رواية شظايا قلوب محترقة ( وكأنها لي الحياة ) الجزء الثانى الفصل السادس والثمانون 86 بقلم سيلا وليد


 رواية شظايا قلوب محترقة ( وكأنها لي الحياة ) الجزء الثانى الفصل السادس والثمانون 

ما بين كذبة قيلت لثنهي كل شيء... وحقيقة ستشعل

السادس والثمانون

هناك قلوب إذا اشتاقت... آذت، وإذا خافت... أنكرت، وإذا عشقت... أعلنت الحرب.

لم يكن يعلم أن كذبة واحدة قادرة على هدم ما عجزت عنه أعوام من الألم، وأن الوهم حين يتقن ارتداء قناع الحقيقة.... لا يترك خلفه سوى قلب يبحث عن الانتقام ممن كان يوما موطنه.

وهي... لن تبكي.

ستجرحه... حتى يتمنى لو أن الطعنات كانت في صدره، لا في قلبه.

يا لغرابة العاشقين... كيف يطلب أحدهما الحضن وهو يمد يده بالجرح ؟ وكيف يخشى الآخر

الفقد وهو يدفع من يحب بعيدا عنه؟

كلاهما أحب.... وكلاهما أخطأ في طريقة الحب.

وفي زاوية أخرى من الحكاية ....

هناك طاووس يخشى أن يسقط ريش كبريائه.... اعتاد أن يرى الجميع ينحنون أمام هيبته، ولم

يدرك أن قلبه كان الوحيد الذي ينحني لها.

وغزالة تخشى أن تفضح عيناها سرا عجز لسانها عن الاعتراف به.

هو يختبئ خلف علوه، وهي تختبئ خلف عنادها.....

وكان الكبرباء لم يكن إلا حارضا يقف على باب اعتراف تأخر حتى كاد يصبح وجعا.

لكن الحب لا يموت بالصمت... إنه فقط يتعلم كيف يخفي نزيفه.

مضت ساعات طويلة، حتى بدأت تتململ في نومها... شعرت بشيء صلب تحت رأسها، وأنفاس دافئة تلامس وجهها.

رفرفت بأهدابها ببطء، ثم فتحت عينيها يتناقل ... تجمدت.

وجدت نفسها محاصرة بين ذراعيه، ووجهه لا يفصل بينهما سوى أنفاسهما، حذقت فيه طويلا، غير مصدقة ما تراه، حتى خيل إليها أنها تحلم.

ارتسمت ابتسامة شاردة على شفتيها، مدت أناملها تتحسس ملامحه في رقة.

لكن ابتسامتها اختفت فجأة.... حين لمست وجهه....

فتحت عيناها وأغلقتها عدة مرات، إلى أن وجدته يغفو بجوارها عاري الصدر، لا يستر جسده سوی سروالا قصيرا، بينما ذراعه تطوقها وكأنها أغلى ما يملك.

اتسعت عيناها بذهول، وحاولت أن تتحرر من بين ذراعيه، وما إن ابتعدت قليلا حتى شهقت بقوة، وهي تنتبه إلى هيئتها.

ارتبك تنفسها، وتسارعت دقات قلبها.

حاولت أن تسترجع ما حدث... أي شيء .... أي ذكرى، لكن عقلها بدا صفحة بيضاء، لا يحمل سوى فراغ مخيف... دفعت كتفه بعنف.

انتفض من نومه واعتدل جالسا، قبل أن يقول بصوت أجش

فيه ايه ؟

لم تجبه، بل ظلت تحدق فيه بعينين تمتلكان بالصدمة والغضب.

التفت إليها، وما إن التقت عيناه بعينيها حتى قالت بصوت مرتجف

انت... عملت فيا ايه ؟

قالتها وهي تسحب المفرش على جسدها تنظر حولها يفزع جالت عيناها بالغرفة، من يراها

يزعم أن بها معركة، وقعت عيناها على مفرش السرير الملقى على الأرض وعليه آثار دماء

نظرت لنفسها لتتأكد مما حدث، أغمضت عيناها تدعو الله أن ما تفهمه غير حقيقي.

أوعى تقول اللي فهمته صح ... انت استغليت تعبي واغتصبتني ؟!.

مزر كله على وجهه وهو يستغفر بصوت خافت، ثم نظر إليها باستغراب ممزوج بالضيق:

إيه اللي بتقوليه دا؟... هو إنت نسيتي؟

اشتعلت نظراتها، وهتفت بانفعال

أنسى ايه يا حيوان؟!

في لحظة واحدة، أمسك بذراعها بقوة، وقد احتدت أنفاسه، بينما اشتعلت عيناه بتحذير صريح: أنا بحبك ... لكن لو غلطتي في حقي بالشكل ده هكرهك في الحب نفسه.

نزعت ذراعها من قبضته بعنف، وأخذت تبحث بعينيها عن ملابسها وهي تقول بمرارة ودموعها تنذرف

أنا بكرهك... قالتها بقهر لم تصدق ما فعله بها، تجمد جسده على حالتها، التفتت إليه: انت انسان بشع ......

وقبل أن تكمل كلماتها، وجدته يعترض طريقها، حتى حاصرها بين ذراعيه، فلم تجد مفرا سوی

التراجع خطوة بعد أخرى، إلى أن أصبحت محاصرة أمام جسده، رفرفت أهدابها لا تريد شيئا الآن سوى الفرار من تلك الغرفة، أمال بجسده عليها، همست بتقطع وما زالت دموعها تنحدر على

وجنتيها:

إنت بتعمل إيه يا مجنون، ابعد مش عايزة أشوفك قدامي؟

يزيل دموعها بحنان همس وهو يداعب طرف أنفها بأنفه:

بلاش تقولي كلام مش قده يا حبيبتي ... تمام ؟

ابتسم بمكر، رغم دموعها، لا يريدها بتلك الحالة، يريدها دايما قطته الشرسة، قرص وجنتيها

دفعت صدره بكل ما أوتيت من قوة.

وضع كدا.... إيه مفكر بعد اللي عملته هنكسر قدامك ؟

رقص قلبه فركا من كلماتها رغم شراستها معه، إلا أنها لا تعرف لليأس طريق.

انحنى قليلا، حتى لمست شفتيه ثغرها، فارتجف جسدها للحظة، قبل أن تدفعه وهي تصرخ:

ابعد... يقولك ابعدا

قهقه بخفة، وكأنه يستمتع بكل ذرة غضب تشتعل داخلها وقال:

أبعد إيه يا روحي ؟.... بعد اللي حصل بينا كله وعايزاني أبعد، ده إنت إمبارح قولتي في قصايد

عشق.. ومتقدريش تعيشي من غير أسورة حبيبك...

مش أنا حبيبك يا حبيبة أسر؟.

ر مقته بنظرة مشتعلة:

انت كذاب... ومتفتكرش إنك لما تعمل كده مصدقك...

ابتسم ابتسامة واسعة، ثم جذب الغطاء من فوقها، لتشهق بسرعة وهي تنمشك به بكلتا يديها.

فازدادت ضحكاته.

لكزته بقوة تصرح به:

والله لأفضحك يا متحرش یا ملات صب

أشار لنفسه يذهول:

أنا كدا.. تعرفي على كدا؟!.

اااه .. واحد العوباني، بيلعب الكل على إيده، ومفكر دي شطارة.

بقولك متقريش إيه ما بتفهمش.

دنا برأسه منها، فتراجعت للخلف سريعا

سحبها بقوة لتصبح بأحضانه بلحظة، لا تعلم كم من قوة عنده حتى يتلاعب بها بهذا الشكل.

دفعته بكل قوتها، ولكنه

اعتدل في جلسته، وأخرج هاتفه، تم لف ذراعيه حول جسدها بإحكام، وجذبها إلى

صدره.. أغمضت عيناها بقهر من تلامس أجسادهما، حاولت الإفلات، لكنه سحبها بقوة وهمس

بمشاكسة:

اصبري يا حبيبتي ... هنتفرج على فيلم ثقافي.. متخافيش مش هعمل حاجة، كفاية إمبارح. توسعت عيناها تشير إليه بتهديد:

لو استهبلت هفضحك، وضع إصبعه على شفتيها، ثم نظر إليها طويلا، وقال بجدية

بقت محتلة قلبي كله.

متفتكريش إني بهزر بعد اللي حصل بينا... بالعكس، كل يوم يحبك أكثر، وإنت... المجنونة اللي

اسند ذقنه فوق رأسها، وتابع بصوت امتزج فيه العشق:

أي قرب منك بيعلقني بيكي أكثر... أنا عمري ما كنت كده مش عارف عملتي فيا ايه، خليتيني

واحد ثاني.

أغمضت عينيها، بينما أنفاسها تعلو رغما عنها .. قربه يربكها، ورائحته تسلب منها قدرتها على

الصمود، لكن داخلها كان قلب آخر يصرخ بأن تلتفت إليه تنعم بين ذراعيه وعشقه.. ولكن عقلها

لم ينش بعد مرارة الخيانة، ولم يستطع أن يسامح بسهولة.

ابتلعت عضتها و همست:

ايه اللي حصل .... وإزاي بقينا كده؟.... آخر حاجة فاكرها إلى أخدت حياية للصداع ونمت.

اختفت ابتسامته تدريجيا:

حياية إيه.. إنت مش كنتي رايحة تنامى؟

لفت رأسها قليلا إليه:

أنا كنت تعبانة مكنتش بهزر على فكرة.

ولما قولت لك عايزة أشتري حاجة خاصة، مش علشان أهرب زي ما حضرتك بتقول، كان عندي صداع وجسمي سخن، فأخدت حباية وتمت مش فاكرة يقى الهبل اللي بتقوله دا.

مين جابلك الحناية، هو أنا مش قافل الباب؟

كلمت رولا... بعد ما حضرتك مشيت الخدم، بعثتهالي مع الشغالة اللي عندها.

ثم قالت وهي تنظر إليه بعينين امتلانا بالوجع

قولي بقى .... إزاي قدرت تعمل كده، وإنت شايفني تعبانة، إزاي جبتني من أوضتي، وليه مصمم

تخليني أكرهك ؟

لم يجبها.

فتح الهاتف في هدوء، ومد الشاشة أمامها:

عمرك ما هتقدري تكرهيني، أنا محفور في قلبك.

بلاش الثقة الزايدة دي، لم تكمل حديثها ...

تجمدت ملامحها وهي ترى نفسها تضحك، وترقص بعفوية، بذلك القميص الذي يظهر جسدها

باستفاضة، وقعت عيناها على القميص الملقى على الأرض، رفعت عيناها إلى شاشة الهاتف

وجدت نفسها تقترب منه بإرادتها ... تهمس له، وتنشبت به وقبلاتهما تزداد بجنون الحب.

أغلقت عينيها يقهر، وكأنها تهرب من المشهد، بينما كانت دقات قلبها تزداد اضطرابا.. ولا يختلف

الأمر عنده، كلما تذكر حالتها، تار القلب والجسد معا.

دا مش حقيقي أنا مستحيل أعمل كدا.

اقترب منها وهمس بخبث:

لا يا حبيبي، عملتي، ولسه في باقي... بس بصراحة، عيب تتفرجي على الحاجات دي.

ثم أضاف ضاحكا:

بس معنديش أي مانع نكررها دلوقتي.

قالها وهو يمد يده تحت المفرش.

شهقت وهي تشد الغطاء حولها بقوة، ثم ابتعدت عنه وهي تهتف بغيظ:

انت بتعمل إيه يا بني آدم إنت، ومفكر نفسك مين؟

ابتسم بثقة لا تطاق:

جوزك يا روحي

آااه ...

صاحت بها وهي تلتقط ملابسها الملقاة على الأرض، تتمتم بكلمات غاضبة وهي ترتديها على

عجل .. تكاد تشعر بانفجار عقلها، كيف حدث هذا ؟!

أطلق صفيرا طويلا:

يا أفريقيتي.....

رفعت رأسها نحوه بحدة.

إيه رأيك نسميهم جيبوتي وأمازون .... أكيد بعد مباراة إمبارح هيبقوا توام

عرفت أختار حبيبتي صح يا روحي ؟.

غمر إليها وعيناه تتجول بوقاحة على جسدها، الذي يختبأ تحت الغطاء.

توقفت فجأة، وأخذت تبحث بعينيها عن أي شيء تقذفه به.

