رواية شظايا قلوب محترقة ( وكأنها لي الحياة ) الجزء الثانى الفصل السابع والثمانون 87 بقلم سيلا وليد


 رواية شظايا قلوب محترقة ( وكأنها لي الحياة ) الجزء الثانى الفصل السابع والثمانون 

اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك "

مــا بــيــن حــقــيــقــةٍ انــكــشــفــت... وقـــدرٍ لـــم يـــقـــل كـــلَّ كـــلـــمـــتـــه
الـــســـابـــع والـــثـــمـــانـــون

ليست كلُّ الحقائقِ نجاة...
فبعضُها يخرجُ إلى النور متأخرًا، بعدما يكون قد التهمَ كلَّ ما يستحقُّ النجاة.

هناك لحظاتٌ لا يتغيَّر فيها العالمُ من حولنا... بل نتغيَّر نحن، لأنَّنا رأيناه أخيرًا على حقيقته.

ومنذ تلك اللحظة... لا يعود القلبُ قادرًا على العودة إلى جهلِه الأول.

فالوجعُ الذي تصنعه الحقيقة... لا يُشبه وجعَ الخداع.

إنَّه أهدأ... وأعمق... وأشدُّ قدرةً على اقتلاعِ الإنسان من نفسه.

وفي مكانٍ آخر...
كان القدرُ ينسج خيوطًا جديدة، بينما الجميعُ يظنُّ أن الحكاية انتهت.

غير أنَّ النهاياتِ ليست سوى أبوابٍ يتخفَّى خلفها ما لم يكن في الحسبان.

فليس كلُّ لقاءٍ رحمة... ولا كلُّ افتراقٍ عقابًا.

وأحيانًا...
يمنحنا القدرُ قلبًا جديدًا، في اللحظةِ ذاتها التي ينتزعُ فيها آخرَ أوهامنا.

فاستعدُّوا... فبعضُ الأقدار لا تطرق الأبواب

فتحت كارما الباب، فتوقَّفت المرأة المقابلة لها تبتسم بابتسامة هادئة، وقالت بلطف:
_مرحبًا...أنا دارين، أسكن بالطابق العلوي، أعتذر لإزعاجك، لكنَّني كنت أود أن أسألك عن شيء، ربما تستطيعين مساعدتي.
تأمَّلتها كارما لثوانٍ، ثم أجابت بهدوء:
_لو أقدر أساعدك، أكيد.
ألقت دارين نظرة سريعة إلى الداخل قبل أن تقول بابتسامة خجولة:
_سنتحدَّث عند الباب...ألن تسمحين لي بالدخول؟ إن لم يكن ذلك يزعجك.
انتبهت كارما ، فابتسمت بحرج وهي تفسح لها الطريق:
_اتفضلي.
دلفت دارين إلى الداخل، وعيناها تجولان بالمكان في هدوء، كأنَّها تلتقط تفاصيله دون أن تُشعر صاحبة المنزل بذلك.
_ما شاء الله...منزلك جميل جدًّا، فيه راحة غريبة.
ابتسمت كارما ابتسامة مقتضبة:
_شكرًا...تحبِّي تشربي قهوة؟
هزَّت دارين رأسها برقَّة:
_شكرًا، لكن لا أريد أن أتعبك.
جلست كارما على الأريكة، ثم التفتت إلى كندا وقالت بحنان:
_حبيبتي، ادخلي أوضتك شوية.
أومأت كندا بطاعة، ثم اختفت خلف باب غرفتها، فعادت كارما بنظرها إلى دارين:
_اتفضلي...خير؟
تنهَّدت دارين وكأنها تبحث عن الكلمات المناسبة:
_في الحقيقة...أنا هنا منذ عدَّة أشهر.. جئت للسياحة، وبقيت وحدي، وأحاول أن أتعرَّف على البلد وأماكنها، لكنَّني لا أعرف أحدًا.
ساد الصمت للحظات، قبل أن تكمل بابتسامة معتذرة:
_لاحظت أنك تخرجين كل صباح بمفردك، وقلت ربما تكونين أقدر شخص يدلُّني على الأماكن الجميلة... وأعتذر إن تجاوزت حدودي، لكنَّني سألت عنك حتى أطمئن قبل أن أطرق بابك.
عقدت كارما حاجبيها في دهشة، بينما واصلت دارين بنبرة صادقة:
_وعرفت أنك مطلَّقة...فشعرت أنَّنا ربما نتشابه قليلًا في فكرة الوحدة، لذلك تشجَّعت وجئت إليكِ..أتمنى ألَّا تكون صراحتي قد أزعجتك.
_ممكن تدخلي في الموضوع على طول.
_أريد أن أتجوَّل قليلًا بأحياء القاهرة، وسأكون سعيدة لو أنَّكِ توافقين على أن تتجوَّلين معي في مصر. 
_بس..أنا.
_أعلم أنكِ تخشين، لكن أتمنى أن تفكِّري في الأمر، سأكون سعيدة. 
صمتت كارما للحظات ثم أومأت برأسها:
_تمام. 
دار بينهما الحديث لفترة، حتى نهضت دارين مبتسمة: 
_لقد سعدت بمعرفتك سيدتي. 
_وأنا كمان. 
خرجت دارين وخلفها كارما، إلى أن أغلقت الباب، تنهَّدت تستند على باب المنزل، لحظات وارتفع رنين هاتفها:
_أيوة. 
_شكرًا كارما..اعملي زي ما طلبت، ولكن كوني حذرة. 
_تمام...صمتت ثم قالت:
_هنزل المستشفى إمتى، أنا بقيت كويسة، وبعدين عايزة أعتمد على نفسي.
_وقت ما تحبِّي...أهم حاجة كوني حذرة.
_طيب كندا...قولت لي ما قلقش عليها. 
_متقلقيش...واخد بالي من كل ما يخصُّها..
 المهم متخرجيش من غير ما أعرف، واستخدمي الجهاز اللي درَّبتك عليه.
_هيَّ الستِّ دي تبع معتز؟.
_أه..قالها وأغلق الهاتف، ثم جلس يتنهَّد. 

بمنزل مالك..
كان يتحدَّث بهاتفه، دلفت غادة الغرفة بخطواتٍ هادئة، تحمل بين يديها فنجان قهوته، توقَّفت أمامه، إلى أن أنهى اتصاله، مدَّت يدها إليه بابتسامة باهتة.

_عملت لك قهوة يا حبيبي.
نهض فورًا، أخذ الفنجان من يدها، ثم ابتسم لها بحنان:
_تسلم إيدك يا حبيبتي..
جلست على الأريكة  فجلس بجوارها، وجذبها برفق إلى صدره، وكأنَّ حضنه هو المكان الوحيد الذي يسمح لها أن تنهار فيه دون خوف.
رفع كفَّه يلامس وجنتها برقَّة، وتأمَّل ملامحها المرهقة.
_عاملة إيه دلوقتي..لسه الصداع موجود؟
هزَّت رأسها بالنفي، وهمست بصوتٍ خافت:
_لا...الحمد لله، يمكن من كتر العياط.
تنهَّد بحزن، وأحاط وجهها بين كفَّيه، يغوص بعينيه في عينيها:
_مش اتفقنا نبطَّل عياط؟..ربِّنا يرحمه يا غادة ويغفر له، وبعدين...أنا مش سندك، ليه بتوجعيني لمَّا أشوفك بالشكل ده؟
ما إن سمعت كلماته حتى ألقت برأسها على صدره، شدَّها إليه، وراح يربت على ظهرها بحنان، خرج صوتها مكسورًا بين شهقاتها:
_قلبي محروق عليه أوي يا مالك...إنتَ متعرفش بابا كان بالنسبة لي إيه، كان الأمان...والدفا...أوَّل مكان أهرب له لما الدنيا تضيق بيَّا، حاسة إنِّي يتيمة بجد.
أغمض عينيه متألِّمًا، ومرَّر أصابعه بين خصلات شعرها:
_ربِّنا يرحمه ويجعل قبره روضة من رياض الجنَّة...ويجمعنا بيه على خير.
ظلَّ صامتًا لحظات، ثم حاول أن ينتشلها من بحر حزنها:
_روحتي لماما فريدة؟
أومأت وهي تمسح دموعها:
_آه...قاعدة عند أرسلان، مرضيش يسيبها لوحدها في الظروف دي.
رفع حاجبيه باستغراب:
_غريبة...كنت فاكر إنَّها هتروح تقعد عند إلياس.
تنهَّدت وقالت:
_لا...وده أحسن، إلياس مكسور من جوَّاه بعد وفاة بابا، حتى لو بيخبِّي ده عن الكل، وأرسلان كان شايف إن لو ماما شافته بالحالة دي، وجعها هيزيد، وهوَّ كمان هيتوجع أكتر لمَّا يشوف دموعها، فخلَّاها عنده...يمكن كل واحد يحمي التاني من وجعه.
ابتسم مالك بإعجاب:
_أرسلان دايمًا بيفكَّر بعقله.
ثم سألها بهدوء:
_وإسلام وافق إنَّها تخرج من الفيلَّا؟
ابتسمت ابتسامة باهتة:
_هيَّ أصلًا مخرجتش..إخواتي خافوا عليها بعد غيبوبة السكر، ومهما كان إسلام حنيِّن وبيخاف عليها...لا إلياس ولا أرسلان كانوا هيسيبوا حاجة زي دي تحصل.
ابتسم وهو يربت على يدها:
_حبيبتي...إنتِ وإسلام برضو ولادها. محبَّتها ليكم عمرها ما كانت أقل.
أغمضت عينيها بألم:
_أنا زعَّلتها يوم وفاة بابا...لمَّا قلت لها إنِّي اتيتمت.
ضمَّها بقوَّة، ثم قبَّل أعلى رأسها:
_لا...والله ما زعلانة، دي كل شوية تتِّصل بيَّا تطمِّن عليكي، لكنَّها كانت خايفة تكلِّمك فتفتحي على نفسك باب الحزن من جديد.
ساد الصمت بينهما لثوانٍ، قبل أن يبتسم وهو يحاول أن يرسم البهجة على وجهها:
_المهم...فارس وفريدة ناموا؟
أومأت برأسها.
اقترب منها أكثر، وقرص وجنتها بخفَّة:
_طيب...مش هنخلع الأسود بقى؟ نفسي أشوفك بالألوان تاني..والله بقيت ناسي كانت عاملة إزاي عليكي.
خرجت منها ضحكة صغيرة، لأوَّل مرَّة منذ أيام، ودفنت وجهها في صدره خجلًا:
_بس بقى يا مالك...أنا في إيه وإنتَ في إيه؟
ضحك من قلبه، ثم رفع ذقنها لتلتقي عيناه بعينيها، وقال بحبٍّ صادق:
_وليه منبقاش إحنا الاتنين في إيه واحدة، أنا نفسي أشوف ضحكتك ترجع...لأن من يوم ما لبستي السواد، وأنا قلبي هوَّ كمان وجعني.
نهض وسحب كفَّيها وهو يقول:
_تعالي طيب اعملي لي مسَّاج، معرفش قلبي قافش ليه. 
_والقهوة؟. 
_لا قهوة إيه دلوقتي، سمعت إنَّها مضرَّة في الوقت دا.
ضحكت بصوتٍ مرتفع، توقَّف يغمز إليها: 
_ما إنتِ بتعرفي تضحكي أهو، أمال ليه منشِّفة شفايفك. 
احتضنت ذراعه تدفن رأسها فيه:
_بس بقى، مالك النهاردة؟
_أخوكي منكِّد عليَّ، ومن واجبك تفكِّي النكد دا، ماهو حرام أنتوا الاتنين تكونوا نكديين.
لكزته بخفَّة:
_إحنا بنَّكد عليك، طيب شوف مين هيعملَّك مسَّاج. 
قالتها وخرجت، خرج خلفها وهو يضحك:
_لا استني، الموضوع كبير، وممكن يوصل لشيخ الأزهر، لمِّيني أحسن لك.
ارتفعت ضحكاتها بالمكان، وهي تدخل غرفة نومهما، بينما تابعها هو بتنهيدة مؤلمة، ثم دلف خلفها.

بمنزل إلياس.. 
توقَّفت ميرال فجأة حين وجدت تلك الدخيلة تجلس بالقرب من زوجها، وعيناها تلمع بالسعادة...توقَّف إلياس على دخولها: 
_حمد الله على السلامة حبيبتي. 
كانت عيناها فقط على تلك الدخيلة، دلفت شمس وخلفها يوسف. 
توقَّف يوسف يتابع ما يحدث، وتذكَّر حديثه مع فريدة منذ أيام. 

