الكاريكاتير بتاعك ده، ما صدَّقنا نخلص من التليفيجين.
ابتسمت رغمًا عنها، ثم همست وهي تراقب ملامحه:
_طب...مش يمكن وقتها مكناش اتجوِّزنا؟

اختفت الابتسامة من وجهه قليلًا، وشدَّها إلى صدره كأنَّ الفكرة وحدها تؤلمه:
_مكنتش هتجوِّز يا ضي...
ثم أكمل بصوتٍ منخفض يحمل كل يقينه:
_ممكن إنتِ كنتِ اتجوزتي حد تاني. 
رفعت رأسها إليه بسرعة، ووضعت أصابعها على شفتيه تمنعه من إكمال حديثه:
_بس...متكمِّلش.
نظر إليها باستغراب.
ابتسمت بحنان وهمست:
_لأن أي كلام عن "لو" هيزعَّلنا إحنا الاتنين...وأنا مش عايزة غير الحقيقة اللي عايشاها دلوقتي...إنِّي مراتك... وجوَّا حضنك، وده كل اللي يهمِّني.

ابتسم لها ابتسامة دافئة، ثم أحاطها بذراعيه..رفعت عينيها إليه، وفيهما ذلك اللمعان الذي لا يولِّده إلَّا الحب بعد كل ما نجا منه.
همست وهي تتأمَّل ملامحه:
_ فاكر ليلة فرحنا؟.
ساد الصمت بينهما لثوانٍ، ذكرى ليلة زفافهما ؛ عبرت إلى قلبه بكل ما حملته تلك الليلة من وجع، ثم انتهت بهما معًا إلى حبٍّ صار أصلب من كل ما كُسر.
مدَّت كفَّها تتحسَّس وجنته بحنان، ثم ابتسمت قائلة:
_ على فكرة...كانت أجمل ليلة في حياتي كلَّها..آه، حصل فيها اللي حصل...بس والله ما بكذب عليك. كفاية إنِّنا كنَّا مع بعض، ومحدش قدر يبعدنا عن بعض.
نظر إليها طويلًا، بعينين امتلأتا امتنانًا، على تجميلها لما فعله، ثم قال بصوتٍ خفيض:
_ قلتلك قبل كده إنِّي بحبِّك؟
هزَّت رأسها بدلال، وابتسامة مشاكسة تزيِّن شفتيها:
_ تؤ...إنتَ بخيل في الكلام.
ضحك بهدوء، ثم قرص وجنتها برفق، فاقتربت أكثر حتى لم يعد يفصل بينهما سوى أنفاسهما، وهمست:
_ بس حبيبي...ما لوش في كلام الحب. أفعاله بتتكلِّم عنه أحسن من ألف كلمة.
أغمض عينيه لحظة، وأسند جبينه إلى جبينها، يستنشق قربها، ثم همس بصوته الرجولي الأجش:
_حبيبك مستعد يتنازل عن روحه وحياته علشان ضحكة من عيونك.
_وأنا كمان مستعدة أتنازل عن الدنيا كلَّها يا يوسف علشان أفضل هنا جوَّا قلبك. 
تمتمت بها تتحسَّس موضع نبضه: 
_ضي..راعي إنِّنا في مكان عام...وزي ما قلتي، أنا ما ليش في كلام الحب.
ابتسمت بخبث وهي تلامس أنفه بطرف أنفها، ثم قالت بصوتٍ بالكاد سمعه:
_هوَّ أنا عملت إيه، أنا بس جنب جوزي. 
_لا إنتِ مش جنب جوزك، إنتِ في حضنه يا روحي، ودي لوحدها فضيحة.
في تلك اللحظة استمع صوت إلياس خلفهما:
_ما تلمّ نفسك إنتَ وهيَّ!
ابتعدت ضي قليلًا وهي تلتفت إليه.
أشار إليها بإصبعه وهو يتصنَّع الغضب:
_إيه لازقة فيه كده ليه، روحي عند العروسة..هوَّ مش مكفِّيكم البيت؟
ثم وجَّه حديثه إلى يوسف:
_وإنتَ يا ملزوق..اتكسف وروح عند ابن خالك، يا كبير العيلة!
مال يوسف برأسه نحو والده وهمس بمكر:
_هوَّ حضرتك...بتغير يا باشا؟ ما ميرال عندك أهو.
رمقه إلياس بنظرةٍ حادَّة، ثم هزَّ رأسه بيأس واستدار.
انفجرت ضي ضاحكة، وعادت فورًا تعانقه، تدفن وجهها داخل صدره وكأنَّها تتعمَّد إغاظة إلياس.
لكنَّها شهقت عندما عاد فجأة، وأمسك بذراعها يسحبها بعيدًا:
_لو شوفتك جنبه تا...
لم يدعه يوسف يكمل.
تقدَّم بخطوة، وسحب ضي برفق من يد والده، وهو يقول ضاحكًا:
_إيه يا حج؟! طب راعي إنِّي واقف.
وصل أرسلان:
_مالكوا، فيه إيه، واقفين هنا ليه؟
زفر إلياس بضيق وهو يشير إليهما:
_خد بنتك الملزَّقة دي...وخلِّي الأهبل ده يروح عند ابن خاله، مستخبيين هنا في الضلمة!
نظر أرسلان إليهما ثم إلى أخيه بعدم فهم:
_أنا مش فاهم حاجة!
حاول يوسف أن يتمالك ضحكته، لكنَّه فشل.
_أخوك مضَّايق إنِّي واقف مع مراتي... بنحبِّ في بعض شوية، هوَّ عيب ولَّا حرام؟
ربت أرسلان على كتف أخيه وهو يضحك:
_إيه يا إلياس...سيبهم يحبُّوا في بعض. وإنتَ روح حبّ مراتك إنتَ كمان.
اتَّسعت عينا إلياس بصدمة:
_ده اللي ربِّنا قدَّرك عليه؟ شايف الدنيا مولَّعة...وكبير العيلة مستخبِّي في الضلمة مع الملزَّقة مراته!
رفعت ضي رأسها من صدر يوسف، وقالت باحتجاج :
_أنا مش ملزَّقة يا عمُّو.
ابتسم يوسف، وقبَّل رأسها أمامهما بتحدٍّ. 
فنظر إليه إلياس بغيظ، وتمتم وهو يلوِّح بيده:
_الواد ده...مش ابني!
انفجر أرسلان ضاحكًا، ثم أمسك بذراع أخيه يسحبه معه.
وقبل أن يبتعد، التفت إلى يوسف وغمز له بمكر:
_أوعى الفضايح يا دكتور.

ابتعد الأخوان وهما يتبادلان الضحكات، حتى مال أرسلان نحو إلياس متعجِّبًا.
خرجت من شرودها، تنهَّدت ثم اقتربت منه دون أن يشعر، حتى توقَّفت خلفه، ثم أحاطته بذراعيها، وأراحت خدَّها بين كتفيه وهمست:
_مين واخدك منِّي؟
ارتسمت ابتسامة هادئة على شفتيه، واستدار إليها ببطء، يجذبها بين ذراعيه كأنَّ الدنيا كلَّها لا تتَّسع إلَّا لها:
_حد يقدر يقرَّب من ملكي؟
داعبت عنقه بأطراف أصابعها، وعيناها تلمعان بعشقٍ لا يعرف الخوف:
_محدش يقدر...عارف ليه؟
ضمَّها أكثر، حتى صارت المسافة بين قلبيهما مجرَّد نبضتين:
_طيب ليه؟
ابتسمت وهي تنظر إليه:
_علشان إنتَ حبيب ضي...وملك ضي. واللي يفكَّر ياخدك منِّي...
توقَّفت لحظة، ثم ضحكت بخفَّة وهي تهمس:
_مش هعمل فيه حاجة...هموِّته بس.
ضحك بصوتٍ خرج من أعماق قلبه، ثم رفع يده يمرِّر أنامله بين خصلات شعرها بحنان.
ظلَّ يتأمَّل عينيها طويلًا، حتى شعرت أنَّ نظراته تنطق بما عجزت عنه الكلمات:
_تعرفي نفسي في إيه؟
رفعت حاجبها بابتسامة مشاكسة:
_تاخدني في حضنك...وتحكيلي حدوتة.
اقترب حتى استندت جبهته إلى جبهتها، واختلطت أنفاسهما في صمتٍ كان أبلغ من كلِّ اعتراف:
_نفسي كل واحد يدوق الإحساس اللي أنا عايشه...الإحساس إنِّك تلاقي الشخص اللي وجوده يخلِّي الدنيا كلَّها تهدى، وإن قلبك ما يعرفش ينبض إلَّا وهوَّ قريب منه.
ارتجفت ابتسامتها، وهمست باسمه وكأنَّه دعاء:
_بجد يا يوسف؟
أومأ دون أن يبعد عينيه عنها، ثم ضمَّها إلى صدره، يدفن ذقنه فوق رأسها:
_بحبِّك أوي يا ضي...حب خلَّاني كل يوم أكتشف إنِّ قلبي لسه بيعرف يحبِّ أكتر.
رفعت رأسها إليه، وعيناها امتلأتا بذلك البريق الذي لا يصنعه إلَّا الأمان:
_وأنا...أموت لو بعدت عنِّي، أوعدني... مهما حصل، متسيبنيش.
أغلق عينيه لحظة، ثم قبَّل جبينها قبلة طويلة هادئة، تحمل وعدًا أكثر ممَّا تحمله الكلمات:
_مبقاش ينفع أعرف للحياة معنى من غيرك...إنتِ بيتي، وسندي، والراحة اللي بدوَّر عليها آخر كلِّ يوم، إنتِ اللي أوعديني...تفضلي تبصِّيلي بنفس العيون دي، وتحبِّيني بنفس القلب ده.
ابتسمت، ثم عضَّت على شفتيها وهي تنظر إلى نفسها، قبل أن تعود بعينيها إليه قائلة بخفَّة أذابت ما تبقَّى من جديِّة اللحظة:
_أوعدك...بس ممكن أوعدك جوَّه؟
قطب حاجبيه باستغراب:
_ليه؟
أشارت إلى قميصها الأحمر، ثم إلى الهواء البارد الذي داعب خصلات شعرها:
_لأن حضرتك مش واخد بالك وأنا لابسة قميص خفيف...والجوِّ برد.
تأمَّل تفاصيل جسدها في هذا الثوب الذي جعلها فتنة طاغية، رفع ذقنها وتبحَّر بأجمل عيون يرى فيها سعادته:
_دا كلُّه علشاني؟. 
_لحدِّ دلوقتي آه...معرفش بعد شوية ممكن تلاقيني برجف من السقعة.
ضحك وهو يهزُّ رأسه، ثم لفَّ ذراعه حول كتفيها، يحتضنها بحنان، وقادها إلى الداخل.
بمنزل بلال.. 
وضع صغيره في فراشه برفق، انحنى يقبِّل جبينه، ثم مرَّر كفَّه على خصلاته الناعمة، فالتفت الصغير في نومه وابتسم ابتسامة عابرة، كأنَّها هدية من السماء.
ابتسم بلال رغمًا عنه، وأمسك كفِّه الصغير، يضمُّ أصابعه إلى شفتيه يقبِّلها بحنان.
ما أعظم هذا الشعور...
أن يكون لك طفل يحمل ملامحك، يناديك "أبي"، يملأ البيت ضجيجًا، ثمَّ يكبر يومًا فيصبح سندك ورفيق عمرك.
خطرت صورة يوسف في ذهنه، حتى انقبض قلبه بقوَّة.
تذكَّر نظراته وهو يحتضن الصغير قبل ساعات...ابتسامته التي كانت تزيِّن وجهه، بينما عينيه تخفيان بحرًا كاملًا من الحرمان.
شعر وكأنّّ سكِّينًا انغرست في صدره.
لا يعلم متى انسابت دمعة فوق وجنته، ثم لحقتها أخرى.
ليس حزنًا على نفسه...
بل على رجلٍ يعلم أنَّه كان سيصبح أعظم أب لو منحه الله طفلًا واحدًا فقط.
دخلت رولا تحمل رضعة الصغير، وقالت بابتسامةٍ هادئة:
نام...كنت بجهِّز له الرضعة، والنانا نامت، محبتش أصحِّيها.
التفت إليها سريعًا، مسح دموعه بطرف كفِّه، ثم خرج من الغرفة بخطواتٍ متعجِّلة.
قطبت حاجبيها باستغراب، وضعت الرضعة بجوار الفراش، ثم خرجت تبحث عنه.
وجدته يقف في الشرفة، يحدِّق في السماء بصمتٍ موجع.
اقتربت منه، وظلَّت لحظات خلفه، ثم همست:
_فيه إيه...مالك؟
جلس على المقعد، وأدار وجهه بعيدًا، يحاول إخفاء دموعه، و عجز حتى عن الرد.
اقتربت أكثر، وانحنت أمامه، ثم رفعت ذقنه برفق.
شهقت عندما رأت عينيه تغرقان بالدموع:
_بلال!..فيه إيه، حصل إيه؟
هزَّ رأسه بصمت، وأبعد يدها بلطف، وهو يحدِّق في الأفق.
جلست إلى جواره، وأمسكت وجهه بين كفَّيها:
_زعلت علشان رقصت مع يوسف وآسر؟ بص...آسر أخويا، ومش أخويا بس، ده روحي، ومهما عمل مستحيل أقدر أزعل منه، ويوسف..أنا بحبه وبحترمه لأنُّه أخويا الكبير، وكلِّ فرح لازم أرقص معاه...عارفة إنَّك اضايقت، بس...
وضع إصبعه على شفتيها، مقاطعًا حديثها:
مستحيل أزعل منك بسبب حاجة تافهة زي دي...متقوليش الكلام ده تاني.
تنهَّدت وهي تمسح دموعه بإبهامها:
_أمال...عمُّو أرسلان، ولَّا بابا؟
هزَّ رأسه بالنفي..
ثم خرج الاسم من بين شفتيه بصوتٍ متهدِّج:
_يوسف...
اتَّسعت عيناها:
_يوسف!...ماله، هوَّ تعبان..إنتَ مخبِّي عليَّ حاجة؟ أنا هروح أشوفه.
أمسك يدها سريعًا قبل أن تنهض:
_استني...
التفتت إليه بلهفة.
ابتلع غصَّته، ثم قال بصوتٍ اختنق بالبكاء:
_مش ابننا...
تجمَّدت مكانها، ولم تفهم:
_يعني إيه؟
أطبق على عينيه بقوة، ثم خرج صوته ممزَّقًا:
_صعبان عليَّا أوي يا رولا...
انفلتت منه شهقة بكاء لم يستطع كتمانها.
تراجعت وجلست أمامه، وقد بدأ الخوف ينهش قلبها:
_بلال...فهِّمني...يوسف ماله؟
ضمَّها إلى صدره، وأسند ذقنه فوق رأسها، وكأنَّه يبحث عن قوَّة يواصل بها الكلام:
_النهارده...لمَّا ماما أخدت يوسف من النانا من غير ما حد ياخد باله...والنانا قالتلي إنُّه كان هنا واختفى...حسِّيت إنِّ روحي خرجت منِّي، والله يا رولا... الدقايق دي كانت كفيلة تموِّتني..كنت بجري زي المجنون، بدوَّر عليه في كلِّ مكان، وعقلي وقف...مكنتش شايف قدَّامي.
أغمض عينيه بقوَّة، ثم أكمل بصوتٍ مرتعش:
ويوسف كان بيدوَّر معايا...ولمَّا لقيناه، ماما كانت شايلاه وهو بيضحك له... شفت يوسف وهوَّ بيحضنه...كان بيضحك...لكن أنا أعرفه...أعرفه أكتر من نفسي.
صمت لحظة، وانكسر صوته أكثر:
_الضحكة كانت على وشُّه...إنَّما دموعه كانت مكتومة، شوفت لهفته وخوفه على الولد رغم إنُّه مش ابنه، تخيَّلي لو كان أب.