انتيه، فقفز من فوق الفراش سريعا، واقترب منها، طالعته وهو بتلك الهيئة التي تجعلها تسقط

بين ذراعيه دون مقاومة.

تراجعت للخلف وهي تشير إليه بتحذير:

هتعمل ايه يا متوحش ؟

ابتسم، ثم حاصرها بين ذراعيه من جديد محاولا كتم ضحكته

لازم تهدي بقى.... مش عايز ولادي ييجوا عصبيين زي مامتهم.

ثم نظر إلى بطنها للحظة، قبل أن يميل إليها هامنا بكلمات وقحة على حد ما فهمته.

اتسعت عيناها، ثم رفعت قدمها وركلته بكل قوتها.

الاخ

تراجع للخلف ممسكا بموضع الضرية، وقد ارتسم الألم بوضوح على وجهه:

يا بنت المجنونة ....

قالها وهو يحاول أن يستقيم، لكنه فشل، فجلس فوق الفراش متأوها.

اقتربت منه بسرعة، ودفعته ليستلقي، ثم عقدت ذراعيها وهي تنظر إليه بانتصار:

تعال بقى... أنا ساكنة لك من الصبح، وحان وقت الحساب يا حبيبي

قالتها وهي تنحني تلكمه بكل قوتها، فكلما تذكرت ما فعله بها يصبها الجنون.

بلحظة انقلب الحال لتصبح في موضع قد يوصل بها إلى حافة الانهيار، حين انحنى يدفن

انفاسه يعنقها، ليرتفع تنفسها تقول بصوت متقطع

أسر... ابعد مينفعش كدا متخلنيش أزعل منك.

رفع عينيه إليها، فتعلقت نظراتهما لثوان بدت وكأن الزمن توقف خلالها، ببطء شديد، رفع أنامله

همس بصوت أجش :

وأزاح خصلات شعرها المبعثرة عن وجهها، يتأقل ملامحها بعشق لم يعد قادرا على إخفائه.

حلوة اوي يا آسيا....

أغمضت عينيها، وهمست بصوت مرتجف

. إنت... معملتش حاجة صح، وبتضحك علي

اقترب حتى أصبح صوته يلامس أذنها:

غلطانة يا حبيبة أسر.

فتحت عينيها تنظر إليه بحيرة، وقد غلبت الدموع نظراتها:

يعني إيه ... إنت بتهزر؟ أنا ... أنا مش فاكرة حاجة.

ابتسم ابتسامة هادئة امتزج فيها الفخر بالعشق

دلوقتي .... إنت آسيا أسر الشافعي.

ثم اقترب أكثر حتى شعرت بحرارة أنفاسه

مبروك يا حرم سيادة الأفوكاتو آسر.

ارتعشت شفتاها و انحدرت دمعة على وجنتها :

ليه ؟

رفع إيهامه يمسح دموعها برفق

علشان بحبك يا آسيا... بحبك من قلبي.

هزت رأسها بعناد، رغم ارتجاف صوتها:

بس أنا ... مش بحبك.

ساد الصمت لحظة، وكان كلماتها أصابت شيئا عميقا داخله.

ظل ينظر إليها طويلا، يعينين امتلانا بالألم، أشاح بوجهه زافزا، محاولا السيطرة على انفعاله:

برضو يعني عايزة أزغلك وأزعل منك.

عادت تنظر إليه بغضب وحيرة:

لم يجبها .. ظل صامتا، أشارت بعينيها إلى المفرش الملقي على الأرض، و شهقة مكتومة أفلتت

منها:

إنت إيه يا أخي إزاي تعمل كدا وإنت عارف اني مش بوعيي.

اضحك علي يا أسر، وقولي إنك معملتش كدا، كان قلبها يخفق بعنف، وداخلها اختلطت

الصدمة بالخوف والإنكار.. ورغم أنها استيقظت بأحضانه، ويتلك الحالة، إلا إنها غير مستوعبة

ما فعله.

تركها تبكي، ثم قال بصوت أكثر هدوءا:

اقترب منها هذه المرة دون سخرية، وجذبها إلى صدره رغم مقاومتها، فانهارت دموعها.

قومي خدي شاور.... واهدي شوية. وأنا هروح الحمام الثاني، وأعملنا فطار.

رفعت رأسها بسرعة، وعيناها تمثلتان بالغضب

مالكش دعوة بيا... إنت أخدت اللي انت عايزه ابعد علي.. كان عندي أمل حتى لو بسيط إنك

متكنش بالقذارة دي.

آسيا متغلطيش، إنتي مراتي، وفوق دا كله إنت اللي جيت لي.

صرخت تدفعه

إنت كذاب، لأنك عارف اني مش كدا.

أطبق على ذراعها بقوة، وهمس بهسیس مرعب

إيدي يا آسر بتوجعني

يعني إيه إنت مش كدا إيه مش جوزك ومش بتحبيني، بتحبيني ولا لا؟

معرفش.. تمتمت بها بصباح.

بوجعك، وإنت إيه، انطقي .... هفضل أتحفل كلامك المؤذي دا لإمتى؟

دفعها بقوة للجدار:

أنا ممكن أتحمل أي حاجة منك إلا حاجتين كرامتي وقلبي، سمعتيني ؟.

أغمضت عيناها، سحبها لأحضانه، يضمها بقوة:

ليه بتعملي كدا، أنا مش هتنازل عنك، اقنعي نفسك بكدا.

رفعت رأسها تنظر إليه:

للدرجة دي بتحبني، وحتي خلاك تعمل كدا ومش هتيأس مني؟.

ابتسم ثم تنهد، مزر أنامله برفق على جانب عنقها، وقال بنبرة حاول أن يجعلها مرحة

ده كان بداية حبي بس يا حبيبتي.

بس أنا مستحيل أخليك تقرب ملي تاني... ومش هنام، ولا هاخد أي علاج بعد اللي حصل

ومش بعيد إنك اللي طلبت من رولا.

خرجت منه ضحكة قصيرة، ثم أسند جبينه إلى جبينها:

انا مش محتاج مساعدة علشان أقرب المراتي، وأوعدك .... أي خطوة بينا بعد كده، هتبقى وانت

واعية، وبإرادتك.

ثم ابتعد عنها.

لكن توقف على كلماتها التالية:

لا طبقا إنت مطلقني، أخدت اللي انت عايزه، وبعد اللي عملته متفتكرش إن كده هبقى أحبك.

استدار إليها فجأة.

تبدلت ملامحه في لحظة، واحمرت عيناه، وبرزت عروق علقه بصورة أخافتها.

اسمعيني كويس....

قال بصوت غاضب لكنه ثابت:

لو سمعت كلمة طلاق دي تاني، هتشوفي وش تاني خالص، خليني أسر اللي

بيعشقك... ومتجبرنيش أبقى أسر اللي كرامته فوق أي حاجة.

اقترب خطوة أخرى، وعيناه معلقتان بعينيها:

. أنا مستعد أصبر... ولكن متلعبيش بكلمة زي دي.

ظل ينظر إليها حتى همس بحدة:

- سمعني ؟

ارتجف جسدها، وأومأت برأسها سريعا.

سماعت ...

أشار إلى باب الحمام دون أن يرفع صوته هذه المرة:

ادخلي ... ولما أرجع، عايز أشوفك أهدى من كده.

وقبل أن يستدير، وقعت عيناه على الفراش يتذكر ما صار ليلة الأمس، فسكت للحظة، ثم تنهد

تنهيدة طويلة، وغادر الغرفة دون أن يضيف كلمة أخرى

هوت على الأرضية بعد خروجه واحتضنت ركبتيها، تدور بعينيها، ثم وضعت كفيها على أذنيها.

بمنزل إلياس وخاصة بغرفته ...

بعد أن نطقت بتلك الكلمات، جلس على حافة الفراش، يحدق إليها بصدمة ممزوجة بوجع عميق:

معقول ... بعد العمر ده كله تشكي في يا ميرال ؟!

أغمضت عينيها، فانفلتت دموعها في صمت حتى تحولت إلى شهقات مكتومة.. خرج صوتها مرتجفا، يحمل كل خوف امرأة لا ترى حياتها إلا في رجل واحد.

أنا ماليش غيرك يا إلياس.....

توقفت تلتقط أنفاسها بصعوبة، ثم أكملت بصوت مكسور

تعبانة ... وعارفة أن من حقك تلاقي اللي يريحك، وأنا تعبتك كثير بس ... مش قادرة أتخيل إن

فيه واحدة ثانية تاخد قلبك الفكرة وجعت قلبي... لو شايف سعادتك مع غيري، اعمل اللي

يريحك .... عمري ما هقف قدام سعادتك من حقك تعيش إنت تستاهل احسن مني... وسامحنى

اني ضايقتك بالكلام ده.

أنهت كلماتها، واستدارت تعطيه ظهرها تهرب من دموعها قبل أن تهرب منه.

ظل يراقبها طويلا، ثم زفر ببطء، وألقى نظارته جانبا، واتجه إليها .. جلس خلفها على الفراش

ومد يده يمشد خصلات شعرها برقة اعتادتها منه منذ سنوات.

همس بالقرب منها:

للدرجة دي مبقتش غالي عندك ؟... وموافقة بسهولة أشوف نفسي مع واحدة غيرك؟

خرجت منها شهقة مرتفعة، دفنت وجهها في الوسادة حتى لا يسمع بكاءها.

اقترب أكثر، وتمدد بجوارها، ثم جذبها يرفق إلى صدره، وأخذ يمرر أصابعه بين خصلات شعرها.

ابتسم بخبث مقصود وقال:

على فكرة ... بقالك كثير مغترتيش لون شعرك شكلك بطلت تهتمي بنفسك... ويمكن عندك حق. يمكن فعلا لازم أبص بزه .. أصل لو كنت مهتمية شوية، كانت عيني راحت يمين ولا شمال؟

انتفضت من بين ذراعيه، ونظرت إليه بعينين غارقتين بالدموع

يعني أنا كنت صح ... هنت عليك؟

اختنق صوتها وهي تكمل:

أنا قلبي ما استحملش مجرد الفكرة إنك....

لم يدعها تكمل، فجذب وجهها بين كفيه، ونظر إليها بعشق لم تخفت ناره رغم مرور السنين

یاااه یا میيرو.... بعد العمر ده كله، ولسه مش عارفة إلياس؟

ابتلعت غضتها، وقالت بعتاب

طيب حظ نفسك مكاني ... كل شوية أشوف الست دي حواليك، وعلى فكرة ... أنا أحسن منها بمراحل، ولو اهتميت بنفسي زي ما بتقول هرجع عشرين سنة لورا ... وساعتها إنت اللي هتجري ورايا، وأنا مش هيضلك أصلا.

لم يتمالك نفسه، فانفجر ضاحكا، ضحكة خرجت من قلبه لأول مرة منذ أيام.

تم احتضن وجهها بين يديه، وأسند جبينه إلى جبينها، وقال بصوت خافت يحمل يقين العمر كله:

حتى لو رجع الزمن بيا ألف مرة.... في كل مرة هختارك انت انت مش أجمل ست في حياتي وبس .... إنت الحياة نفسها، ولو كل نساء الدنيا وقفوا قدامي، والله ما هتشوف عيني غير

ميرال... الست اللي شابت معايا، وضحكت معايا، وبكت معايا، وسكنت قلبي لحد آخر نفس.

أجهشت بالبكاء، لكنها هذه المرة لم تكن دموع خوف، بل دموع امرأة عاد قلبها ليستريح أخيرا

بين ذراعي الرجل الذي كان وطنها منذ أول العمر.

رفعت عينيها إليه، تفتش في ملامحه عن الطمأنينة، وهمست بصوت مرتعش

يعني ... لسه بتحبني، ومفيش ست في الدنيا تقدر تزحزحني من قلبك؟

ابتسم وهو يمسح دموعها بإبهامه، كان كل دمعة تؤلمه:

ولا سئات الدنيا كلها يقدروا ياخدوا مكان ميرو.....

ثبت عينيه داخل عينيها، وأكمل بصوت امثلا بالصدق:

أنا عرفت الحب على إيدك... أول دقة لقلبي ليكي، أول فرحة لنور عيني كانت منك، وعرفت

یعنى إيه حياة، إنت يا حبيبة إلياس، مش جزء من عمري ... إنت العمر كله.

