رواية دكة السادة الفصل التاسع 9 بقلم فطمة محمد علي النعيمي

 



رواية دكة السادة الفصل التاسع بقلم فطمة محمد علي النعيمي




العلامة

​انتهى النهار واصفَرّت الشمس وهي تدنو للغروب. نهضت خديجة لترجع إلى بيت والدها بعد أن ساعدت أمها بتحميم أم حمدان، لكن نفلة أمسكت بثوبها وطلبت منها البقاء قائلة:

-​خديجة... ضلي لليل، خوالچ هسع يرجعون لبيوتهم وراح أدز عليهم حتى يجون يتعللون عدنا 

​قالت خديجة بقلبٍ حنون:

-​يمة... أبوي چثير ينهضم لمن يرجع للبيت وما يشوفني. أروح أحضر فراشو وأسويلو العشا، 
نوبات سورية ماتلحگ عالشغل
وعشاها يصير تلفلف=عشاء بسيط

واليوم آني مو بالبيت
هسع بس يرجع ابوية ويشوف عشاها اتلفلف
ويسألها 
راح اتحجج بطلعتي
وآني ماريد انطيها گضبة عليا وتكدر تخرب بيني وبين أبوية

وعود أجي يوم الجمعة الجاية أشوف خوالي 

​صمتت نفلة، وغرقت عيناها في عتمة الذكريات.
تذكرت كيف كانت تعد العشاء لعبدالله وماهي الأكلات التي يحبها وكيف كانت تجعل من وجبة العشاء حفلة
يومية
وتذكرت حماها السيد نمر
حين كان يتغزل بلذة طبخها وجمال تنسيقها
حتى أن حماتها كانت تغار احيانا من شدة ثناء السيد
نمر
كانت خديجة بهذه الاثناء تطوي ثياب ام حمدان
بعد ان غسلتهم ظهر ذلك اليوم والتفت الى أمها التي
كانت في حالة ذهول
فنفلة وهي تتذكر تلك الأمسيات 
وكمن ضربها ضوء خاطف في عينيها،
اتسعت حدقتاها واقشعر بدنها!
مرّ ببالها ذلك المساء البعيد، 

صراخ طفلها الصغير حسين والدماء التي سالت منه، والصرخة التي حُفرت في قلبها قبل أذنيها... 
تذكرت كيف كان أبوه يحتضنه ويمسح على وجهه الباكي. انقبض صدر نفلة
سالتها خديجة بفزع:

-يمة يمة اشبيج؟
كانت نفلة تسأل نفسها.....
كيف نست هذا الموقف طوال هذه السنين
وكيف ولماذا انبثقت هذه الذكرى
كلمع البرقفي سماء عقلها.

امسكت نفلة يد ابنتها
وهمست في أذنها بصوتٍ يرتجف بالرجاء
وعيناها تراقبان باب غرفة ابيها:

-​خديجة... اسمعيني زين،
تذكرت شي واريدچ اتوكدين منو
اني مگدر اكسر كلمة أبوية وأجي على سمرا
ماريدو يزعل مني،
بس اريدچ تگعدين مع سمرا بوحدكم، وارجعي احچي معاها عن ذولاك الزلمتين... ضلي أسالي عن شكلهم وركزي على الوجه واليدين، گوليلها: هما يتشابهون فرد مرة فرد مرة؟ لو اكو شي يفرگ بينهم؟ شي بوجه واحد منهم لو بأيديهم؟

​سألت خديجة بفضول:

-​شي مثل شنو يمة؟

​قالت نفلة وعيناها تغرقان في ظنون الأمهات وفي تلك الذكرى البعيدة وقالت بلهفة ورجاء:

​ما أريد أگول... أريد أعرف هي شافت شي لو لا. يعني ماريدچ اتوهميها اني عندي غاية بهل سؤال، 
وإذا شافت شي، اسأليها شنو هو الشي المختلف بين الزلمتين؟ بس بالله عليچ... إذا گالتلچ اكو شي أو شافت شي، ترجعين عليّ ركض حتى لو بنص الليل! وديري بالچ تجيبين طاري لأي أحد بالبيت... احچي معاها على أساس إنچ ما مقتنعة اكو أوادم يشبهون بعض هلكثر.
اني يبنتي كل هالسنين اركض وادور وكلمرة أگول ذولة واليدي ويخيب ظني والناسبعد محد منهم يصدگني
فخلي الحچي بينا،

​هزت خديجة رأسها، وقبلت أمها، وانطلقت مع اصفرار الغروب وهي تسأل نفسها: "شنو الشي الي يختلف بين اخوتي؟ لابد أكو شي!

*****************

في قرية الغربية على الحدود السورية:

​وبعد عشرة أيام من حادثة غرق "وطفة"، وصلت قافلة الأغنام والرجال المرافقون لها إلى قرية "الغربية". كان الوقت عصراً، وكان الغبار يكسو الثياب والأوجه، والأغنام تملأ الفضاء بثغائها وغبار أقدامها.

