رواية شظايا قلوب محترقة ( وكأنها لي الحياة ) الجزء الثانى الفصل الخامس والثمانون 85 بقلم سيلا وليد


 رواية شظايا قلوب محترقة ( وكأنها لي الحياة ) الجزء الثانى الفصل الخامس والثمانون 

ليس كل جرح يرى.... فبعض الجروح تختبئ خلف نظرات باردة، وكلمات قاسية، وتصرفات لا

تشبه أصحابها.

فلا يكون أقسى ما يفعله الإنسان بمن يحب... هو أن يتركه، بل أن يبقى بجانبه وهو يؤلمه، أن يصبح القرب أشد قسوة من البعد، وأن تتحول الذكريات الجميلة إلى سلاح يشهره كل منهما في وجه الآخر.

كانا يظنان أن العناد قوة ... وأن القسوة انتصار، وأن من يتألم أقل هو من يفوز.

لكن الحقيقة أن كليهما كان يخسر شيئا من نفسه مع كل كلمة جارحة، مع كل نظرة عتاب، مع كل

محاولة لإثبات أنه الأقوى.

فهو جرحها حين ظن أن الحب يمنحه الحق في الاحتفاظ بها رغم المها... وهي جرحته حين حاولت الهروب منه بكل الطرق، حتى تلك التي كانت تعلم أنها ستحطم قلبه.

وبين قلب يصرخ: "سامحني .... وكبرياء يهمس: "لا تظهر ضعفك"، ضاعت منهما أبسط

الأشياء.... لحظة صدق واحدة كانت كفيلة بأن تنقذ كل شيء.

فما أقسى أن يكون الشخص الذي تبحث عنه هو ذاته الشخص الذي تهرب منه، وما أصعب أن

تشتاق لمن جعلك تبكي، وأن تبكي بسبب من لا تستطيع التوقف عن حبه.

رفعت السلاح بيد مرتجفة، وتبنت عيناها عليه، بينما كانت كلماته تتردد داخلها كصدى لا ينتهي: هتبقي أرملة.

لم تكن جملة ... كانت حكما.

أغمضت عينيها بقوة، وكان قلبها تلقى صفعة موجعة .. كيف لها أن تضغط على الزناد، كيف تقتل الرجل الذي رغم كل ما فعله بها، ما زال قلبها يرفض أن يكرهه ؟

تعالت همسات قلبها فوق ضجيج عقلها.....

هتبقي أرملة... أسر هيموت .... حبيبك هيموت بإيدك.

ارتخت أصابعها فجأة، وسقط السلاح على الأرض بصوت دوى في الغرفة، لكنه كان أهون من الانهيار الذي دوى داخلها.

هوت على ركبتيها، ثم انهارت تبكي بحرقة، شهقاتها كانت تخرج كانتزاع الروح من الجسد. ظل ينظر إليها بصمت......

ذلك المشهد الذي كان يتمناه يوما أن تعترف بأنها لا تستطيع فقدانه، جاء أخيرا... لكنه جاء بعد أن لونته خيانته.

اقترب منها ببطء، وجلس أمامها .. لم يجد كلمة تداويها، فالكلمات ماتت منذ اليوم الذي كسرها فيه.

فتح ذراعيه بصمت.. وسحبها إلى أحضانه، لم تقاوم.

ارتمت باحضانه غرقت ولم تجد سوى صدره لينقذها. تشبعت بقميصه بكل ما بقي فيها من قوة.

تبكي كما لم تيك من قبل.

أما هو .....

فأغلق عينيه، وضفها بقوة مرتجفة، كان حضنها هو الشيء الوحيد الذي أبقاه حيا.

يا للمفارقة ....

المرأة التي خانها، ما زالت ملاذه الوحيد.

والرجل الذي خانها، ما زال قلبها يركض إليه كلما انهارت.

دفنت وجهها في صدره وهي تتمنى لو يتوقف الزمن... لم تعد تريد تفسيرا، ولا اعتذارًا، ولا حتى عدلا....

كانت تريد فقط أن يصمت قلبها.

لكن قلبها كان أكثر الناس عنادا.

بعد دقائق، شعر أن جسدها لم يعد يقوى على كل هذا الانكسار، فنهض بها بين ذراعيه، يحملها

برفق وكأنها قطعة من روحه يخشى أن تتفتت.

وضعها على الفراش، وجلس إلى جوارها، يمرر أصابعه بين خصلات شعرها في صمت.

أغمضت عينيها بإصرار، لم تكن تخشى النظر إليه... بل كانت تخشى أن ترى في عينيه ذلك

الرجل الذي أحبته، فتسامحه قبل أن يسامحها عقلها.

ظل يحذق في ملامحها المنهكة طويلا.

تم همس بصوت مكسور، لم يعد يشبهه:

أنا تعبت يا آسيا، كفاية بقى هنفضل لحد امتى كدا؟.

ارتجفت شفتاها، رغم أنها لم تفتح عينيها.

أكمل وهو يبتسم ابتسامة موجوعة:

أنا عملت دا علشان تبقي ملكي، ليه قولتي كدا، كنت عايزة تلعبي بقلبي، ليه.. حتى الفكرة

نفسها ديحاني.

انحنى يضع رأسه فوق رأسها :

قلبي هان عليكي علشان كدا فكرتي.

متعرفيش قلبي دا ملكك من زمان

انسابت دمعة ساخنة من تحت جفنها المغلق.

فتح عينيه ببطء يحدق فيها، ثم همس بصوت متعب بالكاد وصل إليها:

لو تعرفي أنا بحبك قد ايه.... كنت عرفتي اني بموت من حالتك دي.

مزر أنامله بين خصلات شعرها، ثم على وجنتها، يتذكر صورها التي تملاً هاتفه .. توقفت أصابعه عند شفتيها المجروحتين من عنقه معها، مرر إصبعه ببطء عليها، تملى أن أول قبلة بينهما تكون

بمذاق خاص تردد للحظة ... لحظة واحدة فقط، انحنى دون تفكير.. يلمسها بشفتيه

لكنها، ما إن شعرت بقربه، حتى فتحت عينيها فجأة.

لیذكرها عقلها أن هذه المشاعر ليست سوى خدعة يخدع بها قلبها ... اعتدلت تنظر اليه، حقيقة

زواجهما تمزقها .. رفع كفه على وجهها:

آسيا.... كفاية لو سمحتي.

ابتعدت عنه بسرعة، ورفعت يدها المرتجفة تشير إلى الباب.

وقالت بصوت مبحوح، تختلط فيه الدموع بالكبرياء:

اطلع برة....

ظل يحدق فيها، عاجزا عن الحركة، وقلبه ينهار بصمت.

ضربت بكفيها على الفراش وهي تصرخ

اطلع برة بقولك !

زفر بقوة يحاول ابتلاع غضبه وألمه معا، ثم قال وهو ينظر إلى عينيها الغارقتين بالدموع:

هنفضل كده لحد امتى؟

ضحكت بسخرية موجوعة

لحد ما تطلقني.

تصلب فكه، واشتعلت عيناه في لحظة .. وقبض على ذراعيها:

متجيبيش سيرة الطلاق تاني

قالها بصوت منخفض، لكنه كان أخطر من الصراخ.

ولو سمعتها منك مرة كمان .... مش هضمن رد فعلي.

نزعت ذراعها من قبضته بعنف، وعيناها تقدحان نازا

مطلق منك ... مطلق منك.... هطلق منك!

كانت تكررها وكأنها تنتقم من قلبها الذي يصرخ بجنون عشقه علها تخرس نبضه.

انحنت تغرس عيناها في عينيه

بينما هو نظر اليها بصمت مريب، فكل كلمة كانت تغرس سكينا جديدا في صدره.

مطلقني بالذوق بالعافية مطلقني، وخططك دي خليها للي هتكمل معاك.

لحظة واحدة فقط كفيلة يسحبها من عنقها بقوة.

طيب اسمعيني بقى علشان أنا صبري نقد...

الليلة هنتقم جوازنا....

شهقت تنظر اليه بذهول، وبلحظة سحب حمالة قميصها لتقترب منه لا إراديا.

مادام قلبي مش شفيع لك يبقى استحملي.

وانت بقى مفكر كما إنك راجل ؟.

لحظة صمت مربية بعد كلماتها، ولم تشعر سوى باحمرار عينيه وانتقاض عروقه.

أنا مش راجل ؟!

تمتم بها بهسيس مرعب حتى خشيت من حالته، تراجعت، ولكنه صحبها بقوة من ساقيها،

لتسقط على ظهرها، حاوط جسدها بذراعيه

أنا مش راجل ؟.

صمتت وتجمعت الدموع في عينيها وارتجفت شفتيها، وفقدت النطق.

انحنى يمشط نظراته على جسدها بوقاحة:

قدامك ساعة واحدة.

مفكر كدا هحبك يعني إنت كدا بتكرهني فيك.

دنا من شفتيها يلمسها :

بتحبيني يا آسيا، متأكد من دي.

وضع كليه فوق نبض قلبها، ونظر لعينيها:

لو إنت بتكذبي، فدا ما بيكذبش.

حتى لو بموت فيك مش هكفل معاك موافقة أتعذب، وأعذبك... لازم أعذبك كدا.

تعذبيني..!!

قالها وهو يمزر يده بفتحة قميصها، لتشهق محاولة الابتعاد عنه، ونظراته لها أرعبتها.

هو فيه أكثر من كدا عذاب، لما واحد يبقى حبيبته بين ايديه، وبيموت فيها ومش قادر يقرب منها.

ملس بإيهامه على طرف شفتيها المجروحتين، وكأنه يحاول أن يمحو الألم الذي كان هو

سببه.. اقترب منها ببطء، سحبها، ثم احتواها بين ذراعيه، وأودع على جبينها قبلة مرتجفة.

حملت كل ما عجزت الكلمات عن قوله، اعتذارًا، وغيرة، ولهفة.

أغمضت آسيا عينيها، لا لأنها استسلمت، بل لأن قلبها خانها .. كان يخفق بعنف حتى ظلت اله سيفضحها، بينما ارتجفت أنفاسها من قربه المهلك لقلبها، وأحست بأن المسافة التي حاولت

صنعها طوال الأيام الماضية تنهار الآن.

أما هو، فكان يقاتل نفسه.. كل ذرة فيه كانت تدفعه لامتلاكها:

مش هتنازل عنك مهما يحصل.

رفع ذقتها وأبحر بعينيها:

مستعد أدفع حياتي كلها، لنظرة من عيونك.

انتفض جسدها من همسه المهلك, تملت أن تصرخ بحبه، تعانقه، تقبله.

دنا حين وجد صمتها يقتطف قبلة ناعمة, أغمضت عيناها وانتفض قلبها قبل جسدها، لكن

دموعها التي لمعت كاللؤلؤ على وجنتيها، جقدت جسده، وآلمت قلبه.

ابتعدت تحتضن نفسها ...

وما إن لمح خوفًا حقيقيا يمر في عينيها، حتى توقف فجأة، كان أحدهم انتزع روحه من بين ضلوعه.

شدت الغطاء حولها بارتجاف، وانهمرت دموعها في صمت موجع، لم تكن تبكي كرها له ... بل لأنها لم تعد تعرف كيف تقاوم ضعف قلبها أمامه.

اقترب بخطوات بطيئة، ثم جثا أمامها، تاركا بينهما مسافة امنة، يخشى أن يزيد وجعها

أكثر.. رفع عينيه إليها، وكانت ملامحه لأول مرة خالية من العناد، لا يسكنها سوى الانكسار.