تمدَّد يتوسَّد ساق جدَّته، ملَّست على رأسه بحنان: 
_من زمان أوي مجتش عندي يا بن إلياس، يا ترى جاي ليه؟
_وحشتيني يا تيتا، هوَّ حرام أجي لك. 
_زي أبوك...اعتدل ونظر إليها بصمت للحظات، ثم قال:
_عايز أعرف مين سارة الشافعي اللي بابا كان بيتكلِّم عنها، وليه عايزين ماما متعرفش بيها هيَّ وخالو يزن، وإيه علاقتها بنور اللي شغَّال مع ضي؟.
_إيه الأسئلة دي كلَّها يا بن إلياس، ولا موجز أخبار.
_تيتا ماما قلبها تعبان، وأنا مقولتش لبابا، لازم أعرف مين الستِّ دي، متخلنيش أتصرَّف من دماغي. 
امسكته من أذنه تسحبه إليها:
_لمَّا تقولِّي كنت فين إنتَ وابن عمَّك إمبارح وضحكت على أبوك وقولت له إنَّك كنت هنا. 
تأوَّه يبعد كفَّها: 
_هوَّ إلياس حد بيعرف يضحك عليه.
عودة للحاضر.. 
اقترب يوسف منها:
_إنتي...رفعت نظرها إلى يوسف مبتسمة:
_إزيك يا يوسف..ثم اتَّجهت بنظرها  إلى شمس: 
_دي شمس، حلوة أوي، شبه..صمتت تنظر إلى ميرال التي غلت الدماء بعروقها وهي ترمقها بغضب نطقته عيناها قبل شفتيها:
_مش هتقولِّي يا دكتور مين الأستاذة اللي قاعدة مع باباك لوحدهم؟. ومفيش حد منِّنا في البيت، لا وكمان عارفاك وشكلها عارفة العيلة كلَّها. 
تمتمت بها وهي تنظر إلى إلياس بغضب.
أشار إلياس إليها: 
_تعالي يا حبيبتي...كويس إنك جيتي.
قالها إلياس بصوتٍ مبحوح، يحمل من التعب ما يكفي ليهزم جبلًا.
اقتربت ميرال بخطواتٍ بطيئة، وعيناها تتجوَّلان بين الوجوه، تقرأ في كلِّ من ملامحها شيئًا غريبًا، شيئًا جعل قلبها ينقبض دون أن تدري السبب.
مدَّ إلياس ذراعه يحيط كتفيها، وأطلق زفرةً حارقة، كأنَّ الهواء نفسه أصبح يؤلمه.
_معرفش شوفتي مدام سارة قبل كده ولَّا لأ...دي مامت نور...اللي كان.. 
اختنق صوته، وتوقَّفت الكلمات في حلقه..وهو ينظر إلى ابنه.
في تلك اللحظة، دخلت ضي.
توقَّفت عند الباب، توزَّعت نظراتها على الموجودين حتى استقرَّت على سارة، فعادت إليها كلمات نور كأنَّها تُهمس داخل رأسها:
"ضي...إحنا طلعنا قرايب...جوزك ابن عمِّتي."
ابتلعت ريقها، ثم اقتربت منها بخطواتٍ متردِّدة:
_إزي حضرتك يا طنط؟
قالتها تقترب منها. 
جذبها يوسف من معصمها سريعًا، وقد اشتعلت عيناه بالغضب، ثم التفت إلى والده:
_ممكن حد يفهِّمنا إيه اللي بيحصل يا باشا؟
رفع إلياس كفَّه يطلب منه الصمت.
ثم التفت إلى ميرال:
_ميرو...فاكرة لمَّا سألتي أكتر من مرَّة أنا ليه بقابل مدام سارة، وليه كانت بتيجي هنا، وليه حضرت فرح آسر؟
ساد صمتٌ ثقيل...
صمتٌ كان أشبه بالسكِّين قبل أن تغوص في القلب.
_سارة...راجح الشافعي.
توقَّفت أنفاس إلياس، وكأنَّ نُطق الاسم وحده كان عذابًا.
ثم خرجت كلماته بصعوبة، ممزَّقة، ثقيلة كأنَّها تحمل عمرًا من الوجع.
بلع غصَّته، ثم أكمل:
_... أختك يا ميرال.
في لحظة، توقَّف الزمن..لم تعد تسمع أنفاس أحد..ولا ترى أحدًا.
اتَّسعت عيناها ببطء، حتى خُيِّل للجميع أنَّهما ستخرجان من محجريهم.

حدَّقت في سارة...
لكنَّها لم ترها...رأت وجهًا آخر.
وجهًا كانت تتوسَّل إلى الله كل ليلة أن يمحوه من ذاكرتها.
وجهًا ظنَّت أنَّها دفنته منذ سنوات.
وجهًا قتل فيها كل شيء جميل.
ارتعشت شفتاها..
وشعرت ببرودة قاسية تزحف من أطراف أصابعها حتى قلبها..
لا...لا يمكن..مستحيل...
كيف عاد؟
كيف استطاع أن يعود بعد كل هذه السنين؟

هنا انطفأ كل شئ من حولها، ولا يظهر سوى ماضي ينهشها بلا رحمة...
وجه راجح...
ضحكته التي كانت تُخفي شيطانًا.. صرخاته وتهديده لها، بل صرخاتها التي لم يسمعها أحد.
رانيا...الإذلال الذي رأته منها.
الهروب في ليلةٍ سوداء وهي تحتضن جنينها، وهي لا تعرف إلى أين تذهب، ولا كيف ستعيش..و اعتراف مصطفى.
أغمضت عيناها، وصورة يزن، 
اعترافه بأخويته، وطارق..
سنواتٌ كاملة دفنتها تحت التراب...
فعادت الآن دفعةً واحدة، لتخرج من قبرها وتخنقها.
ارتجف جسدها بعنف..شحب وجهها حتى بدا كأنَّ الدم هجره للأبد.. تراجعت خطوة...
ثم أخرى...يتهاوى جسدها كأنَّ الأرض تنفر وقوفها عليها.

اقترب يوسف منها بسرعة، يراقبها بذعر:
_ماما...
لكنَّها لم تسمعه..كانت تحدِّق في سارة بعينينِ زائغتين...لا تراها...
بل ترى وجهًا آخر..وجه الرجل الذي اغتال عمرها.
انتفض جسدها فجأة، وخرج الاسم من بين شفتيها كأنَّه نزيف لا ينتهي:
_راجح...
ثم شهقة.
_راجح...
ثم بكت.
_راجح...
لم يكن نداءً...
بل انهيار روح.
انهمرت دموعها كالسيل، وارتعش جسدها كلِّه، حتى خُيِّل للجميع أنها ستسقط ميِّتة في مكانها.
أمَّا سارة...
فكانت تنظر إليها بذهول..لم تفهم.
ظنَّت أنَّ أختها ترفضها.
اقتربت منها بخوف، ودموعها تسبق كلماتها:
_أنا...والله من زمان نفسي أشوفك... نفسي أتكلِّم معاكي...لكن إلياس ويزن كانوا رافضين بسبب حالة مصطفى باشا...
ابتلعت بكاءها:
_صدَّقيني...لمَّا عرفت إنِّ ليَّا أخت... فرحت...فرحت أوي.
لكن كل كلمة كانت تصل إلى ميرال، كانت تتحوَّل داخلها إلى خنجر جديد.
وفجأة...رأت وجه رؤى
وراءه راجح.
وراءه الليالي التي كانت تتمنَّى فيها الموت فلا يأتي.
وراءه عمرٌ كامل عاشته وهي تحاول أن تُقنع نفسها أنَّ الماضي انتهى.
لكنَّه لم ينتهِ..كان نائمًا فقط...
واليوم استيقظ.
رفعت عينيها ببطء نحو إلياس.
لم تعد تراه بوضوح.
كل شيء أصبح ضبابًا.
شعرت بألمٍ يمزِّق ظهرها...ثم صدرها...ثم قلبها...
كأنَّ أحدهم أدخل يده بين ضلوعها وانتزع قلبها حيًّا..ارتجفت شفتاها.
حاولت أن تتكلَّم...أن تصرخ...
أن تقول أي شيء...لكن الكلمات ماتت على شفتيها، حتى أيقنت أنَّها داخل القبر.
لحظات مميتة وإلياس يتابعها بصمت مؤلم، صمت يدبح كل جزء به.
إلى أن خرج منها صوتٌ خافت، بالكاد سُمع:
_أنا...ثم صمتت..وكأنَّها نسيت حتى اسمها.
همس إلياس وهو يقترب منها، والدموع تملأ عينيه: 
_ميرال...
لكنَّها لم تلتفت.
كانت واقفة بينهم بجسدها فقط...
أمَّا روحها...
فقد عادت عشرات السنين إلى الوراء.
إلى تلك الليلة...
الليلة التي ماتت فيها ميرال الأولى...
وعاشت بعدها امرأة تتنفَّس فقط.
اقترب الياس بعد تدهور حالتها، وحاوط أكتافها: 
_ميرال حبيبتي، دا مجرَّد تعارف بس.
هزَّت رأسها وتمنَّت أنَّها بكابوس.
_ميرال أنا آسفة، أنا جيت مصر من سنين بعد موت مهند أخويا، وكنت ناوية آجي وأتعرَّف عليكم بس راجح ورؤى فهِّمونا إنُّكم السبب في قتل راجح، وإنِّ يزن وإنتي حرمتينا من فلوسنا، مهند عمل حادثة بشعة، وكان مطلوب له عملية، لو كان عملها كان يمكن لسة عايش، بس راجح كان أخد فلوسنا كلَّها. 
ماهو راجح سجن عمِّي واتجوِّز ماما بالغصب، ومكنش بيعتبرها مراته كان بيعاملها كأنَّها جارية، وطرد أخويا من البيت وشغَّله مع المافيا، وعذَّبه بكلِّ قسوة، وفي الآخر قالُّه مالكش حاجة.. وطبعًا معتز ما سكتش، وبيجهَّز من سنين ينتقم منكم. 

استندت ميرال على جسد إلياس، نظرات فقط إليها كأنَّها لم تستمع إلى شيء سوى مهند وموت وراجح. 
رفعت عيناها إلى إلياس بتساؤل وارتجف جسدها: 
_هيَّ..بتقول إيه دي؟!.
_مهند كان أخونا يا ميرال، ومات بعد ما عمل حادثة.. 

لحظة واحدة فقط، كانت كفيلة بأن تُصيبها بالجنون بعدما استمعت إلى ما قيل.
شعرت بأنَّ الأرض تدور بها، وأنَّ الأصوات من حولها بدأت تتداخل، حتى لم تعد تميِّز شيئًا سوى دقَّات قلبها المتسارعة.
امتلأت عيناها بالدموع، حتى لم تعد ترى الوجوه أمامها بوضوح.
هزَّت رأسها ببطء، ثم تمتمت بصوتٍ مرتجف، تحاول إقناع نفسها بأنَّ ما سمعته ليس حقيقيًا:
_يعني إيه...؟
اتَّسعت عيناها، وتراجعت خطوة إلى الخلف:
_لأ...لأ، أكيد أنا بحلم...أكيد ده كابوس.
دنا يزن منها سريعًا، ومدَّ يده إليها، محاولًا أن يثبِّتها قبل أن تفقد توازنها:
_حبيبتي...حتى لو، مش مهم، إحنا هنعدِّي أي حاجة مع بعض.
لكن كلماته لم تصل إليها.
جالت بعينيها المرتجفتين بين الوجوه المحيطة بها، تبحث في ملامحهم عن تكذيب، عن كلمة واحدة تخبرها أن ما سمعته لم يكن سوى خطأ...كذبة...أو كابوسًا ستستيقظ منه بعد قليل.
وقعت عيناها على إلياس الذي كان صمته أقسى من أي إجابة.
وضعت يدها فوق صدرها، وشعرت بأنَّ أنفاسها تُسحب منها ببطء.
ماذا فعلت في حياتها...حتى يُصيبها الله بكلِّ هذا الألم؟
كم مرَّة عليها أن تُكسَر؟
وكم وجعًا يمكن لقلبٍ واحد أن يحتمل؟
هزَّت رأسها بعنف، تحاول طرد الكلمات من عقلها، لكن ظلَّ الحديث يتردَّد داخل أذنيها...يعيد ما سمعته مرَّة تلو الأخرى، دون رحمة.
بدأ جسدها يرتجف.
لاحظ الجميع تغيُّر حالتها، وقف يوسف.. 
نهض بسرعة حين لمح الشحوب يزحف إلى وجهها، وارتجاف شفتيها، وأنفاسها المتقطِّعة، بينما راحت عيناها تتحرَّكان في كلِّ اتجاه، وكأنَّها تحاول الهرب من شيء لا يراه أحد سواها.
_ماما...
لم تجبه.
وضعت كفَّيها فوق أذنيها، وأغلقت عينيها بقوَّة، ثم صرخت فجأة بصوتٍ هستيري، مزَّق صمت المكان:
_بااااااس!
ارتجف الجميع من صرختها.
هزَّت رأسها بعنف، ودموعها تنهمر دون توقُّف:
_مش عايزة أسمع حاجة...مش عايزة أسمع!
ارتفع صوتها أكثر، وقد فقدت السيطرة تمامًا:
_كفاية بقى...كفاااااية!
حاول يزن الاقتراب منها، لكنَّها تراجعت، وهي تضغط كفَّيها فوق أذنيها، وكأنَّها تخشى أن تعود الكلمات لتطعنها من جديد.
_مش عايزة كفاية بقى. 
خرجت كلماتها مكسورة، قبل أن تختنق شهقتها بين دموعها:
_أنا تعبت...تعبت أوي...
ترنَّح جسدها فجأة.
اتَّسعت عينا يوسف بذعر، وانطلق نحوها :
_مامااا!
هنا لم تعد ساقاها قادرتين على حملها.
انهار جسدها بالكامل،  تلقَّفها يوسف بين ذراعيه، وشهقة مرعبة خرجت من صدره حين رأى وجهها الذي فقد لونه،  تحوَّلت شفتاها إلى شحوبٍ مخيف.
_ماما...بصِّيلي!
هزَّها برفق، لكن رأسها مال فوق ذراعه، وكأنَّ جسدها استسلم أخيرًا بعدما عجز قلبها عن تحمُّل المزيد.
_ماما...افتحي عينيكِ!
لم يستجب منها سوى أنفاسٍ ضعيفة ومتقطِّعة.
بالمشفى قبل عدَّة ساعات..