ارتجفت شفتاها، وانفرجت ابتسامة صغيرة وسط دموعها:

وأنا بحبك أوي يا إلياس .... ربنا يخليك ليا العمر كله يا حبيبي.

اجتاحها إلى صدره بقوة، وظل يضفها طويلا.... احتضان رجل وجد في تلك المرأة عمره، ولا يريد من الدنيا بعدها شيئا.

رفعت ذراعيها وأحاطت عنقه، وألصقت خذها بصدره، تستمع إلى نبضات قلبه التي حفظتها عن ظهر قلب، بينما راحت أنامله تنساب بين خصلات شعرها بحنان.

همس بالقرب من أذنها :

انت بالنسبة الإلياس .... الحياة كلها.

ابتعدت قليلا، تتأقل وجهه بعينين عاشقتين، ثم ابتسمت بخفة:

معرفش... كل ما بتكبر، بتحلو أكثر.

انطلقت منه قهقهة صافية، أعادها إلى صدره وهو يقول بمزاح

أهو علشان تعرفي إن جوزك لسه ييتشقط على رأي الواد بلال.

لكزته بخفة في صدره، وهزت رأسها بابتسامة عاشقة:

مغرور

انحنى يقبل مقدمة رأسها، ثم رفع ذقتها برفق، ونظر إليها بعينين تفيضان حبا:

طب إحنا هنقطيها كلام ؟ ده الفجر قرب يطلع، ولسه هتصحي بدري علشان ابنك الحلوف.

مزرت كلها على وجنته ببطء، ثم قالت:

انت بتغير من ابنك؟.

أوي على فكرة ... إنت بتحبيه أكثر مني.

هزت رأسها سريعا بالنفي، ثم احتضنت وجهه بين كفيها:

هو قطعة من قلبنا ... لكن إنت القلب كله يا إلياس.

تأملها للحظات، ثم قبل جبينها قبلة طويلة امتلأت بالامتنان قبل الحب.

وفي تلك اللحظة، ارتفعت ضحكاتهما معا، حتى بدت الغرفة وكأنها استعادت روحها من

جديد.... امتلأت دفنا ونبضا وحياة، بعدما كانت منذ دقائق تغرق في صمت بارد و خوف کاد

يسرق من قلبيهما أجمل ما جمعهما عبر السنين.

بمنزل يوسف ....

كانت تستند على مرفقيها فوق الفراش، تحذق إليه بصمت تراقب ملامحه المسترخية وهو

يغفو بطمانينة تشبه نوم الأطفال، انسابت ابتسامة دافئة على شفتيها، وسافرت بذاكرتها إلى

أيام الطفولة، ورغم ذلك كان إذا مش أحد من يحبهم، تحول في لحظة إلى أسد لا يعرف سوى

الافتراس

عادت بعينيها إليه. تمزرهما على تفاصيل وجهه بالكامل .... حاجباه، رموشه، أنفه، وانحناءة

شفتيه، تبسمت وهي تتذكر قبلاته إليها حتى أغمضت عيناها.

أيعقل أن تبلغ امرأة هذا الحد من عشق زوجها؟

شعرت بقلبها يرتطم بجدران صدرها بعنف، حتى لم تعد تقوى على مقاومة شوقها .. اقتربت

ببطء، وأسندت رأسها إلى عنقه، تستنشق رائحته بعمق، كمد من وجد أخيرا جرعته التي يعيش

عليها، وأغمضت عينيها هامسة بصوت ارتجف من فرط الحب:

لو رجع بيا الزمن ألف مرة ... وكل مرة خيروني بينك وبين الدنيا كلها ... هختارك إنت إنت

ويس.. اكتفيت بيك عن العالم كله يا يوسف.

فتح عينيه ببطء، حين شعر بأنفاسها تداعب عنقه.

ضي...

رفعت رأسها إليه، فالتقت عيناه بعينيها المبللتين بالدموع:

أنا بحبك أوي يا يوسف.....

اعتدل قليلا، ورفع ذقتها بأنامله، يتأقل دموعها بقلق:

إيه اللي حصل ... كنت بتعيطي، إنت منمتيش ؟

هزت رأسها سريعا بالنفي:

لا... مجاليش نوم اسفة إلى صحيتك.... وإنت راجع تعبان.

ابتسم بحنان ثم جذبها إلى صدره، يضفها وقبل أعلى رأسها:

متتأشفيش يا حبيبتي ... ده حقك عليا. أنا عارف إلى مقصر معاكي اليومين دول، بس وفاة

جذو الخبطت كل حاجة ... المستشفى العمليات الكشوفات....

وضعت كلها برقة فوق شفتيه، تمنعه من إكمال حديثه:

منقولش حاجة ... أنا مش زعلانة، كنت بس قلقانة عليك، وقعدت أبصلك وإنت نايم.... والله

كنت شبه الملاك.

رفع أحد حاجبيه بمشاكسة:

شبه الملاك، يعني أنا مش ملاك ؟

ضحكت وسط دموعها، ثم اقتربت وظبعت قبلة رقيقة على وجنته

إنت ملاكي أنا ... ملاك في لوحدها.

داعب طرف أنفه بأنفها وهو يبتسم ابتسامته التي تعشقها.

مجنون بيك يا... غرامي.

قهقهت بخفة:

غرام دي أمي يا دكتور... أنا ضي.

ضحك من قلبه، ومد يده يريت فوق رأسها بحنان

لازم أشكرها علشان جابتلي نضي الثاني.

لا يا حبيبي، أنا مش نضك الثاني، أنا كلك مش مسموح لنفسك تاخد حاجة ملكي.

انحنى وطبع قبلة هادئة بجوار تغرها وهمس إليها:

حياتي كلها ملكك يا حياة يوسف.

وضعت رأسها على صدره وخالت اناملها بكفه، ثم رفعته تقبله، سحبها لأحضانه:

تعالي بقى ... نامي.

أومات وهي تستسلم بين ذراعيه

خلاص... هنام.

ولكن قبل أن تغمض عينيها، قرص وجنتها بخفة:

بس أنا جعان.

استدارت إليه بسرعة

بجد؟! بس الشغالة نامت.

خلاص .... هنزل أشوف في التلاجة أي حاجة أعملها لك.

أمسك معصمها قبل أن تبتعد:

استني ... أنا بهزر.

هزت رأسها بإصرار ثم انحنت تقبله على خده:

لا... إنت نمت من غير ما تاكل دقيقتين وراجعة.

تنهد مستسلما، ثم نهض خلفها:

يبقى هنزل معاكي.

التقط روبها الملقى فوق المقعد، وألبسها إياه بنفسه، ثم أغلقه حولها بعناية:

الأوضة دافية ... لكن تحت أبرد.

ابتسمت وهي تنظر إليه:

إحنا دخلنا الربيع يا يوسف.

ولو.... حتى لو الدنيا حر، اللي يتلبس في أوضة النوم يفضل جوه أوضة النوم وبس.

كادت تعترض، لكنه وضع إصبعه برفق فوق شفتيها.

حتى لو مفيش حد... اللي تلبسيه ليوسف، يبقى ليوسف وبس.

ابتسمت بعشق، ثم أحاطت عنقه بذراعيها:

عيوني ليوسف .... وقلبي ليوسف... وكل في ملك يوسف، حلو كده؟

تأملها لحظات بعينين امتلأتا حيا، ثم همس:

لسه ... هوزيكي يعني إيه حلو.

تعالت ضحكاتها، تملأ أرجاء الغرفة دفنا، قبل أن تهرب من بين ذراعيه متجهة إلى الأسفل.

بعد دقائق.....

كانت تقف أمام موقد الغاز، تعد بعض الأطعمة الخفيفة التي تعلمتها خضيضا من أجله.

التفتت نحوه فوجدته يقف أمام الثلاجة، يخرج حيات الطماطم والخيار والخس، ويضعها فوق

الرخامة.

رفعت حاجبها باستغراب

ایه ده؟

أجابها وهو يلتقط السكين بابتسامة واسعة:

عايز سلطة.

ضحكت وهي تهز رأسها:

خلاص... واضح إن النوم طار خلاص.

اقتربت منه، وأخذت السكين من يده برفق

سيبها عليا ... انت اقعد، وأنا مخلص كل حاجة.

لكنه أمسك يدها قبل أن تبتعد، ونظر إليها بنظرة غارقة بالامتنان:

لا، حبيبي أنا هعملها وإنتي كملي.

عارفة يا ضي.... أجمل أكلة في الدنيا هي اللي بتتعمل وانت واقفة قدامي كده.

احمر وجهها، وخفضت عينيها بخجل، بينما اتسعت ابتسامتها دون أن تشعر.

اما هو ... فلم يكن جائعا للطعام بقدر ما كان جائعا لتلك الحياة التي لا تكتمل إلا بها.

بعد فترة كانت تجلس فوق ساقيه تطعمه بيديها، وتحكي له بحماس كل ما مر بها منذ

استيقظت، كان يستمع إليها باهتمام، لا لأنه مهتم بما ترويه فحسب، بل لأنه كان يستمتع

أوقف يدها برفق، مبتسمًا:

بالطريقة التي تتحرك بها ملامحها، وكأن الحياة لديه اختارت أن تتجسد في امرأة.

كفاية ... شبعت.

نظرت إلى الطبق، ثم إليه باعتراض :

يعني أنزل أقف في المطبخ وأحضر لك الأكل، وفي الآخر تقول شبعت؟

ابتسم وهو يهز رأسه:

صدقيني شبعت... تعرفي ؟ أنا أصلا ما أكلتش من الصبح.

وضعت الملعقة جانبا، واستدارت إليه بكامل جسدها، وقد تبدلت ملامحها:

ليه تعمل في نفسك كده مش وعدتني تهتم بنفسك؟ أنا أروح أشتغل دكتورة علشان أهتم بيك

يعني..

من أنامله يقرص وجنتها بحنان:

اليوم كان ضغط جدا، ولما رجعت لقيتك نايمة .... وماليش نفس، وبعدين أهو، كلت من إيدك.

ظلت تحدق فيه بصمت، وعيناها تخفيان حديثا طويلا.

ابتسم وهو يهمس:

عايزة تقولي ايه ؟

رفعت حاجبها بدهشة:

وإنت عرفت منين إلي عايزة أقول حاجة؟

لف ذراعيه حولها حتى صارت أقرب إلى نبضه:

بعد العمر ده كله ... معقول أيقى لسه مش فاهم نظراتك ؟ إحنا اتربينا سوا، وحفظت كل حركة

فيكي، وكل نظرة، وكل زعل، وحتى الطريقة اللي بتسألي بيها من غير كلام.

ابتسمت بخجل امتزج بدهشة:

بس عمرك ما قلتلي إنك حافظني كده.

أسندت جبيتها إلى جبينه، وأغمضت عينيها:

لأنك كنت كتاب مفتوح .... وكل صفحة فيه كنت بحفظها من غير ما أحس.

أنا كمان كنت بحفظ تفاصيلك بإرادتي كنت بستنى ضحكتك، وأفرح بكلامك، وأزعل لو

زعلت... معرفش ليه كنت مهتمة بكل حاجة تخضك.... رغم إن الناس كلها كانت بتقول.

أخوكي .. ولا مرة تخيلتك هتبقى زوجي... وحبيبي... وكل العمر اللي نفسي أعيشه.

ارتجفت أنفاسه .. ورغم أنه طبيب قلب إلا أن هناك نبضات يعجز عن تفسيرها، أي علم يستطيع

أن يشرح قلبا يخفق لمجرد أن وجودها بالنسبة إليه حياة.

كان يرى العشق فيهما كما ترى النجوم في ليلة صافية .. لا تحتاج إلى كلمات.

همس وهو يغرق في عينيها:

تعرفي إيه أصعب حاجة؟ إلي كل يوم بحبك أكثر من اليوم اللي قبله ... وكل يوم أكتشف إن

قلبي لسه قادر يحبك من جديد، كأني أول مرة أشوفك.

اقترب منها، وطبع قبلة دافئة على جبينها، ثم احتضن وجهها بين كفيه، كأنها أثمن ما امتلكت

يداه.. لما لا فهي أثمن من عمره.

همست اسمه بعشق عيناها قبل شفتيها ...