قال بصوت مبحوح، يكاد يختنق

آسيا... متبضيش لي كدا ... أنا أهون على أخسر الدنيا كلها، ولا أشوف النظرة دي في عينيك.

اختنق صوته وهو يكمل:

أنا بحبك ... ويمكن لأول مرة في حياتي أعرف يعني إيه الواحد يبقى خايف من الست اللي

بيحبها ... خايف يوجعها، أو يخسرها، أنا فعلا خايف.

ظل ينظر إليها طويلا، ثم همس وكأنه يناجي قلبها لا أذنها:

آسيا ... قالها وهو يرفع ذقنها :

عايزك متفكريش في غير إنك هتكوني جوا حضني، حتى لو مش موافقة، أنا مستحيل أتنازل عنك ...

دفن رأسه بصدرها:

حسي بيا بقى.. تعلقت الأعين ببعضها:

لو سمحاني.

لحظة ضعف واحدة، رفعت كفيها تضعها على رأسه، ولكنها سحبتها وقالت:

اطلع برة... يا متر.

همس اسمها بصوت أجش اختلطت فيه اللهفة بالخذلان :

آسيا... متعمليش كدا.

كانت بخة صوته وحدها كافية لتخبرها أنه يقف على حافة الانهيار، وأن قربها سيعيده.

نظرت إليه وإلى حالته التي وصل إليها.

مزرت أناملها على وجنتيه، واقتربت تهمس أمام شفتيه:

بتحبني ومش قادر تبعد صح؟.

أوي.. بحبك أوي.

والله طيب ليه عذبتني ليه وجعتني تعرف حشيت بايه كل لما كنت بشوفك. أغمض عيناه وهمس بأسف:

خدي حقك مني بالطريقة اللي تعجبك، بس وإنت في حضني.

ضفت وجهه وغرقت بعينيه ليقترب منها أكثر ويهمس لها بكلمات العشق، مع لمساته وقبلاته.

ابتعدت فجأة تنظر للحالة التي أوصلتها له.

للحظة .... شعرت بانتصار مرير، أخيرا أوصلته إلى الوجع الذي تجرعته وحدها، إلى تلك اللحظة

التي يصبح فيها الحب عذابا لا يحتمل.

لكنها دفنت ذلك الشعور سريعا، وقست ملامحها وهي تقول ببرود قاتل:

أنا مش عايزاك.....

کلمتان فقط ... لكنهما كانتا كرصاصتين استقرتا في قلبه.

قبل لحظات، كان يشعر أن قلبه يحلق في سماء العشق، وأنها بدأت تعود إليه ... لكن بكلماتها هوت

به من أعلى السماء، ودفنت أحلامه وهو ما زال يتنفس.

ارتعشت ملامحه للحظة، إلا أنه ابتلع انكساره سريعا.

تراجع خطوة، يمرر يده في شعره بعنف، يحاول أن يتمشك ببقايا عقله. ثم قال بصوت مكسور

ليه يا آسيا.. ليه مصممة تشوفي أسوأ نسخة مني ؟

رفعت رأسها إليه:

علشان تتعذب في ما عذبتني، ولسة يا متر.

اعتدل في وقفته ببطء، ورفع رأسه محاولا أن يجمع شتات كرامته التي مزقتها كلماتها، بينما

قبضت أصابعه في صمت حتی ابیضت مفاصله

نظر إليها طويلا... نظرة رجل أحب حتى استنزف آخر ما فيه، ثم أدرك أن الحب وحده لا يكفي.

وبصوت خافت أثقلته الهزيمة، قال:

تمام.... هخرج.

استدار بخطوات بطينة، وكل خطوة كانت تنتزع قطعة من قلبه، لكنه لم يلتفت إليها هذه.

المرة... لأنه كان يعلم أن الالتفات قد يهدم آخر ما تبقى له من كبرياء.

أوقفه رنين هاتفه، تأقف حين وجده بلال وضعه ولم يجب، ولكن الحاج بلال مرة أخرى، جعله

يخرجه

أيوة.

انت فين معقول أسبوع وما تتصلش ؟.

عايز ايه يا بلال، مش فاضي لك.

لازم ترجع حالا، أنا مردتش أكلمك بس جدو مصطفى بيودع وكلنا هناك، يعني يا تلحقه يا

متلحقهوش، وعلى فكرة كان طلب من يوسف يجمعنا كلنا من كام يوم بس مردناش نكلمك

و امبارح بالليل صال عليك.

مسافة الطريق، هشوف بس فيه طيارة ولا لا.

ليه إنت فين؟.

لو مالقتش طيران عرفني، وهخلي بابا يتصرف.

تمام.

الساحل.

التفت إلى الباب الذي ما زال مفتوحًا، ثم تراجع خطوتين، وجدها ما زالت بمكانها، ولكنها تحمل

سترته وتضفها إلى صدرها تدفن رأسها كأنها تستنشق رائحتها.

تراجع واستند بظهره على الباب، وقلبه يشتعل بنيران حبها، كور قبضته، وارتفعت أنفاسه، حتى

شعر بارتفاع وهبوط صدره، ماذا يحدث إذا دلف إليها وأغرقها بعشقه الآن، يعلم أنها عنيدة.

وكبرياءها يسرق كلمات الاعتراف، ظل لدقائق ولم يشعر سوى بدقات عنيفة على ما يشعر به.

أصدر صوتا، فألقت سترته وابتعدت عن الفراش، دلف وتوقف ينظر لسترته التي ألقتها بعيدا، ثم

رفع عيناه المتألمة إليها:

اجهزي هننزل القاهرة، جدو مصطفی تعبان ولازم ننزل

تطلقني قبل ما ننزل.

غيري... متخلنيش أخدك كدا.

قالها واستدار للخارج.

بفيلا السيوفي...

في الحديقة، كانت غادة تستند إلى صدر أخيها إسلام، تبكي بصمت موجع، وكأن دموعها

اعتذارات تأخرت كثيرا.

تمتمت بصوت مرتعش

إحنا قضرنا مع بابا أوي يا إسلام .... كل واحد انشغل في حياته وسابه... تفتكر زعلان مننا ؟

ريت على ظهرها بحنان بينما كانت عيناه هي الأخرى ممثلتتين بالدموع

لا يا حبيبتي... بابا عمره ما زعل مننا، كان عارف ظروفنا.

رفعت وجهها إليه، وقد احمرت عيناها من البكاء:

بس قلبي واجعني... حاسة إلى كان المفروض أفضل جنبه أكثر .... شوف إلياس... ما سبهوش

لحظة، وإحنا....

ضم وجهها بين كفيه:

اوعي تعذبي نفسك ... السفر كان علشان بنتك.... وبابا أكثر واحد كان هيقولك روحي، متحمليش

قلبك فوق طاقته.

قطع حديثهما صوت الياس الصغير وهو يركض :

بابا ... تينا بتنادي حضرتك.

وفي تلك اللحظة جاءت ملك تحمل كوبا من العصير:

عادة ... اشربي كام رشفة بس.

هزت رأسها بالرفض :

والله ماليش نفس .... نفسي أشوف بابا يقوم ويزعقلي زي زمان

اختنق إسلام، ثم التفت إلى زوجته:

خليكي معاها يا ملك.... هشوف ماما.

أومأت له وهي تحتضن غادة في صمت.

في غرفة مصطفى....

يجلس الياس بجوار والده، يمسح قطرات العرق عن جبينه بمنشفة صغيرة.

فتح مصطفى عينيه بصعوبة، وتمتم بصوت واهن يسمع:

.... الياس ...

اقترب منه سريعا.

أنا جنبك يا حبيبي.

حزك شفتيه بصعوبة

ساعدني ... أصلي.

استدار إلياس نحو يوسف، فوجده واقفا عند الباب، عاجزا، والدموع تملأ عينيه.

يوسف... تعال يا ابني... اسند جدك.

لكن يوسف ظل مكانه ....

كان يشعر أن كل خطوة يخطوها نحو سرير جده، تقربه من لحظة لن يستطيع احتمالها.

دكتور مش سامعني ؟.

اقترب أخيرا ... وجلس بجوار مصطفى.

أمسك كفه المرتعشة، ورفعها إلى شفتيه يقبلها طويلا.....

دون أن ينطق بكلمة.

فتح مصطفى عينيه بصعوبة، وكأنه يحاول أن يتبين ملامحه.

ثم ابتسم ابتسامة واهنة:

ربنا ... يفرح قلبك... يا ابن إلياس.....

انكسرت دموع يوسف .....

وأدار وجهه حتى لا يراه أحد يبكي.

دخل إسلام مسرعًا، وجنا أمام والده:

حبيبي ... محتاج حاجة ؟

هز رأسه ببطء:

اقترب أكثر:

متسافرش تاني... خليك جنب إخواتك.....

وجنب أمك.

شهق إسلام، وأمسك يد والده يقبلها :

حاضر يا حبيبي ... والله حاضر.

حاول إلياس الصمود فمد يده يناوله المنشفة:

رد اسلام بحزن

إسلام ساعدني بابا عايز يتوضى.

يا بابا ... الشيخ قال تتيقم.

ابتسم مصطفى ابتسامة خافتة:

عايز ... أتوضى.....

يمكن... ربنا ... يخفف ذنوبي.

ساعده ولداه في الوضوء.....

أسنده إلياس وإسلام حتى صلى جالشا....

ثم أعاداه إلى فراشه و دتراه برفق.

ظل اسلام جالسا بجواره يراقب صدره الذي صار يعلو ويهبط بصعوبة.

رفع عينيه نحو يوسف ....

فاكتفى يوسف بهزة رأس.....

تلك الهزة التي فهم منها الجميع، أن النهاية اقتربت.

خرج إسلام سريعا ... يكتم دموعه حتى لا ينهار أمام والده.

أما يوسف.....

فجلس إلى جوار جذه ... وأراح رأسه بجانب يده... راح يتأقل كل تفصيلة في وجهه.....

كان يحفظه داخل قلبه ... قبل الذاكرة ...

لأنه يعلم أنها المرة الأخيرة... التي سيراه بها وهو على قيد الحياة.

مزر أنامله فوق وجهه مزة، وفوق رأسه مرة، يتذكر طفولته بأحضان ذلك الرجل العظيم.

ودموعه تنساب ببطء، راقب الياس نجله، ليشعر بانشقاق صدره هل اقترب موعد الرحيل يا

أبي؟

رفرفت شفتا مصطفى

خرج الاسم كنسمة ضعيفة .... كأنه يبحث عنها قبل أن يرحل.

وفجأة .... اندفع الباب.

دخل يزن و خلفه أسر الذي وصل لتؤه.

اقترب يزن من أذن مصطفى

عفو مصطفى ... اسر جه... جه يشوفك.

لكن الكلمات لم تعد تصل إليه كما كانت....

كان بصره قد شرد إلى مكان لا يراه أحد.

ووضع يده على كتفه .....

نظر يزن إلى يوسف المنحني على يد جده، ثم إلى إلياس الذي أخفض رأسه مستسلقا للقدر.

دون أن يجد كلمة واحدة ثقال.

دخلت غادة تستند إلى إسلام.

وما إن وقع بصرها على والدها.....

حتى تجمدت مكانها.

لم تز ذلك الأب الذي كانت تعرفه.... بل رأت جسدا أنهكه المرض... وروكا تستعد للرحيل.

خرجت منها شهقة .....

كان أحدا انتزع قلبها من بين ضلوعها:

اه ... يا بابا.....