وصل آدم إلى المشفى بعدما تلقَّى اتِّصالًا عاجلًا من عمران..بخطواتٍ سريعة، وأنفاسٍ متلاحقة،  اندفع إلى الغرفة التي ترقد فيها ابنته..وخلفه رائد. 
وجدها ممدَّدة على السرير، المحلول يتدفَّق إلى وريدها، ووجهها الشاحب يزيد قلبه اختناقًا، بينما كان عمران يجلس بجوارها يراقب مؤشراتها الحيوية في صمت.
التفت إليه فور دخوله ونهض قائلًا بهدوء يحاول أن يطمئنه:
ـ متقلقش...الزايدة ملتهبة، ولازم تتشال فورًا.
اقترب آدم من السرير، جلس إلى جوار ابنته، يمرِّر كفَّه فوق جبينها، وعيناه لا تفارقان شاشة الأجهزة.
قال عمران بصوتٍ مطمئن:
  _الدكتور جاهز للعملية...وأنا مرضتش يدخَّلها غير لمَّا حضرتك توصل.
رفع آدم رأسه إليه، وامتلأت عيناه بالامتنان:
ـ شكرًا يا عمران.
رفع رائد كفَّ أخته يقبِّله مع تأوُّهاتها: 
_حبيبتي...الف سلامة 
_بطني يا رائد...هموت يا بابا.
_بعد الشرِّ عليكي يا روح بابا.

في تلك اللحظة، دلف الجرَّاح إلى الغرفة، يقلِّب ملفَّها الطبِّي بين يديه:
ـ المريضة جاهزة...الزايدة ملتهبة جدًّا، وأي تأخير هيكون خطر.
اقترب منه آدم ومدَّ يده مصافحًا:
ـ دكتور آدم...أستاذ تشريح بمصلحة الطبِّ الشرعي.
ابتسم الطبيب وهو يصافحه:
ـ أهلًا بحضرتك يا دكتور.
ثم ألقى آدم نظرة أخيرة على ابنته، وسأل بصوتٍ خافت حاول أن يخفي ارتجافته: 
ـ حالتها كويسة...صح؟
ابتسم الطبيب بثقة:
ـ بإذن الله بسيطة...بس لازم ندخل حالًا، والتأخير مش في صالحها.
وصل المسعفون، وتم نقل فرح على الفراش المتحرِّك، قبض رائد على كفِّها:
_فروحة حبيبتي، متخفيش، بينما 
ظلَّ آدم واقفًا مكانه حتى اختفى السرير خلف باب غرفة العمليات، عندها فقط شعر أنَّ قدميه لم تعودا تحملانه، فأسند ظهره إلى الحائط، بينما وقف عمران بجواره في صمت، يربت على كتفه دون كلمة واحدة.
بعد ساعات...
فتحت فرح عينيها ببطء، تتأمَّل السقف الأبيض فوقها، قبل أن تهمس بصوتٍ واهن: 
ـ أنا...فين؟
مالت إيلين عليها فورًا، ومسحت برفق خصلاتها المبعثرة:
ـ في المستشفى يا حبيبتي...تعبتي، ودكتور عمران جابك هنا.
أغمضت فرح عينيها وهي تتأوَّه:
ـ آااه...بطني يا ماما...
في تلك اللحظة دخل آدم.
نهضت إيلين من مقعدها، وقالت بعتابٍ امتزج بلهفة:
ـ كنت فين كل ده؟
اقترب منهما وهو يجيب بهدوء: 
ـ كنت مع عمران برَّة...مينفعش أسيبه لوحده، كان عايز يدخل يطمِّن على فرح.
تنهَّدت إيلين وهي تلتقط حجاب ابنتها، ترتِّبه فوق رأسها بحنان:
ـ خلِّيه يدخل...بس بنتك لسه تحت تأثير المخدِّر.
ابتسم آدم:
 _ هيشوفها ويمشي على طول... مقدرتش أقولُّه لأ.
بعد دقائق، دخل عمران بخطواتٍ هادئة، وما إن وقعت عيناه على فرح حتى تنفَّس براحة:
ـ حمد لله على سلامتها.
قالها وهو ينظر إلى إيلين باحترام.
ابتسمت له:
ـ الله يسلمك يا ابني...ربِّنا يجزيك خير.
ثم التفت بعينيه إلى فرح التي كانت تتلوَّى من الألم.
اقترب منها مبتسمًا وقال برفق: 
ـ حمد لله على سلامتك.
فتحت عينًا واحدة بصعوبة، وحدَّقت به للحظات، ثم تمتمت بتذمُّر طفولي: 
ـ آااه...بطني يا ماما...مش كفاية بطني، ده المغرور جه كمان! أكيد فرحان، وجاي يشمت.
شهقت إيلين بخجل. 
بينما عمران، توقَّفت قدماه، ثم عقد ذراعيه وهو يرمقها بنظرةٍ ماكرة:
ـ أيوه أنا...وإيه كمان؟
ضحك آدم ليخفِّف حرج الموقف:
_متاخدش على كلامها...فرح من وهيَّ صغيرة ولسانها سابقها.
ابتسم عمران أخيرًا، وأومأ برأسه في هدوء.
وبينما كانت إيلين تتابع حركاته، وقعت عيناها على الخدوش التي تملأ كفَّيه.
قطبت حاجبيها وقالت بقلق: 
ـ إيدك مجروحة يا ابني!
أنزل بصره إلى يديه، ثم رفع عينيه نحو فرح التي كانت قد غفت من جديد، وارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيَّة:
ـ آه...القطَّة خربشتني.

🌹🌹🌹🌹
بمنزل كريم.. 
كانت تجلس بشرفة غرفتها تتفحَّص هاتفها، تقلِّب فيه، تبحث عن بعض الوظائف إلى أن توقَّفت نظراتها على صور أختها وزوجها.
قطبت جبينها، وقرأت ما دوِّن تحت صورهما:
_زواج أم إجبار.
ثم كُتب ما حدث في الحفل، نهضت  سريعًا واتَّجهت إلى والدتها:
_ماما...ماما.
استدارت إيمان إلى ابنتها بلهفة: 
_في إيه حبيبتي؟ 
_شوفتي اللي حصل...خدي اقرأي وشوفي فضيحة بنتك. 
أمسكت إيمان الهاتف، تقرأ وترى مابه. 
شهقت تنظر بذهول غير مصدِّقة لما حدث:
_ليه يابنتي كدا؟! 
أشارت إلى سدن:
_اتِّصلي بيها، خلِّيها تيجي هنا فورًا. 
حاولت الاتِّصال بها، ولكن لايوجد رد.
_أوف يا ماما مش بترد. 

بسيارة آسر، بعد دقائق من انتهاء المؤتمر...
سحب كفَّها وتحرَّك بخطواتٍ سريعة مبتعدًا عن عدسات الكاميرات، لكنَّها أفلتت ضحكة خافتة، ثم تشبَّثت بذراعه كطفلة تائهة:
ـ عجبتك يا حبيبي؟
توقَّف فجأة، والتفت إليها بذهول. كانت تبتسم ابتسامة لا تشبهها، وعيناها زائغتان كأنَّهما لا تريان ما حولهما.
اقتربت منه أكثر وهمست بصوتٍ متقطِّع: 
 _فضحتك...صح؟ تستاهل متفكَّرش   إنتَ بس اللي ذكي. 
قطب حاجبيه وهو يحدِّق بملامحها:
ـ والله؟
هزَّت رأسها مبتسمة دون أن تستوعب حديثه، ثم ألقت بثقلها عليه تعانقه بعفوية غريبة.
جال بعينيه في المكان سريعًا بعدما اطمأنَّ أن الصحفيين ابتعدوا، ثم أحاط كتفيها وقد أيقن أخيرًا أن ما يحدث ليس طبيعيًا...كانت غائبة عن وعيها، تتصرَّف بلا عقل. 
فتح باب السيارة وأجلسها بحذر، ثم انطلق بها وهو يخرج هاتفه:
ـ بلال...أنا خرجت...ومروَّح.
دنت منه تداعب وجهه: 
_نزِّلتني على كيفك، أخدتني حفلة مقرفة زيَّك، وكانت النتيجة إيه، آسيا أخدت حقَّها. 
قالتها وابتعدت تستند برأسها للخلف تصفِّق:
_علشان ما تحاولش تقرَّب مني، دي لسة البداية. 
ظلَّ صامتًا لم يفعل شيئًا، سوى أن ينظر إلى الطريق..إلى أن وصل إحدى الصيدليات:
_مراتي أخدت علاج بالغلط، فقدت وعيها شوية.
تساءل الصيدلي عن نوع العلاج، فقال له حين تذكَّره عندما ذكره بلال في إحدى المرَّات. 

