رواية ما استردة القلب الفصل التاسع بقلم ريهام ناجي
مر شهر...
الغريب في البدايات
إنها بتكون مخيفة لدرجة إنك تفضل تحسب كل دقيقة فيها.
لكن بعد فترة...
بتلاقي نفسك بقيت جزء منها، من غير حتى ما تحس.
وشهر كامل...
كان كفيل يخليني أحفظ طريق الشركة، وأعرف مواعيد الزحمة،
وأميز أصوات الناس، وأحفظ أسماء زملائي واحد واحد.
التوتر اللي دخلت بيه أول يوم...
بقى مجرد ذكرى أفتكرها وأضحك.
بقيت أصحى كل يوم بنفس الحماس، أجهز، وأخرج وأنا حاسة إن عندي مكان بروحه، ومسؤولية بستناها.
ندى بقت أقرب واحدة ليا في القسم.
وأستاذ خالد...
بدأ يعتمد عليا في شغل أكتر من الأول، وده كان بيخليني أبذل مجهود أكبر عشان أكون قد ثقته.
أما باقي الفريق...
فبقينا، مع الوقت، عيلة صغيرة،
ضحك في وقت الراحة...
ومساعدة وقت الزحمة...
وتشجيع من غير ما حد يطلب.
والحمد لله...
قدرت أثبت نفسي في وقت أقل مما كنت متوقعة.
أما مستر يونس...
فكان وجوده في الشركة كفيل يخلي المكان كله يبقى أكثر هدوءًا وانضباطًا.
كل يوم تقريبًا يعدي على الإدارات، يتابع الشغل، ويسأل عن أي ملاحظة.
ولو قابلني...
ميزدش الكلام بينا عن تحية الصباح، أو سؤال سريع يخص الشغل.
وكان ده الطبيعي...
هو المدير
وأنا مجرد موظفة،
وده بالظبط اللي كنت حاطة حدودي عنده،
على الأقل...
ده اللي كنت بحاول أقنع نفسي بيه.
______
في صباح يوم جديد...
دخلت القسم وأنا شايلة كوب القهوة في إيدي، وبعد ما سلمت على الكل،
قعدت على مكتبي وفتحت اللاب.
ندى بصتلي وهي بتضحك.
_سمعت إنك جيتي بدري النهاردة.
رفعت عيني من الشاشة.
_عندي شوية ملفات حابة أخلصها قبل الزحمة.
هزت راسها بإعجاب.
_بجد يا رُهام... أنتِ من أكتر الناس اللي شوفتهم بيحبوا شغلهم.
ابتسمت من غير ما أبص لها.
_مش بحبه... بس بحب أحس إني بعمل حاجة صح.
لسه هكمل كلامي...
لقينا أستاذ خالد داخل القسم، وفي إيده مجموعة ملفات.
وقف وسطنا وقال بصوت واضح:
_يا جماعة... عندنا اجتماع بعد نص ساعة مع الإدارة.
كل واحد رفع عينه من على شغله،
أما أنا...
فكان أول اجتماع أحضره من ساعة ما اشتغلت.
اتبادلت أنا وندى نظرة سريعة،
ابتسمت وقالت بهمس:
_متقلقيش... مجرد اجتماع متابعة.
أخدت نفس هادي...
وحاولت أقنع نفسي إني فعلًا مش متوترة.
______
بعد نص ساعة...
كنا كلنا متجمعين في قاعة الاجتماعات،
دخلت ورا ندى، وقعدت في آخر الصف، وأنا شايلة النوتة والقلم كعادتي.
بصيت حواليا بهدوء،
القاعة كانت كبيرة، وكل قسم ليه مكانه،
الكل بيتكلم بصوت واطي، لحد ما الباب اتفتح،
في لحظة...
سكتت القاعة كلها.
دخل مستر يونس بخطواته الهادية، ومعاه اتنين من مديري الإدارات،
وقف الكل احترامًا ليه.
_صباح الخير.
رد الجميع في صوت واحد:
_صباح النور يا فندم.
أشار بإيده وهو بيقول:
_اتفضلوا.
قعد في مقدمة الطاولة، وفتح الملف اللي قدامه.
بدأ الاجتماع يتكلم عن نتائج الشهر، ونسب الإنجاز، والمشروعات الجديدة.
كنت مركزة في كل كلمة،
وبكتب ملاحظات من غير ما أرفع عيني كتير.
بعد حوالي عشرين دقيقة...
وقف مستر خالد يعرض تقرير القسم،
وأثناء العرض...