ايه رأيك نكرر العملية ثاني، يمكن ربنا المرة دي يحبنا، نفسي في بيبي منك اوي

فتح فمه للحديث الا انها وضعت كفيها على شفتيه

مش هيأس، من حبي فيك عايزة نسخة منك.. طالعها للحظات، فدنت منه

ووحياة في اللي بتعشق يوسف توافق انحنى ليحتضن ثغرها بقبلة، لا يفعلها سوى عاشق حد الجنون، ولم يختلف الأمر عندها، فهي بالنسبة لها قبلة من عاشق، بل نبضات القليها حتى تستمر

حياتها، وهواء لتنفسها لتعرف كيف ستكون الحياة وهي بين ذراعيه أقرب إليه من نبضه نفسه. ابتعد عنها قليلا، يلتقط أنفاسه، بينما هي دفنت رأسها بعنقه، ترجع أنفاسها برائحته التي لا تريد

سواها، رفع كفيه يمشد على خصلاتها:

يقول الأكل دا محتاج مبارة رياضية من نوع خاص.

رفعت نظرها إليه، فابتسمت عيناها قبل شفتيها.

حملها بين ذراعيه بعفوية، فتعلقت بعنقه تلقائيا، وكأن مكانها الطبيعي بين نبضاته.

تلاقت أعينهما مرة أخرى، وفي تلك اللحظة، صمتت الشفاه، وتحدثت العيون.

كانت عيناه تقولان: " لو خيروني بين العمر كله.... وبين لحظة واحدة وأنت بين ذراعي، لاخترت

اللحظة، لأنها تختصر الحياة"

وكان قلبه يردد بصمت: "ما كنت يوما أخشى الموت.... لكلني أصبحت أخشى أن يأتي يوم لا

أراك فيه، فأنب لسب امرأة أحببتها ... أنت الوطن الذي عاد إليه قلبي بعد طول اغتراب"

وهكذا ظل الصمت بينهما أبلغ من كل القصائد، وظلت العيون تكتب ملحمة عشق لا تنطقها

بقصر الجارحي...

الألسنة ... بل تحفظها القلوب مدى الحياة.

جلس إسحاق قبالة ابنه، يتأقله بصمت أثقل من الكلمات، كان ينظر إلى وجهه وكأنه يبحث فيه عن ذلك الشاب الذي كان يضحك معه يوما، فلا يجد سوى ملامح شاب لم يعد لديه شيئا من المرح.

تنهد طويلا، ثم قال بصوت خافت اختلط فيه الرجاء بالألم:

هفضل قلقان عليك كده لحد امتى يا عمران... ليه مش عايز تطمن قلبي عليك يا ابني ؟

رفع عمران عينيه إليه يبرود يخفي وراءه وجقا عتيقا:

هو جوازي من اللي حضرتك اخترتها ... ده هيطمنك يا باشا؟

أطرق إسحاق برأسه لحظة، وكأن الكلمات أصابته في مقتل، ثم ابتسم ابتسامة باهتة:

تمام یا عمران .... انسى موضوع الجواز خالص تعال نتكلم زي زمان.... فاكر لما كنت أول واحد

تيجي تحكيلي كل اللي جواك؟ والله بقيت بحس أن بيني وبينك ألف سور... ومبقتش حاسس إنك ابني اللي كنت أعرفه.

أغمض عمران عينيه لثوان، ثم قال بصوت متعب:

بابا ... لو سمحت أنا مش عايز أتكلم في أي حاجة.

مد اسحاق يده نحوه بعفوية

يا حبيبي... اسمعني بس.....

لكن عمران نهض سريعا، يهرب من الحديث قبل أن يهرب من أبيه

أنا تعبان .... ومحتاج أنام ساعتين عندي محاضرة بدري ... بعد إذنك.

قالها وغادر دون أن يلتفت خلفه.

ظل إسحاق يراقب ظهره حتى اختفى، ثم أطلق زهرة موجوعة، وكأن بايا آخر أغلق بينه وبين ابنه.

في تلك اللحظة، خرجت دينا تحمل فنجانين من القهوة:

رايح فين عملت قهوتك مع بابا.

ابتسم لها عمران ابتسامة صغيرة، حاول أن يخفي بها ما بداخله

تسلم إيدك يا حبيبتي.... ها خدها أشربها في أوضتي.

تناول الفنجان وصعد الدرج بخطوات بطيئة.

وقفت دينا تتابعه بعينين امتلانا بالشفقة، حتى غاب عن ناظريها، ثم استدارت نحو زوجها.

بغرفة حمزة، قبل قليل...

دلف إلى الغرفة بهدوء، يظن أن شمس ما زالت نائمة.

جالت عيناه في أركان الغرفة، فلم يجدها.

اتجه إلى غرفة صغيرهما، اقترب من المهد، فوجد الطفل غارقا في نومه بسلام.

ابتسم للحظة، ثم تلاشت ابتسامته سريقا.

عاد إلى غرفته، واتجه نحو باب الحمام.

طرق الباب طرقات متتالية:

شمس...؟

ولكن لا إجابة.

ازداد قلقه، فأمسك بالمقبض ودفع الباب.

وفي اللحظة التي انفتح فيها الباب.....

تجمدت الدماء في عروقه.

كانت ممددة على أرضية الحمام، ساكنة تماما ... شاحبة كأن الحياة انسحيت من جسدها.

السعت عيناه في ذهول، تم الدفع نحوها صارحًا:

ششششمس....

جنا على ركبتيه، حملها بين ذراعيه بارتعاش، وكأن قلبه سيتوقف قبلها:

شمس... ردي عليا.

لكنها بقيت ساكنة.

خرج بها مسرعًا، ووضعها فوق السرير بكل ما يملك من رفق، بينما أنفاسه تتلاحق بعنف، وعقله

شل تماما.

دار بيصره في الغرفة بجنون، حتى وقعت عيناه على روبها.

ركض إليه، وعاد يكسو به جسدها المرتجف ويداه ترتعشان بصورة أفقدته القدرة على السيطرة

على نفسه.

تناول هاتفه بأصابع تكاد لا تطيعه، واتصل بوالدته.

كانت دينا قد وضعت فنجان القهوة أمام إسحاق، وقالت وهي تراقب ملامحه

شكلك اتكلمت مع عمران.

هز رأسه في إرهاق، ورفع الفنجان إلى شفتيه:

الحيوانة لسه مأثرة فيه.... مش قادر أشوفه عايش بنص قلب لازم يطلع من اللي هو فيه.

تنهدت دينا بحزن

معلش يا إسحاق ... كان أول حب، وقلبه وقتها كان أبيض.

ذهب ببصره بعيدا وهو يهمس بندم أنهكه السنين:

لولا إلى تدخلت... كانت دمرته أكثر عمران مغلطش قد ما أنا غلطت يا دينا.

وضعت يدها فوق كفه برفق

بلاش تحمل نفسك ذنب كل اللي حصل .... سيبه، يمكن ربنا يرزقه باللي تداوي قلبه من غير ما

تتدخل.

أغمض عينيه وهمس:

يارب .... نفسي أشوفه بيضحك من قلبه ثاني هو لحد النهارده ميعرفش أنا عملت إيه علشانه.

ابتسمت دينا ابتسامة حنونة:

ابنك عاقل .... وأنا متأكدة إنه مش رافض الجواز، هو بس لسه ما قابلش الست اللي تخليه ينسى

وجعه .. بكرة تفتكر كلامي.

وقبل أن يجيبها ....

شق رنين الهاتف سكون المكان.

التقطت دينا هاتفها، ثم انعقد حاجباها:

ايه ده... ده حمزة.

قال إسحاق بقلق :

ردي بسرعة .... يمكن تميم جراله حاجة.

أيوة يا حبيبي....

ضغطت على زر الإجابة:

لكنها لم تسمع سوى أنفاس متقطعة، وصوتا مرتعشا بالكاد خرج من بين شفتيه.

انتقضت واقفة:

أنا مش فاهمة .... أهدى يا حمزة ... أنا طالعة لك حالا، وبابا هيتصل بالدكتور.

هب إسحاق من مكانه وقد تبدلت ملامحه

فيه ايه ؟

التفتت إليه، وقد شحب وجهها و همست بصوت اختنق من الخوف

مفهمانش غير كلمة واحدة ....

شمس ... مش بترد عليه.

بعد دقائق، انفتح باب الغرفة، وخرج الطبيب وعلى وجهه ابتسامة لم يستطع إخفاءها.

انتقض إسحاق من مقعده، واتجه إليه بخطوات متلهفة

إيه الابتسامة اللي على وشك دي يا عز؟

اتسعت ابتسامة الطبيب وهو يربت على كتفه

مبروك يا سيدي.... هتبقى جد للمرة الثانية.

السعت عينا إسحاق، وكأنه لم يستوعب ما سمعه:

قول والله

ضحك الطبيب وقال:

والله.

انطلقت ضحكة إسحاق عالية، صافية

الله أكبر ... الحمد لله.... الحمد لله يا رب.

خرجت دينا على صوت ضحكاته تنظر إليه باستغراب:

فيه إيه يا إسحاق ؟

التفت إليها، وعيناه تلمعان بالفرحة

هبقى جد الثاني مرة يا دينا

ابتسمت بحنان

ألف مبروك يا جلو.

ثم التفت إسحاق إلى عمران الذي كان يقف بصمت يراقب المشهد بعينين سعيدة

وضل الدكتور حبيبي.

اكتفى عمران بإيماءة هادئة للطبيب، ثم أشار إليه أن يغادر، بينما عاد إسحاق ينظر إلى دينا:

هزت دينا رأسها برفق

هو فيه نعمة في الدنيا أحلى من دي ؟ ادخلي الشمس .... عايز أشوفها.

مش دلوقتي يا إسحاق.

قطب جبينه باستغراب:

ليه ؟! أكيد علشان ابنك الحلوف.

تنهدت بحزن

ابنك من جواه فرحان، بس بيحاول يهديها ... لأنها منهارة من العياط.

انعقد حاجباه

بتعيط ليه ؟

بتقول إنها لسه والدة من كام شهر ... وخايفة، ومش قادرة تستوعب إنها حامل ثاني.

هر إسحاق رأسه في هدوء، وقد خفنت ابتسامته قليلا:

طيب ... ادخلي قولي لها عمك عايز يطمن عليكي بس.

حاضر.

وبعد دقائق....

دلف إسحاق إلى الغرفة بخطوات هادئة، وعلى وجهه ابتسامة دافئة.

كانت شمس تجلس ورأسها منخفض، تمسح دموعها سريعا قبل أن ترفع عينيها إليه.

اقترب منها، وقال بصوت امتلأ حداثًا:

ألف مبروك يا حبيبتي .... ربنا يتفملك حملك على خير، ويقر عينك بولادك.

أطرقت رأسها خجلا، ولم تستطع الرد.

جلس أمامها، وظل ينظر إليها للحظات، ثم قال بهدوء:

بصي يا شمس .... أنا عارف إنك تعبانة، وإن الحمل جه بدري، وإن الخوف مالي قلبك.... وده

حقك بس أوعي تخلي خوفك ينشيكي نعمة ربنا.

رفع سبابته إلى السماء وهو يكمل:

الولاد رزق يا بنتي ... رزق ناس كتير بتقضي عمرها كله، وتبكي في كل سجدة عشان ربنا يرزقها

طفل واحد، حتى لو تمسك صباعه بس.

اختنق صوتها وهي تهمس:

أنا مش معترضة على رزق ربنا ... والله ما معترضة ... أنا بس .... خايفة.

ابتسم إسحاق بحنان ومد يده يريت على رأسها:

وأنا مصدقك، والخوف من حرام يا بنتي ... لكن الاعتراض هو اللي حرام خافي براحتك

إلا الخير حتى لو إحنا مش شايفينه دلوقتي.

وابكي براحتك، لكن في الآخر قولي.. الحمد لله على اختيار ربنا لأنه سبحانه ما بيختارش لعبده

انفجرت شمس في البكاء، فأخذ كلها بين يديه، وقال بابتسامة مطمئنة:

صدقيني ... هيجي يوم تشيلي البيبي ده، وتبصيلي وتقولي .. الحمد لله إن ربنا كتبه

ليا ... وساعتها هتعرفي إن رزق ربنا عمره ما كان حمل على القلب... كان دايما رحمة.

وقولي الحمد لله على نعمك يارب.