رفع رأسه إلى السماء، وكأنَّ الكلمات تخنقه..
أنا...مجرَّد عشر دقايق حسِّيت إن ابني ضاع منِّي...حسِّيت إنِّي بموت، تخيَّلي بقى يوسف...راجل اتحرم من الإحساس ده كلُّه...اتحرم إنُّه يسمع كلمة "بابا"...اتحرم يحضن حتة منُّه... اتحرم يقلق...ويطمِّن...ويتخانق... ويضحك...ويتعب علشان ابنه.
تنفَّست رولا بصعوبة، وبدأت دموعها تنهمر.
أمَّا بلال فأكمل وهو يبكي:
والله يا رولا...لو كان فيه حد يستحق يبقى أب...فهوَّ يوسف، عمره ما أذى حد.
أطبق على عينيه، وقال بحرقة مزَّقت قلبه:
أصعب حاجة...إنَّك تبقى شايف أعزّ صاحب عندك، وعارف إنُّه نفسه في نعمة واحدة...نعمة ناس كتير واخدينها من غير حتى ما يحسُّوا بقيمتها...وإنتَ واقف...لا قادر تديهاله...ولا حتى تخفِّف وجعه.
ضمَّت رأسه لصدرها وادمعت عيناها بالبكاء:
_إن شاء الله ربِّنا هيراضيه، يوسف طيب ويستاهل زي ما بتقول، بس منقدرش نعترض على القدر. 

ابتعد بلال يمسح آثار دموعه بكفِّه، ثم أخذ نفسًا طويلًا وكأنَّه يحاول أن يطوي ما مرَّ به هذا اليوم، مدَّ يده إليها بابتسامة هادئة:
ـ يلَّا...ندخل ننام، اليوم كان طويل ومتعب.
وضعت رولا كفَّيها فوق بعضهما تفركهما بتوتُّر، فالتقط ارتباكها فورًا..
اقترب منها، وأمسك يديها بين راحتيه:
ـ مالِك يا حبيبتي؟
رفعت عينيها إليه، وقد غلبها القلق:
ـ اتصل بآسر...عايزة أطمِّن عليهم. متأكدة إن آسيا مش هتسكت.
هزَّ رأسه برفضٍ هادئ:
ـ مينفعش.
تعلَّقت بذراعه ترجوه:
ـ مينفعش لو كان جوازهم طبيعي... لكن دول اتجوزوا بطريقة مش طبيعية.
تنهَّد بلال، ثم رفع كفَّيه يحتضن بهما وجهها:
ـ يا رولا...أنا حاسس إنِّ لآسر يد في اللي حصل النهارده، مش عارف ليه... بس قلبي بيقولِّي إنُّه كان عارف كلِّ حاجة.
أطرقت برأسها لحظات، ثم همست:
ـ هوَّ فعلًا كان عارف...وهوَّ اللي اتَّفق مع سدن إنَّها متهربش إلَّا قبل الفرح بساعة...علشان آسيا تنزل مكانها.
قطب بلال حاجبيه بدهشة:
ـ يعني إيه؟!.وإنتِ عرفتي الكلام ده إزاي؟
قصَّت عليه كل ما حدث، حتى انتهت وهي تخفض رأسها خجلًا:
ـ متزعلش منِّي...أنا وعدته إنَّك متعرفش.
ظلَّ صامتًا ينظر إليها، ثم قال بهدوء امتزج بالعتاب:
ـ معقول يا رولا تخبِّي عنِّي حاجة بالحجم ده؟
اقتربت أكثر، وأمسكت يده بكلتا يديها:
ـ آسفة يا بلال...عارفة إن من حقَّك تزعل، بس هوَّ اللي طلب منِّي... ومقدرتش أكسر وعدي.
ثم نظرت إليه بعينينِ امتلأتا رجاء:
ـ بالله عليك...متزعلش منِّي.
ذاب عتابه أمام نظرتها، فابتسم ابتسامة صغيرة وضمَّها من كتفيها إلى صدره:
ـ خلاص...مش زعلان، أهمِّ حاجة إنِّ الليلة عدِّت على خير.
ابتعد عنها قليلًا وهو يبتسم بمكرٍ خفيف:
ـ تفتكري آسيا هتكمِّل الليلة، ولَّا كرامتها هتغلبها؟
زفرت رولا وهي تهزُّ كتفيها:
ـ آسيا عنيدة...وللأسف آسر أعند منها.
ثم رفعت رأسها إليه من جديد:
ـ علشان كده بقولَّك...كلِّمه.
ابتسم بحزن، وهزَّ رأسه:
ـ مينفعش يا حبيبتي، لو اتَّصلت دلوقتي، هفكَّرهم إنِّ الليلة دي عادي.. وأنا نفسي يحاولوا يعيشوها بشكل مختلف.
صمت لحظة، ثم شرد ببصره:
ـ وعلى فكرة...آسر دلوقتي وجعه أكبر منها.
التفتت إليه باستغراب:
ـ ليه؟
تنهَّد بعمق، وابتسم ابتسامة باهتة:
ـ لأن الليلة دي ليها طعم تاني...لمَّا تبقى الست اللي بتحبَّها لسنين بين إيديك، وبعد كلِّ السنين دي تبقى مراتك...ومع ذلك، تحرم نفسك منها بإرادتك...علشان خاطرها هيَّ.
ارتجف قلب رولا، وهمست:
ـ حسِّيت بإيه وقتها يا بلال؟
رفع ذقنها بأطراف أصابعه، وغاص في عينيها:
ـ كنت هتجنِّن...والله كنت هتجنِّن.
ابتسم بحنين وهو يتذكَّر:
ـ كل اللي كنت محتاجه وقتها...إنِّك تكوني في حضني وبس، أسمع نفسك...وأحس بدقَّات قلبك وهيَّ بتنادي اسمي..كنت شايف الدنيا كلَّها في حضنك.
اغرورقت عيناها بالدموع:
ـ وأنا كمان...كان نفسي أعيش اللحظة دي معاك...بس وقتها كانت مجرَّد حلم.
انحنى يقبِّل جبينها برفق، ثم شفتيها قبلة قصيرة، وهمس:
ـ الحمد لله...الحلم بقى حقيقة.
ثم ابتعد قليلًا، وأخرج هاتفه:
ـ هكلِّم آسر...مش علشان أطلب منه حاجة...علشان ميندمش.
أمسكت بذراعه بسرعة، وأوقفته:
ـ لا يا بلال...
نظر إليها متسائلًا.
ابتسمت بخجل، ثم قالت:
ـ بلاش تقولُّه يعمل حاجة...ممكن يتهوَّر.
_متخفيش.
قبَّل وجنتها بحنان، ثم ضغط على اسم آسر في هاتفه، بينما كانت رولا تراقب الشاشة تدعو في سرِّها أن تنتهي تلك الليلة بما يداوي قلبين أنهكهما العناد والحب.