بعد فترة، وصل بها إلى المنزل.
ترجَّلت من السيارة  فاختلَّ توازنها، فاصطدمت به وكادت تسقط على الأرض.
تنهَّد بغضبٍ مكتوم وهو يسندها:
ـ فرحانة؟ يارب تكوني مبسوطة باللي عملتيه.
رفعت رأسها إليه، تبتسم ابتسامة باهتة لا تحمل أي إدراك:
ـ آه...سعيدة... أهم حاجة أخدت حقِّي منك.
اشتعلت عيناه غضبًا، لكنَّه حين رأى اضِّطراب نظراتها، تراجع غضبه منها، رغم نيرانه الداخلية، دلف للمنزل..دفعته تشير إليه:
_ابعد عنِّي...إياك تقرَّب مني. 
احضر لها كوبًا من المياه:
_اشربي يمكن تفوقي. 
نظرت للكوب ثم إليه، اقترب وتلقَّته منه:
_هاخد علشان عطشانة. 
قادها إلى الحمَّام، وقام بنزع ثيابها، ولم يتبقَّ سوى ملابسها الداخلية، ثم فتح الماء البارد قليلًا ثم الفاتر، وحاوط جسدها مع محاولتها الابتعاد عنه، ولكنَّه أجبرها للوقوف تحت المياه حتى تستعيد شيئًا من تركيزها.
ظلَّت تهمهم بكلماتٍ غير مفهومة، ثم أغمضت عينيها وهي ترتجف بخفَّة.
مرَّت دقائق طويلة قبل أن يغلق الماء، ثم وضع روب الحمَّام بجوارها وخرج ينتظرها عند الباب.
بعد قليل، خرجت بخطواتٍ متثاقلة، تتلفَّت حولها في حيرة، وكأنَّها تستيقظ من حلمٍ ثقيل.
تراجعت عنه فجأة، واتَّسعت عيناها بفزع:
ـ ابعد عنِّي؟.
أطبق على فكَّيه بقوة، يحاول السيطرة على غضبه الذي يتآكله منذ لحظة المؤتمر:
ـ أنا على آخري منك...احترمي نفسك.
وقبل أن تنطق، دوى طرقٌ قوي على باب المنزل.
أشار إليها بحدَّة، وصوته خرج مخنوقًا من شدَّة الغضب:
ـ ادخلي غيَّري هدومك...ولو لسه فيكي ذرة عقل، متظهريش قدَّامي دلوقتي.
لم تمضِ ثوانٍ حتى دوت طرقاتٍ عنيفة على الباب.
زفر بضيق واتَّجه إليه، وما إن فتحه حتى وجد كريم يقف أمامه، وملامحه تنذر بعاصفة:
ـ فين آسيا؟
ثم أضاف بنبرة قاسية:
ـ أظن كفاية فضايح لحدِّ كده...عجبك اللي حصل؟
اشتعلت عينا آسر:
ـ عمُّو...هوَّ أنا اللي عملت فضايح؟
خرجت آسيا من الغرفة على صوتيهما، بخطواتٍ متثاقلة، ما زالت ملامحها شاحبة وعيناها مضطَّربتين.
التفت إليها كريم وهتف:
ـ يلَّا...على البيت.
رفعت رأسها إليه، وهمست بصوتٍ مرتجف:
ـ بابا...أنا آسفة.
صاح بها وقد نفد صبره:
ـ قولت يلَّا على البيت!
تقدَّم آسر خطوة، يقف بينهما:
ـ حضرتك جاي تاخد مراتي من بيتي؟
حدجه كريم بنظرةٍ حادَّة:
ـ آسر...ابعد اليومين دول، ولو بتحبَّها بجد...اثبت ده، سيبها تهدى، وسيب نفسك تهدى.
ثم أمسك بكف ابنته وسحبها خلفه.
لم يقاومها آسر...
اكتفى بمراقبتها وهي تخرج من بيته، وكأنَّ شيئًا يُنتزع من صدره مع كل خطوة تخطوها.
بمنزل كريم...
كانت إيمان تدور في الصالة ذهابًا وإيابًا، تعصر كفَّيها بقلق:
ـ يارب...إيه اللي حصل؟ يا رب اهديهم...ورجَّع الأمور زي الأوَّل.
انفتح الباب.
دلف كريم تتبعه آسيا بصمتٍ قاتل.
أسرعت إليها إيمان:
ـ هيَّ وصلت إنك تفضحينا قدَّام الناس؟
لم تجب.
حتى لم ترفع رأسها.
صعدت الدرج في صمت، فاعترضتها سدن، وقد كانت تسمع كل ما جرى:
ـ إيه اللي عملتيه ده؟
رفعت آسيا عينيها إليها، نظرة زائغة لا تحمل تركيزًا.
ابتسمت بسخرية مريرة:
ـ إيه، صعبان عليكي؟ روحي واسيه... ما انتم لايقين على بعض.
لم تتم جملتها...
صفعة مدوية ارتطمت بوجهها.
شهقت إيمان:
ـ سدن!...إنتِ اتجنِّنتي؟
كانت سدن ترتجف من شدَّة الغضب، والدموع تلمع بعينيها:
ـ مبروك يا دكتورة...طلاق بنتك.
تجمَّدت آسيا.
التفتت إليها ببطء، وكأنَّ الكلمات احتاجت وقتًا حتى تصل إليها.
ضحكت سدن بمرارة:
ـ مالِك، مستغربة ليه، فاكرة إنُّه هيكمِّل بعد اللي حصل، عجبك وهوَّ ماسكك قدَّام الناس؟ والله ما تستاهليه...ويارب المرَّة دي يفوق ويطلَّقك.
استدارت وصعدت الدرج بخطواتٍ غاضبة.
اقتربت إيمان من ابنتها، وقد خالط الغضب خيبة موجعة:
ـ أختك عندها حق...فيه واحدة تعمل اللي عملتيه في جوزها؟
وفجأة...
صرخت آسيا بكل ما بقي داخلها من وجع:
ـ ده مش جوزي...مش جوزي!
ساد الصمت.
جاءها صوت هادئ من خلفها، لكنَّه كان أشدُّ قسوة من أي صراخ:
ـ عندك حق...
التفت الجميع.
كان آسر يقف عند باب المنزل، وعيناه حمراوتان من الغضب والألم.
ثبَّت نظره عليها طويلًا، ثم قال بصوتٍ فقد كل دفء عرفته فيه:
ـ أنا كنت غلطان من الأوَّل...
ابتلع غصَّته بصعوبة، ثم أكمل:
ـ وزي ما عمُّو كريم قال...خلِّيكي في بيت أبوكي.
صمت لحظة، قبل أن يوجِّه إليها الضربة الأخيرة:
ـ مبقتيش تلزميني.
شهقت إيمان.
أمَّا آسيا، فحدَّقت فيه بعينين امتلأتا بالدموع، لكنَّها لم تستطع حتى الدفاع عن نفسها...لأنَّها لا تتذكَّر أصلًا ماذا فعلت.
في تلك اللحظة، دخلت رولا مسرعة:
ـ آسر! إيه اللي بتقوله ده؟ اهدى... وصلِّي على النبي.
نظر إليها بصمت.
ثم أشاح بوجهه، واستدار خارجًا دون أن ينطق بحرفٍ آخر.
هزَّت رولا رأسها بأسى، ثم التفتت إلى آسيا، وقد اختلطت الحيرة بالوجع في عينيها.
ـ ليه يا آسيا..ليه، عملتي في نفسك، وفيه، كده ليه؟

قالتها رولا وغادرت سريعًا، تلحق بأخيها قبل أن يستقلَّ سيَّارته:
ـ آسر...استنى، رايح فين؟
توقَّف واضعًا يده على مقبض الباب، ثم التفت إليها بوجهٍ شاحب وعينين أنهكهما الألم: 
ـ رولا...مش عايز أتكلِّم مع حد... ابعدي عنِّي.
لم تستمع إليه، أمسكت بذراعه بكلتا يديها:
ـ تعال بس...تعال عندي، نتكلِّم ونشوف هنعمل إيه، بابا عند عمِّتي، ولو عرف اللي حصل دلوقتي...الدنيا هتولع أكتر.
ظلَّ ينظر إليها للحظات، متردِّدًا، ثم استسلم أخيرًا لشدِّها، وسار معها في صمتٍ ثقيل.

بعد قليل...

جلس على طرف الأريكة، منحني الظهر، يحتضن رأسه بين كفَّيه، يشعر بانفجار عقله..هاتفه لم يتوقَّف عن الرنين، لكنَّه لم يلتفت إليه.
جلس بلال بجواره، يتأمَّله لحظات قبل أن يتنهَّد:
ـ الموضوع مبقاش ينفع يا آسر...مع احترامي لحبَّك ليها، بس دي طباعها غيرك، وطريقة حياتها غير حياتك. ومتزعلش منِّي...لبسها نفسه بيستفزِّني كرجل قريب من العيلة، تخيَّل بقى لو مراتك سدن، رغم كل اللي كانت بتعمله، كانت أهدى منها... وأنا أصلًا مكنتش مقتنع بيها..وفوق ده كلُّه...مينفعش تبقى بتحبِّ أخت، وترتبط بالتانية.
زفر آسر بعنف، ومسح وجهه بكفَّيه كأنَّه يحاول نزع كل ما يشعر به.
اقتربت رولا وجلست بجواره من الجهة الأخرى، وربتت على كتفه برفق:
ـ آسر...لازم تقعد مع آسيا قعدة هادية، قعدة مستقبل..مينفعش حياتكم كلَّها تبقى عند في عند، هيَّ موجوعة...وحقَّها تزعل، إنتَ جرحتها بخطوبتك من سدن، حتى لو كان ليك أسباب، كان لازم تصارحها.
التفت إليها ببطء، وخرج صوته متعبًا، مكسورًا:
ـ رولا...مبقاش ينفع، والله ما بقتش قادر..استحملت منها كتير...لأوِّل مرَّة في حياتي أحس إنِّي ضعيف...عاجز... ومش عارف أعمل إيه.
إنتِ تعرفي إنَّها رفعت قضية خلع.
شهقت رولا، تنظر إليه بذهول، أومأ برأسه: 
_حد كلِّمني وقالِّي فيه قضية باسمي.
_معقول..وهيَّ عرفت توصل إزاي للمحامي؟. 
_يوم ما خرجت وقالت تعبانة ورايحة أكشف، تواصلت مع محامية عن طريق السوشيال، وطبعًا اتَّفقت ومعرفش بقى أكيد عملت توكيل، ولولا ادَّخلت بمعارف عمُّو أرسلان وخلِّيت حد يوقف القضية.
_يعني أبويا زمانه عارف..صح؟. 
فرك آسر جبينه، وتنهَّد بقوة. 
ارتشف بلال رشفة من قهوته، ثم قال ببرود أغضب الاثنين:
ـ طلَّقها يا بني...وريَّح دماغك، لو مكانك كنت طلَّقتها بالتلاتة.
استدارت إليه رولا بعينينِ متَّسعتين:
ـ إنتَ بتقول إيه يا بلال؟!
أشار إليها بكفِّه دون أن ينظر إليها:
ـ اسكتي إنتِ...عاجبك اللي وصلنا له؟
عقدت ذراعيها أمام صدرها وقالت بحدَّة:
ـ يعني لو أنا اللي عملت كده...كنت هتطلَّقني؟
نظر إليها مباشرة، ثم قال دون تردُّد:
ـ بالتلاتة.
شهقت وهي تحدِّق فيه غير مصدِّقة.
أمَّا هو فأكمل بصوتٍ مرتفع:
ـ الست اللي تنزِّل بكرامة جوزها الأرض...متلزمنيش.
ضحكت بسخرية امتزجت بوجعها:
ـ الله! وشوف مين بيتكلِّم عن الكرامة! وكرامتي أنا كانت فين يا حبيبي...يوم اتجوزت عليَّا؟
جزَّ على أسنانه وهو يلوِّح بيده:
ـ بااااس...
ثم التفت إلى بلال:
ـ أقسم بالله أنا اللي أستاهل الضرب بالجزم...إنِّي جيت لكم أصلًا.
أشار إليه بلال بخفَّة:
ـ تعال وأنا أضربك بجد...لأن من أوِّلها لآخرها كل اللي عملته غلط.
رمقته رولا بنظرة حادَّة:
ـ هتسكت ولَّا أقلب عليك؟
رفع حاجبيه باستفزاز:
ـ هتعملي إيه يعني، أشار ناحية الغرفة بعصبية.
ـ ادخلي شوفي الواد...مش عايز أسمع صوتك دلوقتي.
تجمَّدت مكانها، ونظرت إليه بصدمة:
ـ إنتَ...بتكلِّمني بالطريقة دي؟

أغمض آسر عينيه، وضغط على جبهته بقوَّة، شعر أنَّ الشجار الذي أمامه يزيد اختناقه.
أمَّا رولا، فكانت تنظر إلى زوجها بعينينِ امتلأتا قهرًا، حتى خُيِّل إليها أنَّها لو بقيت دقيقة أخرى ستخنقه بيديها.
ـ طب والله...ما أنا قاعدة لك في البيت.
لوَّح بيده بلا مبالاة:
ـ مع السلامة يا أختي...وخدي أخوكي الغبي معاكي.
نهض آسر أخيرًا، مرَّر بصره بينهما في إرهاق، ثم استقرَّ نظره على بلال:
ـ هوَّ...إنتوا ليه إديتوا آسيا حبوب هلوسة؟
التفتت رولا إليه بسرعة، وقد اختفت كل مشاعر غضبها:
ـ إيه، حبوب هلوسة! يعني إيه؟
أمَّا بلال...فتراجع بظهره مستندًا إلى الأريكة، ووضع ساقًا فوق الأخرى، وأخذ يهزُّ قدمه بهدوء مستفِّز، ابتسم ابتسامة سخرية وقال:
ـ مين قالَّك إنَّها حبوب هلوسة..
كنت دكتور يعني ولَّا إيه؟
اقترب آسر منه وانحنى لجلوسه:
_إنتَ اللي عملتها صح؟.
_أاه..قولت يمكن تتهدُّوا أنتوا الاتنين، 