مستر يونس وقف فجأة عند نقطة معينة.
_الأرقام دي اتراجعت إمتى؟
رد خالد بهدوء:
_آخر تحديث كان امبارح.
سأله تاني:
_مين اللي راجع البيانات دي؟
ابتسم خالد وهو باصص ناحيتي.
_الأستاذة رُهام... هي اللي راجعتها بنفسها.
قلبي دق أسرع،
رفعت عيني ليونس، لقيته بيبصلي باهتمام هادي.
سألني مباشرةً:
_راجعتِها بنفسك؟
هزيت راسي.
_أيوة يا فندم.
_واتأكدتِ من كل الأرقام؟
_أيوة... وراجعتها مرتين قبل ما أسلمها.
فضل ساكت ثواني، وبعدين فتح الملف اللي قدامه،
وقارن بينه وبين التقرير المعروض،
مرت لحظات قصيرة...
بعدها قفل الملف، وقال بهدوء:
_شغل كويس.
الكلمتين كانوا بسيطين...
لكن خرجوا منه،
ولسبب مش قادرة أفسره...
حسيت إنهم كانوا أكبر مكافأة ممكن آخدها.
ابتسم أستاذ خالد بفخر، وكمل عرضه، بينما رجعت أبص للنوتة اللي قدامي، وأنا بحاول أخفي الابتسامة الصغيرة اللي ظهرت على وشي.
أما يونس...
فاكتفى إنه يكمل الاجتماع بنفس هدوئه المعتاد، وكأن الجملة اللي قالها من شوية كانت مجرد ملاحظة عادية...
لكنها بالنسبة ليا...
فضلت ترن في وداني لآخر الاجتماع.
انتهى الاجتماع بعد حوالي ساعة،
أول ما خرجنا من القاعة، رجع كل واحد على قسمه وهو بيتكلم مع اللي جنبه عن الشغل الجديد اللي اتوزع.
كنت ماشية جنب ندى، ولسه هسألها عن بعض الملاحظات اللي كتبتها...
سمعنا صوت أستاذ خالد بينادي.
_ رُهام.
لفيت ناحيته بسرعة.
_أفندم؟
قرب وهو ماسك ملف أزرق.
_فيه ملف عايز توصليه لمكتب مستر يونس،
ويفضل بنفسك عشان لو سأل في أي نقطة تكوني موجودة.
أخدت الملف من إيده.
_تمام.
ابتسم.
_ومتقلقيش... مجرد ملف هيبص عليه ويمضيه.
هزيت راسي، واتحركت ناحية الأسانسير،
كل ما كنت بقرب من الدور الإداري، كنت بحاول أقنع نفسي إن الموضوع عادي،
وده فعلًا كان الطبيعي...
أنا موظفة، ورايحة أسلم ملف للمدير.
بس رغم كده...
قلبي كان سابقني بخطوة،
وقفت قدام باب مكتبه،
خبطت خبطتين خفاف،
جالي صوته الهادئ من الداخل.
_اتفضلي.
فتحت الباب بهدوء.
كان قاعد خلف مكتبه، مركز في اللاب قدامه.
رفع عينه أول ما دخلت،
ولأول مرة...
بقينا في مكان واحد من غير وجود أي حد بينا.
ابتسمت بإحترام.
_حضرتك... أستاذ خالد بعت الملف ده لحضرتك.
مد إيده أخده.
_شكرًا.
ناولته الملف، وكنت لسه هلف عشان أخرج...
لما فتح أول صفحة، وقال بهدوء:
_استني ثانية يا أستاذة رُهام.
وقفت مكاني، ولفيت ناحيته من جديد،
رفع عينه من الملف.
_في نقطة حابب أتأكد منها.
قربت من المكتب بهدوء.
_اتفضل يا فندم.
لف الملف ناحيتي، وأشار على جدول في آخر صفحة.
_الأرقام هنا مختلفة عن اللي في التقرير الأساسي بنسبة بسيطة...
أيه السبب؟
بصيت على الورقة ثواني، وبعدها رفعت عيني.
_دي مش اختلاف يا فندم...
دي نتيجة التحديث اللي اتبعت امبارح بالليل.
عقد حواجبه بخفة.
_كملي.
شاورت بإيدي على الجدول.
_التقرير الأساسي اتقفل قبل وصول آخر البيانات، لكن قبل الاجتماع راجعت النسختين،
وعملت ملحق بالتعديل عشان الأرقام تبقى محدثة،
وبلغت أستاذ خالد قبل ما نطلع.