بمنزل آسر..
عاد إلى الغرفة بخطواتٍ بطيئة، بعدما ترك آسيا خلفه منهارة بالبكاء.
لم يحتمل أن يبقى واقفًا أمام شهقاتها...كلُّ دمعة كانت تسقط منها، كانت تصله وكأنَّها اتِّهام صريح بالخيانة، وكأنها تقول له، أنتَ من كسرت قلبي.
أغلق الباب برفق، ثم جذب رابطة عنقه بعنف حتى كادت تتمزَّق، وألقاها بإهمال على المقعد.
جلس على حافة الفراش، وأسند مرفقيه إلى ركبتيه، ثم احتضن رأسه بين كفَّيه، و أنفاسه تتصاعد ثقيلة، وعيناه شاردتان في الفراغ.
همس لنفسه بصوتٍ مختنق:
ـ أنا عملت الصح...ولَّا ضيعت كل حاجة؟
مرَّت دقائق ثقيلة، لم يسمع خلالها إلَّا صدى بكاءها يتردَّد داخل أذنيه، حتى دوى رنين هاتفه، قاطعًا صمته المؤلم.
التقط الهاتف بضيق، وظنَّ أن بلال اتَّصل ليمازحه كعادته.
ردَّ بنبرةٍ متجهِّمة:
ـ مش عايز استظراف دلوقتي يا بلال...
لكن صوته خفت فجأة، حين جاءه صوت بلال هادئًا، خاليًا من أي مزاح:
ـ خدها في حضنك يا آسر...حسِّسها إنَّها أغلى حاجة عندك، خليها تسمع دقَّات قلبك...حتى لو بالعافية، مش من كسرها..أوَّل ما تحس إنَّها في أمان، هتهدى.
صمت لحظة، ثم أكمل بصوتٍ يحمل تجربة عاشها:
ـ الليلة دي عمرها ما هتتكرَّر...يا إمَّا تفضل أجمل ذكرى بينكم...يا إمَّا تبقى أصعب وجع كل ما تفتكروها.
سمع صوت رولا يقترب من الهاتف، وقد انتزعته من يد بلال:
ـ آسر...
خرج اسمه من بين شفتيها ممتلئًا بالرجاء:
ـ حتى لو رفضتك...متسمعش كلام غضبها..هيَّ دلوقتي موجوعة، مش كارهة، حاول تراضيها...افهم وجعها قبل ما تدافع عن نفسك.
ابتلعت غصَّتها، ثم أضافت بصوتٍ مرتعش:
_أوعى تأذيها بكلمة...أو بنظرة... أو..صمتت ولم تقوَ على الحديث.
_أوعى تعمل حاجة تندم عليها، آسيا بتحبَّك أوي، بس عايزة صبر وإثبات، وإياك تجرحها مهما أذتك، في جروح مبتخفِّش طول العمر.
عاد بلال يتحدَّث مرَّةً أخرى، وقد ازدادت نبرته عمقًا:
ـ اسمع مني يا آسر...كلِّ دقيقة في الليلة دي ليها ذكرى بتنحفر، مضيعهاش في العناد، قرَّب منها... متسيبهاش تحس إنَّها لوحدها.
سكت لحظة، ثم قال بهدوء:
ـ معرفش فاهم قصدي ولَّا لأ؟.
انقطع الاتصال.
ظلَّ آسر ممسكًا بالهاتف، رغم أنَّ الخط أُغلق منذ ثوانٍ.
أنزل يده ببطء، وحدَّق أمامه بشرود.
تردَّدت كلمات بلال ورولا في رأسه مرَّة بعد أخرى، بينما كانت شهقات آسيا القادمة من خلف الباب تمزِّق ما تبقَّى من صلابته.
أغمض عينيه بقوَّة، وأطلق زفرة طويلة، ثم نهض ببطء...
كأنَّه ذاهبٌ إلى معركة، لا يعرف إن كان سيخرج منها منتصرًا...أم سيخسر المرأة التي أحبَّها طوال عمره.
وصل الى الغرفة..دفع الباب بقوَّة، دلف للداخل، ولكن تجمَّد جسده..

حين وجدها جالسة على الأرض، تضمُّ ركبتيها إلى صدرها، وتدفن وجهها بينهما، بينما تنساب دموعها في صمتٍ موجع، توقَّف للحظة عند الباب. انقبض قلبه لرؤيتها بهذا الانكسار.
شعرت بوجوده، فرفعت رأسها بعينينِ متورمتين من البكاء، ثم نهضت فجأة تصرخ بكلِّ ما تبقَّى فيها من قوَّة:
_جاي هنا ليه؟...اطلع برَّة...مش عايزة أشوف وشَّك!
ظلَّ يحدِّق بها لحظات، كأنَّه لم يسمع حرفًا، ثمَّ تقدَّم بخطواتٍ ثابتة، وحين حاولت الابتعاد، التقطها بين ذراعيه قبل أن تفلت منه.
بدأت تضرب صدره وتقاوم بكلِّ قوَّتها:
_سيبني!...بقولَّك سيبني!
لكنَّه لم يرد..دفع الباب بقدمه، ودلف إلى الداخل، ثم أغلقه خلفه، أنزلها برفق، إلَّا أنَّها ما إن لامست الأرض حتى حاولت الابتعاد، فأمسك بمعصميها برفق، يمنعها من الابتعاد.

كانت تنظر إليه بعينينِ لا يعرف كيف يقرأهما؛ أهما ممتلئتانِ بالحبِّ الذي قتله، أم بالغضب، أم بخيبةٍ جعلت قلبها يعجز حتى عن الكره؟
أردف بصوتٍ خافت، لكنَّه متعب:
_ادخلي غيَّري الفستان...وأنا هجيب أكل، من إمبارح ما شربتش حتى ميَّه.
ضحكت بسخرية موجوعة، ودموعها تسبق كلماتها:
_وأنا مالي؟...متشربش...متاكلش... تموت ولَّا تعيش...بقى كلُّه واحد.
ارتجف فكِّه، لكنَّه ابتلع وجعه.
اقترب خطوة، وقال بهدوءٍ يخفي عاصفة داخله:
_خمس دقايق...هتغيَّري هدومك، وتاكلي ... 
رمقته بنظرةٍ حادَّة، ثم دفعته في صدره:
_وبعدين..أشرب اللبن، وأغسل سناني، وأنام...مش كده؟
رغم اختناق قلبه، ارتسمت على شفتيه ابتسامة باهتة:
_أيوة...وشاطرة إنِّك عرفتي.
رمقته باستهزاء:
_واحكي لك حدوتة كمان؟
ابتسم، لكن عينيه كانتا دامعتين:
_وتنامي في حضني وتلعبي في شعري كمان.
تجمَّدت مكانها للحظة، إلَّا أنَّها سرعان ما أشاحت بوجهها.
اقترب أكثر، حتى لم يعد يفصل بينهما سوى أنفاسٍ متقطِّعة..رفعت إصبعها في وجهه تهدِّده:
_لو قرَّبت أكتر...والله هموِّتك.
ابتسم بألم، ثم حاصرها بينه وبين الجدار، لكن دون أن يمسَّها.
مال برأسه قليلًا، وهمس بصوتٍ مبحوح:
_الليلة المفروض الليلة اللي بقالي سنين بحلم بيها..إنتِ مراتي دلوقتي، ومن حقِّي سواء رضيتي أو رفضتي.
ارتعشت شفتاها، بينما كانت تحاول أن تبقي قلبها قاسيًا.
أغمض عينيه لحظة، ثم قال بصوتٍ منكسر:
_صدَّقيني...لو كان ينفع آخد وجعك وأحطُّه جوَّا قلبي كنت عملتها، أنا تعبت من الحرب اللي بينَّا...وتعبت أكتر من فكرة إنِّك تبصيلي وكأنِّي عدوِّك.
_إيه مش أنا أكتر شخص بتكرهه.
_لأنِّك غبية. 
صاح بها، ودنا يجذبها إليه بقوَّة صارخة:
_ما تلومنيش وإنتِ السبب، مين اللي وصَّلنا لكدا.
_تعرف أنا شيفاك إيه دلوقتي؟. 
غرست عيناها بعينيه: 
_انسان بلا أخلاق، شخص متلوِّن..
كنت في حضنك وبتقولِّي يا حبيبة آسر، وبعدها بأيام روحت خطبت أختي، ولمَّا هربت من تحكماتك جاي بكلِّ بجاحة وعايز تكمِّل حقارتك.
أغمض عينيه بقوَّة، يحاول عبثًا أن يكبح ارتجافة قلبه التي أثارتها كلماتها. كان كلُّ حرف خرج من شفتيها أشبه بنصلٍ يُغرس في صدره ببطء.
لم ينطق...
وقف أمامها صامتًا، والدموع تتجمَّع في عينيه، بينما ينهشه الندم من الداخل.
وفجأة انفجرت..صرخت بكلِّ ما اختزنته روحها من قهر، وانهالت عليه بقبضتيها تضرب صدره في جنون:
_عملت فيَّ كده ليه..ليه كسرتني..ليه خلِّتني أحبَّك بالشكلِ ده؟
ازدادت ضرباتها مع صمته، وكأنَّ سكوته كان اعترافًا بكلِّ ذنبٍ ارتكبه في حقِّها.
لم يحاول أن يصدَّها...
تركها تفرغ كلَّ غضبها، وكلَّ وجعها، وكلَّ ليلةٍ بكت فيها بسببه.
كانت قبضتاها الصغيرتان ترتطمان بصدره، وهو يشعر أنَّ كل ضربةٍ منها أهون ألف مرَّة من الضربات التي يتلقَّاها قلبه منذ أن علم ذنبه.
بدأت قوَّتها تخونها شيئًا فشيئًا...
ضعفت يداها، واهتزَّ جسدها بعنف من شدَّة البكاء، حتى لم تعد قادرة على الوقوف.
كادت تسقط فانحنى سريعًا، وأسندها بين ذراعيه.
ضمَّها إلى صدره بحذر، وأخذ يمرِّر كفَّه بين خصلات شعرها في صمت.
حاولت أن تدفعه بعيدًا، لكن جسدها كان قد استسلم تمامًا للإرهاق.
لم تعد تملك قوَّة للرفض...ولا حتى للبكاء.
حملها حتى الفراش، وأجلسها برفق، ثم اتَّجه إلى الخزانة.
فتحها، وأخذ يبحث بين الرفوف، حتى أخرج بيجامة بيضاء ناعمة، وعاد إليها.
كان جسدها ما يزال يرتجف، وأنفاسها تتقطَّع بين شهقةٍ وأخرى.
جلس أمامها على ركبتيه، ومدَّ إليها البيجامة قائلًا بصوتٍ خافت:
_قومي غيَّري هدومك...وعايزك تنسي أي حاجة حصلت...الليلة بس.
وقعت عيناها على بيجامتها، أخذتها منه.
حدَّقت بها لثوانٍ طويلة، ثم انعقد حاجباها بدهشة.
همست وكأنَّها تحدِّث نفسها:
_دي...دي هدومي!
رفعت رأسها إليه، ثم عادت تنظر إليها مرَّةً أخرى:
_إزاي جت هنا؟...معقول...ماما بعتتهم وقت الفرح؟!
نهضت فجأة، واتَّجهت إلى الخزانة.
فتحتها على اتِّساعها، وأخذت تقلِّب بعينيها بين الملابس..هناك فساتينها...وبيجاماتها...
ولكن هناك قطع جديدة، علمت أنَّهم لها، من خلال ألوانها الخاصَّة بها، سحبت بعضها بعصبية، وألقتها على الأرض:
_دول إيه...مين جابهم هنا؟!
اقترب منها بهدوء، ثم وقف خلفها، وأحاط خصرها برفق، محاولًا أن يمنعها من الاستمرار في بعثرة كل شيء..ثم قال بصوتٍ منخفض:
_أنا اللي جبتهم الصبح.
وأنا اللي رتبتهم في الدولاب بإيدي.
استدارت إليه ببطء، تنظر إليه بعينينِ امتلأتا بالخذلان.
ابتلع غصَّته، وقال وهو يكاد يختنق:
_آسيا...اسمعيني..
الفرح..ما كانش فرح سدن...
كان فرحنا إحنا.
ظلَّت تحدِّق فيه للحظات، وكأنَّها تحاول أن تجد في وجهه الرجل الذي أحبَّته يومًا...لكنَّها لم ترَ سوى الرجل الذي كسر قلبها.
خرج صوتها خافتًا...لكنَّه كان أشدَّ عليه من الصراخ:
_أنا بكرهك يا متر.
ثم أفلتت نفسها من بين ذراعيه، واتجهت نحو الباب بخطواتٍ متعثِّرة.
ظلَّ واقفًا مكانه، يتابعها بعينينِ مثقلتين بالوجع.
زفر ببطء، وأسند رأسه للحظة إلى باب الخزانة.
كان يعلم أنَّ الطريق إليها أصبح أطول ممَّا تخيل...
وأن كل خطوة سيخطوها نحو قلبها، سيدفع ثمنها الكثير والكثير.
ومع ذلك...لم يعرف اليأس طريقًا إليه.
رفع رأسه، وكوَّر قبضته..اتَّخذ قراره، وتقدَّم خلفها بخطواتٍ هادئة، ورغم هدوئها كان داخلها عاصفة ستحرق كليهما. 