اندفع آسر نحوه، وقبض على تلابيب قميصه بعنف، وصاح بصوتٍ متحشرج من فرط القهر:
ـ عارف نفسي أعمل فيك إيه دلوقتي؟...لأنَّها يا غبي كانت فاكراها حبوب صداع...وأخدت منها النهاردة!
شهقت رولا، واتَّسعت عيناها وهي تسترجع ما حدث، ثم همست :
ـ أيوه...افتكرت...هيَّ قالتلي إنَّها مصدَّعة، وسألتني على اسم الحبوب... وأنا بعتلها صورة الشريط اللي بلال كان باعتلها منه قبل كده.
التفت إليها بلال سريعًا، وقد تبدَّلت ملامحه تمامًا:
ـ إمتى ده، وإزاي تعملي حاجة زي دي من غير ما تقوليلي؟
رفعت رأسها إليه، وعيناها تمتلئان بالدموع:
ـ وأنا كنت أعرف منين إنَّها حبوب هلوسة، أنا سألتك يومها...وإنتَ بنفسك قلتلي إنَّها للصداع.
دفعه آسر بعيدًا عنه بعنف، فتراجع بلال خطوة إلى الخلف.
مرَّر بلال كفِّه على وجهه:
ـ  ما كنتش أعرف إنَّها هتطلبها تاني... قولت يمكن مرَّة وعدِّت... 
ضغط آسر على أسنانه، ثم استدار يدور حول نفسه كوحشٍ حُبس داخل قفص، يغرس أصابعه بين خصلات شعره ويجذبها بعنف، حتى كاد يقتلعها من جذورها.
اقترب منه بلال، وربت على كتفه:
ـ آسر ممكن تهدى، أنا كان قصدي خير.
لكن آسر لم يكن يسمعه.
أغمض عينيه، فعادت إليه تلك الليلة بكلِّ تفاصيلها...ضحكتها...نظراتها...
اعترافاتها التي طالما حلم أن يسمعها.
كانت أجمل ليلة عاشها بقربها...وأقسى ذكرى تطارده الآن، لأنَّه لم يعد يعلم...
هل كانت كلماتها خارجة من قلبها؟
أم من عقلٍ غيَّبته تلك الحبوب؟
خرج صوته منكسرًا لأوَّل مرَّة:
ـ كنت أتمنى...تكون واعية بكلِّ حرف قالته...كنت عايز أصدَّق إنِّ كل اللي سمعته كان حقيقة...مش تأثير دوا.
قطع بلال شروده بصوتٍ خافت:
ـ آسر...
رفع رأسه إليه.
ـ إنتَ...تمِّمت جوازك منها؟
ظلَّ ينظر إليه طويلًا، دون أن ينطق بحرف.
ثم انحنى، التقط سترته، وغادر المكان بخطواتٍ ثقيلة، وكأنَّ كل خطوة تنتزع شيئًا من روحه.
تابعه بلال بعينين يملؤهما الأسف، ثم التفت إلى رولا:
ـ آسيا...مقالتلكيش حاجة؟
تنهَّدت رولا، وقالت بحزن:
ـ بتحبُّه يا بلال...وبتحبُّه أوي كمان... بس موجوعة، ومن حقَّها تتوجع..وإنتَ سمعت بنفسك...اللي حصل النهاردة مكانش بوعيها.
جلس بلال صامتًا للحظات، يفرك ذقنه وهو يغرق في التفكير.
وفجأة...ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيه.
رفع رأسه إليها وقال بمكر:
ـ عندي خطَّة...ولو نجحت، أفريقيا دي هتنام الليلة في حضن جوزها وهيَّ صاحبة القرار.
ضيَّقت رولا عينيها وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها:
ـ لا بقى...أنا مخصماك أصلًا، ومش هكلِّمك...وهآخد يوسف وأروح بيت بابا.
انتفض من مكانه ووصل إليها في خطوتين فقط:
ـ نعم يا بت! بتقولي إيه؟
نفخت وجنتيها بتذمُّر طفولي:
ـ إيه، مش إنتَ اللي طردتني، ومش إنتَ اللي قولت هطلَّقك بالتلاتة؟ وبعدين نسيت إنِّ أصلًا مينفعش... لأنَّك مطلَّقني قبل كده مرِّتين يا أخويا!
لم يتمالك نفسه.
ضحك رغمًا عنه، ثم جذبها بقوَّة إلى صدره، وأحاطها بذراعيه الاثنين.
دفن وجهه بين خصلات شعرها وهمس:
ـ تقدري تبعدي عنِّي يا رولي؟
لكزته في صدره بخفَّة:
ـ مش إنتَ اللي طردتني، ولَّا إنتَ كمان كنت واخد حبوب هلوسة؟
ابتسم، ثم رفع وجهها إليه، حتى اختلطت أنفاسهما:
ـ نفسي ناخدها سوا.
لكزته بقوَّة: 
_بس بقى ومتحاولش.
_يا بت صدَّقتي الكلام، ده كان قدَّام آسر...إنما الحقيقة..
وضع كفَّها فوق صدره، وداخله يخفق قلبه بعنف:
ـ ده نبض بلال...ولو بعدت عنه رولا... يقف.
ارتجفت ملامحها.
ذاب كل عتابها في لحظة.
رفعت ذراعيها وأحاطت عنقه بحنان، وهمست:
ـ برضه زعلانة...ولازم تصالحني... ومش هتنازل غير على حاجة كبيرة أوي.
قهقه من قلبه:
ـ ده إنتِ تؤمري يا نبض قلبي.
انزلقت أناملها فوق صدره حتى استقرَّت فوق موضع نبضه.
أغمض عينيه فور ملامستها، وكأنَّها لم تضع يدها على قلبه...بل أعادت إليه الحياة نفسها.
همست بخفوت:
ـ بجد يا بلال...لو بعدت عنَّك...النبض ده ممكن يوجع؟
فتح عينيه ببطء، وأمسك يدها بكلتا يديه، ثم رفعها إلى شفتيه يقبِّلها قبلة طويلة مليئة بالامتنان:
ـ والله...حياتي كلَّها عندك، ولو خيَّروني بين الدنيا كلَّها...وبين دقيقة وإنتِ بعيدة عنِّي...أختار أخسر الدنيا.
لم تستطع الرد..اكتفت بأن أسندت رأسها إلى صدره، تستمع لذلك النبض الذي كاد أن تفقده يومًا، وكاد أن يفقدها معه.
كان قلبه يدقُّ بقوَّة...
وكأنَّه يهمس باسمها مع كلِّ نبضة.
مرَّرت أصابعها برقَّة فوق موضع قلبه، ثم أغمضت عينيها، وانحنت تقبِّل المكان الذي يحتضن نبضه في قبلة هادئة، مليئة بالحب والامتنان.
عندها...شعر أنَّ الزمن توقَّف.
لا صوت...إلَّا نبضان، وجدا أخيرًا طريقهما إلى بعضهما.
ابتسم، وانحنى يحملها بين ذراعيه بكلِّ رفق، كأنَّها أثمن ما يملك في هذه الحياة.
أسندت رأسها إلى كتفه، وابتسمت في هدوء، بينما ضمَّها إليه أكثر.
ومضى بها نحو غرفته...
لا يحمل امرأةً فحسب...
بل يحمل حياته السعيدة، التي كاد أن تضيع منه، ثم عاد إليه مع نبضة قلب..

بغرفة آسيا...
جلست فوق فراشها، تضمُّ ركبتيها إلى صدرها تضع ذقنها تنظر بشرود، عيناها غارقتان في الدموع، تتذكَّر ماحدث، مع انسياب عبراتها. 

دفعت إيمان الباب برفق، فتوقَّفت لحظة على العتبة..انقبض قلبها وهي ترى ابنتها بتلك الهيئة؛ الحزن يأكل وجهها، وانطفاءٍ لروحها. 

اقتربت منها في هدوء، وجلست إلى جوارها دون أن تتكلَّم، احتضنت وجهها، وأخذت تمسح دموعها بإبهامها.
ظلَّت تتابع  عيناها الحزينة، ودموعها التي تنساب بصمتٍ قاتل على قلب والدتها.
ـ بتعيَّطي ليه دلوقتي، ينفع اللي عملتيه ده يا آسيا؟
رفعت آسيا عينيها إليها...نظرة واحدة كانت كفيلة بأن تقول كل ما عجز عنه الكلام.
لم تنطق..كيف تشرح أنَّ قلبها ينزف؟
أنَّها لا تريد الطلاق...لكنَّها أيضًا لم تعد تحتمل أن تكون امرأة تقف على هامش قلب زوجها؟
كانت تريده...بكل ما فيه...لكنَّها أرادت أن يحارب لأجلها هي، لا أن يأخدها كمجرَّد زوجة بديلة، مهما كانت مبرِّراته.
تنهَّدت إيمان، ثم أمسكت يدها بحنان:
ـ يا بنتي...هتفضلي ساكتة كده؟ اسمعيني...أبوكي راح لخالك بنفسه، وخلاص ما بقاش ينفع نسكت أكتر من كده. وإن شاء الله اللي يريَّح قلبك هوَّ اللي هيحصل...إنتي وأختك أغلى من الدنيا كلَّها عندنا...واعتبري موضوع الطلاق انتهى.
ما إن سمعت كلمة "الطلاق" حتى انهار كل ما كانت تحاول التماسك به.
اهتزَّ جسدها بعنف، وانفجرت في بكاءٍ مرير، وكأنَّ تلك الكلمة مزَّقت قلبها إربًا إربً.
كانت تريد أن تصرخ...
_لا...أنا مش عايزة أطلَّق.
أنا عايزاه هوَّ بس، عايزة يحارب علشاني... عايزاه يداوي وجع قلبي. 
لكنَّها لم تقوَ، ظلَّت الكلمات حبيسة داخل صدرها، ولم يخرج منها سوى شهقاتٍ موجوعة.
سحبتها إيمان إلى صدرها بقوة، وأخذت تربت على شعرها بحنان: 
ـ خلاص يا حبيبتي...وهعمل كل اللي يريَّحك...بس متتوجعيش بالشكل ده.
وظلَّت تحتضنها، تمسح دموعها، وتهمس لها بآيات ودعوات، حتى خفتت شهقاتها شيئًا فشيئًا، واستسلم جسدها المنهك للنوم بين ذراعي أمها.
بعد دقائق...
تعال طرقٌ خافت على الباب.
رفعت إيمان رأسها، فرأت كريم يطلُّ بحذر، ما إن وقعت عيناه على آسيا النائمة بين أحضان والدتها حتى توقَّف مكانه.
أشارت إليه بيدها أن ينتظر في الخارج.
عدَّلت الغطاء فوق ابنتها، وانحنت تقبِّل جبينها بحنان، ثم خرجت وأغلقت الباب خلفها برفق.
خرجت وجدته واقفًا أمام باب الغرفة، 
اقتربت منه وهمست بقلق:
ـ عملت إيه؟
مرَّر يده في شعره بتوتُّر:
ـ يزن عند إلياس...والدنيا هناك مولَّعة.
قطبت جبينها:
ـ ليه، إيه اللي حصل؟
زفر بقوة، ثم قال:
ـ نور...اللي كان شغَّال مع آسيا...طلع ابن أخو ميرال ويزن.
حدَّقت فيه بعدم استيعاب:
ـ إنتَ بتقول إيه؟! أنا مش فاهمة حاجة.
ابتلع ريقه وقال:
كان متجوز واحدة يونانية...ومخلِّف منها بنت وولد.
شهقت بقوة، وارتفعت يدها تلقائيًا تغطِّي فمها.
همست بصوتٍ مرتعش لا يكاد يُسمع:
ـ إنتَ بتقول إيه يا كريم، إزاي؟... الراجل ده...مش كان مات؟
_البنت الكبيرة اللي فهمته هيَّ أم نور اللي كانت بتيجي هنا.

بمنزل إلياس...
خرج يوسف من غرفة والدته، وأغلق الباب خلفه بهدوء. ما إن رآه يزن وسارة وضي حتى توقَّف.
اقترب يزن، والقلق يكسو ملامحه:
ـ إيه...هيَّ كويسة؟
رفع يوسف عينيه إليه، ثم أجاب بصوتٍ مرهق، غير عابئ بوجود سارة:
ـ أخدت مهدِّئ ونامت...ويا ريت نقفل الموضوع ده دلوقتي، هيَّ مش ناقصة صدمات أكتر من اللي شافته.
لم ينتظر ردًّا، واستدار متَّجهًا إلى الخارج.
تبادلت ضي نظرات سريعة مع الواقفين، ثم أسرعت خلفه بصمت.