هنا تذكرت أخيها وحرمانه من أجمل نعم الله، همست:

الحمد لله على كل هدايا ربنا.

قبل جبينها ونهض ينظر لحمزة الذي هز رأسه بتفهم.

اتجه إليها حمزة بعد خروج إسحاق ودينا:

يارب تكون هديدا بعد حديث بابا؟.

ابتسمت من بين دموعها:

تفتكر هنجح إلى ابقى أم لطلفين صغيرين أوي كدا.

انحنى وقبل وجنتها ثم همس إليها:

أحسن مامي في الدنيا.

دفنت رأسها بأحضانه، مشد على شعرها بحنان

شمس أنا الفرحة مش سيعاني، ممكن تحسسيني بالسعادة دي بلاش أحس إلي أذنبت معاكي.

رفعت رأسها تنظر إليه تهز رأسها:

لا طبعا مش دا قصدي خالص.

احتوى وجهها وسيح بعينيها:

أنا شغوف بحب شمسي وحياتي.

لمعت عيناها من بين دموعها، ثم حاوطت عنقه، سحبها يضفها بقوة لأحضانه يطبع قبلة حانية

فوق رأسها، يحمد ربه على عطاياه.

بغرفة عمران...

دلقت دينا بابتسامتها:

مبروك يا عفو شوفت فرحة البيبي بتكون حلوة إزاي.

ربنا يسعدهم، ويكفل حملها بخير.

عقبالك يا حبيبي لما أشوف ولادك.

مالك يا دينا هتعيشي دور الأم البريئة.

لكزته بخفة وقالت:

إيه الأم البريئة دي، يعني أمك مش بريئة يا عمران .... طيب أنا زعلانة.

انحنى يقبل مقدمة رأسها:

إنت أحسن أم في الدنيا.. يا بخت بابا بيكي.

حاولت جنب وجهه بكلها:

إن شاء الله ربنا يرزقك بأحسن مني يا حبيبي.

لا، يرزقني إيه يا ست الكل، ريحوا نفسكوا مني.

صمت ينظر لوالدته:

ماما لو سمحتي بلاش تخنقوني بالجواز، أنا مش صغير، وعارف مصلحتي كويس.

قطع حديثهم صوت إسحاق:

ايه يا دينا هتباتي عندك.

نهضت تهز رأسها:

جاية ... خلاص، تصبح على خير حبيبي.

وانت من أهله يا ست الكل.

نهض متجها إلى الحمام، وما هي إلا دقائق حتى عاد إلى فراشه، ليستسلم النوم عميق.

بمنزل بلال....

كان يجلس أمام شاشة حاسوبه يتابع بإمعان إحدى جراحات العظام المعقدة التي يجريها

طبيب عالمي، وعيناه لا تفارقان تفاصيل العملية، بينما كانت زوجته تغفو بين ذراعيه في

سكينة، وكان صدره وطنها الوحيد.

مرت الساعات دون أن يشعر حتى تنبه إلى ألم خفيف في عنقه.. أغلق الحاسوب برفق، ووضعه

جانبا، ثم ألقى نظرة طويلة على وجهها المستكين فوق صدره.

ابتسم تلقائيا، ومن أنامله بمشد خصلات شعرها بحنان قبل أن يطبع قبلة دافئة فوق رأسها،

و همس بالقرب من أذنها:

حبيبتي... يلا، نطلع أوضتنا.

تمتمت بصوت ناعس، وهي تشدد ذراعيها حول عنقه

خلينا شوية كمان....

ضحك بخفوت، ثم اعتدل بحذر حتى لا يوقظها، وحملها بين ذراعيه صاعدًا بها إلى الأعلى.

فتحت عينيها نصف فتحة، وحذقت إليه بابتسامة ناعسة:

بلال .... رايح فين ؟

أجابها وهو يواصل صعود الدرج:

هرميكي في البحر.

دارت بعينيها بمشاكسة:

هي الساعة كام دلوقتي ؟

ثلاثة الفجر.... يا دوب نلحق ننام ساعتين قبل الشغل، ولسه هقوم أصلى الفجر.

رفعت رأسها قليلا، تتأمله بعشق :

مش كنت بتقول هنرميني في البحر؟

انحنى حتى لامس طرف أنفه أنفها، وقال مبتسمًا:

حرام الجمال ده يبقى من نصيب السمك .... أومال أنا أعيش على إيه؟

الكزته بخفة في صدره، وانطلقت منها ضحكة رقيقة:

بظل قلة أدب.

وضعها فوق الفراش، ثم تمدد إلى جوارها، يضفها إلى ذراعه كأنها الجزء الناقص من روحه

أنا قليل أدب يا روحي.

اسكت بقى علشان زعلانة منك عايز ترميني في البحر.

أنا أقدر أسيب أم يوسف ؟... دي حياتي كلها .

التفتت إليه، ورفعت ذراعيها تعانق عنقه، وهمست بابتسامة يغمرها العشق:

أفهم من كده إنك بتحب أم يوسف أوي ؟

تعلقت عيناه بعينيها، وكأن العالم كله اختفى من حولهما، ثم قال بصوت خرج من قلبه قبل

شفتيه

بعشق أم يوسف... أكثر ما هي بتعشق نفسها.

المعت عيناها، وارتسمت على شفتيها ابتسامة امتزجت بدمعة فرح

وأنا كمان......

رفع سبابته برفق، ووضعها على شفتيها، مقاطعا كلماتها وهو يبتسم:

جوزك راجل عملي يا حبيبتي .... مش بحب الكلام اللي ملوش أهمية.

أطلقت ضحكة عذبة، جعلته يحدق بها .. يرفرف قلبه إليها وكأنها المرة الأولى التي يلامس بها شيئا.

أنقلته الحياة.

اقترب منها أكثر، وهمس بكلمات لم يسمعها سواهما، كلمات لم تكن مجرد اعتراف بالحب، بل وعدا يتجدد كل ليلة بأن تبقى هي السكينة التي يعود إليها، ويظل هو القلب الذي يحتضنها مهما

تعلقت عيناها التي تحاوره بمزيج العشق، بعينيه الذي يقول لها، كفي عن دلالك سيدة قلبي، فلم

يبق مني سوى نبضات لك وحدك.

همست يحبه، ليرد لها أضعاف الحب.

عشق يترجم ليس كلمات ثقال، إلما دفء القلوب بتجانس الأرواح والنبضات قبل الأجساد،

الترتفع الأنفاس وتزداد الخفقات، حتى تحولت الغرفة لسكون هادئ لا يسمع به سوى كلمات

الغزل والعشق و

ليصبح كل ركن بها شاهدا على روحين جمعهما الحب قبل أن يجمعهما البيت، ليصمت كل

ما حولها سوى قلبيهما وحدهما مستيقظين، يكتبان فصلا جديدا ككل ليلة لتزداد ملحمة الحب بينهما.

بمنزل أرسلان....

كان يجلس أمام شاشة حاسوبه تتنقل عيناه بين الملفات والبيانات بسرعة، يبحث عن شيء

بعينه، مرت دقائق قليلة حتى ارتسمت على وجهه ملامح الرضا بعدما وجد ما يريد. رفع هاتفه، أجرى اتصالا مقتضبا بأحد رجاله، أعطاه عدة تعليمات حاسمة، ثم أغلق الخط وعاد

إلى عمله، غارقا في تركيزه.

قطع انشغاله دخول غرام التي وقفت عند الباب تراقبه لحظات قبل أن تقترب

ارسلان .... لسه صاحي ؟

ابتسم دون أن يرفع عينيه عن الشاشة:

خلاص يا حبيبتي... كان في حاجة مهمة لازم أخلصها.

جلست بجواره، تتابع حركة أصابعه فوق لوحة المفاتيح، ثم قالت بعد تردد:

في حاجة عايزة أسألك عنها.

أوما برأسه في هدوء، وما زال منشغلاً بما أمامه.

تنهدت وقالت:

اللي اسمها سارة دي ... رايحة جاية عليكم ليه ؟

قطب حاجبيه، ثم التفت إليها أخيرا:

مين سارة؟

اللي جت إمبارح ... واللي كانت موجودة يوم عزا عمو مصطفى.

ظل ينظر إليها لحظة محاولا تذكرها، ثم قال:

مش فاهم تقصدي مين.... ناس كتير جت تعزي، وأنا أصلا مكنتش مركز مع حد.

اسندت خذها إلى كلها، وعيناها لم تفارقا وجهه:

أم عيون ملونة ... أول ما شوفتها بصيت لإلياس واتغيرت ملامحك ... أم نور... اللي كان خاطب ضي.

صمتت قليلا، ثم أكملت بنيرة أكثر جدية:

في الأول قلت يمكن علشان يوسف ميضايقش .... خصوصا إن نور كان معاها، لكن لما بعثني

وطلبت مني أخلي ميرال ترتاح ومتخرجش ... حسيت إن في حاجة.

تنهد ارسلان ببطء، خلع نظارته الطبية وأغلق الحاسوب، ثم استدار إليها بكامل جسده

غرام .... ممكن تتكلم في الموضوع ده الصبح ؟ والله العظيم مش قادر أفتح عيني من التعب.

رفعت حاجبها وهي تناديه بحزم

أرسلان...

رفع سبابته مقاطعا إياها:

قلت ايه ؟

نهضت من مكانها، وقد بدا الإصرار واضحا على ملامحها:

لازم تتكلم دلوقتي ... الموضوع مش بسيط، حتى الولاد خدوا بالهم.

توقف مكانه واستدار اليها:

الولادا دخلهم إيه في الكلام ده؟

قالت وهي تعد على أصابعها :

الست دي جت هنا ثلاث مرات... وفي مزات ميرال أصلا مكنتش موجودة. غير إنها كانت في

فرح أسر .... وكل مرة بتحصل حاجة غربية.

نظر إليها طويلا، تم زفر وهو يهز رأسه:

غرام.... هو انت مش واخدة بالك إن بقالك فترة ناسية إن ليكي جوز؟

اتسعت عيناها في دهشة:

ايه ؟!

ابتسم ابتسامة مرهقة، لكنها صادقة:

من يوم وفاة عفو مصطفى وإنت مشغولة بميرال، وبالبيت منكرش كنت مشغول بأقي، لحد

ما حالتها اتحسنت جبتها تقعد معانا ... وأنا؟

اقترب منها خطوة... وعيناه لم تفارق عيناها

لكن المدام ما صدقت، زي ما يكون ارتاحتي، وبقيت أنا آخر واحد بتفتكريه.

أنا يا ارسلان؟!

قلد كلماتها:

أيوة انت يا أرسلان، لانت نبرته أكثر وهو يهمس:

كنت مستني أول ما تشوفيني تقوليلي: "وحشتني".... وتنفردي بيا زي أي ست جوزها

بيوحشها، لكن انت أول ماجت لك الفرصة كان أول سؤال قابلتيني بيه كان عن سارة.

شهقت وهي تنظر إليه غير مصدقة :

وحشتك إيه يا أرسلان ... إنت بقيت جدا

رفع حاجبيه باستنكار مصطنع

نعم يا أختي ؟

ثم ضرب كما يكف:

هو اللي يبقى جد خلاص تتشال منه المشاعر يبقى ممنوع يشتاق لمراته ؟

ضحكت رغما عنها، لكنه لم يمنحها فرصة للرد:

ادخلي يا هاتم.... شوفي أي قميص، أي فستان، حتى لو لونه بنفسجي فسفوري... أصفر، أنا

موافق، وغيري لون شعرك وحطي شوية أخضر وبرتقالي مش مهم، أي حاجة، حسسيني إلي

متجوز، بدل ما إنت ماشية في البيت بجلابية الغسيل دي.

نظرت إلى نفسها، ثم إليه، واتسعت عيناها بصدمة:

أنا ... شبه جلابية الغسيل ؟

اقترب أكثر، وأمسك طرف عباءتها بين أصابعه وهو يتفخصها بتصلع:

دي شكلها نسخة من اللي كانت أم أنس الله يرحمها بتنزل بيها السوق.

شهقت وهي تدفع يده بعيدا:

إيه يعنى أنا بقى مش عاجباك؟

تم لكزته بقوة في صدره

وبعدين .... إنت كنت بتبص لأم أنس وهي رايحة السوق يا غشاش ؟

فتح فمه يريد الدفاع عن نفسه، لكلها لم تمنحه الفرصة:

طب والله ما أنا قاعدة لك في البيت

استدارت في غضب طفولي، وخرجت مسرعة من المنزل.