وصلت إلى باب الغرفة بخطواتٍ متسارعة، وما إن مدَّت يدها نحو المقبض حتى جاء صوته خلفها، حادًّا لا يقبل النقاش:
_قلت هتنامي هنا.
توقَّفت مكانها دون أن تلتفت، بينما أشار إلى الفراش بعينينِ ثابتتين:
_ده سريرنا...ومش هكرَّر كلامي.
استدارت إليه ببطء، والغضب يشتعل داخل عينيها:
_يعني إيه؟
في خطوتينِ فقط كان أمامها، لفَّ ذراعه حول خصرها يمنعها من الابتعاد، وأبقى نظراته معلَّقة بعينيها:
_يعني...زي أي عروسين في ليلة فرحهم.
اشتعل وجهها غضبًا، ونظرت إليه نظرة مشتعلة لو خرجت لأحرقته: 
_طيب اعملها...لو.. 
لم يدعها تكمل، وضع كفِّه على شفتيها، واقترب حتى أصبحت كلماته همسًا ثقيلًا يلامس أنفاسها:
_متغلطيش...علشان متندميش، وزي ما قلتلك...خمس دقايق، وما ألاقيش الفستان ده عليكِ...
صمت لحظة، ثم أكمل بنبرةٍ هادئة زادت تهديده رهبة:
_ساعتها هتصرَّف بطريقتي.
ارتجفت أنفاسها، لكنَّها تماسكت، ترفض أن تمنحه انتصارًا ولو بنظرة.
همس وهو لا يزال يحدِّق فيها:
_إنتِ عارفة إنِّي أقدر.
رفعت ذقنها بكبرياء، رغم الخوف الذي بدأ يتسلَّل إلى قلبها:
_وأنا عايزاك تقدر...ورِّيني شطارتك يا متر.
قاطعها بابتسامةٍ جانبية:
_ششش...وفَّري شجاعتك دي.
مال قليلًا وهو يبتسم ابتسامة أربكتها:
_دي أكتر حاجة بحبَّها فيكِ.
ابتسمت بسخرية لاذعة:
_وأنا أكتر حاجة بحبَّها فيك...ثباتك على المبدأ.
لمعت عيناه، وكأنَّ سخريتها أصابت شيئًا داخله، لكنَّه أخفاه سريعًا.
وفجأة، رفع يده إلى سحاب الفستان، وأنزله مسافة دون تردُّد.
شهقت وهي تقبض على طرف الفستان بكلتا يديها، ثم تراجعت خطوةً للخلف، وقد اختلط الغضب بالخوف لأوَّل مرَّة.
راقب اضطرابها، ثم قال بهدوء استفزَّها أكثر:
_إيه...أكمِّل؟
رفعت رأسها بعناد، رغم ارتجافة شفتيها:
_تعملها.
اقترب حتى لم يعد يفصل بينهما سوى أنفاسٍ مضطَّربة، هي من خوفها أن ينفِّذ تهديده، وهو من من هيئتها الذي جعلته يريد أن يمتلكها ... 
مرَّر أنامله على عنقها، فاهتزَّ جسدها تحت لمسته:
_أعملها...لو اضطرِّيت.. 
رغم أنه لم يلمسها، ولكنَّها شعرت بحرارة شفتيه...أغمضت عينيها وارتجفت شفتيها.

ظلَّ ينظر إليها طويلًا، ثم ابتسم ابتسامة باهتة تخفي وجعًا لم تسمح له كرامته أن يظهر:
_متأكد إنتَ كمان...فتحت عيناها تنظر إليه سريعًا:

_معقول...كلِّ الوش ده مزيف؟
أومأ دون أن يشيح بعينيه عنها:
_قدَّامك؟ آه...صدَّقي أي حاجة.

خفتت نبرته فجأة، واختفى التحدِّي من عينيه: 
_بس حاجة واحدة عمرها ما كانت كدب...
تنهَّد ببطء، وكأنَّ الاعتراف خرج منه رغمًا عنه:
_إنِّي بحبِّك...بطريقة إنتِ نفسك ما تتخيليهاش.
قابلته بنظرةٍ قاسية، وأجابت دون تردِّد:
_وأنا بكرهك.
ارتجف شيء في داخله، لكنَّه أخفى ألمه بابتسامةٍ صغيرة:
_كذابة يا حبيبة آسر.
صمت لحظة، ثم أكمل وهو يبتعد نصف خطوة:
_ولو فعلًا بتكرهيني...كان زمانك نفِّذتي اللي طلبته ولكنِّك خايفة...لأنِّك عارفة إن قلبك هيخونك.
ظلَّت تحدِّق فيه لثوانٍ طويلة، لا تعرف أهو الغضب ما يخنقها أم الحقيقة التي أصابت قلبها.
ثم خطفت ملابسها من فوق المقعد، واستدارت سريعًا نحو غرفة تبديل الملابس، وأغلقت الباب خلفها بقوَّة.
أمَّا هو...
فأغمض عينيه للحظة، وأخرج زفيرًا طويلًا، كأنَّه كان يحارب نفسه أكثر ممَّا كان يحاربها.
بعد فترة، جلست إلى طاولة الطعام في صمتٍ ثقيل، تحدِّق أمامها دون أن ترى شيئًا.
سحب المقعد المجاور لها وجلس بهدوء، ثم بدأ يفتح علب الطعام واحدة تلوَ الأخرى، وكأنَّ شيئًا لم يحدث.
نطقت بصوتٍ خافت...لكنَّه كان كالرصاصة.
ـ هتطلَّقني إمتى؟
توقَّفت يده لجزءٍ من الثانية، ثم أكمل ما يفعله دون أن ينظر إليها، ووضع أحد الأطباق أمامها:
ـ وصيتلك على الأكل اللي بتحبيه.
رفعت عينيها إليه، وقد اشتعل الغضب بداخلها:
ـ هو إنتَ بارد ليه كده؟
رفع حاجبه بابتسامة باهتة:
ـ بالعكس...لو مش مصدَّقة قرَّبي قيسي حرارتي.
أغمضت عينيها تزفر بضيق، ثم قالت بحسم:
ـ الصبح هرجع بيت بابا...واتصرَّف بقى وشوف هتقول إيه للناس.
التقط قطعة لحم بالشوكة، ومدَّها نحوها:
ـ كلي...ومش عايز كلام دلوقتي.
دفعت يده بعنف:
ـ متحاولش تستفزني.
ـ طيب كُلي...ولما تخلَّصي نتكلِّم، كده تمام؟
ظلَّت تحدِّق في الشوكة المعلَّقة أمامها، ثم قالت بحدَّة:
ـ هاكل بإيدي...كُل إنتَ.
وبدون أن يعلِّق، قرَّب الشوكة مرَّةً أخرى حتى لامست شفتيها:
ـ أنا ما باخدش أوامر من حد.
رمقته بنظرةٍ مشتعلة، ثم ابتلعت اللقمة بسرعة وكأنَّها تتخلَّص منها:
ـ وأنا مش واكلة.
هزَّ رأسه ببطء، ثم نهض وأشار إلى السرير:
ـ يبقى ننام أحسن.
اتَّسعت عيناها بذهول:
ـ إنتَ أكيد مجنون!
التفت إليها، وابتسامة غامضة ترتسم على شفتيه:
ـ آه...مجنون.
ازدردت ريقها وهي تراقبه:
ـ أنا...لسه جعانة.
اختفت الابتسامة سريعًا، وعاد إلى مقعده، وأخذ يتناول طعامه بهدوء.
جلست وهي تلتقط إليه النظرات خلسة، بينما الأفكار تتصارع داخل رأسها:
"هوَّ ممكن يغتصبني...؟"
ارتجف قلبها:
"لا...مستحيل..."
لكنَّها لم تكن تعرفه حقًّا...أم أنَّها لم تعد تعرفه؟
انتبهت لصوته يقطع شرودها:
ـ لو خلَّصتي أكل...أنا عايز أنام.
أمسكت بالشوكة تعبث بالطعام دون أن تأكل:
ـ لا...لسه.
نظر إلى الطبق، ثم إليها، وقال ساخرًا:
ـ بتلعبي في الأكل.
ـ مزاجي كده.
تنهَّد وهو يهزُّ رأسه:
ـ تمام...خلِّي مزاجك لحدِّ بكرة، إنَّما الليلة خلصت.
وقبل أن تستوعب ما يقصده، انحنى وحملها بين ذراعيه.
شهقت وهي تضرب كتفه بكفَّيها:
ـ نزِّلني!
لم يرد..وضعها برفق على الفراش، ثم حاوطها بذراعيه، يشير إليها بإصبعه، وعيناه لا تفارقان عينيها:
ـ اسمعيني كويس...أنا مش هسيبك تخرجي من الأوضة ...وبكرة نتكلِّم، دا آخر كلام.
ظلَّت تحدِّق فيه بصدمة، ثم همست بصوتٍ مكسور:
ـ معقول...كنت مغشوشة فيك؟
تجمَّدت ملامحه للحظة، لكن كبريائه منعه من الرد.
صعد إلى الفراش في صمت، واستلقى بجوارها، ثم جذبها إلى صدره بقوَّة، امتزج فيها الاحتياج بالخوف من فقدانها.
دفن وجهه في عنقها، يستنشق أنفاسها كأنَّها الشيء الوحيد الذي يبقيه حيًّا.
أمَّا هي، فكانت متيبِّسة بين ذراعيه.
رفعت يدها ببطء، ودفعته من كتفه محاولةً إبعاده عنها، وهمست بصوتٍ مرتعش:
ـ ابعد عنِّي...
لكن ذراعيه اشتدَّت أكثر، ثم همس بجوار أذنها حتى لامستها شفتيه:

أي حركة تاني...صدَّقيني، وقتها هتبقى أحسن حاجة.
تجمَّدت بين ذراعيه، وكأنَّ جسدها فقد القدرة على المقاومة..شدَّها إليه أكثر، حتى اختفت تمامًا داخل حصنه الدافئ، بينما بقي عقلها وحده يقاتل.
ارتجفت أنفاسها، وخفق قلبها بعنف حتى خُيِّل إليها أنَّه سيفضحها بين ذراعيه، كانت تحاول أن تتمسَّك بغضبها، لكنَّه كان يذوب شيئًا فشيئًا أمام ذلك القرب الذي طالما تمنَّت أن تعيشه معه ولكن، بظروفٍ أخرى.
أغمضت عينيها بقوَّة، تقاوم ارتعاشة جسدها من حرارة أنفاسه التي لامست عنقها، فإذا بهمسه ينساب إلى أذنها كأنَّه يربت على خوفها:
_نامي...متخافيش، مش هعمل فيكي حاجة.
ابتلعت ريقها بصعوبة، ثم تمتمت بصوتٍ مرتجف حاولت أن تجعله حادًّا:
_لو سمحت...ابعد، مش هعرف أنام كده.
ابتسم بخفَّة، وكأنَّ عنادها يزيده تعلُّقًا:
_لأ مش هتنامي غير هنا يا حبيبة آسر.
لكزته بمرفقها في صدره وهي تتمتم بانزعاج:
متقولش الكلمة دي تاني...أنا بكرهها.
في لحظة خاطفة، حاوطها بجسده.. أمسك بذقنها برفقٍ وأدار وجهها إليه، حتى أصبحت عيناها أسيرتين لعينيه.
اتَّسعت عيناها وهي تهمس بضيق:
_إيه اللي عملته ده؟
ابتسم، وارتسمت في عينيه مشاكسة لم تستطع أن تخفي ما خلفها من حب:
_عملت ايه؟! 
_ابعد بقولَّك ونام، مش كنت عايز تنام.
_لا غيَّرت رأيي...أصل لو نمت وأنا شايف الوش الحلو ده...هحلم أحلام حلوة.
ثم غمز لها بخفَّة وهمس:
_تحبي أعيش في الأحلام...ولا الواقع؟
رمقته بنظرة ممتعضة:
_تافه.
ضحك بصوتٍ خافت، ثم مرَّر أصابعه بين خصلاتها بحنان يناقض كل ما فعله بها:
_والتافه...بيحبِّك يا حبيبة آسر.
أغمضت عينيها بقهر، وزفرت بحرقة.
هذا الرجل سيصيبها بالجنون...
اعتدل على السرير، ثم جذبها واقترب أكثر، وأسند جبينه إلى عنقها، يستنشق عبيرها وكأنَّه جرعة لمدمن، رجفة أصابت جسده بالكامل، وارتفعت دقَّاته بعنفٍ بعشقها، أغلق عيناه، يشعر بأنَّه طائر يتجوَّل بين السحب.
ياالله ماهذا الشعور، مجرَّد ضمَّها له حياة، ورائحتها هواء لتلك الحياة، كيف كان سيدفن نفسه حيًّا بالابتعاد عنها؟!
حمد ربَّه أنَّها ترتدي تلك البيجامة وليس شيئًا آخر أذهب عقله، يكفي مايشعر به.
ابتسم حين شعر بدقَّات قلبها تحت أذنه.
حبيبته تتعذَّب مثله، ماذا يفعل كي يمسح عنها ذلك الألم الذي يراه بعينيها؟.
وضع كفَّه برفق فوق موضع نبضها، فخانتها دموعها وانزلقت بصمت.
هنا كرهت ضعفها...كرهت قلبها الذي ما زال، رغم كل شيء، يرتجف له.
تمنَّت لو رفعت يدها إلى شعره...
لو لامست وجنتيه...
لو اعترفت له بقبلة واحدة، تختصر النبض الصارخ من الحبِّ الصامت.
لكن عقلها كان يصرخ في وجه قلبها..
هو من دمَّر كل شيء...
فكيف يجرؤ قلبها على أن يشتاق إليه؟
هزَّت رأسها بقوة، وكأنَّها تطرد تلك الأفكار، بينما استمرَّت دموعها في الانسياب.
فجأة...توقَّفت على همسه بصوتٍ خافت يكاد لا يُسمع:
_بحبِّك.
كلمة واحدة...ولكن ثقلها كثقل الجبال. 
أغمض عينيه، واستسلم للنوم، بعدما شعر أنَّه بجنَّةٍ بين ذراعيها.
أمَّا هي...
فظلَّت تحدِّق في وجهه طويلًا، والدموع تنساب بصمتٍ مؤلم: 
_هل نام حقًا...؟
أم أنَّه يهرب من مواجهة عينيها، وقام بالتمثيل؟
مالت نحوه بحذر، حتى لامس جبينها جبينه، تراقب أنفاسه المنتظمة.
همست بصوتٍ خفيض: 
_تعرف...نفسي أخنقك.
لم يتحرَّك..لم يرتجف له جفن.
ظل غارقًا في سكونه.
تنهَّدت حين تأكَّدت من نومه، ثم دون وعي رفعت أصابعها تمرُّ بها على ملامحه ببطء.
داعبت خصلاته الناعمة، وابتسمت رغمًا عنها، فتدفقت الذكريات..
جنونه معها...مزاحه في كلِّ زيارة..
تلميحاته التي كانت تفرُّ منها خوفًا من الوقوع بعشقه. 
لم تكن تدرك أنَّها ستحبُّه لهذا الحد.
ظلَّت تمرِّر يدها ولمعت عيناها بالسعادة من ذلك الشعور، تمنَّت أشياء كثيرة، أوَّلها أن يفتح عيناه ويضمُّها ويهمس لها بكلمات عشق تخصُّها بحبيبة آسر.
شعور رائع كرقص الفراشات فوق الزهور يتسلَّل إليها.
تناست كلُّ شيئ، وضعت رأسها بجوار رأسه، وظلَّت تحدِّق في وجهه، وقلبها يرفرف لمجرَّد أنَّها قريبة منه.
لكن...
ما الذي حدث؟..كيف تحوَّل ذلك الحب إلى كل هذا الخراب؟
لا تعرف...
ولا تجد جوابًا.
اقتربت أنفاسها من أنفاسه...
وللحظةٍ قصيرة، سقطت كل الحواجز.
أغمضت عينيها، وكادت تمنحه قبلة اعترف بها قلبها أنَّه لن يستطع العيش دونه.
لكنَّها انتفضت فجأة.
حين ارتسمت في ذاكرتها صورة القبلة التي أهدته لها سدن، فعادت إليها الحقيقة كصفعةٍ مؤلمة.
فتحت عينيها بعنف، ودفعته بعيدًا عنها بكل ما بقي فيها من قوَّة.
نهضت عن الفراش، ودموعها تسبق كلماتها:
_مش هنام جنبك...واللي عايز تعمله اعمله.
التفتت إليه، وعيناها تمتلئان بوجعٍ وغضبٍ وعشقٍ ترفض الاعتراف به.
أنا مش مراتك...إنتَ اتجوِّزتني بالغصب.

أنهت كلماتها، واندفعت نحو الباب بخطواتٍ متعثِّرة، وكأنَّها تهرب منه... أو تهرب من قلبها الذي بدأ يضعف أمامه.
مرَّر كفَّيه على وجهه بعنف، ثم أطلق زفرةً مثقلة بالغضب والندم، واتَّجه خلفها.
وصل إلى الغرفة التي احتمت بها، فوجد الباب مغلقًا من الداخل.
طرق الباب، جاءه صوتها المرتجف، المختنق بالبكاء والغضب:
_روح نام...وابعد عنِّي، وأحسن حاجة تعملها إنَّك تروح تدوَّر على عروستك اللي هربت من أفعالك.
أغمض عينيه للحظة، وأسند جبينه إلى الباب، ثم قال بصوتٍ خافت لكنَّه واضح:
_سدن في فيلَّا السيوفي يا آسيا...هيَّ ما هربتش...أنا اللي طلبت منها تمشي، علشان توافقي على الجواز.
وكأنَّ الزمن توقَّف على كلماته، فتجمَّد جسدها تمامًا، وانقطعت أنفاسها.
في لحظةٍ واحدة، فتحت الباب بعنف حتى ارتطم بالحائط، ووقفت أمامه تحدِّق فيه بصدمة، وقد اتَّسعت عيناها حتى كادتا تنطقان:
_يعني...إيه؟
ظلَّ ينظر إليها طويلًا، وكأنَّه يبحث عن كلماتٍ لن تزيده إلَّا إدانة، ثم قال بهدوءٍ موجوع:
_أنا وسدن...عمرنا ما كنَّا هنتجوز، لا أنا بحبَّها...ولا هيَّ بتحبِّني.
تراجعت خطوة، ثم عادت إليه كالإعصار، قبضت على ملابسه بكلتا يديها تهزُّه بعنف، والدموع تنهمر من عينيها:
_يعني إيه برضه!! يعني كنتوا بتمثِّلوا علياَّ!.كنتوا بتلعبوا بيَّا أنا؟!
_آسيا...اسمعيني.
صرخت في وجهه حتى ارتجف صدى صوتها داخل أرجاء المنزل:
_لعبتوا عليَّا! عملت المسرحية دي كلَّها علشان تكسرني...علشان تشوفني وأنا بموت بالحياة وإنتَ واقف تتفرَّج!
هزَّ رأسه سريعًا، وعيناه امتلأتا بندمٍ مرير:
_لا... 
أمَّال كان قصدك إيه؟!
اقترب منها خطوة، وقال بصوتٍ يختنق:
كان قصدي أصلَّح الغلط....أنا مبحبِّش سدن.
لم تشعر بنفسها سوى وهي تتحرَّك سريعًا إلى منزل والدها وقد فقدت عقلها بالكامل.

وصلت بعد دقائق، تترنَّح في خطواتها، وكأنَّها بالكاد تحمل جسدها المنهك.
لكن ما إن توقَّفت أمام المنزل حتى عقدت حاجبيها باستغراب...كان المكان هادئًا على غير عادته.
خرجت الخادمة على عجل، وما إن وقعت عيناها على آسيا حتى شهقت، وحدَّقت في وجهها المتورِّم وخصلاتها المبعثرة بذهول.
_فين بابا وماما؟
أشارت الخادمة بيدٍ مرتجفة نحو الخارج، وقالت بتلعثم:
_في...في بيت الباشمهندس.
لم تنتظر كلمة أخرى...
استدارت وانطلقت تركض بكل ما تبقَّى فيها من قوَّة.