​استقبلهم التاجر "ماهر" بالفرح والسرور، واحتضن ولديه سليمان وجواد بشوق الأب الحنون. لكنه حين أزاح بصره عنهما، لمح خلفهما شاباً غريباً، ذو ملامح حادة وعينين تجولان بالخوف. سألهما باستنكارٍ مشوب بغضبٍ مكتوم:

​منو هالولد؟

​أجابه جواد مبتسماً وهو يمسح العرق عن جبينه:

-​هذا خوينا حمدان...

​وصمت جواد ولم يكمل كلامه خوفاً أن يزل لسانه ويتكلم عما حصل؛ ففي كل مرة يخرج فيها جواد وسليمان لجلب الأغنام، يوصيهما أبوهما التاجر ماهر ألا يعبرا النهر مهما كانت الأسباب. ولو قصّا عليه كيف وجدا حمدان ربما سيغضب عليهما، وهما يعرفان غضبه العنيف.

​شعر الأب بوجود شيء مريب في صمتهم، فسأل بصوتٍ جاف:

-​أيمت تخاويتو؟ وهو منين من أي ديرة؟

​انقبض قلب حمدان.

فحمدان يتحسس الخوف كما تتحسس الناقة العطشى رائحة الماء في قلب الصحراء

لهذا صمت تماماً وتراجع خطوة للوراء .
تدارك سليمان الموقف وقال بنبرةٍ متماسكة:

-​أول ما طلعنا من "تلچيف" ضيعنا چم دابة بالبرية... ورحنا ندور عليهن، لگينا حمدان جايبهن ويدور علينا. گالنا:
- شفتكم تسوگون بجلبة چبيرة، وعرفت هالچم نعجة لكم، گلت أجيبهن لكم بنفسي اخير ما واحد يبوگهن. وبعدين لمن عرفنا إنو راعي غنم وما عندو شغل ويتيم ما عندو أحد، طلبنا منو يرافجنا ويشتغل معانا. الجلبة هالمرة چبيرة يا بوي وخفنا يضيع منها شي، وچنا محتاجين راعي أمين... والله يا يابا هو خوش ولد وأمين.

​لم يقتنع ماهر برواية ولديه، لكنه هز رأسه وقال بجفاء:

-​خلوه مع الرعيان بالخان... وفوتوا على أمكم بالها عليكم.

​انصرف التاجر ماهر إلى مجلسه، لكنه كان يلتفت كل خطوتين للخلف ليرى ذلك الشاب. ذهب حمدان مع دخيل، ودخل الشابان إلى الغرفة الكبيرة؛ فنهضت سيدة تبدو في الخمسين من العمر، ذات وجهٍ طيب ينبض بالرحمة. استقبلتهما وهي تضحك وتحتضنهما واحداً تلو الآخر، وتمرر يديها على ظهريهما تتفقد سلامتهما. جلسا عندها يحدثانها عن الرحلة ومتاعبها. كانت السيدة "خضيرة" سعيدة برجوع ولديها بالسلامة، تحدثهم وتقبل أيديهما بين لحظة وأخرى وهما كذلك.

​نادت فتاة تعمل عندها اسمها طيبة وقالت:

-​يمة يطيبة حضري الحمام للشباب حتى يسبحون.

​ونهضت بنفسها لتعد الطعام وهي تداعبهما قائلة:

​مسويتلكـم مثرودة تاكلون أصابعكم وراها... عود تگعدون وتسولفولي أش صار معاكم من يوم طلعتوا الما رجعتوا!

وما أن استحما وجلسا عند أمهم في انتظار
طيبة كي تحضر لهم العشاء
حتى انطلق سليمان كعادته يحدث امه هامسا
عن ما حصل معهم بالتفصيل لم يخفي عنها شيء
كان كلامه ،
كانت أمه طوال تلك اللحظات تتلفت حولها تخشى
ان هناك اذنا قريبة تلتقط كلمات ولديها.
وحين انهى سليمان كلامه
قالت خضيرة بصوت خفيض وقد مدت راسها بين ولديها

-يابا يسليمان دير بالك ابوك يدري بهل حچي
انت تدري هو اشكد زعول
وتدري هو يحبكم ومايخلي خاطركم
وهم تردون كل قهرو يطلعو بيا .

أجابها جواد قائلا:

-والله يمة لو ما من عار الناس
الا نهار اخذج واخذ سليمان ونهج من هالديرة
كلها ونخلصج من أبوية
رد سليمان وقال باصرار
- لا والله ما نطلع بكل مكان
اكو واحد يعوف ابوه غير ابن الحرام
اشما يسوي هو أبونا وكلامو على راسي
وبعدين للمن تعوفو اشو ماعندو مخلوق يخلق غير بس
خالي
وخالي طاير ورا التجارة مايلفي علينا غير كل ثلث اشهر او اربع اشهر نوبة يگعدلو شهر شهرين ويرجع يسافر.
والتفت الى أمه وقال لها بحب وحنان:
-ميخالف يمة لخاطرنا احنا تحمليه
والله ادري شوية قاسي بس ميخالف
انتي شفتي اشكد تجوز وماصار عندو بيت وعيال بس منج
يروح يروح ويرد عليج.