ظل ينظر إلى الباب المفتوح لحظات، ثم ضرب كفا بكف وهو يضحك في ذهول.

يخرب عقلك يا غرام.... هو الواحد بقى ميعرفش يضحك عليكي ما هي وصلت لأم عيون

ملونة، إلهي تقوم من قبرك يا راجح نفسي أشوفك قدامي، وأنا كرهك اسم راجل في حياتك

ربنا يجحمك.

تم الدفع خلفها مسرعا، وهو يظن أنها تمزح بالخروج، ولكنه توقف مذهولاً، حين وجدها

متحركة نحو منزل بلال :

يخربيتك.. دي خرجت بعباية الغسيل.

بمنزل سارة...

كانت تجلس امام المرأة تضع بعض المرطبات على بشرتها، دلفت والدتها توقفت تعقد ذراعيها

أمام صدرها:

غذا سأرحل عن مصر سارة، أنا لم أعد أريد العيش هنا.

توقفت بمقابلة والدتها:

ليه يا ماما، هو انا زعلتك في حاجة ؟!

أفعالك جميعها سارة، يكفي إنك السبب في مطاردة معتز لا أعلم كيف وصل بك الحال لهذا

الحدي

مش أنا السبب يا ماما.

سارة.... علمت أنك ذهبتي الى قسم الشرطة، وساعدتي هؤلاء الناس.

ماما .. إنت قعدتي مع إلياس ويزن هل فيهم حاجة من اللي وصلت لنا؟.

أنا لا أريد منهم شيئا، أنا أريد الحفاظ على حفيدي فقط، سأغادر أنا ونور، وهذا آخر ما أريده. بتلك المدينة المتطرفة بأحد محافظات مصر كان يجلس على رأس الطاولة، يتحدث فيما يفكر

:

أريد كل شيئ عم يدور في ذلك الكمبوند.

كل شيئا

لا تقلق سيدي، كله على ما يرام.

الأيام السابقة كان هناك أيام عزاء، والآن الجميع عادوا إلى أماكنهم.

فتح الجهاز وأشار إلى بعض الصور..

كان يتابع الصور بتركيز مع عمل كل فرد به
تحدثث مع عملائنا بالخارج وأخبرتهم بالوضع، وهم مستعدون على تقديم المساعدة سيدي.

سنحتاج، ولكن ليس الآن الآن يجب أن تفعلوا ما طلبته على أكمل وجه.

بعد فترة ظل يتابع الشاشة التي تتحرك على صور عائلة الشافعي بأكملها.

مفكرين نفسكم أذكياء، متعرفوش مين هو معتز.

توقف واقترب من الشاشة يتابع الصور الى أن توقفت على صورة يوسف، أمسك قلقا باللون

الأحمر وتهكم:

طبيب والده الغالي... صبرا غذا سنلتقي، وستعلم غلاوتك عند البابا.

ثم اتجه إلى أسر، وارتفعت ضحكاته

أوووه ... أفوكاتو العائلة الكريمة لماذا هربت عروسك، لابد أن تعلم سويا.

ثم وصل إلى بلال:

أما أنت لم أغامر عليك، بل أنت من ستزحف إلى سأدفعك اقترابك من ملكة الروح إربا

إربا ... ايها الطبيب العبقري.

باليوم التالي... في الجامعة وخاصة كلية الاعلام.

داخل قاعة الامتحان، كان الصمت يفرض هيبته على المكان.

كان يقف بين المقاعد، يتفقد الطلاب بعينين حادتين، يراقب الوجوه والأوراق في صمت... خطا

بضع خطوات، حتى توقف أمام مقعدها انخفضت عيناه إلى ورقتها للحظة، قرأ ما خطته، ثم

أكمل طريقه دون أن ينطق بحرف، ليعود إلى مكانه من جديد.

في تلك اللحظة، رفعت فرح رأسها نحوه، لكنها ما لبثت أن شهقت بصمت وهي تشعر بوخزة

حادة اخترقت أسفل بطنها.

تصلبت ملامحها.

حاولت أن تبتلع أنينها، لكن الألم كان يشتد ثانية ... وثالثة .... حتى شعرت بمعدتها تنقلب رأسا على

عقب.

وضعت يدها على شفتيها سريعا، ونهضت من مكانها مترنحة، ثم هرولت نحوه

لو سمحت... عايزة أروح الحمام.

رفع رأسه إليها متعجبا من شحوب وجهها، وقبل أن يسمح لها، كانت قد اندفعت خارج القاعة

مسرعة.

تعالت همسات الطلاب.

فالتفت إليهم بوجه صارم وقال بلهجة حاسمة

كل واحد يبص في ورقته... واللي يخلص يراجع إجاباته.

ثم خرج إلى باب القاعة، وأشار إلى إحدى زميلاتها:

- روحي شوفي مالها.

حاضر يا دكتور.

مرت دقائق بدت أطول من المعتاد....

ثم عادت فرح بخطوات بطيئة، وجهها شاحب كأن الدم قد هجره، وعيناها غارقتان في الإرهاق.

انقبض قلبه بقوة على حالتها.

اقترب منها دون شعور

- انت كويسة ؟

هزت رأسها بصعوبة :

آه... الحمد لله.

ظل يتابعها بعينيه وهي تعود إلى مقعدها، يتحرك جسدها ببطء، وكأن كل خطوة تستنزف ما

تبقى من قوتها.

ناداها قبل أن تجلس /

فرح.

استدارت إليه بنصف جسدها.

فقال بنيرة أقل حدة مما اعتادها الجميع:

لو تعبانة ... أجلي الامتحان.. صحتك أهم.

ابتسمت ابتسامة باهتة وهمست بصوت يكاد لا يسمع :

. لا ... أنا كويسة.

ثم جلست، بينما بقي هو ينظر إليها للحظات قبل أن يعود لمكانه، لكن شيئا بداخله ظل يخبره أن

الأمر ليس طبيعيا.

مر نصف وقت الامتحان....

وأصبحت الكلمات أمام عينيها تتداخل، بينما الألم يتحول إلى طعنات متلاحقة تمزق جانبها.

ضغطت على بطنها بكلتا يديها، وأطبقت شفتيها بقوة حتى لا تصرخ.

لكن الألم لم يرحمها .....

بدأ العرق يتصبب من جبينها، وتسارعت أنفاسها حتى شعرت أنها تختنق

رفعت رأسها بصعوبة، تبحث بعينيها عنه.

كان يقف في مقدمة القاعة، يتحدث بالهاتف.

استجمعت آخر ما بقي لديها من قوة.

نهضت... لكن قدميها لم تعودا تحملاتها.
أخذت تستند إلى المقاعد واحدا تلو الآخر، وجسدها يتمايل بعنف، وأنفاسها ترتفع بصورة

أخافت من حولها.

شعر بحركة غير طبيعية داخل القاعة.

التفت سريعا ... فتجمد مكانه.

كانت تقف مستندة إلى أحد المدرجات، وجهها أبيض كالموت، وشفتيها ترتجفان.

قطب حاجبيه، وهتف يقلق واضح

بتعملي ايه عندك يا انسة ؟

رفعت إليه عينيها المملوءتين بالدموع و همست بصوت متقطع خرج بصعوبة

....هموت

وما إن أنهت كلمتها، حتى انهارت على الأرض.

خرجت منها صرخة موجوعة، صرخة اخترقت جدران القاعة قبل أن تخترق قلبه هو.

في أقل من ثانية، كان جائيا بجوارها:

فرح .... فرح ! مالك ؟

تشبثت بقميصه بكل ما أوتيت من قوة، وأصابعها ترتجف بعنف.

صرخت وهي تبكي

الحقني ... هموت .... مش قادرة ....

لم ينتظر لحظة أخرى.

حملها بين ذراعيه، واندفع بها خارج القاعة وسط ذهول الطلاب متجها إلى غرفة الكشف.

كانت تتلوى بين ذراعيه، وأنينها يمزق قلبه، بينما يحاول أن يطمئنها رغم اضطرابه

فتح الباب بقدمه وهو يهتف:

بصيلي يا فرح... خلاص، وصلنا الدكتور هيكشف عليك، متخافيش.

حد هنا؟!

اسرعت الممرضة نحوه

خير يا دكتور؟

فين الدكتور الحالة تعبانة جدا.

بدت الحيرة على وجهها

الدكتور راح المبنى الثاني... هيكون هنا بعد حوالي عشر دقايق.

نظر إليها غير مصدق:

عشر دقائق ؟!

عاد بعينيه إلى فرح، فوجدها تحتضن بطنها بكلتا يديها، تبكي بحرقة، وجسدها يرتعش من شدة

الألم.

جلس أمامها، وأخذ يمسك يكتفيها برفق

. فرح ... بصيلي ... قوليلي إيه اللي بيوجعك ؟

فتحت عينيها بصعوبة، وقد غطاها الدمع.

خرج صوتها مكسورا، متقطع الأنفاس:

جنبي ... وجعني اوي هموت ....

تم تشبئت بذراعه كما يتمشك الفريق بطوق النجاة.

اتصل بيابا... أنا... أنا عايزة بابا....

ارتجف شيئا بداخله

لم يسأل أكثر... لم ينتظر الطبيب.....

بل حملها مرة أخرى بين ذراعيه، وانطلق بها خارج الكلية بأقصى سرعة، و قلبه ينبض بعنف

وكل ما يدور في رأسه سؤال واحد....

يا رب تكون بخير.

بمنزل أسر..

دلف إلى المنزل، بعد فتحه بمفتاحه الخاص، توقف فجأة حين وجدها تجلس على مقعده

ترتدي قميضا أسودا طويل وفوقه روبه، وتضع ساقا فوق الأخرى، وتحمل كوبا من مشروبها

الجلدي الخاص بمكتبه، لقد أخرجته لخارج الغرفة، تجلس عليه كملك الضب على عرش مملكة

الخاص بين كفيها.

زم شفتيه، وخطا إلى جلوسها، تم توقفت خطواته وهو يرى لوحة كبيرة معلقة بالجدار وتدون

عليها :

أيها المتر الغبي...

من خدعك بمقولة

" إن الخدعة مباحة في الحب والحرب"

ألم يخبروك أن للحرب شهداء، وللحب أيضا شهداء... إلا أن شهداء الحب يمشون بين الناس

وقلوبهم مدفونة في صدورهم.

ألم تعي في الحرب قد تكون الخدعة انتصارا ... أما في الحب فهي هزيمة للأخلاق قبل أن تكون

هزيمة للعاشق.

فلا تبرر الخيانة باسم الحب، ولا تسم الكذب ذكاء، ولا تجعل الخداع بطولة.

لأن الحب الذي يحتاج إلى خدعة ليبقى ... لم يكن حبا من البداية، بل كان رغبة في الامتلاك

وخوفا من المواجهة.

فإلي أعلنها في وجهك، إنها من شيم الجبناء.

فالحرب أيها الغبي تكتب نهايتها في كتب التاريخ ... أما خدعة الحب، التي تتغلى بها فما هي إلا

أنها تكتب كل ليلة في قلب لم يعد يعرف كيف يثق بك مرة أخرى.

فكن شجاعا وأطلق رصاصة الرحمة.

صفق وهو يضحك:

برافوووو ليك مستقبل في الصحافة...

كيف تحزرين الشباب الكسالي.

جزت على شفتيها، محاولة الا تنهض وتصل إليه تقبض على عنقه، ولن تتركه سوى وهو يلفظ انفاسه.

غمر إليها حين وجد نظراتها الاختراقية

عارف إلى حلو وأمور ومدلع...

سيبك من أشعارك الغدة دي طبختي لي إيه النهاردة، جعان يا روحي.

الام

حلو... قومي هاتيه، ومتنسيش العصير لحد ما أخد شاور.

المية قاطعة.

شهق بصدمة مصطنعة واستدار إليها:

ودا ليه ... مدفعناش الفاتورة ولا إيه ؟

أهو كدا، عجبك ولا لأم.

اطبق على ذراعيها:

آسيا

عقلي، شغل الأطفال دا بلاش منه.

نظرت إليه بقهر:

انت لسة عايز مني إيه بعد اللي عملته ؟.