اندفعت نحوه وهي ترتجف.

وفي تلك اللحظة ....

دخلت فريدة.

وقفت عند الباب.....

تنظر إلى رفيق عمرها ....

إلى الرجل الذي شاركته سنوات العمر كلها..... تم همست بصوت مكسور

ابتسمت له وسط دموعها تودعه للمرة الأخيرة.

مصطفى ...

قالتها وداخلها تعلم أنها المرة الاخيرة التي تنطق شفتيها اسمه وهو على قيد الحياة.

ما إن سمع صوتها، حتى رفرفت أهدابه و تحركت شفتاه... باسمها ولكنه ! لم يعد قادرا على

النطق.

فارتسمت على وجهه ابتسامة صغيرة....

ابتسامة رجل اطمان.....

أخذ نفسا طويلا... ثم خرج ببطء.....

وتبعه صمت... طال ... وطال

حتى توقف صدره عن الحركة.

وسقطت يداه في سكون.. من بين يدي يوسف، فنظر لوجه جده الذي ا انطفأت ملامحه

بأمان.... وكأنه لم يمت......

بل عاد إلى ربه، بعد أن وقع كل من أحب.

وفي اللحظة نفسها.....

بابا ... ااااه.

شهقت غادة بصرخة، ليحتضنها مالك الذي دلف للتو، وخلفه بلال والبقية.

المرحوم. الجميع أعينهم على جسد مصطفى الذي لم يعد منه سوى |

بكت غادة بصوت مرتفع باسم والدها

ليخرجها مالك من الغرفة، وهو يهمس:

غادة حرام عليكي.

انفجر المكان بالبكاء....

ارتفعت الشهقات، واختلطت الدموع بالدعوات، إلا أن إلياس وفريدة لم يبكيا.

كان الحزن قد تجاوز الدموع ... حتى صار صمنا.

اقتربت فريدة بخطوات واهنة، كأن سنوات عمرها كلها سقطت فوق كتفيها في في لحظة واحدة.

جلست على الأرض إلى جوار يوسف.

نظرت إليه ....

كان لا يزال قابضا على يد جده بكلتي يديه، وعيناه معلقتان بوجهه ينتظر .... ينتظر أن ترتفع

جفناه، أو أن يبتسم له كما اعتاد.

رفع رأسه إليها ببطء.....

بعينين غارقتين في الذهول أكثر من البكاء.

مدت فريدة يدها المرتجفة، وربتت على كتفه برفق تم همست بصو بصوت ضعيف

سيب إيد جدك يا حبيبي....

صمتت لحظة، وغلبتها دموعها:

جدك راح إلى أرحم بينا كلنا ... راح عند رب كريم.

لكن يوسف لم يتحرك.

ظل يحذق في وجه مصطفى، وكأن عقله يرفض الاعتراف بما تراه عيناه.

هو الطبيب ... الذي شهد عشرات الأرواح وهي تغادر الدنيا، لكنه اليوم.....

لم يكن طبيبا .. كان حفيدا فقد السند الذي تربى بين ذراعيه.

خرج صوته مبحوحا بالبكاء:

لسه... جسمه دافي....

كأنها حجة أخيرة يتشبث بها، لعل الموت يتراجع.

أغمضت فريدة عينيها بألم، تم رفعت رأسها نحو بلال وأسر:

....بلال ... آسر

خدوا ابن عمكم من هنا ....

اقتربا منه في صمت... وضع بلال يده على كتف يوسف.

تعال با یوسف......

لكن يوسف أبعد يده برفق، دون أن ينطق.

في تلك اللحظة، دلف أرسلان مسرعا.

نظر إلى الوجوه الباكية، ثم وقع بصره على مصطفى.

توقف مكانه... وشحب وجهه.

خرج صوته مرتجفا

ايه ... اللي حصل ؟

كانت الإجابة ساكنة فوق الفراش.

رأى فريدة تنهض ببطء، وكأن كل خطوة تنتزع جزءا من روحها.

اقتربت من مصطفى.....

انحنت عليه .. طبعت قبلة طويلة على جبينه البارد.

ثم مزرت كلها على وجهه برفق....

وانسابت دموعها أخيرا.. بلا صوت.

إلى جنة الخلد يا رفيق العمر.....

شكرا ... لأنك كنت خير زوج، وخير أب، وخير سند.

لم يجبه أحد. و همست: بعد يرى شيئا حوله. يا إلياس... غطي أبوك. هو أن يستر وجهه عن الدنيا.

ثم رفعت عينيها المبللتين نحو إلياس.

الذي كان يجلس أمام والده ... منحني الظهر... شارد النظرات....

كطفل ناه وسط الزحام، وفقد اليد التي كانت تمسك بيده طوال العمر... رغم كبر سنه إلا أنه لم

اقتربت منه فريدة، ووضعت يدها على كتفه، وقالت بصوت اختلط فيه الصبر بالانكسار:

ارتجفت شفتاه....

ونظر إلى والده طويلا.

كانت أصعب مهمة في حياته .....

أن يكون آخر ما يقدمه لوالده .....

رحلت يا والدي ... ولم يبق منك سوى ذكرى تعيش عليها، وحنين يقتلنا كلما بحثت أعيننا عن

وجهك فلم نجده.

ما أقسى تلك اللحظة... حين يتحول الأب، أو الزوج، أو الأخ، من إنسان يناديه الجميع

باسمه.... إلى " هاتوا المرحوم "

كان الدنيا تهمس في أذن كل حي سيأتي عليك يوم تطوى فيه صفحتك، فلا يبقى منك إلا عملا

صالحًا يسبقك إلى قبرك، أو ذكرى طيبة تحفظها قلوب من أحبوك.

وسيرة تتردد على الأنسنة.. فإن كان صالحًا، ارتفعت الأكف له بالدعاء كلما ذكر اسمه، وذرفت العيون عليه شوقا. وإن كان سيئا، طواه النسيان سريعا، ولم يترك خلفه إلا ما يثقل ميزانه. فليست العبرة بطول العمر، وإنما بما يتركه الإنسان في قلوب من أحبوه، وما يقدمه بين يدي ربه قبل أن يقال عنه يوما.. كان هنا ... ثم رحل.

بعد فترة

دلف إلى الغرفة بخطوات مرتجفة، وما إن وقع بصره على ذلك الجسد المسجى، جسد بلا روحجسد فارقته الحياة، ساكنا لا يشعر بشيئ حتى شعر وكأن الأرض تزلزلت تحت قدميه. فتجمد في مكانه، عاجزا عن استيعاب أن الرجل الذي كان يملأ حياته قوة وأمانا أصبح الآن ساكنا إلى هذا الحد.

ظل واقفا ينظر إلى جسده الساكن فقط.

خطا نحوه، وكل خطوة كانت كأنها تكسر عظامه وتنتزع روحه من بين أضلعه... حتى هوى على

ركبتيه أمام الفراش، وأخذ يحدق في وجهه بصمت قاتل.

حين رأه عن قرب... هذا تأكد أن تلك اليد التي كانت تربت على كتفه بطمأنينة قد سكنت، وأن انفجر قلبه قبل أن تنهمر دموعه.

ذلك الوجه الذي كان يضيء أيامه لن يبتسم له مرة أخرى.

أي وجع هذا؟

أي قهر هذا؟

من الذي يخبرنا أن أصعب أوجاع الحياة ليس الموت نفسه، بل أن تقف عاجزا أمام جسد أبيك. تدرك أنه هنا ... لكلك لن تسمع صوته ثانية، ولن تشعر بدفء حضنه مرة أخرى.

رفع عينيه إليه، والدموع تنهمر بلا توقف، وهمس بصوت مكسور

"أعلم أنها سنة الحياة ... وأن لكل روح أجلا إذا جاء لا يستأخر ساعة ولا يستقدم.... وأعلم أن الموت حق، وأننا جميعا راحلون.... لكن من يخبر قلبي كيف يتقبل رحيلك يا أبي ؟ ومن يقنع

روحي أن أمانها قد غاب ؟"

نعم عزيزي القارئ...

فنحن لا نبكي اعتراضا على قضاء الله، بل نبكي لأن الفراق موجع، ولأن بعض الغياب يقتلع جزءا من أرواحنا.

فموت الأب سنة من سنن الحياة، نعم .... لكنه يظل من أقسى الأقدار على القلوب.

فهو الرجل الذي تظن بوجوده، أن العالم كله بخير.

اقترب منه بيد مرتجفة، أمسك بكفه البارد، هنا شعر بانكسار عظامه بكل قسوة، وانهار دون مقاومة.

أسند جبهته إلى يده وبكي.....

يكي كما لم يبك في حياته كلها.

یكى كطفل ضاع في منتصف الطريق ولم يجد يد أبيه.

يكي لانه أدرك في تلك اللحظة القاتلة، أن هناك أحضانا إذا أغلقت مرة واحدة ... فلن يفتحها

العالم كله من جديد.

كيف للمرء أن يصدق أن اليد التي كانت تريت على كتفه لن تمتد إليه مرة أخرى، وأن الحضن الذي كان يختبئ فيه من قسوة العالم قد أغلق إلى الأبد، وأن الصوت الذي كان يطمئنه في أشد

لحظات ضعفه قد صمت ولن يعود؟

فحين يرحل الأب يشعر أبناؤه أن الحياة لم تعد كما كانت، وأن العالم أصبح أكثر اتساعا ووحشة، وأكثر قسوة وبرودة.

الأب هو الأمان هو الحنان، هو القوة التي تستند إليها دون أن نشعر هو الدعوة التي تسبقنا.

واليد التي تسندنا إذا تعثرنا، والنظرة التي تمنحنا الطمأنينة دون كلمات.

لذلك، حين يرحل الأب، لا تبكي شخصا فقط .... بل نبكي عمرًا كاملا كان ينبض به، ونبكي أياما لن

تعود، وتبكي أنفسنا التي لم تعد كما كانت بعده.

دلف أرسلان وخلفه يزن، توقفا الاثنين يراقبان إلياس بصمت، ثم نطق يزن

الياس... يلا علشان الصلاة.

إسلام فين؟

ظلت عيناه متعلقة بجسد والده، ومن يخبرنا أن أصعب فراق هو فراق الأهل والأحباب.

أنا هنا يا إلياس.

اردف وما زالت عيناه على جسد والده:

يلا علشان توصل أبوك لمثواه الأخير.

اقترب إسلام بجسد يرتجف، إلى أن وصل إليه ثم طبع قبلة جنونة فوق جبينه:

ربنا يرحمك يا أحن أب في الدنيا، إلى جنة الخلد يا حبيبي.

كل هذا وإلياس ما زال ينظر لوجه أبيه الذي غاب عن الحياة.

اقترب بلال وأسر وهما يحملان تابوت الموتى، وضعوه أمام باب الغرفة، وقعت عينا الياس

عليه، ثم التفت إلى جسد والده.. ارتفع بكاء إسلام وهو يدفن رأسه على جسد والده، ولم يختلف

الأمر لدى بلال وآسر.

هكذا نطقها أرسلان، بينما اقترب إلياس

إسلام .... قوم واصلب نفسك انت لسة عيل، أختك برة منهارة، لما تعمل كدا، سبت لها إيه ؟!.

من الجسد، وطالعه بنظرة وداع أخيرة.

ثم بيد مرتعشة سحب الكفن ليغطي وجهه بالكامل، هنا انهار كل شيئ لتتدحرج دمعة شريدة من جفنيه، وذكرياتهما معا

ريت أرسلان على كتفه

خليك إحنا هنحظه.