اقتربت سارة من يزن، وقالت بصوتٍ خافت:
ـ أنا همشي دلوقتي...بس يبقى طمِّني عليها.
تأمَّلها يزن طويلًا، ثم أطلق ضحكة ساخرة خالية من أي دفء:
ـ بلاش تعيشي دور الضحية، الله يكرمك...شوفنا من أمثالك واتلسعنا بما فيه الكفاية.
انعقد حاجباها، لكنَّها تماسكت:
ـ أنا مش هرد عليك.
ابتسم بسخرية أشد.
ـ أحسن...لأنِّي مش مستني منِّك رد.
قاطعه نور:
_آسف لحضرتك، مش فاهم إيه اللي مخلِّيكم حاسِّين إنِّنا إحنا اللي بنتشرَّف بقربكم، أو إنِّنا بنجري وراكم...وكأن اسمكم هيزوِّدنا قيمة!
اقترب خطوة، ونبرة صوته ازدادت قسوة:
ـ في الآخر...عيلتنا اتشتِّت، والوجع وصل للكل.
في تلك اللحظة، خرج إلياس من الداخل، وقد التقط آخر كلماته.
رفع نور رأسه إليه، فقال إلياس:
ـ يارب تكوني اتأكِّدتِ دلوقتي إنِّي مكنتش بخدعك...ميرال شافت من راجح كتير. كفاية بقى!
ثم أشار بيده في انفعال:
ـ حاولت أكون هادي لآخر دقيقة، مش علشانكم...علشان ما يجيش يوم وتقولوا إنِّنا ظلمناكم.
اشتدَّ صوته قليلًا
ـ بس فيه حقيقة لازم تفهموها..
محدش هيهمِّني غير مراتي وولادي، ومش مستعد أوجع مراتي يا أستاذة سارة.
ارتعشت شفتا سارة، وهمست بعدم تصديق:
ـ للدرجة دي؟
استدار إليها بعينينِ تقدحان غضبًا:
ـ وأكتر من كده كمان...لأن حياتنا كلَّها اتسمِّمت بسبب راجح...
صمت لحظة، قبل أن يضيف بمرارة:
ـ وبسبب ولاده.
التفت إلى يزن، وكأنَّ الكلمات لم تعد تحتمل البقاء في صدره:
ـ كلُّكم...أذيتونا، كل واحد فيكم كان سبب في وجع جديد.
تقدَّم يزن محاولًا احتواء الموقف:
ـ إلياس...اهدى، إحنا كلِّنا عارفين إنِّ الوقت ده مش وقت لوم ولا تصفية حسابات..بتلبَّخ في الكلام، إحنا كلِّنا في  الهوا سوا...نظر إلى سارة التي لم تعد تسمع شيئًا.
كانت تنظر إلى الأرض، والدموع تلمع في عينيها، قبل أن ترفع رأسها بصعوبة:
_انا مجتش علشان فلوس ولا حاجة، لأنِّي الحمدلله مش محتاجة، وأكيد أنتوا عارفين كدا، بس حقيقي كنت عايزة دفا عيلة أنا وابني..
ودا شوفته في فرح آسر، واهتمامكم ببعض، ووفاة مصطفى باشا، بس خلاص 
رفعت رأسها إلى يزن:
ـ يزن...أنا عايزة أتكلِّم مع طارق..
نظر إليها ثم أشار ببرود: 
_أكيد عارفة مكان البيت.
خرجت دون حديث، ولحقها نور بعدما رمق يزن بعتاب. 
بمنزل كريم.. 
مضت عدَّة ساعات...
تثاقلت جفون آسيا قبل أن تفتح عينيها ببطء، تتأوَّه وهي تضمُّ رأسها بين كفَّيها..كان أثر المهدِّئ لا يزال يثقل جسدها، ورأسها ينبض بألم يكاد يشقُّها.
ظلَّت للحظات تحدِّق في السقف، تائهة لا تدرك أين هي، حتى بدأت ذاكرتها تستعيد ما حدث.
وتذكَّرت أنَّها بمنزل والدها. 
اعتدلت فجأة، سحبت روبها وارتدته، ثم خرجت من الغرفة.
كان المنزل غارقًا في الهدوء. 
تجوَّلت بعينيها في الأرجاء، فلم تجد أحدًا.
ابتلعت غصَّتها، واتَّجهت بخطواتٍ متردِّدة إلى الخارج... إلى المنزل المقابل لمنزل والدها، حيث منزلها مع مهلك قلبها.
توقَّفت أمام الباب الرئيسي، ومدَّت يدها نحوه، لكنَّها وجدته مغلقًا، وضعت إصبعها للطرق، ولكن عادت تسحبها مرَّةً أخرى.
لم تستطع.
استدارت متَّجهة إلى الباب الخلفي المطل على المسبح، فهي تعلم أنَّه يتركه مفتوحًا دائمًا.
دفعت الباب برفق، دلفت إلى الداخل.
كان الظلام يبتلع أرجاء المكان، 
توقَّفت في منتصف الصالة، وأخذت تبحث بعينيها في العتمة.
همست لنفسها بصوتٍ مرتجف:
ـ معقول...ميكونش موجود؟
خطت بضع خطوات، حتى لفت انتباهها خيط رفيع من الضوء يتسلَّل من أسفل باب غرفة المكتب.تسارعت دقَّات قلبها.
إذًا...هو هنا..لكن قدميها خانتاها.
اتَّجهت إلى الأريكة، وجلست عليها منهارة، وأسندت رأسها إلى ظهرها، مغمضة عينيها بقوة..
 تحاول أن تجمع ما تبقَّى من شتات روحها.
اليوم لن تهرب..اليوم ستقول كل ما ظلَّ عالقًا في صدرها.
ستخبره كيف حطَّمها وهو لا يشعر...
كيف كانت تموت في كلِّ مرَّة شعرت أنَّه يختار غيرها بقلبه...
وكيف تحوَّلت من امرأة كانت ترى نفسها ملكة في عيني حبيبها، إلى بديلة. 
انسابت دموعها في صمت، دافئة وثقيلة.
رفعت يدها تمسحهما بعنف، وكأنَّها غاضبة من ضعفها.
نزعت الروب في حركةٍ عصبية، ثم اتَّجهت إلى الحمَّام.
فتحت الصنبور، وأغرقت كفَّيها بالماء البارد، ثم راحت تغسل وجهها مرَّاتٍ متتالية، كأنَّها تريد أن تمحو آثار الانكسار التي رسمتها الساعات الماضية.
رفعت رأسها أخيرًا نحو المرآة.
تجمَّدت مكانها.. كانت تنظر إلى نفسها نظراتٍ غريبة...
عينان متورِّمتان من كثرة البكاء، وجه شاحب، وملامح أنهكها الوجع.
ظلت تحدِّق في انعكاسها طويلًا، ثم اقتربت من المرآة وهمست بصوت بالكاد خرج:
ـ كفاية...
أغمضت عينيها، وسحبت نفسًا طويلًا، ثم أخرجته ببطء، وكأنها تطرد معه كل خوفها.
فتحت عينيها من جديد.
هذه المرَّة، كان فيهما شيء مختلف...
رغم الانكسار...كان هناك قرار.
همست لنفسها بثبات:
ـ لازم تواجهيه......مش كل مرَّة تهربي.
استدارت، ومسحت آخر دمعة علقت بطرف عينها، ثم خرجت من الحمَّام، واتجهت بخطواتٍ بطيئة نحو غرفة المكتب...
دخلت بخطوات مرتجفة وجدته، الغرفة يغمرها رائحة السجائر، رفع عيناه حين شعر بدخولها... تلاقت نظرات العتاب 
سحبت نفسًا وزفرته ببطء.. وعيناها على جلوسه، شعرت بانكساره لوهلة، هنا تمنت أن تركض إليه، ولكن كيف وهو الذي حطم قلبها... اغروقت عيناها بالدموع من ضعفها ولعنة قلبها، ماهذا الحب الغريب، الذي يدمر صاحبه اكثر مايشعره بالسعادة 
شهقة اخرجتها تهمس وهي تتجول بعينها بالمكان

_من وقت ماقلبي دق لك وعرفت اني بحبك، رسمت حاجات كتيرة جميلة أوي معاك، جالت اشارت بأيد مرتجفة، كحال قلبها: 
_يعني زي المكتب دا، رسمت فيه احلام كتيرة.. 
اولها اتفرج عليك وانت شغال ومشغول بقضاياك، واجب لك القهوة واقعد اتابعك بس، واخر ماازهق او بمعنى اصح، اخر ماقلبي يضعف ويشوف اهتمامك بحاجات تانية غيري
ضغطت على شفتيها تمنع دموعها، واقتربت من جلوسه ازاحت المكتب بعيدًا قليلًا، ثم جلست على ساقيه وتابعت حديثها: 
_اجي اقعد كدا علشان اقولك خد بالك، انت مش مهتم بيا 
انت ممكن تضايق، علشان مبتحبش اللي يعطّلك
ماهو أنا حافظت كل حاجة فيك
بتضايق لما تبقى مشغول، وخاصة لو القضية معقدة، بس أكيد أنا غير
دفنت رأسها بصدره، تسحب رائحته، ورغم شعورها بالأختناق، إلا أنها قالت: 
_كنت هتضمني أوي، وتضحك وتقولي "مجنونة ياحبيبة اسر"
اختنق صوتها ورفعت رأسها 
تمرر أناملها على صدره، وتعلقت الأعين ببعضها
_شايف قلبك بيدق ازاي دلوقتي، أنا كنت كدا 
رفعت كفيها على وجنتيه وتبسمت ابتسامة تصرخ بالوجع
ثم اقتربت وقبلة سريعة على شفتيه، ثم وضعت جبينها فوق جبينه 
_حتى دي حرمتني من شعورها أول مرة 
أغمض عيناه، يشعر بأختناق أنفاسه وكأن كلماتها ابر توخز بصدره، بعدما كان يتمنى أن يسمع كلمة واحدة فقط، آلان إنهار كل شيئً
_قولي... امحي اثر اختي ازاي من هنا
دموعها اغرقت وجهها 
_ازاي أقدر انسى واختي بتقرب منك وتحضن فيك قدامي، و. 
شهقة خرجت منها، ثم، نهضت سريعًا حين شعرت بانهيارها ولم تقو على مواجهته
صعدت سريعا الى غرفتها، هوت خلف الباب، بينما ظل كما هو لم يتزحزح بمكانه
 
ساعات أخرى إلى أن نهض من مكانه وتحرك للخارج 
جلس فوق الاريكة، وراحت نظراته على درجات السلم، صورتها لا تترك خيالاته، تذكر ليلة امس

خطت بهدوء للغرفة، غرفة مظلمة رائحتها غارقة برائحة السجائر، تحركت بحذر، وجدته غافيًا فوق الأريكة، توقفت للحظة تبحث عن هاتفه، انحنت تتحسس الأريكة، وقعت يدها على ورقة كان يضمها بكفيه وسقطت، سحبتها بهدوء ووضعتها بجيب الشورت الذي ترتديه، ثم دارت تبحث عن الهاتف او المفتاح، وصلت إلى الفراش، تبسمت حين وجدت الاثنين فوق اخر الفراش، فهمست
_غبي... يعني لما يحطهم بعيد كدا مش هشوفهم، انحنت تسحبهما، ولكنها شهقت حين وجدته فوق جسدها 
_بتعمل ايه ياحرامي في اوضتي الساعة اربعة الفجر، وفي سريري
ضغطت على شفتيها واغمضت عيناها
_ابعد... هصوت وألم عليك الناس اللي في الكمبوند 
لكنه اقترب اكثر حتى شعرت بحرارة جسده 
_مش هبعد غير لما اسمع كلمتين 
_حاولت دفعه ولكنه كان كالحائط
_ابعد بقى... يابارد 
وقعت عيناه على ماترتديه، شورت قصير، وكنزة بحمالات رفيعة.. اطلق صفيرًا
_ايه الأغراء الحلو دا، انا بحب الأحمر على الابيض، واهو نجيب كتكوت اهلاوي زي اللي جاي في السكة 
_انت بتقول ايه يامتخلف
انحنى برأسه أكثر
_ايه مفيش كتكوت في السكة ياروحي، عايز قبل مايوصل أخوه يلحقه 
أفلتت ضحكة ناعمة رغمًا عنها 
ابتسم ورفع كفيه يزيح خصلات شعرها 
_وصلت للخلع يااسيا، عايزة تخلعيني 
نظرت إليه، وجه جامد لايشبه ايامهما الأخيرة، ارتجفت شفتيها من تغير حالته 
_انت اللي وصلتني لكدا 
_أنا مش هقولك تسحبي الدعوة أو تسبيها، كملي زي ماانت عايزة 
دنى حتى لمست شفتيه شفتيها
وهمس: 
_مش هطلقك ياروحي، ولو شاطرة اخلعيني 
صاحت صارخة تلكمه بقوة، مع ارتفاع ضحكاته، فجأة اصبحت اسفله، امسك كفيها بيد واحدة، ودنا حتى لافحت انفاسه الحارة وجهها، وتعلقت نظراتهما ببعضٍ
_اسيا أنا بحبك، وصدقيني لو حسيت انك مش عايزاني فعلا، هبعد 
لمس وجنتيها بشفتيه
_مش بتحبيني ياأسيا 
صمت وارتفع تنفسها، حتى انهارت حصونها بالكامل، لحظات اوشكت ان تكون صريعة لقلبها، اقترب منها واحتضن شفتيها، بقبلة جامحة وكأنه لم يقبلها من قبل... تاه الأثنين للحظات، الى أن عاد عقلها سريعا، فانتفضت تدفعه، وركضت للخارج ودموعها تسبق خطواتها