أنا مش عايزة أكمل معاك

دفعت كل ما صادفها في طريقها، ثم وقفت أمامه وعيناها تتقدان غضبا:

تقدمت خطوة حتى لم يعد يفصل بينهما سوى أنفاس متوترة:

إنت اتجوزتني بالغش ... واللي بيتيني على الغش عمره ما يدوم.

قاطعها وهو يمسك بذراعيها، وقد بدا الإرهاق على ملامحه، لكن صوته خرج ثابتا

يعني دي مقابلتك راجع من الشغل تعبان.... والمفروض أي ست تستقبل جوزها بابتسامة، مش

بخنافة.

رمقها من رأسها حتى قدميها، وأضاف بمكر:

وبحاجة تفتح النفس.

ضحكت بسخرية مريرة

جوزها هو مين جوزي إن شاء الله ؟ إنت مش جوزي.

اقترب حتى حاصرها بينه وبين الحائط، وقال بصوت منخفض:

بعد اللي حصل بينا ... لسه بتقولي مش جوزك؟

حاول أن يرفع ذقتها لتنظر إليه، لكنها أدارت وجهها بعيدا في عناد، فجذبها نحوه حتى ارتطمت

بصدره

مفيش راجل عاقل يطلق واحدة قلبها متعلق بيه.

ثم همس باستفزاز

ولا نسبتي إمبارح نسيتي مين اللي كان بيقرب.. ومين اللي استسلم ؟

رفعت رأسها إليه بعينين تشتعلان قهرا:

طيب يا أسر... أنا هعرف أخليك تطلقني.

ابتسم ابتسامة واثقة، كان كلماتها لم تصله أصلا:

الطلاق؟ هيبقى مستحيل.

ثم قال وهو يريت بكفه:

بعد كام أسبوع ... هنبقى بنستني أول حكاية بينا.

دفعته بكل قوتها:

أحلام

ابتعدت عنه وهي تتمتم بغيظ، فأوقفها صوته:

التفتت إليه بصدمة:

كلمتهم يجيبوا الطلبات.... جهزي نفسك النهاردة هتأكلي جوزك من ايدك.

أنا أطبخ ؟!

وليه لا.. أهو تتعلمي حاجة بدل مالكيش لازمة.

عقدت ذراعيها أمام صدرها:

في أحلامك.

علشان تعملي لجوزك حبيبك الأكل يا روحي.

ااااه... قالتها تضرب قدمها في الارض، ثم صعدت إلى الأعلى.

دلفت إلى غرفتها تغلق الباب بقوة خلفها:

بقى كدا يارولا... أثق فيكي.

جلست تتأكل من الغيظ تفكر كيف لها أن ترد كرامتها .. فجأة تحدث قلبها :

هتقدري تعيشي من غيره؟.

رد العقل بفظاظة:

حتى لو بتحبيه.

وتعيشي بلا كرامة، مش شايفة بيقولك أيه هيفضل يذلك لازم تبيني له إنك مش ضعيفة.

مسحت على وجهها بعنف:

أعمل ايه... أعمل ايه...

فجأة فتح الباب وأشار إليها:

الحاجة جت، انزلي اعملي الأكل، وبعد كدا أرجع من الشغل الاقي الأكل جاهز.

انت مجنون، هو أنا بعرف أطبخ ؟!.

اتعلمي يا روحي.

فيا احلامك إن شاء الله، إنشاء الله ما أكلت أنا مالي.

تمام.... أنا بقول كدا برضو فيه حاجات تانية تصبر الواحد عن الأكل.

رفعت حاجبها باستخفاف

أيوة اعمل اللي إنت عايزه.

مش بقول بتموتي فيا، بس مكسوفة.

قالها وهو ينزع قميصه ويلقيه على الأرض.

شهقت وهي تتابعه، إلى أن وصل إلى بنطلونه.

انت اكيد مجنون، إنت عايز إيه ؟.

الله .. مش قولتي أعمل اللي أنا عايزه ؟.

تراجعت للخلف حين اقترب منها بعدما نزع بنطاله، ولم يتبق سوى بسروال داخلي.

وضعت كفيها على عينيها و صرخت به.

هتعملي نتغذى، ولا اتغدى على حاجة ثانية؟.

ا بعد يا بني آدم.

شعرت بأنفاسه القربية تضرب وجهها، رفعت عيناها، لتنتفض بجلوسها وهي تراه بتلك الطلة.

المس وجنتيها، وغمز:

وحشتيني طول اليوم ومشاهد إمبارح مش عارف أخرجها من عقلي، وكنت بعد الدقايق، بس

لمس شفتيها فجأة، لتتوسع عيناها مبتعدة.

كنت مكسوف مش عارف أبدأ منين، بس دلوقتي قلبي بيقولي انك كمان مكسوفة.

منتكسفيش يا روحي، أنا جوزك حبيبك اللي مش هتقدري تعيشي من غيره.

مش دا كلامك إمبارح وإنت بتغريني علشان أستسلم.. وكدا فتحتي عيني على حاجات مكنتش

أعرفها، ضيعتي براءتي اللي طول حياتي بحافظ عليها.

رفعت يديها الاثنين على وجهه، وقت لو صفعته بكلتا يدها، وضع يده على يدها:

إيه حبيبة أسر عايزة تبوسيني طيب مش تقوليلي علشان استعد.

جزت على شفتيها حتى أدمتها من رد أفعاله، ورغم ذلك أمالت إليه:

أيوة طبقا يا حبيبي، أومال مش جوزي حبيبي.

انت يا بني آدم.

في لحظة كانت على ساقيه، شهقت تنظر إليه، أغمضت عيناها :

ايه يا إفريقتي مش بجهزك علشان تستعدي إزاي تقبلي زوجك قبلة العاشقين.

مزر أنامله على شفتيها كأنه يرسم إليها القبلة.

لكزته بقوة تدفعه ولكنه كان الأقوى:

إيه هنعمل غدا ولا.....

خلاص هروح أعمل غدا.. وشع بقى.

لا.. فيه ضرايب على التأخير.

برقت عيناها ... أشار إلى شفتيها:

جاهزة لدفع الضريبة.

نظرت ليده الذي يحاوطها بها، وحالته التي يجلس بها، رد قائلا

انسي، وحياتك يا حبيبة أسر ما هسيبك غير لما تدفعي الضريبة.

ارتفعت أنفاسها، أشار إليها بغمزة من عينيه.

انحنت تقبله، ولكلها ضغطت على شفتيه بأسنانها بقوة، ليتراخى ذراعيه، هيت من مكانها

وركضت للخارج.

دلفت المطبخ، نظرت حولها بتيه، فمنذ أن تزوجا كان يطلب الطعام من الخارج.

خطت للذي يوضع على رخامة المطبخ.

وصل إليها وتوقف خلفها:

جبت لك الخضار، والفراخ والسمك، يلا وزيني شطارتك.

ومين يقي إن شاء الله اللي هيعملك تنس مم.

إنتي يا روحي.

طلعت روحك يا بعيد.

قدامك ساعتين، لو ملقتش الأكل جاهز أكيد عارفة هعمل إيه.

وريني شطارتك يا خمسة سنتميتر.

بعد فترة...

كان يجلس فوق رخامة المطبخ

اغسليه ثاني، مليان جراثيم.

التفتت اليه:

أحط عليه كلور، يمكن ينصفك.

اتكلمي والوقت ببعدي، باقي ساعة.

بس دي ريحتها وحشة أوي أطبخها إزاي ؟.

الصرفي، أومال متجوزة ليه ؟.

يارتي الغبية الثانية ما حفظتنيش حاجة ثانية أرد عليه بيها.

الوقت.

خرجت خارج المطبخ لدقائق، ثم عادت وهي تحمل بيدها زجاجة من العطور، وتقدمت إلى لحم

الدجاجة.

انتي هتعملي ايه ؟.

معطرها ريحتها بشعة، وبعدين علشان تاكلها بنفس مفتوحة.

كتم ابتسامته بصعوبة، وقفز من فوق الرخامة متجها إليها :

علشان تعرفي إنك فاشلة، ومش نافعة لحاجة غير لسانك الطويل.

أثارت نظراته غضبها وطريقة كلامه الحادة، استدارت سريعًا ولم تفكر كثيرا، ثم حملت الطبق

الذي توضع به الفراخ بمياهها، وسكبتها فوقه:

بالهنا يا متر

قالتها وركضت للخارج سريعا تسله، بينما وقف محاولاً استيعاب ما فعلته.

استدار وتحرك خلفها سريعًا، وهو يقسم لها.

أغلقت الباب خلفها، وجلست على الأرضية خلفه، تناقف، رفعت كفيها، ثم اغمضت عيناها

و نهضت سريعا إلى الحمام

بعد فترة خرجت من الحمام تلتف بالمنشفة، وجدته جالسا فوق الفراش:

دا كله بتاخدي شاور، طيب مش تستنيتي.

دخلت إزاي أنا قافلة الباب.

جالت عيناه على جسدها، تحركت سريعا من أمامه، بينما هو خرج، قبل أن يندم.

مضت الأيام والحال كما هو.

بمنزل إلياس ...

يوسف ... فيه حفل في بيت راكان المكتب بتاعه اجتاز قضايا مهمة الفترة اللي فاتت، وعامل

احتفال لكل اللي شاركوا فيها .. خد بلال واسر ولازم تحضروا.

صمت لحظة، ثم أكمل:

ومن ضمن القضايا دي ... كانت قضية أسر، وراكان هيخليه يطلع يقول كلمة قدام الناس .. دي

مبتجيش غير كده.

فرصة مهقة ليه، محتاج يختلط بأهل المجال ويكون اسمه، لسه في أول الطريق، والخبرة

خفض يوسف رأسه، وقال بصوت خافت:

هروح حفلة إزاي بس يا بابا... جدو لسه مكفلش شهرين.

ابتسم إلياس ابتسامة باهتة، وربت على كتفه بحنان

يا حبيبي... الحزن مكانه القلب، إنما الحياة مبتقفش على حد.. جدك نفسه لو كان موجود، كان

أول واحد هيز عقلك لو وقفت حياتك.

تنهد يوسف وهز رأسه:

حاضر يا بابا

وقبل أن يضيف شيئا، دوى رنين هاتف إلياس.

نظر إلى الشاشة فارتسمت ابتسامة دافئة على وجهه

ازيك يا حبيبتي... عاملة إيه؟

جاءه صوتها مشتاقا

وحشتني اوي يا بابا ... عاملين ايه ؟ بتصل بماما من بدري ومش بترد.

ماما عند عقك ارسلان راحت تجيب تيتا، وهخليها تكلمك أول ما ترجع.

ثم سألها وقد التقط شيئا غريبا في نبرتها:

احنا كويسين يا حبيبتي... صوتك ماله ؟

ساد صمت لثوان، قبل آن ترد

مفيش .... قلت أظمن عليكم بس.

وقبل أن يكمل حديثه، سمع صوت حمزة يأخذ الهاتف منها:

مبروك يا جدو إلياس .... بقيت جد للمرة الثانية.

ضحك الياس بعفوية:

الله يبارك فيك يا أخويا ... إيه يا عم رايق كده، ما رحتش الشغل ليه؟ بظل كسل با حلوف

ضحك حمزة وقال:

الله.... أنا بقولك مبروك وانت بتتريق عليا هتبقى جد للمرة التانية.

توقفت ابتسامة إلياس فجأة:

تقصد ايه؟

جاءه الرد الذي زلزل قلبه:

شمس... حامل.

شهق إلياس، والسعت عيناه، ثم نهض من مكانه دون أن يشعر:

نعم.. يا روح أمك ؟!.

وفي تلك اللحظة، دلف كريم إلى الداخل.

رفع إلياس رأسه نحوه، وقال وهو لا يزال تحت تأثير المفاجأة:

هكلمك بعدين يا حمزة.

وأغلق الهاتف.

ابتسم كريم وهو يصافح يوسف:

ازيك يا يوسف؟

الحمد لله يا عفو.

ثم التفت إلى إلياس :

قاضي شوية؟ عايز أتكلم معاك.

أجاب يوسف وهو ينهض:

طيب... أنا همشي أجهز نفسي، ومتصل ببلال وأسر.

أوما إليه إلياس، حتى خرج، ثم أشار لكريم بالجلوس.