أوقفه وهو يشير بيده:

لا ... أنا اللي هدخله النعش.

رفع رأسه يفتش بين الوجوه

فين يوسف ؟.

طنط ميرال أغمى عليها، هو معاها، زمانه جي.

بعد فترة وصل الجميع إلى المقابر، ترجل أرسلان ويزن من سيارتهما، واقترب من السيارة التي

تحمل جسد مصطفى ويرافقه إسلام وإلياس، بينما نزل يوسف وبلال وأسر من سيارتهما

وتحركا إلى سيارة الموتى.

أنزلوا النابوت ووقف الشيخ يدعو له بدعوات الرحمة والمغفرة، إلى أن جاءت اللحظة الحاسمة اللحظة المهيئة للأبناء.

حين يطلب منهم أن يضعوا والدهم تحت التراب.

إلياس هنزل مع إسلام، وخليك إنت ويزن فوق.

لا ... قالها واقترب ينظر إلى التابوت.

كيف يتحمل الابن أن يضع والده في مثواه الأخير؟

توقف ينظر إلى نعشه، وكأن كل نفس في صدره ينتزع معه إلى بارئه تجمدت قدماه، وارتعشت روحه، وهو يدرك أن الرجل الذي كان يظن أنه أقوى الرجال الآن سيحمل على الأكتاف ويدفن

تحت التراب.

رحم الله كل أب رحل، وربط على قلوب أبنائه بالصبر والسكينة.

رحم الله والدي ووالدتي.

اليه وجلست على طرف الفراش

باليوم التالي، دلفت إليه الغرفة تحمل صينية بها بعض الطعام، وضعتها على المنضدة، ثم الجهت

يوسف... قالتها وهي تمشد على شعره.

فتح عيناه يضعف ... انحنت تقبل وجنتيه

قوم كل أي حاجة، إنت بقالك يومين ما أكلتش.

ماليش نفس يا ضي، لما أجوع.

بس أنا جعانة ومش عارفة أكل من غيرك يلا مش مشكلة مش عايزة.

ضي متعمليش في الأطفال، أنا مصدع.

أنا فعلا زي الأطفال، وتعبانة أوي وأنا شيفاك كدا

اعتدل متأوها من الصداع، صعدت على

الفراش جلست خلفه، وحاوطت رأسه

بتوجعك أوي ؟.

شوية .... هنام دلوقتي والوجع هيروح بإذن الله.

أوما وقال:

نهضت وأمسكت كفيه:

علشان خاطري قوم علشان تاكل

جلس يوسف إلى طاولة الطعام، وعيناه شاردتان في نقطة وهمية، كان روحه لم تعد حاضرة في المكان، وكأن جزءا منه رحل مع مصطفى وترك جسده خلفه.

راقبته في يصمت، ثم تنهدت ونهضت من مكانها .. اتجهت إليه وجلست فوق سافيه، تشير إلى

الطعام أمامه محاولة انتشاله من ذلك الصمت القاتل:

ممكن تأكلني ؟ أنا جعانة.

رفع عينيه إليها ببطء، وكأن كلماتها احتاجت وقتا حتى تصل إليه.

مدت كلها تمزرها برفق فوق وجهه تم همست بحنان امتزج بالحزن

حبيبي... أنا عارفة إن جدو مصطفى كان بالنسبالك إيه، وعارفة إن وجعه صعب، بس دي سنة

الحياة يا يوسف... كلنا هنموت ومفيش حد هيخلد في الدنيا.

سكنت قليلا، ثم تابعت وهي تحاول أن تبدو ثابتة:

وبعدين الأطفال اللي بيفقدوا باباهم أو ما متهم يعملوا ايه ؟ إحنا كبار، وعارفين ان الموت حق. غير إنه كان بيتوجع أوي... تصدق إلي في آخر أيامه كنت بدعي ربنا يخفف عنه وجع المرض؟

كنت بتمنى له الراحة، حتى لو الراحة دي هتوجعنا إحنا.

خفض يوسف رأسه، وأغمض عينيه للحظة, ثم خرج صوته مبحوخا، مثقلا بما يعجز عن حمله:

ضي ... أنا تعبان أوي مش قادر أتكلم.... ولا قادر أعمل أي حاجة.

يوسف...

همست باسمه وهي تمزر كفيها فوق وجهه، تحاول أن تمحو ذلك الحزن الذي أطفأ ملامحه. فتح عينيه، فوجدت فيهما ألفا لم تره من قبل.

عارف كل اللي بتقوليه .... وعارف إن دي سنة الحياة، وعارف إنه كان بيتوجع، وإن ربنا أرحم

بيه مننا ... بس قلبي واجعني أوي يا ضي.

ابتلع غضته، ثم قال بصوت متقطع

مش قادر أصدق إني مش هشوفه تاني... مش هقعد معاه، مش هسمع صوته، مش

محضنه.... كل ما أفتكر إن خلاص مفيش مزة جاية ... بحس إلي مش قادر أتنفس.

ارتجفت شفتاه و انسابت دموعه فوق وجنتيه دون أن يحاول إخفاءها.

عارفة لو كنت طفل ... يمكن كان أهون عليا، مكنتش معرف معنى الشعور دا، كنت هقول إن ربنا

اختاره علشان ما يتوجعش، وإله راح مكان أحسن.... لكن أنا عشت معاه عمر ...

توقفت كلماته، وضغط كله فوق صدره

جدو مكنش مجرد راجل كبير في العيلة يا ضي... ككان أمان، كان حضن .... كان الشخص اللي

طول عمره بيجمعنا، ويحشسنا إن مهما الدنيا عملت فينا لسه في مكان ترجع له.

رفع عينيه إليها، وقد اختلط العتاب بالعجز في ملامحه

وانت.... انت عارفة ده انت مكنتيش بعيدة عنه .. أنا لما سافرت، معرفتش حد غيره، لأنه هق

الوحيد اللي كان قادر يفهم وجعي.

لم تستطع في الرد، فضقت رأسه إلى صدرها:

ربنا يصبرك يا حبيبي ... ويصبرنا كلنا، أنا كمان قلبي واجعتي عليه بس هنعمل إيه، هنفضل

ندعيله، ونفتكره بكل حاجة حلوة سابهالنا.

ظل صامتا بين ذراعيها، ثم قال بصوت خافت:

عايز انام ... سبيني أنام لو سمحتي.

طالعته بألم ظهر في عينيها:

أنا مش عارفة أعمل إيه علشان أخرجك من الحالة دي..

رفع وجهه إليها، وهمس كطفل أرهقه البكاء:

خديني في حضنك بس يا ضي... مش عايز أي حاجة ثانية.

انقبض قلبها.

نهضت من فوق ساقيه، وأمسكت يكفيه، ثم ساعدته على الوقوف.. تحرك معها ببطء نحو الفراش...

تمدد بجوارها، ثم جذبها إليه ودفن رأسه داخل حضنها، وأغمض عينيه، لعل دف، ذراعيها يسكت ذلك الألم الذي يصرخ في صدره.

مزرت في أصابعها بين خصلات شعره بحنان و تركت الدموعها العنان

فمصطفى لم يكن مجرد جد رحل

كان الرجل الذي علمهم معنى الاحتواء، ومعنى الإيمان، وكيف يصبر الإنسان على ما كتبه الله له

دون أن يفقد رحمته أو حنانه.

تذكرت أيام طفولتها، وكيف كانت تنتظر جلساته بشوق، فتتحول الليالي العادية إلى أجمل

لياليها حين يجلس بينهم، يحكي لهم مزة قضة تحمل عبرة، ومرة حكاية عن الحب، ومرة عن

الحياة التي لا تمنحنا كل ما تريد، لكنها تمنحنا دائما ما نتعلم منه.

أطلقت تنهيدة طويلة، حملت خلفها الكثير من الدموع.

وفجأة، شعرت بانتقاض جسد يوسف بين ذراعيها ... كان يحاول كنم بكائه.

أغمضت عينيها بقوة، وضفت رأسه أكثر.

كيف تخفف عنه ألقا أصاب الجميع ؟

وكيف تطلب منه أن يكون قويا، وهي نفسها تشعر أن البيت كله فقد شيئا لن يعود؟

قطعت طرقات خفيفة على الباب ذلك الصمت.

رفعت في رأسها، ثم قالت بصوت مبحوح

الفضل.

انفتح الباب، ودلفت ميرال

توقفت عند العتبة، وما أن وقعت عيناها على ابنها، حتى تجمدت في مكانها .. وهي تراه داخل

أحضان زوجته منكسرا كطفل فقد والديه.

نظرت ميرال إلى ضي، فهزت الأخيرة راسها ببطء، بينما دموعها تنساب بصمت.

اقتربت میرال من الفراش، وجلست على طرفه، ثم وضعت كفها فوق رأس يوسف:

يوسف...

فتح عينيه فور أن سمع صوتها.

اعتدل ببطء، ونظر إليها.

كانت ملامحها شاحبة، وعيناها منتفختين من كثرة البكاء، لكنها حاولت أن تخفى ضعفها خلف

ابتسامة باهتة.

مسحت دموعها سريقا، ثم همست بتقطع

ظل ينظر إليها بصمت.

حبيبي... قوم، مينفعش تقفل على نفسك كده.

منهارة، ولما إنت تعمل في نفسك كده.... مين هياخد شمس في حضنه أنا، ولا جدتك ؟

انت راجل يا يوسف، ومهما كان وجعك... مينفعش تسيب باباك لوحده في الظروف دي، اختك

ريتت فوق ذراعه، ثم نظرت إلى عينيه مباشرة

وجعك في قلبك يا دكتور.... وأنا عارفة إن قلبك موجوع .. بس لازم تبان قوي حتى لو من جواك

ضعيف، مينفعش ابن الياس ينهار بالطريقة دي.... لأنهم كلهم مستنيينك.

خرج صوت يوسف ضعيفا

ماما...

اومات له، ثم التفتت إلى ضي:

ضي انزلي تحت علشان شمس، ويوسف هينزل وراك

سكنت لحظة، ثم أضافت وهي تحاول حبس دموعها:

وجعنا كلنا في قلوبنا ... بس لازم نفضل جنب بعض.

نهضت ميرال واتجهت نحو الباب بخطوات بطيئة.

لقد جاءت إلى ابنها لتلقى وجعها بين ذراعيه فزوجها في حالة تؤلم القلوب.

لكنها حين رأته منكسرا، ابتلعت دموعها.

فانهباره كسر قلبها.

ماما ...

توقفت.

التفتت إليه، فوجدته قد نهض من فوق الفراش واتجه نحوها.

وقف أمامها، يتأمل شحوب وجهها، وعينيها الذابلتين، والدموع التي حاولت إخفاءها دون

جدوى

همس بصوت متقطع:

آسف ...

رفعت عينيها إليه.

فهمت أنه يعتذر لأله تركها تحمل حزنها وحدها، لأنه غرق في وجعه ونسي أن أمه فقدت هي

الأخرى الذي كان بمثابة والدها.

انسابت دموعها، قبل أن يفتح ذراعيه ويضفها إليه.

وما إن شعرت میرال بحضنه حتى انهار كل ما حاولت التمشك به.

ارتفع بكاؤها، وارتجف جسدها بالكامل بين ذراعيه.

صفها يوسف بقوة، وأغمض عينيه، ثم قبل رأسها مرارا وهو يحاول تهدئتها، رغم أن دموعه

كانت تنساب فوق شعرها

أنا جنبك يا ماما .... أنا هنا.