في منزل يزن...
كان الجميع مجتمعًا حول مائدة الإفطار، انفتح الباب فجأة..ودخلت آسيا...
بوجهٍ شاحب، وعينين متورمتينِ من كثرة البكاء، وثيابِ مبعثرة، وكأنَّها خرجت من معركة.
وخلفها مباشرة...دخل آسر، لا تقلُّ ملامحه اضطرابًا عنها.
هبَّ كريم بعنف حتى ارتطم المقعد بالأرض، واتَّجه نحو ابنته وقد تجمَّد الدم في عروقه.
أمَّا إيمان، فوضعت يدها على فمها وهي تحدِّق بابنتها، وقلبها يرتجف رعبًا.
وفي الجهة الأخرى...
انتفض يزن من مكانه، وشعورًا مرعبًا اجتاحه..علم أنَّ ابنه قد فعل شيئًا.
أمَّا رحيل، فشحب وجهها بالكامل.
كانت تعلم عشق ابنها لآسيا...
وفجأةً تسلَّل إلى عقلها السؤال الذي أفزعها...
هل أجبرها على اتمام الزواج؟
انفجرت آسيا بالبكاء وهي تنظر إلى والدها، ثم أشارت بأصابع مرتجفة نحو آسر:
_أنا...كنت لعبة في إيد أختي، وابن خالي يا بابا...
اختنق صوتها وهي تكمل:
_الأستاذ...وأختي لعبوا بينا كلِّنا... وكانوا مخطَّطين يكسروني...
قطب كريم حاجبيه، وقد ازدادت حيرته.
اقترب منها أكثر، وأمسك كتفيها برفق:
_حبيبتي...فهِّميني، أنا مش فاهم أي حاجة.
انهارت في البكاء:
_أنا عايزة أطلَّق و دلوقتي...مستحيل أفضل مرات الشخص ده ثانية واحدة..
أنا أصلًا مش مراته، أنا ما اتجوزتوش.
احتضنت إيمان وجه ابنتها، تمسح دموعها: 
_يا روح ماما..إيه اللي حصل؟ فهمينا بس...
في تلك اللحظة...
تقدَّم آسر بخطواتٍ ثابتة حتى وقف بجوار آسيا..
وقال بصوتٍ واضح هزَّ المكان كلِّه:
_سدن مهربتش من الفرح...أنا اللي طلبت منها تعمل كده.
أغمض يزن عينيه بقهر...
لقد تأكَّد أسوأ ما كان يخشاه.
رفع كريم رأسه إليه بعدم استيعاب.
أمَّا آسر...
فاقترب أكثر من آسيا، ثم جذبها تحت ذراعه بالقوَّة، رغم مقاومتها ودفعها المستميت له.
_علشان...بحبِّ دي.
اتَّسعت عينا إيمان.
وشهقت وهي تنظر إليه بصدمة.
أمَّا رحيل، فسارعت نحوه:
_يا كريم...اسمع آسر الأوَّل...
استدار إليها يزن بعينين مشتعلة.
فنظرت إليه بثبات وقالت:
_أنا قلتلك قبل كده...مرَّة واتنين وعشرة، ابنك بيحبِّ آسيا، بس إنتَ ما صدَّقتنيش.
هزَّت إيمان رأسها بعجز:
_أنا مش فاهمة...يعني إيه بيحبِّ آسيا!.أمال خطب سدن ليه؟!
دفعت آسيا صدر آسر بعنف حتى ابتعد خطوة.
ثم صاحت فيه بكل ما تملك من قهر:
_وأنا مش بحبَّك! سامع؟! والجواز ده مرفوض!
لكن آسر قبض على ذراعها بقوَّة، وسحبها إليه من جديد:
_إنتِ مراتي...وطلاق...مفيش.
ثم غرس عينيه داخل عينيها وقال بحدَّة:
_وبعدين...مش لمَّا نتجوز الأوَّل.
حاولت الإفلات منه، لكنَّه أحكم قبضته أكثر:
_مش عايز أسمع كلمة طلاق دي تاني.
صرخ كريم بغضب:
_يزن! إيه اللي ابنك بيعمله ده؟!
اقترب يزن بسرعة من آسر:
_سيب البنت يا آسر...إنتَ اتجنِّنت؟!
لكن آسيا سبقته وهي تصرخ:
_ابنك مخادع يا خالو...ضحك على أختي...وجاي يلعب عليَّا أنا كمان!
اشتدَّت أصابع آسر حول خصرها حتى تألَّمت.
وانحنى يهمس بين أسنانه:
_اسكتي يا آسيا...علشان متزعليش منِّي.
زمجر كريم:
_ابعد عنها يا آسر! إنتَ بتعمل إيه، كلنا عارفين اتجوزتها ليه؟!
رفع رأسه إليه دون أن يتركها:
_لا محدِّش عارف حاجة، ومش هبعد دي مراتي.
كوَّر كريم قبضتيه حتى برزت عروق يديه:
_إنتَ مجنون يا ولد!.مش كنت عايز تتجوز سدن؟! ابعد عن بنتي، وطلَّقها دلوقتي، خلاص الموضوع انتهى.
صرخ آسر بعنف:
_لأ!
ثم نظر إلى آسيا بعينينِ تمتلئان بالوجع:
_أنا كنت عايز آسيا...بس هيَّ اللي كانت غبية.
ثم التفت إلى إيمان:
_مش قالتلك إنَّها كانت بتضحك عليَّا علشان تسافر؟! لعبت بقلبي علشان تهرب...مش ده اللي حصل يا عمِّتي؟!
نظرت إليه إيمان بحيرة كاملة:
_أنا...مش فاهمة تقصد إيه يا آسر.
عاد ينظر إلى آسيا:
_بس هيَّ فاهمة...هيَّ الوحيدة اللي عارفة وجعتني قد إيه.
ضحكت آسيا بمرارة، والدموع تنهمر من عينيها:
_وجعتك؟! أنا اللي رحت خطبت أختك علشان أنتقم منَّك، أنا اللي دمَّرت حياتك، وجعتك في إيه يا...متر؟!
في لحظة...
تبدَّلت ملامح آسر بالكامل.
اشتدَّت قبضته حتى ارتجفت بين يديه.
واقترب من وجهها هامسًا بصوتٍ مرعب:
_أنا...مش اسمي متر.
ثم نطق كلَّ حرف ببطء:
_اسمي...آسر...يا آسيا.
صمت لحظة قبل أن يضيف:
_ولو سمعت الكلمة دي منك تاني...
قاطعته وهي تنظر إليه بكلِّ احتقار:
_هتعمل إيه، قول...هتعمل إيه؟! أنا أصلًا...مبقتش شايفاك.

صاح كريم بعجز وهو ينظر بينهما:
_آسيا...حد يفهِّمني...إيه اللي بيحصل؟!
رفع آسر رأسه، وقال دون أن يرمش:
_مفيش حاجة تتقال يا عمُّو...غير إنَّها مراتي...وبس.
في منزل إلياس...
وقفت ميرال أمام مائدة الإفطار، تتابع الخدم وهم يضعون الأطباق بابتسامة راضية.
منذ فترة...لم تجتمع العائلة كلَّها حول مائدة واحدة..بعد لحظات...
دخل يوسف برفقة ضي، وقد ارتسمت على وجهيهما ابتسامة هادئة.
ابتسمت ميرال فور رؤيتهما:
_صباح الخير يا حبيبي
ابتسم وهو يقبِّل جبينها:
_حبيبتي، بينما ردَّت ضي:
_صباح النور يا طنط.
التفتت إلى ضي واحتضنتها:
_صباح الخير يا حبيبتي.
ابتسمت ضي بمحبَّة:
_فين عمُّو؟
وقبل أن تنهي سؤالها، جاءها صوته الدافئ من خلفها:
_أنا هنا يا حبيبتي.
استدارت مبتسمة، اقترب وضمَّها يطبع قبلة على رأسها:
_إيه النشاط دا؟ قولت مش هتصحوا دلوقتي. 
قالها وهو يتَّجه نحو طاولة الطعام. 
أجابته ضي:
_إحنا فعلًا كنَّا نايمين، بس طنط ميرال كلِّمتنا من ساعة، وعايزة نفطر كلِّنا مع بعض. 
تعلَّقت عيناه بميرال بصمت، ثم جلس وهو يفرد محرمة الطعام: 
_أه...أصلها نايمة تحلم بالفطار الجماعي. 
قاطعته وهي تشير لهاتفه:
_شوف أرسلان اتأخَّر ليه؟. 
_عدِّيت على عمُّو، لسة صاحي، قال شوية وجاي. 
سحب الياس طبقه وهو ينظر إلى يوسف:
_إمبارح معرفناش نتكلِّم، ممكن أعرف إيه اللي هبِّبته دا إنتَ والحلوف التاني؟. 
_مش فاهم، حضرتك تقصد إيه؟.
_إنتَ هتستهبل يا ابن ميرال؟
رفع يوسف رأسه عن طبقه، واتَّسعت ابتسامته بمكر:
_مش عيب يا باشا؟ تبقى أمِّي قاعدة قدامك وتناديني "يا ابن ميرال"! دي إهانة ليك قبل ما تكون ليَّا.
لوَّح إلياس بيده باستهانة:
_ماهي الحركات القرعة دي، دي حركات أمَّك.
لم تلتفت إليه ميرال، بل ربتت على كتف يوسف بحنان، ثم قالت وهي تدفع الطبق نحوه:
_كُل يا حبيبي...ما تشغلش أبوك عن مشاويره.
التفتت ضي إلى إلياس، وابتسامة مشاكسة ترتسم على شفتيها:
_مالك يا عمُّو؟ المفروض تشكرنا.
قطّب حاجبيه:
_أشكركم على إيه يا ختي؟
_إنِّنا أنقذنا شرف العيلة.
شهق ساخرًا:
_لا يا شيخة...شرف العيلة!
اللي اتعمل دا كارثة، ليه محدش قالِّي؟.
زفرت ميرال وهي تنظر الى ضي: 
_افطري يا ضي واسكتي.
رمقها إلياس قائلًا: 
_وإنتِ مالِك على الصبح، كل اللي على لسانك "كُلوا...كُلوا"...همَّا جايين من مجاعة؟ وبعدين مالِك، بطَّلي دلع في الننوس دا داخل على الأربعين.
_إنتَ غيران يا إلياس؟. 
أردف بها يوسف وهو يغمز إليه.
_غيرة إيه يا متخلف، أمَّك اللي معرفش مالها. 
توقَّفت ميرال عن الأكل ببطء، ثم نهضت من مكانها، كانت عيناها تشتعلان بعتاب: 
_مالي، شايفني مجنونة، هقولَّك زي ضي...كتَّر خيرهم إنُّهم أنقذوا شرف العيلة... ويا عالم حضرتك مشغول بإيه!
طالعها بذهول: 
_شرف العيلة، إنتِ مدركة ابنك عمل إيه؟!.

_الله مش حضرتك يا باشا اللي حطِّيت القانون دا للعيلة، ودايمًا تقولِّي يا كبير العيلة، أديني اتصرَّفت، وأنا شايف حضرتك على رأي أمِّي مشغول. 
_إنتَ بتقول إيه يلا..قانون!.
هزَّ يوسف رأسه ساخرًا: 
_أيوة..مينفعش حد يتجوز إلَّا بالغصب علشان الجوازة تنجح..
مين فينا متجوِّز باختياره؟.
هبَّت ضي تلكزه بغضب:
_يعني إيه بقى يا حبيبي، أنا مش عجباك إن شاءلله؟.
زمَّ إلياس شفتيه وأشار: 
_رد عليها يا مغصوب.
ثم استدار إليها:
_طلَّقيه يا بت، ميستهلش حبِّك،
جتك نيلة بتحبِّيه على إيه، هوَّ مش طايقك أصلًا.
توسَّعت عيناها ترمق يوسف بغضب:
_إنتَ مش طايقني يا يوسف؟!.
ضمَّها وهو يغمز لوالده:
_ويوسف يقدر يعيش من غير ضيُّه برضو؟.
قبَّلته على وجهه.
شهق إلياس وقال: 
_قليلة حيا.
جلست مرَّةً أخرى:
_ليه يا عمُّو، مش جوزي؟. 
نظرت إلى يوسف وابتسمت: 
_وحبيبي كمان. 
_حبِّك عقرب يا بنت أرسلان، يا ختي أنا مكسوف لك.
ضحكت ميرال عليهما...التفت إلياس ينظر إليها بعتاب: 
_الحمدلله...أنا كنت نسيت ضحكتك.
صمتت وأنزلت عيناها بطبقها، كان يوسف يتابع ما يحدث، زوى حاجبيه يتساءل بينه وبين نفسه:
_لماذا عيناك حزينة يا أمِّي؟. 
ذهب ببصره لوالده الذي يتابع ميرال بصمت..قاطعه صوت أرسلان وخلفه غرام: 
_صباح الخير...آسف على التأخير. 
_صباح النور. 
ردَّت بها ميرال، أومأ الياس برأسه وقال:
_لا إحنا اللي صحينا بدري. 
فجأة انتشلهم رنين هاتف يوسف، نظر للهاتف ثم إلى والده:
_دا خالو.
_طيب رد حبيبي، ليكون حصل حاجة مع آسر.
_أيوة يا خالو.
_تعال لي دلوقتي حالًا، سيب أي حاجة بتعملها وتعال.
_طيب حاضر، فيه إيه بس؟.
_قولت لك تعال. 
نهض وهو ينظر لوالدته:
_هشوف خالو عايز إيه.
_افطر الأوَّل، وبعد كدا روح له.
_لا...شكل الموضوع ميطمِّنش.
_يمكن عرف اللي عملته يا حلَّال العقد. 
_ما أظنِّش هيعرف منين. 
_هوَّ إيه اللي حصل، أنا من إمبارح مش فاهم حاجة.
أشار إلياس على يوسف:
_الدكتور هوَّ اللي هرَّب العروسة، أصل آسر بيحبِّ آسيا وعايز يتجوِّز أختها.
شهق أرسلان ينظر بذهول إلى إلياس الذي أومأ رأسه: 
_شوفت بجاحة أكتر من كدا.
_وليه آسر عمل كدا؟!. 
_معرفش...بس والله لو عرفت قبلها لكنت علِّمته الأدب الغبي دا كمان.
_وأنا كمان، لأن الواد دا عايز شد فعلًا. 
تساءلت غرام:
_بس إزاي قدر يعمل كدا، دول أخوات، وإزاي يوسف هرَّب سدن. 
قصَّت ضي لهم كل ما صار. 
دقائق وارتفع رنين هاتف إلياس: 
_أيوة يا يوسف؟.
_بابا تعال على بيت خالو، الدنيا والعة هنا. 
نهض وهو يلقي المحرمة: 
_كنت عارف الموضوع مش هيهدى، هيولَّع أكتر.
نهضت ميرال تتشبَّث بذراعه:
_إلياس بالراحة على الولد، بيحبَّها يا إلياس، وإنتَ سمعت من ضي أهو، كان سوء فهم.
نظر ليدها ثم إليها:
_اجهزي علشان لمَّا أرجع هنمشي على الفيلَّا.
_حاضر...بس متضغطش على آسر.
هزَّ رأسه وتحرَّك، وخلفه أرسلان.
بمنزل يزن
قبل أن يشتعل الموقف أكثر، تقدم إلياس بخطوات ثابتة، ووقف بين الجميع، ثم قال بصوتٍ حاسم:
_خلاص يا أسر... طلقها، وانهي الحوار ده.
رفع أسر رأسه إليه، وعيناه لا تفارقان آسيا، ثم قال ببرودٍ أخفى تحته عاصفة:
_مش هيحصل.
زفر إلياس بضيق.
_يا أسر... متعصبنيش. أنت اتجوزتها بالغصب.
التفت أسر إليه، ثم ابتسم ابتسامة باهتة، مؤلمة.
_هي مش وقفت قدام الكل وقالت إنها موافقة؟
ثم نظر إليه بثبات.
_ومش حضرتك اللي قلت: "ادخل بالعروسة القاعة"؟
انتقل ببصره إلى أرسلان.
_عمو... اتصل بالفندق. لو ملقتوش حجز باسم العروسة، ساعتها ابقوا اتهموني.. لكن لو لقيتوا الحجز باسمها... يبقى هي اللي كانت عارفة
ثم رفع رأسه متحديًا الجميع قبلها
_واللي عنده دليل غير كده... أهلاً بالمعارك.
ارتسمت على شفتي إلياس ابتسامة خفيفة، رغم احتقان الجو.
_لا... عجبتني يا ابن يزن.
اقترب منه خطوة وهو يهز رأسه.
_بس عارف إيه اللي مضايقني؟ مش الكلام اللي قولته.
تنهد أسر، وكأنه يعرف ما سيقوله.
_عارف يا عمو...
ثم ابتسم ابتسامة واثقة، رغم الألم الذي ينهش قلبه.
_بس... أنا أشطر منك.
ضحك إلياس رغمًا عنه، ثم هز رأسه باستسلام.
_مقدرش أقول حاجة.
في تلك اللحظة، تقدم يزن، وملامحه لم تعد تحمل سوى غضب الأب وخوفه.
وقف أمام ابنه 
_أسر... البنت دلوقتي مش عايزة تكمل. حتى لو وافقت وقتها علشان الفضيحة... دلوقتي قالت لأ. خلاص... جوازك منها باطل أخلاقًا.
ثبت أسر عينيه في عيني والده.
_محصلش يا بابا.
قالها بصرامة.
_أنا مجبرتهاش على كلمة واحدة. والجواز مستوفي كل شروطه. ومحدش يدخل في السكة دي... لأن دي مراتي.
اشتعلت عينا يزن.
_يعني إيه يا ولد؟! هتخليها تعيش معاك غصب عنها؟
استدار أسر ببطء ينظر إلى آسيا، كانت تبكي بصمت، فارتجف قلبه، لكنه قال بصوتٍ خرج مخنوقًا:
_...لو اضطريت... اه