سكت لحظة وهو بيراجع الورق مرة تانية،
بعدها قال:
_يعني لو كنا اعتمدنا النسخة الأولى...
رديت بهدوء:
_كانت نسبة الإنجاز هتطلع أقل من الحقيقة بحوالي اتنين في المية.
رفع عينه ناحيتي،
ولأول مرة...
حسيت إنه مش بيبص كمدير بيراجع موظفة،
كان بيقيم طريقة تفكير،
قفل الملف بهدوء.
_كويس إنك لاحظتيها.
ابتسمت ابتسامة بسيطة.
_دا شغلي يا فندم.
فضل ساكت ثانية، قبل ما يناولني الملف.
_كملي بنفس الطريقة.
أخدت الملف.
_إن شاء الله.
استنيت لحظة، ولما ملقتهوش هيقول حاجة تانية، استأذنت عشان أخرج:
_عن إذن حضرتك.
ولسه هلف ناحية الباب...
سمعنا خبطتين خفاف على الباب، وبعدها اتفتح،
رفع يونس عينه بسرعة.
_اتفضل يا بابا.
أول ما سمعت الكلمة...
قلبي وقع معرفش ليه،
لفيت تلقائيًا ناحيته...
لقيت راجل وقور، في أوائل الخمسينات، ملامحه هادية وهيبته واضحة.
أول ما وقعت عيني عليه...
عرفته،
عبد الرحمن العزازي.
كان بابا الله يرحمه قابله أكتر من مرة في اجتماعات وشراكات،
وكنت بشوفه كل ما أروح الشركة مع بابا.
في اللحظة دي...
كل اللي فكرت فيه دعوة واحدة.
_يا ربّ... ميعرفنيش.
نزلت عيني بسرعة، ومسكت الملف بإيدي الاتنين،
مستنية أستأذن وأخرج.
لكن وأنا بعدي من قدامه...
وقف،
حسيت بنظره عليا،
وقال باستغراب واضح:
_ثانية...
اتجمدت مكاني،
رفعت عيني له بهدوء مصطنع،
كان بيبصلي كأنه بيحاول يفتكر،
وفجأة...
اتغيرت ملامحه.
_رُهام...؟
قلبي دق بعنف،
بلعت ريقي بصعوبة.
_أ... أيوة يا فندم.
بصلي باستغراب أكبر.
_بنت محمود الخولي؟
سكت ثانية...
وللأسف اضطريت أهز راسي.
_أيوة.
بص ليونس، ورجع بصلي تاني.
_أنتِ بتعملي أيه هنا؟
سكت،
مش عارفة أقول إيه،
كل اللي كنت بخاف منه...
بيحصل قدامي.
يونس رد بدالي وهو بيبص باستغراب:
_أنسة رُهام بتشتغل هنا يا بابا.
ابتسم والده ابتسامة استغراب أكتر منها فرحة.
_أنا كنت فاكر إنك ماسكة شغل والدك.
فضلت ساكتة لحظة، قبل ما أقول بهدوء:
_لا يا فندم... أنا بشتغل هنا.
عقد حواجبه.
_طب وشركة والدك؟
نزلت عيني للأرض.
_مبقتش شغالة فيها.
ساد صمت قصير،
يونس كان متابع الحوار من غير ما يقاطع،
لكن نظراته كانت بتتنقل بيني وبين والده، واضح إنه مش فاهم.
قطع الصمت وهو بيسأل والده:
_حضرتك تعرف الآنسة رُهام؟
لف له والده وقال باستغراب:
_طبعًا أعرفها.
ثم بصلي تاني.
_دي بنت المرحوم محمود الخولي...
وسكت لحظة، كأنه لسه مستوعب.
_بس... إزاي بنت محمود تسيب شركتهم وتشتغل موظفة عندنا؟
_______
في نفس الوقت...
كان سليم واقف قدام الواجهة الزجاجية لمكتبه، وإيده في جيب بنطلونه، وعينه سرحانة في الشارع تحت.
من ساعة ما عرف إن رُهام اشتغلت في شركة العزازي...
وهو مش قادر يبلع الخبر،
اتفتح الباب بعد خبطة خفيفة.
_اتفضل.
دخل "حازم"، واحد من الناس اللي بيشتغلوا معاه، وقفل الباب وراه،
وقف قدامه وقال:
_زي ما حضرتك طلبت...
وصلت لمدير القسم اللي الآنسة رُهام شغالة فيه.