تشبدت به أكثر، وبكت كطفلة فقدت أمانها.

أما هو فاحتواها بكل ما تبقى داخله من قوة ....

لأله أدرك في تلك اللحظة أن الحزن لا يختفي، وأن القلب قد ينكسر، لكنه لا يملك رفاهية الانهيار

طويلا حين يكون هناك من ينتظر حضنه

ارتفع بكاء ميرال أكثر بين ذراعي يوسف، وكأنها كانت تحبس دموعها منذ رحيل والدها، تنتظر

فقط أن تجد حضنا أمنا تسمح لنفسها أن تنهار داخله.

تعلقت بنيابه، وخرج صوتها مكسورا، يحمل وجع طفلة فقدت أمانها:

الراجل اللي كان بمثابة أبويا مات يا يوسف.....

أغمض يوسف عينيه، وشدد من احتضانها، بينما الحدرت دموعه فوق رأسها:

ظل يرددها، لا يعرف ماذا يقول غيرها.

فأي كلمات يمكن أن تخفف عن ابنة فقدت أباها ؟

ربنا يرحمه يا حبيبتي ... ربنا يرحمه ويغفر له.

اقتربت في منهما، واحتضنتهما معا، لتضم بين ذراعيها أما فقدت والدها، ورجلا فقد جده.

وكأن الحزن جمعهم في حضن واحد، لا يملك أحدهم فيه إلا أن يسند الآخر.

في تلك اللحظة، دلفت فريدة...

توقفت عند الباب، ونظرت إلى ابنتها المنهارة بين أحضان ابنها، اذا كانت هذه حالة ميرال

ويوسف، فكيف ستكون حالة إلياس؟.

ارتجف قلبها، ورغم ذلك لم تقترب...

وقفت لثوان، تراقبهما بصمت، تخشى أن تزيد حزنهم حزنًا، أو أن يراها أحدهم ضعيفة فتنهار

ابتلعت غضتها، ثم استدارت وغادرت الغرفة بهدوء.. وصورة عودة الياس من المقابر تتحرك أمامها.

ما إن وصلت إلى الدرج، حتى قابلها أرسلان وهو يصعد الدرج، وقعت عيناه عليها حتى توقف.

نظر إليها بصمت، فالحزن كان ظاهرا في عينيها، رغم محاولتها إخفائه.

اقترب منها، ووقف أمامها يتأقل ملامحها الشاحبة، ثم سألها بقلق:

انت كويسة يا ماما؟

رفعت عينيها إليه، وحاولت أن ترسم ابتسامة صغيرة، لكلها خرجت باهتة، لا تشبهها.

الحمد لله ....

نطقتها بهدوء، وهي تخشى أن يفضح صوتها ما تحاول إخفائه.

ظل أرسلان ينظر إليها لثوان.

كان يعرفها جيدا.

يعرف أن «الحمد لله» التي تقولها حين تكون بخير، تختلف عن تلك التي نطقتها الآن.

دنا منها، ورفع كفيه يحتضن بهما وجهها، تم طبع قبلة طويلة فوق جبينها.

لم يقل شيئا .. لم يسألها، ولم يطلب منها أن تكون قوية.. فقط فتح ذراعيه.

وما أن شعرت فريدة بدفء حضنه، حتى دفنت وجهها داخل صدره.

أحاط جسدها بذراعيه، وضفها إليه بحنان، وكأنها لم تكن أمه، بل طفلته الصغيرة التي تحتاج

إلى من يطمئنها.

مزر كفه فوق ظهرها يبطء، وظل صامتا.

فبعض الأحزان يا صديقي لا تحتاج إلى كلام.....

بل تحتاج فقط إلى حضن لا يسأل، ولا يطالبك بأن تتماسك.

تحرك بها نحو غرفتها، وما زال يحاوط جسدها بذراعيه.

وحين وصلا، ساعدها على التمدد فوق الفراش، ثم عدل الوسادة خلف رأسها، وجلس بجوارها.

انكا على ذراعه، وظل ينظر إلى وجهها الحزين

كانت تحاول أن تبدو بخير لكله رأى الإرهاق في عينيها، ورأى الحزن الذي جعل ملامحها أكثر

شحوبا.

مديده وأبعد خصلة شعر عن وجهها، ثم قال برفق

إيه رأيك أخليهم يبعثوا حاجة تاكليها؟ إنت من امبارح ما كلتيش.

هزت رأسها سريعا

لا يا حبيبي، أكلت.. إلياس جه، وأكلت أنا وهو.

عقد حاجبيه، وظل يحدق بها وكاله يحاول أن يتأكد من صدقها:

بجد يا ماما ؟

رفرفت بأهدابها، ثم أومات:

أكلت يا حبيبي.

ظل صاملا، فابتسمت ابتسامة ضعيفة، ومدت يدها تمسح فوق خذه:

خلي بالك من يوسف بس.....

ابتلع أرسلان غضته.

حتى وهي موجوعة، كان أول ما يشغلها أولادها وأحفادها.

اقترب منها أكثر، وأمسك بكفها بين يديه

نظرت إليه، فارتجفت ابتسامتها:

وانت مين هيخلي باله منك؟

أنا كويسة يا حبيبي ... عارفة إنك قلقان عليا، بس صدقني، أنا بخير.

ضغط على كلها برفق، ثم هز رأسه نافيا :

لا... انت مش كويسة.

صمتت، واتجهت عيناها بعيدا.

فأكمل بصوت هادئ:

وأنا مش مستني منك تضحكي أو تقولي إنك قوية، لو عايزة تعيطي، عيطي... لو عايزة تفضلي

ساكنة، أنا مقعد جنبك من غير ما أتكلم.

التفتت إليه، وامتلأت عيناها بالدموع...

بس أوعي تفتكري إنك لازم تشيلي كل ده لوحدك يا ماما.

تأقلت وجهه للحظات، تم همست:

أنا كويسة.

أغمضت عينيها، وانسابت دمعة هادئة فوق وجنتها.

اقترب أرسلان، ومسحها بإبهامه:

نامي شوية... وأنا هفضل هنا.

فتحت عينيها، ونظرت إليه بحنان موجوع

مش هتروح ليوسف ؟

إلياس موجوع ومش هياخد باله من وجع يوسف إنت عارف علاقة يوسف بمصطفى كانت ازاي

ابتسم ابتسامة صغيرة، رغم الحزن الذي يسكن عينيه:

هر وحله... بس الأول أظمن إن أمي كويسة .. يوسف راجل، وكبير يا أمي، ومتخافيش عليه.

بلال جاي وهيحاول يخرجه.

تأملته لثوان، ثم رفعت كلها وربعت فوق وجهه

ربنا يخليك ليا يا حبيبي.

انحنى وقبل كلها:

ويخليك لينا يا أمي.

أغمضت عينيها، بينما ظل جالسا بجوارها، ممسكا بكفها.

لم يكن قادرا على إزالة الحزن من قلبها ....

لكله كان قادرا على أن يجعلها تشعر أنها لن تحمله وحدها ...

ماما عاملة ايه ؟.

استمع إلى طرقات على باب الغرفة، ثم دخول إسلام...

نامت.. بس هي تعبانة، وبتحاول تبين لنا إنها كويسة.

أختك فين ؟

اقترب إسلام من فراشها وانحنى يقبل جبينها بحنان رفرفت أهدايها ثم فتحت عيناها:

جلس على طرف الفراش واحتضن كلها يقبله:

أختي كويسة، مع جوزها، المهم إنتي.

أنا كويسة حبيبي، خلي بالك من أختك يا إسلام، دلوقتي يتيمة أب وأم.

احتضن رأسها ونزلت دموعه

ايه اللي بتقوليه دا يا ماما بعد الشر على حضرتك، أنا كدا أزعل منك.

أزال دموعها التي نزلت رغم محاولتها السيطرة:

مهما كان يا إسلام، أم بالنسب.

يعني أفهم من كدا إني مش ابنك اللي كان رابطنا ببعض راح ؟.

ضفته بقوة وبكت بصوت مرتفع:

لا يا حبيبي، إنت ابن روحي، ربنا يخليك ليا إنت وأخواتك.

و يخليكي لينا يا ست الكل.

رفع كفها وقبله للمرة الثانية يربت عليه.

علشان خاطري خلي بالك من نفسك، إحنا محتاجينك، أنا نفسي لسة محتاجك يا ماما، إنت

وصية أبويا.

ضفت وجهه بين راحتيها ومسحت دموعه...

تم قبلت جبينه:

روح قلبي يا بني.

ابتسم من بين دموعه كل هذا وأرسلان جالس يشاهدهما بصمت.

التفت إسلام أخيرا إلى وجود أرسلان:

هشوف غادة خلى بالك منها.

ابتسم بتهكم ينظر الفريدة:

ينفع كدا، خليتيه يوصيني عليك.

نظرت إلى إسلام ثم إلى أرسلان:

سامحه يا حبيبي، ميعرفش إلك قفوش.

أفلت اسلام ضحكة، ورغم أنها ضحكة إلا أن خلفها ألما يستنزف روحه، مضت أيام العزاء، وظل

القدرة على العودة إلى حياته الطبيعية.

الجميع يمكنون داخل فيلا السيوفي، وكأن رحيل مصطفى طفا على المكان، فلم يعد أحد يملك

عاد كريم إلى منزله برفقة زوجته وابنته، يحمل فوق كتفيه ألفا لم يكن يعرف كيف يتخلص

داخل غرفة صدن.....

كانت تجلس بالشرفة، تضم ساقيها إلى صدرها، وتحذق في الفراغ بعينين شاحبتين، كأنها ما

زالت تحاول استيعاب كل ما حدث.

انسابت دموعها بصمت حين عادت ذاكرتها إلى اليوم الذي وطأت فيه منزل والدها، بعد زفاف اختها.

في اليوم الثاني لزواج أسر وآسيا، وبعد أن علمت بذهابهما، لم تجد أمامها سوى العودة إلى بيت أبيها.

كانت قد ها تفت والدتها ليلة زفافها، بعد حديثها مع فريدة، وظلت ايمان تقنعها طوال الليل بأن

تعود، وأن تواجه ما حدث بدلا من أن تهرب منه.

عادت مثل ما أخبرتها والدتها لكنها كانها غريبة ....

دلفت إلى الداخل بخطوات مترددة، وعيناها تبحثان عن والدها.

كان كريم يجلس في منتصف الصالة، منكسر الهيئة، شاردا، ووجهه يحمل خليظا قاسيا من الألم

والقهر والغضب.

منذ رحيل ابنته مع أسر بتلك الطريقة، وهروب الأخرى، وهو يشعر أنه فقد شيئا من نفسه، ولم يكن يملك القدرة على إعادته.

حتى إن الأمر وصل إلى خلاف حاد بينه وبين يزن بسبب ما فعله اسر، وكأن المصائب لم تكتف

بما تركته في قلبه، بل قررت أن تحاصره من كل اتجاه.

رفع عينيه حين شعر بوجود أحد أمامه.....

توقفت سدن أمامه، مرتجفة تخفض رأسها ، وكأنها طفلة عادت إلى أبيها بعد خطأ لا تعرف كيف تعتذر عنه.

نهض كريم فور أن رآها.

ظل يحذق بها لتوان طويلة .....

توان اختلط فيها شوق الأب بغضبه، وارتياحه لأنها عادت، بقهره مما فعلته.

ابتلعت سدن غضتها و همست بصوت مرتجف

......بابا ... أنا

لكنها لم تكمل... فقد تحركت يده فجأة، واستقرت صفعة قوية على وجنتها.