اتسعت عينا يزن بصدمة.
_إنت مجنون يلا
التفت إليه أسر، وعيناه حمراوان من القهر.
_أيوه يا بابا...
اقترب منها، وأمسك يدها بقوة، وكأن الدنيا كلها تحاول انتزاعها منه.
_ومحدش... مهما كان هيغصبني على حاجة
بدأ يسحبها معه، حاولت التملص، والدموع لا تتوقف.
صرخ يزن بصوتٍ دوى في المكان:
_أسر!
توقف لثانية.
اقترب يزن منه حتى أصبح أمامه مباشرة.
_سيب بنت عمتك.
كانت نبرته هذه المرة نبرة أب يتوسل قبل أن يغضب.
_اللي بتعمله ده غلط... متخلنيش أتعامل معاك بأسلوب مش هيعجبك.
أغمض أسر عينيه لحظة، ثم فتحهما وقد امتلأتا بالوجع.
_آسف يا بابا...
قالها بصوتٍ مبحوح.
_بس المرة دي... محدش هيقرر مكاني.
ثم تابع وهو يشد على يد آسيا أكثر.
_دي مراتي... وهرجع بيها بيتي.
تحرك بها نحو الخارج.. مع صراخ اسيا به
اندفع يزن خلفه، والغضب يعميه.
_أسر... 
لم يلتفت.
_أنا بكلمك!
واصل السير.. وفي لحظة فقد فيها يزن السيطرة، وتوقف امامه، ودون وعي رفع يده...وصفعه.
دوّى صوت الصفعة في أرجاء المكان.
شهقت رحيل وقبلها اسيا
تجمد الجميع.. وأغمضت آسيا عينيها بقوة، وكأن الصفعة سقطت على قلبها هي.
أما أسر...فلم يتحرك.
ظل واقفًا للحظة، ورأسه مائل مع قوة الضربة.
ببطء...أدار وجهه نحو والده.
كانت آثار الأصابع ترتسم على وجنته، لكن ما كان يحرقه لم يكن الألم...
بل أن اليد التي صفعته...كانت يد أبيه.
نظر إليه بعينين امتلأتا بوجع طفلٍ انكسر، لا رجلٍ تلقى صفعة.
ابتسم ابتسامة موجوعة.
ثم قال بهدوءٍ كسر قلوب الواقفين:
_أول مرة... تمد إيدك عليّا يا بابا.
ارتعشت يد يزن فورًا، وكأنه أدرك ما فعل.
لكن أسر لم يمنحه فرصة للاعتذار.
خفض رأسه لحظة، ثم تمسك بيد آسيا بقوة أكبر، كأنه يستمد منها القدرة على الوقوف.
_اسف يابابا...قالها دون أن ينظر إليه.
بس حتى لو الدنيا كلها وقفت قدامي... مش هسيبها.. تحرك من جديد.
حاول كريم وإلياس الاقتراب لإيقافه، فاستدار إليهم بعينين تقدحان نارًا.
_محدش يقرب.
قالها بصوتٍ مخيف.
ثم أكمل وهو يحدق في الجميع واحدًا واحدًا.
_كفاية.
_كل واحد فيكم شايف نفسه بيدافع عنها... وأنا الوحيد اللي محدش سأل قلبي عامل إزاي.
ازدادت قبضته حول يد آسيا.
_دي مراتي...
قالها وكأنها آخر ما يملكه في الحياة.
_وهفضل متمسك بيها... حتى لو كرهتني... حتى لو فضلت تعاقبني العمر كله.
ثم نظر إلى آسيا، وانكسر صوته
_ريحي نفسك وريحي الكل 
سحبها معه حتى وصل إلى السيارة، فتح الباب وأجلسها رغم مقاومتها، ثم أغلقه بعنف.
في تلك اللحظة وصل يزن مرة أخرى، يضرب بيده على باب السيارة.
_أسر... افتح الباب!
أدار المحرك.
_افتح الباب بقولك!
رفع أسر رأسه إليه، ونظراته تحمل ألف كلمة لم يستطع نطقها.
ثم ضغط على دواسة الوقود.
وانطلقت السيارة بسرعة جنونية، تشق طريقها خارج بوابات الكمبوند...
بينما بقي يزن واقفًا في منتصف الطريق، ينظر إلى أثر السيارة بعينين امتلأتا بالعجز... والخوف على ابنه قبل خوفه على ابنة أخته 
سقطت ايمان على ركبتيها تبكي 
كل هذا والجميع وقف عاجزًا عما صار
التفت الياس الى يوسف، يهز رأسه بعتاب 
اقترب من والده
_مكنتش متصور الامور هتتعقد كدا
_دا جواز يادكتور ومن القرايب، وللاسف غلطت، بص شوف الكل ازاي 
_خلاص ياالياس اللي حصل حصل 
_كلم مالك ياارسلان، خليه يشوفه فين ويراقبه من بعيد، مش عايز الولد يتأذي 
_حاضر... بس عايزين نهدي الدنيا دي، هنعمل ايه 
هز رأسه بتيه
_مش عارف، يزن الوحيد اللي يقدر يحسس اخته ان بنتها في امان، الولد بيحبها فعلًا 
نظر بساعة يده وقال
_انا لازم اروح لبابا من امبارح وانا هنا، وفيه جلسة كيماوي المفروض ياخدها 
_يلا... يايوسف، وانت يارسلان اتكلم مع يزن وكريم، وكلمتين على اسر علشان الدنيا تهدى ويزعلوش من بعض 
_متقلقش هتصرف 

بعد فترة بفيلا السيوفي 
كان يقص ماصار لوالدته ماحدث بالزفاف 
ومافعله اسر صباح اليوم 
ربتت فريدة على ذراعيه
_متزعلش من يوسف، هو فكر صح، بس مكنش يعرف ايه اللي يحصل 
مسح الياس على وجهه
_المشكلة هتيجي في يوسف، كريم بس لسة تحت الصدمة، عارف يوسف كانت نيته طيبة، بس كان عايز يفكر اكتر 
هشوف بابا عامل ايه 
امسكت كفيه وتحدثت بنبرة لينة: 
_باباك تعبان أوي ياالياس، المرض سيطر عليه، هو مش عايز يروح مستشفيات، بلاش تتعبه ياحبيبي 
_وأنا مش هسيبه يتألم كدا
توقفت بمقابلته ودمعت عيناها
_هو من جهة الألم بيتألم اوي، بس مش قادرة اعترض على حكم ربنا 
قالتها وانزلقت دموعها تتدحرج على وجنتيها 
ضمها الياس الى أحضانه
_مابلاش يامدام فريدة تخليني اتأثر، قلبي بقى رهيف ودا مش في قاموسي
لكزته مبتسمة... انحنى وقبل رأسها 
_ربنا يخفف عنه إن شاء الله، المهم متعود على قوة ايمان فريدة السيوفي، اوعي ايمانك بربنا يضعف ياماما، لاني وقتها هنهار
_بعد الشر عليك من الانهيار ياحبيبي، ربنا يقويك بالصبر 
_اللهم امين يارب العالمين
بغرفة مصطفى 
كان يجلس إلى جوار جده، على طرف الفراش، يراقب وجهًا أرهقه المرض، لكنه ما زال يحتفظ بهيبة رجلٍ كانت الدنيا تهاب حضوره.
ابتسم بخفة وهو يحاول أن يخفف عنه، وقال مداعبًا:
_أمال يا جدو... هو حفيدك قليل ولا إيه؟
ارتسمت على شفتي مصطفى ابتسامة واهنة، بالكاد ظهرت وسط شحوب وجهه، ثم قال بصوتٍ أثقله التعب: 
_ربنا يسعدك يا حبيبي... ويرزقك باللي يجبر قلبك ويطيب خاطرك.
انحنى يوسف يقبل جبينه بحنانٍ امتزج بالخوف.
_اللي يطيب خاطري... وجودك وسطينا يا جدو. أوعى تستسلم للمرض... طول عمري شايف مصطفى السيوفي أقوى راجل في الدنيا، والمرض عمره ما كسر راجل زيك.
ابتسم مصطفى، رغم الألم الذي ينهش صدره. 
_إنت اللي بتقول كده يا دكتور؟... أمال لو مكنتش دكتور كنت هتعمل إيه؟
قبض يوسف على كفيه بين راحتيه، واغرورقت عيناه بالدموع. 
_علشان أنا دكتور... عارف إن الأمل بيعيش لآخر نفس... ومش هسمحلك تيأس.
تأمله مصطفى طويلًا، ثم رفع يده المرتجفة وربّت على كفه. 
_ربنا يفرح قلبك يا ابن إلياس... ربنا يرزقك فرحة تنسيك كل وجع شوفته في حياتك.
لم يستطع يوسف أن يمنع دمعة خانته، فانزلقت على وجنته في تلك اللحظة دخل الياس

وميرال وفريدة.