فاق من شروده على رنين هاتفه
_اسر... اسيا عندك
_ايوة... 
_طيب كويس، بابا دور عليها، راضيها يااسر، متسمعش كلامها، وبابا لو جه، متخلهوش ياخدها مهما حصل 
_طيب... قالها واغلق الهاتف 
تمدد على الاريكة ينظر بسقف الغرفة، الى أن غفا بمكانه 

بعد يومين...
بمنزل إلياس 
دلف للداخل وجد يوسف يجلس بجوارها ويطعمها وهو يقص لها جنون ضي معه، تضحك مرة ويضمها ويقبل رأسها مرة
ظل متوقفًا على الباب، ثم تراجع، قابلته شمس 
_ماما نامت ولا إيه!! 
_لا... حبيبتي، يوسف عندها
تلقف طفلها وأشار إليها بالدخول 
_ادخلي متسبهاش لوحدها، وأنا هاخد تميم واروح بيت عمو ارسلان 
_حاضر... لو زهقك اديه لنانا
قبل رأس الطفل وضمه وهو يهز رأسه 
_لا.. متقلقيش، المهم اهتمي بماما 
بعد فترة بمنزل ارسلان 
كان يجلس بين فريدة وارسلان، يقص لهما ماصار 
ربتت فريدة بحنو على ظهره
_خدها وسافر الحج ياالياس، مراتك محتاجة تغير نفسية، ومش هتلاقي غير الأيام دي، تساعدها تخرج من اللي هي فيه، اتحملت فوق طاقتها يابني، لو حد مكانها كان اتجنن
وافق ارسلان على حديث والدته وقال
_إلياس ماما بتقول صح، ميرال جاتلي من فترة، حالتها كانت صعبة، لدرجة شكت فيك، وانا حاولت طبعًا اغير الكلام بخفة زي ماانت عارف، ودلوقتي لو حست بتأنيب الضمير، هترجع لحالتها تاني 
_خلاص جهزوا نفسكم ونسافر كلنا، مش عايز نبقى لوحدنا 
نظر أرسلان الى فريدة، التي اومأت مبتسمة
_حد يكره يروح يحج 
_مالك يافريدة، انت كل سنة عايزة تحجي 
ابتسمت تلكزه 
_عايزة الحجة دي تبقى لعمك مصطفى 
_ربنا يرحمه ياحبيبتي... تمتم بها ارسلان 
بعد يومين 
شدّ الياس الرحال بصحبة ميرال  إلى أطهر بقاع الأرض، إلى المكان الذي تهدأ فيه الأرواح قبل الأجساد، حيث لا يبقى بين العبد وربه سوى قلبٍ يفيض بما أثقلته الدنيا. وكان برفقتهم أرسلان، وغرام، وفريدة
ما إن وقعت عينا ميرال على الكعبة حتى ارتجف جسدها كله، واختنقت أنفاسها، وكأنها وصلت أخيرًا إلى الملاذ الذي ظلت تبحث عنه طويلًا. لم تنطق... فقط انهمرت دموعها بصمت، دموع امرأة أنهكها الوجع حتى لم يعد في قلبها متسع لشيء سوى الرجاء.
تشبثت بيد فريدة، وخطت معها نحو البيت العتيق، وعيناها معلقتان به، كأنها تخشى أن ترمش فتفقد تلك الطمأنينة التي بدأت تتسلل إلى روحها.
راقبتها فريدة بحزنٍ عميق، ترى الانكسار المختبئ خلف دموعها، فمالت نحو غرام وهمست:
_خلي بالك منها... هروح أتوضى وأصلي.
أومأت غرام برأسها، بينما التفتت ميرال إلى فريدة بسرعة
خرج صوتها مرتعشًا، يغلبه البكاء:
_وأنا كمان يا ماما... عايزة أصلي... عايزة أكلم ربنا هنا.
ارتعشت شفتاها، وانحدرت دمعة جديدة على وجنتها.
_عايزة أقوله إني تعبت... تعبت أوي. عايزة أحكيله كل اللي معرفتش أقوله لحد. يمكن هنا... يمكن هنا قلبي يهدى، ويمكن يربّت عليا ويجبر كسري.
ضمّتها فريدة إلى صدرها بقوة، وربّتت على ظهرها بحنان أم تخشى أن يتفتت قلب ابنتها بين يديها، وهمست والدموع تملأ عينيها:
_روحي يا بنتي... اللي بيقف قدام باب ربنا عمره ما يرجع مكسور. فضفضي له، وابكي قدامه، واسأليه اللي نفسك فيه... فهو وحده القادر يجبر القلوب جبرًا يعجز عنه البشر.
أغمضت ميرال عينيها، وأخذت نفسًا مرتجفًا، ثم اتجهت بخطوات بطيئة نحو موضع الصلاة، تحمل فوق كتفيها عمرًا كاملًا من الأوجاع، وتوقن في داخلها أن القلب الذي جاء إلى الله منكسرًا... لن يعود كما كان أبدًا.

سجدت لربها بقلبٍ يرتجف بين الخوف والرجاء، وانهمرت دموعها فوق أطهر بقاع الأرض، تتوسل إليه بحرقة، وتبث شكواها لرب العالمين على مااصاب قلبها، ظلت تدعو وتبكي كثيرا،الى أن بدأت تدعو لروح قلبها،دعوة  أمٍّ لا تحمل في قلبها إلا أمنية واحدة لولدها…
اللهم إني استودعتك فرحة ابني، فلا تردني خائبة… اللهم ارزقه ذريةً صالحة تقرّ عينه، وتملىء حياته نورًا ورحمة. اللهم لا تحرمه شعور الأبوة الذي يتمناه قلبه، ولا تكسر خاطره في أمرٍ تعلّق به روحه. يا رب… إنك قلت: «المال والبنون زينة الحياة الدنيا»، فاجعل له من تلك الزينة نصيبًا جميلًا مباركًا، واجعل أبناءه سندًا له في الدنيا، وشفعاء له في الآخرة. اللهم كما أفرحت قلوب عبادك عند بيتك الحرام، فأفرح قلبه بخبرٍ يبدد كل حزنٍ سكن صدره. اللهم إني رأيت ضعفه ولم يره الناس، وسمعت تنهيداته التي أخفاها خلف ابتسامته، فأنت أرحم به مني… فلا تترك قلبه وحيدًا أمام ألمه.
أنهت صلاتها بصدرٍ مثقل، وجلست في الحرم الشريف تضم كفيها إلى صدرها، تهمس بالدعاء بين شهقاتها المكتومة… وكان قلبها يئن على فلذة كبدها، كأن وجعه يسكن داخلها هي، لا داخله وحده.
انهت فريدة صلاتها، وكذلك غرام وجلسا ينتظرانها الى أن انتهت، فاتجهت اليهم ووجهها يشع نورًا كأنها ولدت للتو

بكلية الإعلام...
انتهت المحاضرة، جمعت أغراضها، ثم اتجهت بخطوات مترددة نحو مكتبه. توقفت أمام الباب لحظة، التقطت أنفاسها، ثم طرقت بخفة.
_فاضي يا دكتور؟
رفع رأسه عن الكتاب الذي بين يديه، وما إن وقعت عيناه عليها حتى ارتسمت ابتسامة هادئة على وجهه.
_اتفضلي.
دلفت إلى الداخل بخجل، وأغلقت الباب خلفها برفق، ثم توقفت أمام مكتبه تعبث بحقيبة يدها... قطع خجلها 
_حمد الله على السلامة.
همست هي وعيناها تهربان إلى الأرض:
_أنا... جاية أشكر حضرتك.
أغلق الكتاب، وأسنده فوق المكتب، وقال ببساطة:
_تشكريني على إيه؟ اللي عملته أي حد مكاني كان هيعمله، ومالوش لازمة الشكر.
لا تعرف لماذا ضايقها رده، كانت تتمنى أن يمنح كلماتها مساحة، لا أن يمررها بتلك السهولة.
رفعت رأسها، وأومأت بابتسامة صغيرة تخفي بها شعورها.
_أكيد... وحضرتك أصلًا أبو الذوق.
ضحك بخفة، ثم أشار ناحية المكتبة.
_أنا صورت وسجلت لك كل المحاضرات اللي فاتتك، والدفاتر هناك. خديهم، ولو وقفت قدامك أي نقطة مش مفهومة، اسألي من غير تردد.
_شكرًا لحضرتك
اومأ مبتسمًا، ثم اشار الى الرفوف
_هاتي الكتب دي، وتعالي واوريكي 
اتجهت إلى المكتبة، ووقفت أمام الرفوف تبحث بعينيها.
_هو فين؟
أشار إلى الرف العلوي.
_هناك.
رفعت رأسها، ثم وقفت على أطراف أصابعها، ومدت ذراعها عبثًا، قبل أن تزفر باستسلام.
_وده هجيبه إزاي حضرتك؟ ده محتاج سلم... أو واحد طوله طبيعي.
نهض من مقعده وهو يكتم ابتسامته، واقترب حتى وقف خلفها بمسافة بسيطة.
_هو إنتِ لو سكتي دقيقتين هيحصلك حاجة، الرف مش عالي ولا حاجة.
استدارت إليه بسرعة، ثم نظرت إليه من أسفل لأعلى، وعقدت ذراعيها أمام صدرها.
_آه... بالنسبة للعمالقة زي حضرتك، أكيد واطي.
توقفت يداه فوق الدفتر، والتفت ينظر إليها، فوجدها ترفع رأسها بالكامل لتقابل عينيه، بينما لم يتبقَّ بين قمة رأسها وكتفه إلا مسافة صغيرة.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة وقال:
_هو أنا عملاق... ولا إنتِ اللي مختصرة الطريق وقررتي توقفي عند أولى إعدادي؟
ضيقت عينيها وهي تنفخ بضيق مصطنع.
_لا والله... أنا طولي مناسب، بس حضرتك اللي واخد زيادة عن اللزوم.
ضحك بصوتٍ خافت، ثم مد يده بسهولة، وأنزل الدفتر من الرف دون أي مجهود، ولوّح به أمامها.
_اتفضلي... المهمة المستحيلة تمت بنجاح.
انتزعت الدفتر من يده وهي تتمتم باعتراض:
_متضحكش... أنا هطول.
رفع حاجبه مبتسمًا، وقال وهو يعود إلى مكتبه:
_ادعي ربنا... يمكن الرفوف تنزل شوية، هيبقى أسهل من إنك تطولي.
_على فكرة مبحبش السخرية، انا طولي طبيعي، إنما فيه ناس تانية، تحس انهم بياكلوا رقبة الزرافة 
اطلق ضحكة مرتفعة حتى ادمعت عيناه
_لا... انت مش طبيعية... صمت ينظر لعيناها
_كان المفروض اقول للدكتور اللي عملك العملية يسيب الزايدة ويقص شوية من لسانك 
_أهو رجعنا للاستهزاء، بسمع عن المصريين بالاخلاق العالية 
_يعني أنا بلا أخلاق 
_ماقولتش كدا، بس حضرتك كلامك كله استهزاء 
_مش يمكن مابقولش كدا لأي حد، يعني مثلًا، مش أي شخص ممكن تتكلم معاه ببساطة إلا اذا
اشارت بيديها بذهول
_لا.. لا.. مش لايق على حضرتك التواضع
جحظت عيناه قائلًا: 
_قصدك ايه 