تجمدت في مكانها.

وضعت كفها فوق وجهها بصدمة، واتسعت عيناها، بينما ارتجف قلب كريم لحظة أن رأى أثر يده

على وجهها.

كان الألم قد اخترق صدره قبل أن تصل الصفعة إلى وجنتها.

نظر إلى يده وكأنه لا يصدق ما فعل، لكنه لم يستطع التراجع ... لم يكن غاضبا منها وحدها.. كان

غاضبا من نفسه.

ومن السنوات التي ظن خلالها أنه كان أنا جيدا، ومن المسافة التي ظن أنه أغلقها حين عاد إلى

مصر، بينما كانت الفجوة بينه وبين أبنائه تتسع يوما بعد يوم.

ارتعشت شفتا سدن و امتلات عيناها بالدموع.

جاية ليه ؟!

اقترب منها كريم، وصاح بصوت مرتفع ومختنق

انتفضت من صراخه، بينما تابع بقهر:

إيه ؟ بعد ما فضحتينا... وبعد ما وظيتي راس أبوكي قدام الناس... جاية تعملي ايه هنا؟

ضحك بسخرية موجوعة، ثم أشار إليها بإصبعه:

انت تعرفي أصلا يعني إيه فضيحة يا محترمة ؟! تعرفي يعني إيه أب يوظي راسه قدام أهله.

وأنا اللي دايما راسي مرفوعة، وفجأة يلاقي نفسه مش قادر يرفع عينه في وش حد؟!

هزت رأسها بسرعة، ودموعها تنهمر:

بابا... اسمعني، أنا ..

اخرسي

صاح بها، ثم دفعها بعيدا عنه، ودار حولها بعصبية، يمرر يده فوق رأسه، كأنه يحاول إيقاف

الأفكار التي تنهش عقله.

توقف أمامها فجأة، وصاح:

أنا اللي أستاهل!

رفعت عينيها إليه بخوف، فتابع، وصوته يزداد انكسارا

أنا اللي أستاهل كل اللي حصل.... لأني ما كنتش حازم معاكو من الأول

ضرب كفه بكفه ثم أشار نحوها بغضب:

واحد راح اتجوز واحدة لا من دينا ولا من عاداتنا، وأنا سكت

ثم استدار، وكأنه يرى أبنائه جميعا أمامه

والثانيين... واحدة تحب واحد، وتقرر تتنازل عنه لأختها! ولما أختها فجأة تكتشف أنها مش

عاد إليها، وعيناه تلمعان بالدموع، رغم محاولته إخفاءها :

بتحبه... تقوم تهرب ونسيب أبوها هو اللي يشيل العار ويوطي راسه قدام الناس

إنتوا عايزين مني ايه ؟!

صمت لحظة، تم ضرب صدره بیده، وصاح بانهيار

قوليلي ... عايزين مني إيه ؟!

اقترب منها، وانخفض صوته، لكنه كان أكثر وجعا

عايزين تقتلوني ؟!

شهقت سدن، وانفجرت في البكاء

لا يا بابا ... والله ما كان قصدي أوجعك.....

نظر إليها، وارتجف فكه، ثم قال بمرارة

بس وجعتيني... وفضحتيني.

توقفت أنفاسها.

اقترب خطوة أخرى، وعيناه معلقتان بعينيها:

وجعتيني في الحاجة الوحيدة اللي كنت فاكر إني نجحت فيها.....

أشار إلى نفسه، وهمس بصوت مكسور

كنت فاكر إلى عرفت أربي بناتي... كنت فاكر إن لما أرجع مصر، معوض السنين اللي ضاعت

وأقرب منكم .....

ابتلع غضته، ثم تابع :

بس واضح إني كنت متأخر أوي.....

انخفض رأسه، وانكسرت نبرته

واضح إن الفجوة كانت كبرت.... وأنا ماخدتش بالي.

لم تتحمل سدن كلماته فاقتربت منه محاولة احتضانه:

بابا...

لكنه تراجع خطوة، وكأن قلبه يريد صفها، بينما ألمه يمنعه.

نظر إليها طويلا، ثم قال بصوت خافت:

أنا مش زعلان عشان الناس هتقول إيه....

رفعت عينيها إليه.

فأكمل، والدموع تتجمع في عينيه:

انهارت سدن و اندفعت نحوه تحتضنه

أنا زعلان عشان بنتي لجأت لغيري وخططت علشان مفكرة نفسها بتعمل صح.

حقك عليا يا بابا... حقك عليا ... أنا لما سمعت وجع آسيا مقدرتش خفت تغصبوني أتجوزه، وبعد

تسامحني.

كدا أكرهه، انا تعبانة يابابا ارجوك سامحني عارفة إلى غلطت والله بس وحياتي عندك

ظل واقفا للحظات، وبداه متصلبتان بجانبه، يقاوم كل ما بداخله.

ثم رفع ذراعيه ببطء، واحتضنها بقوة.

أغمض عينيه، وانهارت دمعة أخفاها طويلا.

أنا مش عارف أزعل منك.... ولا عارف أسامحك .... ولا عارف أرجع أبوكي زي الأول.

تعلقت به أكثر، تبكي داخل صدره، بينما ضفها كأنها ما زالت طفلته الصغيرة.....

لكن شيئا ما بينهما كان قد انكسر.

ولم يكن أي منهما يعرف كيف يعيده كما كان...

ابتعد يشير إليها بالصعود إلى غرفتها بوصول إيمان من الخارج

سدن

التفتت إلى والدتها وارتفع بكاؤها، ثم ركضت إليها:

ماما أنا آسفة، مكنش قصدي.

ابتعدت إيمان تشير إليها بيديها:

خليكي عندك معنديش كلام أقوله لك، غير ربنا يهديكي يا بنتي.

اطلعي أوضتك ومش عايز أشوفك قدامي.

تمتم بها كريم وهو يواليها ظهره.

بابا

خرج صوته حادا غاضبا:

مش عايز أسمع صوتك.

خرجت من شرودها على طرقات على الباب، ثم دخول كريم.

توقفت سريعا، تنظر للأسفل برأس منحني.

أشار إليها بالجلوس، وجلس بمقابلتها:

عايز أعرف قصة آسيا وأسر من الأول، علشان لما يرجعوا من بيت السيوفي أخليه يطلقها.

رفعت رأسها تهزها:

لا يا بابا ... بيحبوا بعض بس الاثنين موجوعين.

قطب جبينه بتساؤل.

خطت إلى هاتفها وتناولته ثم قامت بفتحه :

أنا سجلته، علشان لما تنكر حبها الأسر أسمعها دا.

فتحت الهاتف على كلمات آسيا ليلة الحناء.

جلس كريم يستمع اليها وهي نقط له ما صار وكلمات أسر عن سوء ظله.

شرد كريم بكلمات سدن، وحالة آسيا بعد خطوبة آسر لسدن.

خرج دون حديث تحركت خلفه

طالعها للحظات ثم غادر دون التفوه بكلمة.

بابا ... لسة زعلان مني؟.

بفيلا السيوفي...

دخلت رولا غرفة آسيا وأغلقت الباب خلفها:

أخيرا الناس مشيت جدو مصطفى الله يرحمه الناس كلها كانت بتحبه.

نظرت لتلك الجالسة بصمت اقتربت وجلست بمقابلتها:

قاعدة كدا ليه ؟.

أخوكي فين من إمبارح ؟.

تا هفت رولا من طريقتها:

آسيا ... وحياة أبوكي الدنيا مش متحقلة، إحنا في إيه ولا إيه. أهدي لحد العزا ما يعدي.

عزا ... عزا إيه، أنا ماليش دعوة، عايزة أرجع بيتنا.

نهضت رولا وجلست بجوارها

ينفع تقولي كدا في الظروف دي، انت شايفة كلنا زعلانيين المفروض تهدي لحد حتى الحزن

يخف شوية.

رولا عايزة أرجع بيت بابا، أنا بس سمعت كلام عفو أرسلان، أيام العزا تعدي، دلوقتي أيام العزا

خلصت، أنا هنا يعمل ايه؟.

مرانی با هانم

التفتت للذي دخل، هبت من مكانها :

كنت فين من إمبارح يا بتاع مراتك ؟.

نهضت رولا واقتربت منه

يوسف رجع ولا لسة ؟.

مع بلال، يلا اجهزوا هنرجع بيتنا.

معقول .... بلال هيرجع

قالي هيرجع، حتى يوسف كمان، عفو إلياس قال كلنا نمشي.

أخيرا .. هروح ألبس.

أسر... آسيا مش هتيجي بالعنف.

ممكن تروحي لجوزك

بالخارج...

كان آدم يجلس مع إلياس وأرسلان وبجوارهم راند.

ظلوا يتحدثون بعض الوقت، إلى أن قطع حديثهم وصول إسحاق وولديه. ألقوا التحية ...

دقائق من الصمت ثم الأحاديث العامة.

ارسلان عايزك في موضوع.

نهض أرسلان، وتحرك بعيد بعض المسافة.

عملت ايه في موضوع يوسف يا عفو؟

المستشفيات.

ما تخفش واحد احتياطاتي المهم البنت قابلت ناس، واجتماعات عادية في بعض

أوما أرسلان منتظرا ...

بلال كان ينوب عن المستشفى بتاعتكم.

أيوة ... ما هو يوسف مش في حالة تسمح.

اسمعني للآخر، أنا بعتلك الاجتماع، شوف هتعمل ايه مش عايز حد من فريقي يظهر حاليا، كدا

كدا بلال معروف يعني مش هيلفت الأنظار.

فهمت

خلاص لازم أمشي حمزة هنا مع شمس، وعمران كمان.

ولا يهمك يا عفو.

تحرك الخطوات ثم توقف واستدار:

لو يوسف مش هيكفل خلي بلال يكفل بس من غير ماحد منهم يفهم حاجة.

أشار إسحاق إليه:

متقلقش أنا مش مجنون علشان اغامر بحد فيهم، هتكون مجرد اجتماعات.

خلي عيونك متنزلش من عليهم، لما نشوف أخرتها إيه.

بس دا هيكون ضرر لسمعة المستشفى.

لا .. فيه دكتور هيوصل المستشفى بكرة، ولازم إمضاء يوسف على تعيينه.

تنهد أرسلان:

حاضر... بس يارب ميطلعش فنكوش في الآخر، وتلاقي مستشفى غير.

لا... هيكون في المستشفى بتاعتنا علشان محدش يقدر يشك فيها.

بعد فترة، خرج آدم ورائد برفقة إلياس، الذي توقف أمام السيارة، قبل أن تصل إليهما إيلين

وفرح.

إزاي حضرتك ؟

ابتسم إلياس وهو يبادل ايلين التحية:

ازيك يا دكتورة؟ عاملة ايه ؟

ثم التفت إلى فرح، وقال بحنان

عاملة إيه يا بنتي؟

الحمد لله يا عمو .. قالتها وابتعدت خلف والدتها

وفي تلك اللحظة، وصل بلال ويوسف إليهم، فتقدم يوسف و صافح آدم باحترام

ازي حضرتك ؟

ازيك يا دكتور ؟ سمعت عنك كلام يشرف ما شاء الله يا إلياس، يوسف سمعته سبقاه في

المستشفيات، وبقى بيتطلب بالاسم.

ابتسم يوسف ورد بأدب:

شكرا لحضرتك يا عمو ده من ذوق حضرتك.