ساد صمت ثقيل بينهما قبل أن يتحدث إلياس :

قول ... مالك ؟

زفر كريم بقوة، ثم قال:

عايزك تدخل في موضوع آسيا وأسر. عاجبك اللي بيعمله ؟ قافل عليها الباب، وأخد تليفونها.

ومنعها حتى تكلم أهلها.

أطرق إلياس برأسه، وكأله كان يتوقع الحديث:

والله يا دكتور... ما أنا عارف.

هر كريم رأسه بضيق:

لا.... واضح إلك مش عارف. دي بنتي، ومش هسكت وهي محبوسة بالشكل ده.

تنهد إلياس:

اتكلمت معاه، وأرسلان كمان اتكلم معاه... الواد دماغه ناشفة، ومش بيسمع غير اللي في دماغه

اللي حصل الفترة اللي فاتت لخبطه ... كلنا اتلخبطنا، يزن موجوع، وأنا موجوع، وإنت

موجوع .... ومبقاش عارف أرضي مين ولا أسيب مين.

قال كريم بحدة

يعني تفضل عايشة معاه غصب عنها ؟

مال إلياس للأمام، ونظر إليه بنيات:

اسمعني يا دكتور... الواد بيحبها، يمكن غلط، ويمكن طريقته أسوأ من الغلط نفسه.... لكن بيحبها

صمت لحظة، تم اكمل بنبرة هادئة

ومتمشك بيها.. والجوازة دي حصلت خلاص، سواء رضينا أو رفضنا.

أنا شايف نذيهم فرصة .. يمكن بعد ما العاصفة تهدى .... الأمور تتصلح بينهم.

ضرب كريم كله بذراع المقعد:

يقولك حابسها !

أوماً إلياس :

عارف... ودي أنا مش هسكت عنها هكلمه ولو معملش اللي هقوله ها جبره، لكن أسر عمره ما

كان بيتصلح بالعند، صدقني ... أكثر حاجة مطمناني انه بيحتها .. ولو نسيت، افتكر إنه كان مستعد

يموت علشان يحميها.

قطب كريم حاجبيه

الحب مش معناه سجن مش من حقه يمنعها من أهلها ولا يحبسها بين أربع حيطان.

أطرق إلياس رأسه في صمت.

ثم قال كريم بنبرة امتزج فيها الغضب بالقهر:

أنا النهارده ... بعد ما وصلت قسم الشرطة ... رجعت ثاني.

رفع إلياس رأسه بسرعة

قسم الشرطة ؟!

أبوه ... كنت داخل أعمل محضر.

اتسعت عينا إلياس:

إيه اللي بتقوله ده يا دكتور ؟!

تنهد كريم بحرقة:

رجعت.... علشان خاطر مراتي وخاطر صاحبي قلت أذي فرصة أخيرة.

تنفس إلياس الصعداء:

الحمد لله إنك معملتش كده.. يزن عمره ما كان هيسامحك .... مهما ابنه غلط، في الآخر هو ابنه.

هز كريم رأسه في يأس :

أنا مش فارق معايا يطلقها ولا لا... أنا عايز بنتي ترجعلي، ولو هتكمل معاه يبقى بإرادتها، مش بالإجبار، لكن أهو.... أنا جيت وحذرتك... بعد كده محدش يلومني على أي خطوة هاخدها.

بعد فترة بمنزل أسر...

فستان أحمر يصل إلى تحت ركبتيها قليلا بتصميم جريء أبرز أناقتها، رفعت خصلات شعرها إلى أعلى فانكشف عنقها الناصع، ثم فتحت علبة مجوهراتها، لتنتقي عقدا ألماسيا كان هدية من أحد أصدقائها في عيد ميلادها قبل أعوام... كانت تعلم جيدا أن رولا تعرف هذا العقد... وهذا

وحده كان كافيا ليمنحها ابتسامة ماكرة ارتسمت على شفتيها.

ألقت نظرة أخيرة على انعكاسها في المرآة، ثم التقطت زجاجة عطرها، ونثرت منه المساب

خفيفة، قبل أن تفتح الباب وتخرج بخطوات أنثوية ثابتة.

كان اسر يقف في الشرفة، يتحدث عبر الهاتف:

. أيوة يا يوسف .... خلاص اسبقنا، بلال مشي هو كمان معرفش ليه الإصرار إننا نروح الحفلة دي.

جاءه صوت يوسف ضاحكا:

والله يا أسر أنا هلكان وعايز أنام بس بابا قال لازم كلنا نبقى موجودين، وبعدين لازم تشكرهم

على وقوفهم معانا في قضيتك.... ولا إنت مضايق علشان لسه عريس؟

ابتسم بسخرية باردة

. أيوة .... عريس.

توقف حين سمع وقع كعبها يقترب.

استدار... وقعت عيناه عليها، تجمد مكانه.

ظل يحدق بها لثوان طويلة، حتى نسي مكالمته مع يوسف... استمع إلى صوت يوسف:

تمام .... تتقابل هناك.

أغلق الهاتف ببطى، ثم اقترب منها، وعيناه لا تفارقان هيأتها.

قال بصوت منخفض، لكنه مشحون بالغضب

إيه اللي انت لابساه ده؟

عقدت ذراعيها أمام صدرها وقالت ببرود:

حضرتك شايف إيه ؟

شايف حاجة مينفعش مراتي تلبسها.

ابتسمت بسخرية مستفزة:

اشتدت ملامحه، وقبض على ذراعها بقوة

. والله دي مشكلتك .... مش مشكلتي إن ذوقك واقف عند زمن تاني

خلي الليلة دي تعدي على خير.

رفعت رأسها إليه بلا خوف، وعيناها تشتعلان تحديا:

وإيه اللي هتعمله أكثر من اللي عملته ؟

اشتعلت عروقه غضبا:

اطلعي غيري الفستان ده... بدل ما أتصرف بطريقتي.

نزعت ذراعها من قبضته بعنف، واستدارت التغادر.

. هنمشي .... ولا أطلع أكفل اللي كنت بعمله؟

وصل اليها بخطوة واحدة، أمسك بطرف الفستان بعنف، وجذب السحاب بقوة انفلت معها

القماش، ليتمزق بصوت حاد.

حذقت فيه بصدمة، وعيناها اتسعنا غير مصدقة ما فعله.

أما هو .... فتراجع غضبه للحظة، وكأنه أدرك حجم اندفاعه، لكن كبرياءه منعه من التراجع.

ارتفعت أنفاسهما ونظرات مشتعلة، تختلط فيها الصدمة بالغضب.

اقترب منها خطوة، وقال بنيرة امتزج فيها الاستفزاز بالسيطرة

تصدقي الحفلة مش على مزاجي، وماليش نفس أخرج، وأكيد هيعذروني، ما أنا لسة عريس

ويعتبر في شهر العسل.

كانت تستمع إليه بصمت قاتل، ورغم هدوءها إلا أن داخله كان يحترق، لا يريد شيئا سوى أن

تنطق بتمزدها كالعادة، لحظات مزت كأعوام وهي واقفة لم تتحرك إنش واحد، وهو ينظر إليها فقط.

إلى أن هتفت قائلة:

هستلي من واحد متجوزني ومعيشني معاه بالغصب لا وكمان تقم جوازه مني زي المغتصب.

بس فيه رجالة كدا، نرجسية مفكرين نفسهم أقوياء، ولكن.....

صمتت ترمقه باستحقار شعر بانتفاض جسده من كلماتها، نظرات ساخرة منها، ليغمض عيناه

محاولاً السيطرة، فلقد أيقنت هدفها باستمتاع.

فتح عيناه ليتفاجأ حين نزعت الفستان من عليها:

مبقاش فارق معايا حاجة، وجودك زي عدمه.

بعد فترة

توقفت بجواره بعد أن أنهى كلمته التي وجه خلالها رسالة شكر لفريق المحاماة الذي تولى

الدفاع عنه، متحدثا عن رحلته مع القضية، وكيف انتصرت العدالة في النهاية. انهالت عليه أسئلة الصحفيين، فأجاب عنها بهدوء وثقة، وباللباقة التي اعتادها الجميع منه.

إلى أن رفعت إحدى المذيعات الميكروفون، وقالت بابتسامة:

وبعيدا عن القضايا ... ألف مبروك على الزواج الناس كلها نفسها تعرف أخبار حياتك الزوجية.

وإيه سر التفاهم بينك وبين المدام؟

التفتت عدسات الكاميرات نحو أسيا، التي كانت تقف على مقربة منه.

ابتسمت ابتسامة خافتة، ثم تقدمت بخطوات واثقة حتى وقفت إلى جواره.

نظر إليها أسر، ظالا أنها ستشاركه الحديث.....

لكنها التفتت إلى المذيعة مباشرة، وقالت بنبرة هادئة، حملت بين حروفها قوة أربكت الجميع :

مش كل اللي الناس بتشوفه بيكون حقي

ثم تابعت ، وعيناها لم تغادرا عدسة الكاميرا:

أنا والأستاذ أسر.... جوازنا كان مخطط، من الاستاذ، وقدامكم بعلتها إجراءات الطلاق هنتم قريب.

وتبسمت ابتسامة صغيرة، قبل أن تضيف:

فيه حاجات مينفعش تاخدها بلوي الدراع مهما تكون حتى لو كانت اخر انفاسك

اتسعت أعين الحضور، وتبادلت عدسات المصورين النظرات، قبل أن نتجه جميعها نحو أس

الذي وقف للحظات عاجزا حتى عن النطق.

نزلت من فوق المنصة، تبتسم با انتصار ضغطت رولا على شفتيها بقهر مما فعلته، لم تكن تتخيل أن يصل بها الحال لهذا الحد

التفت بلال إلى يوسف الذي يتابع ما يحدث بصمت، ورغم صمته إلا أن عيناه تنطق بالغضب

بلال والله ماكنت أعرف

رولا.... خديها من هنا وأمشوا، لو جت هنا هخنقها

طب وأمر

استدار يرمقها بغضب، فتحركت دون أن تنطق، ثم تحرك بلال متجها إلى يوسف

يلا نمشي ولا عجبك الفضايح دي

تمشي ونسيب اسر، لا... ولا كأن حاجة حصلت ارجع مكانك مش عايزين نلفت الانتباه

يوسف... دقيقة وهتلاقي الدنيا انقلبت هنا

قولت لك روح مكانك

بعد فترة وصل الجميع إلى الكمبوند

بمنزل إلياس بعد قليل

دخلت میرال تحمل حفيدها

جدو احنا جينا ... مات الكلام على شفتيها حين وجدت إلياس يجلس مع سارة

تعالي يا ميرال .... قالها بدخول يزن وطارق

اهلا يا باشمهندسة .... لكنها كانت تنظر لميرال التي تجمدت بوقفتها، وهي تنظر لزوجها الجالس

حمحم بزن وهو يقترب من الجالسة

بجوار تلك التي ترتدي بدلة نسائية منمقة، وتطلق لخصلاتها العنان دلفت شمس تحت ذراع

يوسف وهو يشاكسها

جدو جت اصغر مامي في العيلة ومحتاجة... صمت حين وجد التجمع بغرفة المعيشة، فهمس

انتي... رفعت نظرها الى يوسف ميتسمة

ازيك يا يوسف.. ثم اتجهت بنظرها الى شمس

دي شمس، حلوة اوي، شبه .. صمتت تنظر الى ميرال التي غلت الدماء بعروقها وهي ترمقها

بغضب نطقته عيناها قبل شفتيها

مش هتقولي يادكتور مين الاستاذة اللى قاعدة مع باباك لوحدهم ومفيش حد مننا في البيت

لا وكمان عارفاك وشكلها عارفة العيلة كلها

تمتمت بها وهي تنظر الى الياس بغضب

بأحد المباني

استمعت الى طرقات على باب المنزل

دي واحدة ست

كندا... استني شوفي مين من الكاميرات

نظرت کارما في جهاز المراقبة، ثم عادت تنظر إلى كندا

دى شكلها مش مصرية، عايزة مننا ايه

الحظات واستمعت الى رنين الهاتف

دا... مالك باشا

ايوة

افتحي الباب متخفيش، انا متابع

ومين دي كمان بقى هو احنا مش خلصنا

معلش مدام كارما، كميلي جميلك، وعلى فكرة دي بقى هتكون للوطن مش لينا

تعليقات