اسبوعًا اخر
بمنزل اسر.. بعد طلبها من والدها أن تظل معه حتى يصلا إلى حل يرضيهما معًا، ولا يحزن احدًا، سواء، كان يزن أم كريم 
كانت تجلس بغرفتها... تعمل على مشروع، قد استلمته منذ يومين، بعد موافقة اسر لها بالعمل، فقد قامت بسحب دعوى الخلع، بعدما علم والدها ونهرها بحدة، فقد كانت تظن انها مثلها مثل أي دعوة
ابتعد اسر عنها... وتركها تعيد ماهدمه من روحها، يخرج بالصباح الباكر، ويعود بوقتًا متأخرًا
انتهت من عملها... نظرت بالساعة، ثم جمعت خصلاتها، وعلى وجهها ابتسامة مشاكسة 
_لقد حان اللعب قليلًا ياافريقيا، لقد مللنا من الجدية
دلفت الى الحمام، وانتقت شيئا مميزًا، ثم ارتدته نزلت درجات السلم بهدوء، وقعت عيناها على نومه على الأريكة، خطت الى أن وصلت لنومه، جلست على ركبتيها تراقب نومه، وضعت رأسها بجوار رأسه ولمعت عيناها بالعشق، تذكرت ايامهما الماضية وانفعالاته عليها، وجنونها برد فعلها، الذي كان يتقبلها بكل برود، الى أن فعلت فعلتها التي بنت جدار بينهما، يومين فقط بعيدًا عنه تشعر بأن حياتها أصبحت خالية، هذا الرجل اصبح لها نبض الحياة، تعشقه بجنون، ولكن ماذا تفعل.. زفرة حارقة اخرجتها حتى شعرت باانقباض صدرها 
نهضت دون تفكير وقامت بنزع روبها، وتسللت إلى احضانه، فتح عيناه 
_بتعملي ايه هنا؟! 
_جاية اتحر ش فيك 
لم يرد اغمض عيناه، ابتسمت تمرر اناملها على وجهه، ثم دنت تقبله وهمست له
_نوم الظالم عبادة
فتح عيناه 
_هو اللي بيتحر. ش بيبوس في الخد
جحظت عيناها
_انت واحد مكار عامل نايم
_لا.. منتظر تكملي تحر  ش
ضحكت تدفن رأسها بأحضانه 
_نام بقى واسكت، انت ايه
_لا... استني، هتنامي بعد ماعشمتيني 
ابتعدت برأسها قليلًا
_عشمتك،، يعني ايه؟! 
_يعني ننتظر حفلة التحر ش بتاعتك 
ضربته في كتفه بخفة 
_نام وبطل كلامك قليل الأدب دا، انت مش كنت نايم 
نظر لعيناها التي بها لمعة لا يعلم سببها، رفرف أهدابه وهو مازال بين النوم واليقظة 
_وحشتيني اوي ياافريقتي 
اقتربت تدفن نفسها بالكامل بأحضانه
_افريقتك زعلانة منك، علشان طلعت بتاع كلام فين كلامك لي مهما اعمل مش هتتخلى عني
لف ذراعيه حول جسدها، ونزل بجبينه فوق جبينها يسحب أنفاسها، بصمت 
رفعت كفيها على وجهه
_أسفة.. عارفة اني ضيقتك بس
رفع عيناه إليها وانتظر باقي حديثها 
_تديني حريتي، وخليني اقرر مش بالغصب
_عايزة تطلقي يعني 
عجزت عن الرد ورغم أنتفاض قلبها، إلا أنها هزت رأسها ودمعة شريدة سقطت على وجنتيها 
سحب ذراعه من تحت رأسها وأعتدل يمسح على وجهه، التفت برأسه اليها ثم أشار الى روبها
_قومي ألبسي هدومك، اطلعي اوضتك
اعتدلت تنظر اليه 
_يعني ايه هطلقني 
رفع عيناه، لتلتقي بعيناها وارتفعت أنفاسه حتى شعر بعدم قدرته على التنفس، اومأ لها دون ان يتفوه بحرف
نهضت على ركبتيها واحتضنت ذراعيه 
_اسر... اسمعني 
نظر الى حركتها العفوية، ولما ترتديه.. 
ابتعد بعينه عنها ، ثم قال: 
_حاضر يااسيا
قالها ونهض من مكانه 
بمنزل يوسف
رفعت ضي عينيها إليه، تراقبه منذ دقائق وهو غارق بعمله ، حتى بدا وكأنه نسي الزمن.
اقتربت منه بخطوات هادئة، ثم وضعت كفيها على كتفيه تدلكهما برفق.
_يوسف... مش هتنام؟ بقالك يومين منمتش يا حبيبي.
خلع نظارته الطبية، وأغمض عينيه للحظة، ثم أسند رأسه إلى المقعد يتراجع بجسده للخلف.
_خلاص... فاضل حاجة بسيطة أخلصها وأقوم.
واصلت تدليك عنقه بحنان.
_بتعمل إيه من امبارح كده؟
مرر كفه على وجهه بإرهاق.
_عندي الأسبوع الجاي عملية من أصعب العمليات اللي ممكن تتعمل.
_قلب مفتوح؟
هز رأسه بالنفي وهمس، وصوته يكاد يضيع بين النوم واليقظة:
_لا... زراعة قلب.
اتسعت عيناها بدهشة، ثم ابتسمت بفخر 
_واااو... حبيبي بقى شاطر أوي... ووصل لزراعة القلب!
فتح نصف عينيه ونظر إليها
_إنتِ بتكلمي طفل؟
ضحكت وانحنت تعانقه من الخلف.
_آه... سيبني آخدك على قد عقلي.
لم تكتمل لحظتهما...حتى استمع إلى
طرقات متتالية على الباب، أعقبها صوت الخادمة.
_دكتور... أستاذ أسر تحت، وعايز يقابل حضرتك.
قطب يوسف حاجبيه، ونظر إلى الساعة.
_أسر؟
نهض سريعًا.
_إيه اللي جابه في الوقت ده؟
اعتدلت ضي وهي تتابعه.
_خير يا رب.
التفت إلى الخادمة.
_قدمي له حاجة يشربها... وأنا نازل.
_تحت أمرك يا دكتور.
اتجه إلى خزانة الملابس يبدل سترته، بينما لحقت به ضي.
_تفتكر متخانق هو وآسيا؟
أغلق أزرار قميصه بعصبية، ثم التفت إليها.
_هم من إمتى كانوا متصالحين أصلاً؟ أكبر غلطة عملها الجواز ده.
ربتت على كتفه محاولة تهدئته.
_يوسف... آسيا غصب عنها.
رمقها بنظرة حادة.
_غصب عنها إيه؟ القهر عمره ما كان مبرر لقلة الأدب. الست لما تقلل من جوزها قدام الناس... يبقى مالهاش لازمة. وأنا لو مكان أسر... أطلقها بلا رجعة.. وعلى فكرة أنا من يوميها مابكلمش اسر، والحمد لله ان العذر انشغالي بأمي 
تنهدت قائلة
_طيب اهدى... وأنا هتكلم معاها.
رفع إصبعه محذرًا.
_إياكي... خلاص. الموضوع انتهى. يطلقها ويريح دماغه... مش ناقص غباء، عرفت من بلال كانت رافعة قضية خلع، دي واحدة يتقالها ايه، لو اعرف هتبهدله كدا حقيقي مكنتش ساعدته 
_معلش حبيبي... بيحبوا بعض، الاتنين مجروحين
زفر باختناق وتابع حديثه
_هو صعبان علي لأنه بيحبها، منكرش أنه غلط، بس حاول معاه وبين نيته، وبعدين مين مننا متجوز برغبته... حياتنا اتغيرت واتحسنت، بس هي مصرة توقف عند حاجة معينة
طبعت قبلة على وجنتيه
_وحياتي عندك... تساعده يرجعها، بلاش طلاق، احنا جربنا... علشان خاطري 
احتضن وجهها وطبع قبلة أعلى رأسها
_هحاول... بس أي فعل غبي منها صدقيني أنا اللي هرفع قضية طلاق عليهم 
لكزته ضاحكة، فتحرك للخارج

بمنزل أسر بعد مرور ساعة، وحديثه معها
كانت  تتحرك ذهابًا وإيابًا...
كل دقيقة تمر كانت تشعل غضبها أكثر.
لماذا لا تشعر بالانتصار بعد موافقته بالطلاق، لقد نفذت كل ما خططت له...
ذلك الثقل فوق صدرها يزداد.
نظرت إلى الساعة للمرة التي فقدت معها العد.
_راح فين ده؟
عضت شفتها بتوتر.
_أتصل بخالو؟... ولا أستنى؟
ألقت الهاتف بعيدًا.
_وإنتِ مالك؟ يروح... يقعد... هو حر.
جلست  تهز ساقها بعصبية، وأنفاسها تتلاحق دون سبب مفهوم.
_طيب ارجع بقى...وشوف هعمل فيك ايه، 
هو صدق وهيلطقني ولا ايه، ياغبية يااسيا
فجأة...انطفأت الكهرباء.
وغرقت الفيلا في ظلام دامس.
شهقت بفزع، ثم صرخت بأعلى صوتها:
_أسررر!
بمنزل يوسف
ارتجفت ضي وهي تنظر حولها.
_يوسف... النور قطع
_خليكِ  مكانك حبيبتي، هشوف ايه اللي حصل 
تحرك اسر ويوسف للخارج، وبلحظة 
دوى صوت صفارات الإنذار في أنحاء الكمبوند.
تبادل يوسف وأسر النظرات.
فقال أسر بقلق:
_إيه اللي بيحصل؟
جال يوسف بعينيه بين النوافذ.
_معرفش...
دارت اعين اسر هو الاخر، ولا يعلم لماذا شعر بالخطر.. وفجأة...
ركض  ناحية منزله، حين وجد اشعال النيران بأحد الاماكن 
_يوسف... فيه حاجة هتحصل. خلي بالك... حد بيرتب لحاجة.
في الخارج...على البوابة الرئيسية
كانت أصوات رجال الأمن تعلو بصورة مرعبة. 
وصل أحد أفراد الأمن يلهث الى الداخل.. ورفع هاتفه
_مالك باشا... الكمبوند بيولع!
انتفض مالك  من نومه.
_إنت بتقول إيه يا بني؟
_الكهربا قطعت فجأة... وبعدها النيران اشتعلت في أكتر من مكان.
سب بصوت غاضب.
_الله يخرب بيتكم... شوية أغبية!
ثم أمسك هاتفه.
_وزعوا الأمن على كل البيوت... وأنا دقايق وأكون عندكم.
تردد الرجل. _أبلغ الباشا؟
صرخ فيه:_قلت لأ!
أغلق الهاتف، وخطف مفاتيح سيارته، وانطلق بملابس المنزل.
بمنزل يزن
نهضت رحيل مذعورة.
_يزن... فيه إيه؟
فتح الباب وهو ينظر للخارج، والهبت النيران تظهر في  السماء 
_معرفش... خليكي جوه. هشوف النار جاية منين.
بمنزل بلال
حمل طفله على ذراعه، ثم ضم رولا إليه.
_ادخلي بيت بابا... ومتخرجيش مهما حصل.
هزت رأسها بسرعة، واتجهت إلى منزل أرسلان.
أما بلال...فركض نحو مصدر الصياح.
وصل يزن في تلك  اللحظة فتسائل بلال
_إيه اللي بيحصل يا عمو؟
أجاب وهو يدور بعينيه في المكان.
_الموضوع مش مريح...
ثم سأله بسرعة:
_مراتك فين؟
_في بيت بابا.
أشار إلى منزل يوسف.
قطب يزن جبينه.
_يوسف وضي لسه مخرجوش؟
في تلك اللحظة وصل طارق يركض.
_طارق... روح للأمن واعرف إيه اللي بيحصل، وأنا هطمن على يوسف.
أومأ قائلا: 
_بس اجمعوا الكل في مكان واحد... فيه حد استغل سفر أرسلان والياس.
هتف يزن:
_ بلال قول للكل على بيت الياس... بسرعة.
ثم اندفع نحو منزل يوسف.
وقبل أن يصلا...توقف يزن فجأة.
وقع بصره على سيارة سوداء تنطلق بأقصى سرعة من البوابة الخلفية للكمبوند.
اتسعت عيناه.
استدار صارخًا بكل قوته:
_بلال!
التفت إليه الأخير.
وأشار يزن نحو السيارة التي كانت تختفي في الظلام.
_في عربية... خرجت من البوابة الخلفية!
تجمدت ملامحهما...
هنا تيقنا أن كل ما يحدث لم يكن حريقًا عشوائيًا...
بل كان جزءًا من خطة، بدأت للتو.

تعليقات