التفت إلياس إلى يوسف، ثم نظر إلى آدم بفخر:

يوسف دايما طموح، وعمره ما وقف عند حاجة.

أوما آدم، قبل أن يتجه بنظره إلى بلال:

وعندنا كمان دكتور مخ وأعصاب ممتاز

قالها، ثم التفت إلى الياس:

فكر في الموضوع اللي قلت لك عليه.

هشوف الولاد، وأرد عليك.

قاطع حديثهم خروج عمران ودينا، وهما يتجهان نحو سيارة عمران اقترب عمران من الياس.

وقال باحترام

بعد إذن حضرتك يا عمو، إحنا هنمشي.

ماشي يا حبيبي ... حمزة لسه فوق.

أوماً عمران، وتراجع عدة خطوات، لكن عيناه توقفتا فجأة عند رائد وفرح وإيلين، الذين كانوا

يقفون بعيدا قليلا عن الجميع.

ظل ينظر إليهم لثوان، ثم اتجه نحوهم، وألقى السلام.

مد يده إلى إيلين بابتسامة هادئة

أومأت له مبتسمة:

ازي حضرتك؟

أهلا يا ابني.

ثم استدار نحو فرح، ومد يده اليها.

توقفت فرح أمام يده الممدودة.

للحظة، عادت إليها الذكرى بكل تفاصيلها ... ذلك اليوم الذي شعرت فيه بالإهانة، حين تحولت

نظراته إليها من مجرد إلى نفور فقط لأنها كانت تأكل ساندوتش فول من عربة في الشارع.

رفعت عينيها إليه، وارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة، لكنها لم تصل إلى عينيها.

معلش ...

توقفت لحظة، ثم نظرت إلى يده، وأضافت ببراءة مصطنعة:

إيدي مش نضيفة ... كنت باكل ساندوتشات فول من عربية في الشارع.

صمتت قليلا، وكأنها تتذكر شيئا، ثم تابعت:

أصلي.... ما بستنضفش.

في لحظة، اختفت ابتسامته تدريجيا.

ظلت يده معلقة في الهواء، بينما تجمدت ملامحه، واتسعت عيناه قليلا وهو يحدق بها، غير

مستوعب إن كانت تمزح ... أم أنها تعيد إليه كلمات ظن يوما أنها مرت وانتهت. لكنها لم تنته.

لم تكن فرح تمزح.

كانت ترد إليه وجعا دفنته بداخلها طويلا.

أنزل عمران يده ببطء، وابتلع غصته، بينما شعر بنقل كلماتها يستقر في صدره.

أما فرح، فتقدمت منه خطوة، ورفعت رأسها بثبات.

نسيت أعرفك بنفسي.

توقفت للحظة، ثم قالت بنبرة هادئة، أخفت خلفها انزعا:

فرح آدم الرفاعي.

أشارت إلى نفسها بابتسامة باهتة:

حياتي كلها كانت برة مصر... ولما نزلت، حبيت البلد جدا.

تغيرت نظرات عمران

فأكملت، وعيناها لا تفارقان عينيه:

بس كرهتها أول ما دخلت الكلية ....

صمتت، تم اضافت ببطء

بسبب ساندوتش فول.

كان وقع الجملة أقسى من أي عناب.

ظل عمران ينظر إليها في صمت، وقد عاد إليه ذلك الموقف بكل تفاصيله، وعاد معه شعور ثقيل

بالذنب، كأنه يراه للمرة الأولى من عينيها.

لم يكن يعلم أن كلمة قالها باستهانة ستظل عالقة بداخلها بعد تلك الفترة

وأن شيئا بسيطا كه ساندوتش فول سيصبح ذكرى تحمل بداخلها كل الإهانة التي شعرت بها

يومها.

نظر رائد إليهما، بعدما شعر بالصمت المشحون بينهما، فاقترب والتفت إلى فرح

فروحة ... يلا، بابا مشي.

اومات فرح، ثم مزت من جوار عمران دون أن تمد يدها إليه، ودون أن تنظر خلفها.

هي فرح بنت حضرتك

أما هو، فظل واقفا مكانه يتابع ابتعادها بصمت.... وعاد بشروده حين علم أنها ابنة الدكتور ادم

او ما ادم اليه

انت تعرفها ... قاطعته فرح سريعا

ايوة يابابا، الدكتور علينا بعد اذن حضرتك يادكتور

قالتها وتعلقت بذراع والدها واتجهت الى الكافتريا، بينما ظل يراقبهم يصمت

خرج من شروده على صوت السيارة التي ترك بها دينا استدار وارتدى نظارته وتحرك اليها

بعد عدة ساعات بمنزل اسر

جلس أسر على الأريكة، يواجه يزن وكريم، بينما وقفت آسيا بعيدا عنه تعقد ذراعيها وحقيبتها

بجوارها

قطع يزن الصمت قائلا بهدوء حاول أن يخفي به توتره

دلوقتي فيه حل يريح الكل يا أسر... تطلق آسيا، وترجع مع أبوها، وبعدها لو لسه متمسك بيها.

اتقدملها من جديد، وهي تختار بإرادتها.

رفع أسر حاجبه ساخرا، ثم أطلق ضحكة خالية من المرح.

هو حضرتك بتقول إيه يا بابا؟ أطلق مراتي... علشان أرجع اتقدملها ؟! ليه كل اللغة دي ؟

بادرت آسيا بحدة

لاني أصلا مش عايزة أكمل معاك.

التفت إليها ببطء، ورمقها بنظرة مستفزة.

هو حد طلب رأيك ؟

اتسعت عيناها من الصدمة، وصاحت:

وإحنا بناخد رأيك ليه أصلا؟! أنا راجعة مع بابا... يلا يا بابا أنا مش مقعد مع إنسان همجي

بالشكل ده.

استرخى في جلسته، ووضع ساقا فوق الأخرى

انتقض يزن من مكانه.

مفيش خروج من البيت... ولو خرجتي، هر جعك بالقانون.

انت بتقول ايه يا ولد ؟!

مد أسر يده إلى جيب سترته، وأخرج ورقة، ثم وضعها أمامهما

اندار طاعة... ومش مغلب.

حدق يزن في الورقة، ثم عاد ينظر إلى ابنه وكأنه لا يعرفه.

انت اتجننت ؟! دي بنت عمتك !

رفع أسر عينيه إليه بثبات.

ومراتي يا بابا

مراته بالغصب !

نظر إلى آسيا محذرا:

متتكلميش... علشان متزعليش مني.

اليوم اللي كنت رايح لك علشان اقولك نتجوز حضرتك قولتي بلعب عليه، وابويا قالي سدن

محدش له حق عندي

مش كدا پایزن باشا، قولت لك سدن زي اختي بس انت اقنعتني، والاستاذة سبتني اخبط، كنتوا عايزين مني اعمل ايه، واحدة قولت لها بحبك، ومستعد اجبلها نجمة من السماء هي عملت ايه.

وقفت قدام مامتها تقول انا يلعب بمشاعره، وشوية داخلة خارجة مع راجل غريب علشان

تفظني وبس كنتوا منتظرين ايه بعد ما عرفت الحقيقة وجاتلي الفرصة

ظل كريم يتابع المشهد بصمت حتى قال بصوت اختلط فيه الألم بالخذلان

بقى دي أخرتها يا أسر؟

هز راسه ببطء.

لا يا عمو .... دي أولها. ثم أردف بنبرة خرجت من أعماق قلبه:

وهقولها لك مرة واثنين وعشرة... أنا بحبها، ومفيش قوة في الدنيا هتبعدني عنها غير الموت.

لو عايزين تاخدوها مني.... اقتلوني الأول.

ارتجف قلب آسيا رغما عنها، وأغمضت عينيها للحظة. فاصبحت كلماته تهزها من الداخل

وتوجعها في الوقت نفسه.... لم تعد تعرف هل تفرح لأنها محبوبة هذا الجنون؟ أم تبكي لأن هذا

الحب يخنقها ؟

فتحت عينيها ببطء، و همست بصوت مرتعش

وأنا... وافقت خلاص يا متر مش هلاقي حد يحبني قدك.

لم يمهلها ثانية.. في لحظة، جذبها من خصرها حتى اصطدمت بصدره، وابتسامة واسعة

ارتسمت على وجهه.

بحبك ؟... يعني انت مش بتحبيني؟

رفعت رأسها، ونظرت مباشرة داخل عينيه، وقالت بصوت خافت لكنه صادق:

مین قال كده .... أنا يحبك طبعا.

أغمض عينيه للحظة، وكأن الدنيا كلها اختزلت في تلك الجملة. كان يشعر أن هناك شيئا تخفيه. وأن خلف اعترافها شيئا ما، لكنه لم يهتم ... يكفى أنها قالتها...

التفت إلى كريم، وقال بابتسامة منتصرة

سمعت یا عمو ؟... بنتك اعترفت قدامك إنها بتحبني.

تنهد كريم بحرقة، ثم استدار وغادر دون أن ينطق بكلمة، أدرك أن أي حديث لن يغير شيئا.

ولحق به يزن لكنه توقف عند الباب، والتفت إلى ابنه للمرة الأخيرة.

معرفش انت بتعمل إيه يا أسر... لكن اللي أعرفه إنك بتغلط. الحياة عمرها ما يتتبنى بالعافية.

لم يرفع عينيه عن آسيا لحظة.

ابتسم وهو يهمس:

خالك شكله مسمعش اللي قولتيه يا حبيبة أسر.

دفعت صدره بكل ما تملك من قوة، وابتعدت عنه.

ما ترجعش تندم عايزه اشوف قوة حبك يامتر، ثم صعدت الدرج مسرعة تخفي اضطراب قلبها

قبل أن تخفي دموعها.

ظل يتابعها بعينيه حتى اختفت بينما ارتسمت على شفتيه ابتسامة رجل ظن أنه انتصر.... ولم

يكن يعلم أن أصعب معاركه لم تبدأ بعد.