لف سليم بسرعة.
_وبعدين؟
ابتسم حازم ابتسامة خفيفة.
_فيه معرفة قديمة بيني وبينه، واتقابلنا النهاردة.
ضيق سليم عينه.
_وقال أيه؟
_قال إنه ميقدرش يعمل حاجة مباشرة من غير سبب...
بس لو حصلت منها أخطاء،
أو بقت حمل على القسم، هيبقى سهل الاستغناء عنها في فترة التقييم.
ابتسم سليم ابتسامة باردة.
_وده المطلوب.
سكت حازم لحظة قبل ما يكمل:
_بس الراجل محترم، وقال كمان إن البنت شاطرة،
وإنه مش هيظلم حد.
اختفت الابتسامة من على وش سليم.
_كل واحد ليه تمن يا حازم.
_مش متأكد إن ده من النوع ده.
قرب سليم من مكتبه، وسند بإيده عليه.
_يبقى نساعده يشوف إنها مش مناسبة.
سأل حازم بحذر:
_حضرتك ناوي تعمل إيه؟
رفع سليم عينه، وقال بهدوء مخيف:
_ولا حاجة كبيرة...
ابتدي الأول بغلطة،
ولو الغلطة مجتش لوحدها...
هنصنعها احنا عادي.
فضل حازم ساكت، بينما كمل سليم وهو بيبص قدامه:
_رُهام فاكرة إنها خرجت من تحت إيدي...
بس هي لسه ما تعرفش إن السوق ده صغير،
وإن أي خطوة هتاخدها...
هكون عارفها.
ابتسم ابتسامة خالية من أي رحمة.
_وأول خطوة... إنها متكملش في شركة العزازي.
_______
كنت قاعد في أوضتي، بعد يوم طويل من الاجتماعات والشغل.
اللاب مفتوح قدامي... لكن من ساعة ما رجعت من الشركة،
وأنا مش قادر أركز في سطر واحد.
قفلت الشاشة، وسندت ضهري للكرسي، وزفرت بهدوء.
المشهد اللي حصل في المكتب...
كان بيرجع قدام عيني للمرة اللي معرفش كام.
"دي بنت المرحوم محمود الخولي..."
جملة بابا فضلت تتردد في دماغي،
أنا فاكر الاسم كويس.
محمود الخولي...
واحد من أنضف رجال الأعمال اللي اشتغلوا في السوق،
وسمعته كانت سابقة اسمه.
لكن اللي مش فاهمه...
إزاي بنته تبقى موظفة في شركتنا؟
مديت إيدي للموبايل، وفتحته،
كتبت اسمها...
رُهام.
ظهر أكونتها قدامي باسم "رُهام الخولي"،
فضلت أبص لصورتها ثواني.
هي نفسها...
الهدوء اللي بتتعامل بيه في الشغل،
هو نفس الهدوء اللي في صورها.
قلبت كام صورة من غير ما أحس،
وبعدين رجعت سبت الموبايل على المكتب.
_غريبة...
لو هي فعلًا بنت محمود الخولي...
يبقى ليه مقدمتش نفسها كده؟
وليه في ملف التعيين...
مفيش أي كلمة بتدل إنها عندهم شركة، أو حتى بنت صاحب شركة؟
رجعت أفتكر أول يوم دخلت فيه القسم،
ولا مرة...
ولا تصرف واحد منها...
خلاني أحس إنها جاية وهي مستنية معاملة مختلفة.
بالعكس...
كانت أكتر واحدة حريصة تثبت نفسها بنفسها.
سكت لحظة، وأنا بفكر.
_طيب...
لو هي سابت شركة والدها بإرادتها...
يبقى ليه؟
أنا مسمعتش إن شركة محمود الخولي أفلست،
ولا سمعت إنها اتباعت.
يبقى...
إيه اللي يخلي بنت صاحب شركة كبيرة،
تنزل تشتغل موظفة عادية في شركة منافسة؟
حاجة في الموضوع...
مش راكبة.
فضلت باصص للموبايل شوية، قبل ما أقفله.
_واضح يا رُهام...
إن عندك الحكاية كاملة...
وأنتِ اللي قاصدة محدش يعرف منها ولا حرف.
ولأول مرة...
لقيت نفسي مش بفكر فيها كموظفة عندي...
أو بنت شوفتها أعجبت بها.
بقيت بفكر في السر اللي مستخبي ورا الهدوء اللي طول الوقت شايفه في عينيها.