مسحها سريقا، لكن عين ميرال التقطتها.

اقتربت وهي تبتسم رغم اختناقها.

ايه يا سي بابا... كده مزعل البيت كله ؟ قوم بقى ... البيت من غير صوتك وحش.

أشار إليها بيده الواهنة.

تعالي جنبي يا ميرال

جلست إلى جواره، أمسكت يده، ثم رفعتها وقبلتها.

ربنا يخليك لينا يا حبيبي

ابتسم والدموع تملأ عينيه .

ويبارك لك في جوزك وابنك

نظر إليها طويلا، وكأنه يحفظ ملامحها للمرة الأخيرة.

خلي بالك من أمك .... اوعي جوزك يزعلها

تم رفع بصره نحو الياس

ظل ينظر إليه صامنا

قال بصوت متقطع:

الياس...

تنهد مصطفى، وكأن كل نفس يخرج منه يحمل قطعة من عمره.

إياك.... تزعل ميرال لو زعلتها، هزعل منك وأنا تحت التراب.

ابتسم مصطفى ابتسامة موجوعة.

اختنق الياس، واستدار يعطيه ظهره، يخفي دموعا لم يعد قادرا على حبسها.

لم يحتمل الياس، فانحنى يقبل يده

ايه يا ابن مصطفى؟ كبرت على أبوك.... ولا مش عايز تسمع آخر وصية ؟

رفع مصطفى يده المرتجفة وربت على يده

مالك يا مصطفى طيب بتدلع عليهم وقولت ماشي، بتدلع على بردو

مهما كبرت يابن مصطفى هتفضل في عيني الطفل اللي كنت بفهمه من نظراته مهما حاول

وانت مهما تقول يا مصطفى هتفضل اعظم راجل في الدنيا الالياس

رفع عيناه الى فريدة التي افتريت منه

نظر إليها بحنان عمر كامل.

فريدة

ملست على شيبه وتمتمت

حياة فريدة الجميلة اللى عاشتها يا مصطفى

ابتسم بحنان اليها

كنت نعمة الزوجة ونعم الام لاولادي يا فريدة، ربنا يسعد قلبك يا فريدة زي ما اسعدتي ولادي

وضعت رأسها على رأسه وضمته بذراعيها

ولادنا يا مصطفى، الياس واسلام وغادة وميرال كانوا ولادنا

اغمض عيناه

ثم سأل وكأن قلبه ما زال متعلقا بكل فرد منهم.

إسلام .... لسه مجاش وغادة؟

ردت میرال بصوت مبحوح

جايين يا بابا... طيارتهم بالليل، متزعلش الموضوع مش سهل وايام دراسة

أوما برأسه في هدوء، ثم عاد ينظر إلى ميرال.

أنا عارف إنك مش محتاجة أوصيك على أمك .... بس أوصيكي عليها تاني.

ثم التفت إلى إلياس مجددا.

سبوني مع الياس شوية

نظر يوسف لصوت جهاز القلب، وتابع أنفاس جده، انفاس رجل أنهكه العمر.

جدو حبيبي ارتاح دلوقتي، ويبقى كلم بابا بعدين

أغمض مصطفى عينيه للحظات، ثم فتحهما بصعوبة وقال بصوت خافت:

كلم شمس يا يوسف وهات اخواتك كلهم، لمهم يا حبيبي، عايز اشوفهم كلهم

ابتلع ريقه بصعوبة، وارتعشت شفتاه.

انفجرت ميرال بالبكاء... بينما ظلت فريدة تطلع اليه بملامح ثابتة، دون ان تنزل دمعة من عيناها

أما يوسف، فظل ممسكا بيد جده بقوة، وكأنه يحارب القدر براحتيه، يرفض أن يصدق أن اليد

التي كانت يوما تحمله صغيرا ... أصبحت الآن تستند إليه، وتوشك أن تفلت منه إلى الأبد.

حاضر حبيبي هكلمهم كلهم، بس ارتاح انت

سبيني مع ابوك يا يوسف

اطلع يا مصطفى... تمتمت بها فريدة وهي تنظر اليه

مش كثير يا ام الياس عايز اتفرد با ابني شوية

بكلية الإعلام

خرجت متجهة للكافتريا، وهي تتحدث بالهاتف لاخيها

لسة عندى سكشن بعد ساعة، وزهقانة وصحيتي مجتش النهاردة

طيب تعالي لعندي لما محاضرتك تبدأ

انت عندك محاضرة دلوقتي

لا حبيبتي بشرب قهوتي، لسة قدامي ساعتين

طيب تعالى عندي في الكافتريا

نظر بساعته ثم نهض

طيب اطلبي قهوة لما اجي بس خلي بالك انت قاعدة مع دكتور يعني العيون كلها هتبقى

علينا عمران حاضر ابتسامة طفولية، ولم تننبه

ضحكت برقة وقالت.

طيب ياسيدي لي الشرف

في تلك اللحظة ترجل من سيارته وهو يتحدث بهاتفه، مع نزل ادم من سيارته هو الآخر

توقف عمران امامه

اهلا بحضرتك، وانا بقول الجامعة منورة ليه

اهلا بيك يابني، انت بتعمل ايه هنا

انا دكتور في الكلية

معقول ... انت مش سياسة واقتصاد، على ما اظن والدك قالي حاجة زي كدا

اوما له وهو بيتحرك بجواره

ايوة ... بس بدرس هنا نظم سياسية

ابتسم ادم بمحبة

ربنا يوفقك .... أشار عمران الى الكلية

فيه حاجة هنا ولا ايه

اللي مزعلها

لا ياسيدي، فيه دكتور مزعل بنتي ولسة عارف النهاردة، حبيت اعملها مفاجأة واشوف مين

بنت حضرتك في اعلام

اوما له، ثم رفع هاتفه وقام الاتصال بفرح

انت فين بابا

صمتت تستمع لوالدها

في الكافتريا في الكلية، ليه بتسأل

طيب اطلعي أنا قدام الباب الرئيسي

التفت الى عمران

خلاص يا حبيبي علشان معطلكش على محاضراتك

لا مفيش عطلة.... لحظات ووصلت فرح وهي تتحدث مع رائد، اقتربت من والدها على وجهها

لوقوف عمران

سيادة الدكتور العظيم بنفسه في الجامعة

ابتسم لها وحاوط ذراعيها

بتعملي ايه

كنت منتظرة رائد في الكافتريا نشرب قهوة لموعد المحاضرة

قرص وجنتيها

بقى يبقى فيه دكتور مزعلك ومتعرفيش بابا

قطبت جبينها

مين قال لحضرتك الموضوع مش مستاهل... في تلك اللحظة وصل رائد

لما قالت لي مصدقتش يادوك

مش لما تخبي على ابوك امور مهمة يبقى لازم اتصرف يا حضرة المهندس

مش فاهم.... التفت الى عمران الذي وصل مع انتهاء مكالمته، توقف ينظر الفرح بذهول

اهي دي بنتي يا عمران، ورائد ابني الكبير

دكتور عمران یاراند اخو حمزة جوز شمس

دي بنتك... ودا ابنك

بعد اسبوع

توقفت تعقد ذراعيها أمام صدرها تتابع جلوسه على شاطئ البحر

دلفت الداخل الشاليه، ومنه الى داخل المطبخ، وجدته يضع الطعام ككل يوم

زفرت ثم دفعته بيدها، واستندت بذراعيها على الرخامة

وارتفعت انفاسها، فمنذ وصولهم لهذا المكان، وتهديدها له بفضحه اذ لم يطلقها، وسبه بالخائن، لم

على شاطئ البحر ينظر اليه بصمت قاتل

يتحدث معها اطلاقا، يضع الطعام ويخرج من الصباح ولم يعود سوى مساء، طيلة الايام يجلس

شعرت بالالم تسلل لضلوعها، حين احست أنها لم تعد تقدر على البعد عنه أو الاقتراب

حرب شعواء بين قلبها وعقلها

استمعت الى صوت الباب لحظات ودخل اليها، نظر للطعام فوجده مثلما وضعه

اتجه إلى الطاولة ووضع الطعام عليها، ثم اشار اليها

اقعدي كلي ما تفكريش لما ماتكليش هعمل اللي انت عايزاه

انا عايزة ارجع بيتي وبس

جلس ولم يرد عليها، صرخت بصوت مرتفع

بقولك عايزة ارجع، مش عايزة اقعد معاك

مفيش رجوع، والاحسن تتعودي على وجودي

يعني إيه هعيش معاك طول العمر غصب

اه

انت بتحلم انا همشي متفكرش انك تجبرني على حاجة انا مش عايزة اكمل معاك

وانا مش عايز اتكلم في الموضوع دا تاني

رفع عيناه اليها

مفيش فراق غير بالموت يا اسيا

تقصد ايه

يعني زي ما اسمعتي مفيش بعد غير على نقالة، يعني تطلعي متشالة

آثار عقلها حتى اصابها الجنون، فدفعها لسحب مفرش الطاولة الذي يوضع عليه الطعام

انت واحد مجنون

نظر للطعام الملقى على الأرض، ثم إليها

كدا ترمي نعمة ربنا على الأرض.

جحظت عيناها وشعرت بنيران تلتهم جسدها من ردوده المستفزة

أنا بقولك طلقني، وإلا

دفع المقعد ونصب عوده متجها إليها

وإلا ايه.. هتعملي ايه اكثر من اللي عملتيه، كملي عايز اسمع، هتعملي ايه

هفت لك

للحظات نظر إليها بذهول، لما بصفته

هل استطاعت ان تلفظها، أم أن عقله

خيل له نطقها

دلت منه حين وجدت ذهوله

مطلقني وتحترم بعض وإلا

بلف للداخل للحظات، ثم خرج يحمل سلاحه، والقاه بقوة عليها

لا.. عايزك تبقى ارملة

نظرت للسلاح الملقى تحت قدميها، ثم إليه

جلس أمامها واشار بعيناه للمقعد

دا الوحيد خلاصك مني خلي عندك شجاعة، استني

توقف واتجه الى احد الدفاتر وسحب قلها ودون

انا الذي قمت بقتل نفسي

اسر الشافعي

اشار إليها بالورقة

ودا اعتراف مني يعني مش هتدخلي السجن

يلا... اصل الاختيارين عندي واحد، مش فارقة

انتقض جسدها من اعترافه

طلقني يا متر.... بلاش نكره بعض لو سمحت

اشار اليها وصاح بصوت مرتفع بعدما فقد السيطرة

قولت لك حلك الوحيد عندك لو مش عايزة موتيني لو القتل مش حرام كنت قتلت نفسي

وريحتك وريحت الكل

انت ليه بتعمل كدا

تمتمت بها بيكاء

نظر لعيناها

علشان بحبك، وعارف اني غلطت بس مكنتش اعرف انك قاسية اوي كدا

يعني مفضل مجبورة معاك

تراجع بجسده على المقعد

لو منك كنت اطلقت رصاصة الرحمة وريحتك مني.. عارفة لو عملتيها هتأكد انك مش

بتحبيني

أنا فعلا مش بحبك

رغم انها اخترقت جدران قلبه إلا أنه ابتسم

كذابة ... نظرت السلاح ثم اليه، انحنت و امسكته

لا أنا فعلا... مش بحبك يا اسر

ارتفعت ضحكاته حتى ادمعت عيناه

قولتي يا اسر... فجأة صمت كل شيئا، ولم يسمع سوى بكاؤها

تعليقات