مجنونة.. يا حبيبتي

بقصر الجارحي

نهضت متألمة تسحب رويها، وتحركت متجهة الى الحمام، وقامت باخراج ما في معدتها، شعرت

بالدوران، فسقطت مغشية عليها

بالاسفل، تحرك الى جلوس عمران امام المسبح

يااااه ... الدول بيسمع مزيكا

رفع رأسه إلى اخيه

زهقان... فتحت اغاني ابوك

اغاني ابويا ... ودا تأثير جنات

قطب جبينه

جنات مين

ضحك حمزة

حتى الاسم مش فاكره

رد با ابتسامة هادئة

ياعم ولا جنات ولا زهرات

انت غلس ليه ما توافق على جدات علشان ندخل النار يابني

ضحك عمران يهز رأسه ثم اشار اليه بالجلوس

اقعد وكل كريز، وعيش مع نجاة

هي بتقول ايه

عيون القلب سهرانة

ارتفعت ضحكات حمزة

رفع رأسه اليه:

هو القلب له عيون علشان تسهر يابني بيضحكوا علينا

تصدق صح.... هو انا بقيت غبي كدا الناس دي بتضحك علينا، استنى تقلب في دفاتر ابوك

يمكن تلاقي بطن الروح

ارتفعت ضحكاتهم سويا إلى أن صمت حمزة متسائلا

مين اللي شغلت قلب دكتورنا، ومخلياه مش على بعضه

ليه أنا اهبل زيك، لا طبعا مفيش حاجة، قلبي دا مش هسلمه لأي واحدة

علي يادوك دا خبزينا سوى

لكزه بصدره

خبزين ايه يابني

الله الله، بتعملوا ايه يا اولاد اسحاق الساعة واحدة

استدار حمزة لوالده

بتعد النجوم مكانك يا باشا

نهض عمران و حمل هاتفه

تصبحوا على خير

اوقفه اسحاق، حين توقف أمامه

اشار حمزة اليهم

لازم تتكلم هتفضل تهرب مني على طول

ان كان فيها استفراد يابوص، يبقى مطلع انام عندي شغل بكرة

تصبح على خير حبيبي

بغرفة الياس

دلف إلى الغرفة ينزع جاكيت بدلته، وجدها تجلس على الفراش تقرأ بمصحفها، دلف لدقائق

الحمام تم خرج وجدها قد غفت

توقف أمامها يراقب نومها

قومي عايز اتكلم معاكي

تعبانة وعايزة أنام

جلس بجوارها يمسد على خصلاتها

قومي يا ميرو عارف انك مش هتنامي

اعتدلت وجلست تنظر بعيدا عن مرمى عينيه

ممكن تقولي لي مالك

التفتت اليه

مين الست اللي جات لك امبارح يا الياس الست دي شفتها ثلاث مرات معاك، ومعرفش هي

مین

ضم رأسها إلى صدره

أنهى ست يا ميرو، أنا مش فاكر

رفعت رأسها تنظر لعيناه

زهقت مني يا الياس، وبقيت بتبص لست ثانية

توسعت عيناه بذهول

ايه اللي بتقوليه دا

نزلت دموعها بغزارة

انا شوفتك معاها كذا مرة، لو هي حلوة وعجباك اوي كدا عرفني مش يمكن افرح لك.. ماهي

حلوة وصغيرة احسن من ميرال میرال خلاص كبرت

وضع اصبعه على شفتيها يمنعها من الحديث

وحياة ميرال عندي ما عارف بتتكلمي عن ايه

والله.. يعنى مش فاكر الست اللي جت امبارح لابسة فستان أسود لفوق الركبة وشعرها اصفر

وعيونها خضرا، حلوة صح

وطبقا انت كمان تشد أي است.

جحظت عيناه بذهول حين تذكر حديثها عن سارة التي انت لتعزيته

انت شاكة في

بعد اسبوع

صباح الخير... تمتمت بها وهي تدخل الغرفة

نظر في الساعة، ثم اعتدل

صباح النور، طالعها لفترة عله يتأكد انها التي تقف أمامه، ذهبت الى الستائر وقامت بفتح وهي

تقول: مين دي لا حصل..... معمر. لا.. طبعا

قوم بطل كسل الساعة عشرة

كبحت ضحكتها واستدارت اليه

قوم خد شاور على السريع لما اجب لك القطار

شهق بصدمة، وتوسعت عيناه

ليه خطالي سم

ضغطت على شفتيها في محاولة فاشلة من عدم الضحك

وبعدين بقى يعني لو صحيت بدري

وعملت الفطار مش نافع، ولو فضلت نايمة مش نافع، ما ترسى على حل يامتر

ازاح الغطاء ونزل من فوق الفراش

شهقت تصرخ وهي تراه يقترب منها لا يرتدي سوى سروال

انت ازاي تقوم كدا، مش شايفني واقفة

وانت مراتي

جز على اسنانه واقترب منها

محصلش

دنا وهو يغمز إليها

بدليل القطار اللي برة اللي ودخولك على الاوضة توقف عن الحديث وصمت ينظر اليها:

هو ايه الريحة دي، شامم ريحة بانجو

انت بتحششي

يعني ايه البتاع اللي بتقوله دا

حك ذقته يتطلع اليها بتدقيق

شكلك مش مريحني

انا غلطانة اني عبرتك وصاحية من الفجر اعملك الملوخية والرز اللي معرفش اسمه ايه يارب

افتكر رولا قالت اسمه بس مش فاكرة

ايوة ... محمر

محمر.. ما علينا، هو في بني آدم طبيعي بيفطر ملوخية ومحمر على الصبح

اومال عملاهم ليه

علشان انت مش بني آدم طبيعي

ركضت للخارج وهي تصفق بيدها

خرج خلفها

هتروحي فين، ناسية اني قافل الباب بالمفتاح، محدش

ولكنه توقف حين وجد الطعام على الطاولة

شهقة خرجت منه تلقائيا وهو يرى

الملوخية التي توضع في الطبق كما هي

اشار اليها

ايه دي.

ايه انت اعمى ملوخية مش شايفها خضرا ولا العيون ما يتشفش غير

قالتها وصمتت

خطى الى طاولة الطعام، ومد يده يخرج نبات الملحية بعوده من الطبق

معرفتش اقطعها، افتكرت عندك اسنان حادة، فقولت انت هتاخد المهمة

ليه شيفاني بقرة

لا.. السمح الله، هي البقرة بتنام بشورت

ممكن حاجة أكبر من كدا

طيب هوريكي البقرة دي هتعمل، اغلقت الباب خلفها، واستندت عليه

والله لا طهقك عيشتك يابتاع القانون

قال طاعة ... أنا لازم اعرف قانون المرأة ايه هنا بس ازاي دا واخد تليفوني، وقافل الباب.

ياربي يوم ما احب احب مجنون

تذكرت افعالها به طيلة الايام الماضية، ابتسمت وارتمت فوق السرير، تتذكر جنائها معه

والله هتلعب كثير يامتر

مساء اليوم التالي

كان منهمكا بعمله، رفع رأسه عن جهازه حين شعر بفتح الباب، توقفت يداه على الجهاز، وهو

إلى أن وصلت إلى جلوسه

براها تقترب منه بتلك الهيئة، قميضا احمر يصل ما فوق الركبة يظهر أكثر ما يخفي ظل كما هو

ايه هتفضل طول الليل بتشتغل

قطب جبينه يتابعها بصمت ظلا أنها تتلاعب كعاتها، ولكن فجأته حين جلست على ركبتيه، ولفت

ذراعيها حول عنقه، تنظر لعيناه

بقالي ساعة كاملة مستنياك، يلا كفاية شغل

قالتها وهي تغلق جهازه، ثم دنت تقبله

خليتهم يجهزوا لنا عشا فوق جعانة اوي عايزة اكل وأنا في حضنك

تجمد جسده على افعالها، ماذا تفعل تلك المجنونة، مررت أناملها على عنقه، وفجأة دفنت رأسها

بعنقه تقبل

اغمض عيناه محاولا السيطرة على مشاعره التي فجرتها تلك المجنونة.

رفعت عيناها اليه.

ايه هتفضل ساكت كدا مش وحشتك طيب فتحت زر قمیصه، وضع يده اخيرا فوق كفيها

انت شارية حاجة.

ضحكت بصوت مرتفع، ثم انحنت على صدره تهمس له

حبك يابن خالي

رفع خصلاتها وابتسم بمكر، بعدما أيقن انها ليست بحالتها

وحشتك

هزت رأسها وهي تنظر اليه

يعني موافقة نجيب بيبي

اشارت با صبعها

عايزة ثلاثة، ولدين شبهك وبنت شبه

صمنت ثم قالت

اختي العبيطة مش جاتلي وبتوصيني عليك الهبلة بتوصيني عليك، متعرفش اني بخاف

عليك من الهواء دا انا كنت هموت لما شوفتك غرقان في دمك

ابتسم وداعب وجنتيها با اصبعه

وایه كمان

تقابلت الأعين في حديث مؤلم

احتضن وجهها

زعلانة منك علشان بعدت ورحت لغيري

انت مصدقة دا، قلبك دا مصدق اني أحبك غيرك.

لا.... ويلا بقى علشان اقولك أنا يحبك اوووي

ضحك بصوت مرتفع:

وكتاب الله انت شاربة حاجة، هو انت كنتي فين

مخرجتش انت ليه مش مصدق، ثم

هزت كتفها دون وعي ونهضت ترفع يدها

يلا شلني زي أي راجل بيحب مراته، وطلعني فوق اوضتنا

رفع يده وارتفعت ضحكاته

لا.... استني، لازم كل حاجة تبقى صوت وصورة علشان عارفك مش مضمونة

الجنت عليه وتعلقت بعنقه

قوم بقى وبطل هزار بايخ

فتح هاتفه ومازال صوت ضحكاته يصدح بغرفة المكتب.

طيب مش اي عروسة بترقص لجوزها

عايزني ارقص لك

هز رأسه يمسح عيناه التي ادمعت من ضحكاته

اشارت للمكتب

مطلع ارقص هنا عندك مانع

صعدت إلى المكتب بعدما شغلت مقطوعة هادئة تناسب الرقص، ثم استدارت إليه بابتسامة

عابثة تدعوه إليها.

ظل يراقبها بصمت، وعيناه لا تفارقاتها، وكأن العالم بأسره اختفى ولم يبق سوى هي.

مجنونة انت يا حبيبتي... ولست قديشا لأقف صامنا أمام هذا السحر ارحمي قلبا لم يعرف الهزيمة إلا أمامك.

ابتسم رغما عنه، ثم نهض بخطوات بطيئة حتى وقف أمامها من ذراعيه، وما إن اقتربت حتى

حملها بينهما برفق.

تعلقت بعنقه وضحكت بخفة وهمست:

بعرف أرقص.

ابتسم وهو يهز رأسه.

أوي.... بس أنا مش عايزك تعرفي ترقصي.

رفعت حاجبها باستغراب، وحدقت في عينيه.

ليه ؟ مش بيقولوا الراجل بيحب مراته ترقص له ؟

لامست أنامله وجنتها برقة، وقال بصوت خافت:

أنا عايز كل حاجة فيكي تبقى لأسر وبس.

ابتسمت ابتسامة أذابت ما تبقى من مقاومته.

أكثر من كده ؟

أوما وهو يضمها إليه أكثر، ثم سار بها نحو غرفتهما ... الغرفة التي لم تطأها قدماه منذ ليلة زفافهما.

فتح الباب ببطء، وكأنهما يبدأن صفحة جديدة، ثم أنزلها برفق على طرف الفراش، وجلس إلى جوارها.

رفع يده، وأزاح خصلة شاردة من شعرها خلف أذنها، وعيناه تفيضان بحنان افتقدته طويلا.

آسيا.... عارفة إحنا داخلين على إيه؟

هزت رأسها نافية، ثم ابتسمت ابتسامة طفولية جعلت قلبه يخفق بعنف.

تو... مش عايزة أعرف أي حاجة ... غير إنك بتحبني أوي.

ابتسم، وأسند جبيته إلى جبينها، وهمس :

دي الحاجة الوحيدة اللي عمرها ما هتتغير... هفضل أحبك، كل يوم أكثر من اللي قبله لامست

وجنتيه برفق وارتسمت على شفتيها ابتسامة دافئة....

ابتسامة كانت كفيلة بأن تهدم كل أسوار الصمود التي شيدها حتى يأتي وقتها، ولكنها بعثرت كل ما حاول دفته من لهفة واشتياق امامها

لم يعد يملك القدرة على مقاومة سحرها، ولا النجاة من فتنتها التي لم تكن تدرك أثرها عليه. كان يعلم أنها ليست تدرك ما تفعله، يشعر وكأنها مغيبة، هل هذا لعبة من احدهما

أم دعوة صادقة ظل يرفعها إلى السماء في جوف الليل، حتى استجابها الله أخيرا؟ أم أنها بداية الطريق الذي انتظره طويلا، بعد أن أوشك قلبه أن ييأس من الوصول إليها؟

آسر... همست بها وكانت اخر ماكان لديه من قوة تحمل

تعليقات