التفت خضيرة للخلف وضربت الهواء كأنها تضرب زوجها وقالت بغيض:
-أييي من عساه لا رد عليا ولا شوفني وجهو
فضحك الشابان على حركتها
واحتضناها ،

------------

​أما حمدان، فقد خطى نحو الخان الكبير الذي يسكنه الرعاة التابعون للتاجر ماهر.
حين دخل، استغرب رائحة المكان المشبعة بعطن العَرَق؛ وتلك الثيابٌ الكثيرة المعلقة على مسامير مغروزة بالجدران الطينية، تبدو قذرة ومتروكة. لم يرتح لمعظم الشباب المتواجدين، كانت وجوههم توحي بالشر، لكنه كان يستمد طمأنينته من علاقته بسيدَي هذا المكان: سليمان وجواد.

​تعرف على بقية الرعاة، وجاءت طيبة تحمل صينية فيها ثريد اللحم والخبز لهم، وجلس الشباب الستة يأكلون. بعد العشاء، جلس الجميع يتسامرون، فسألهم حمدان:

-​شنهو شغلكم؟ يعني اگصد اش راح نشتغل؟

​أجابه دخيل وهو يسن خنجره بصخرة من المرو:

-​مثل ما شفت... نروح نوبة لسنجار، ونوبة لبعاج، ونوبة لتلچيف نجيب جلبة حلال غنم وماعز، ونبيعهن من هينا لتجار سوريا ونوبات نروح مع تجار سوريا لدير الزور ونجيب مدات صوف أو صوف ملون او درجات=لفائف من خيوط الشعر للبيع. آني ومحمد وصافي حراس، وسالم وطه وانت رعيان.

​رد حمدان مستغرباً:

-​بس يا خوي... اكو سيارات كبار والناس تجيب بيها الحلال، نحنا ليش مشينا عشرة أيام يلا وصلنا؟

​ضحك سالم وقال:

-​أول شي الدنيا حارة، وإذا ركبنا الحلال بالسيارات يموت منهن چثير من الخنگة. بعدين الدابة تجي تمشي وهي تسرح تاكل من الگاع، أخير من نحطها بسيارة ونگعد نعلف بيها. والحجي ما يگبل نجيب الجلبة بسيارات،
والظاهر انك مو مشتغل گبل بهل شغلة
كل الجلبات يمشوها محد يگضب سيارة
حج ماهر يگول الدابة تهلك حت إذا ما ماتت تضل معلولة. ترى حجي ماهر تاجر چبير وما عندو غير هالولدين الله يحفظهم...

​أردف دخيل بصوت ثقيل وقال:

-​هالولدين عبالك أمراء! يا أخي أشگد نفسهم خفيفة وينحبون، وسبحان الله ما يشبهون أبوهم لا بالشكل ولا بالطبع! حج ماهر رجل غضوب وأفعالو شينة، ولو ما هالولدين چان ما صار عندو كل هالمال.

​قال حمدان ومشاعر مجهولة تتلاطم في صدره:

-​أي والله إنك صادج يخوية... أشگد حبيتهم، ومدري ليش كل ما أدحج عليهم أحس نفسي اعرفهم من زمان، بس شلون... مدري!

​رد دخيل مبتسماً:

-​أي والله، تحسهم عبالك من أهلك... يمچن عبنهم خوش واليد، ولا عبالك حج ماهر أبوهم!

​ومرت الأيام متتابعة، وبدأ الشابان سليمان وجواد يأخذان حمدان معهما إلى الجبال القريبة ليعلماه أصول الدفاع عن النفس. وقف جواد يوماً وقال لحمدان:

-​أول شي لازم تتعلموا هي "المباطحة"... لازم نعلمك شلون تبطح عدوك وتدافع عن روحك بالبرية.

​انطلق الاثنان يدربانه تحت شمس جبل سنجار . 
كان حمدان يتلقى الضربات والسقطات بجسدٍ نحيل لكنه مشحون بمرارة السنين؛ 
كان يملك إصراراً عجيباً ونفساً لا يهدأ. في الأسابيع الأولى، كان سليمان يصرعه بلمسةٍ واحدة ويرميه أرضاً كأنه ريشة. لكن حمدان، وفي غضون شهر كامل من التدريب الشاق والرضوض التي غطت جسده، استغل ميزته الوحيدة: الخفة والمراوغة. وفي إحدى الجولات، حين اندفع سليمان بثقله، لم يواجهه حمدان بقوته بل زاغ عنه بحيلةٍ مباغتة، وعرقل قدمه بذكاء ليطرحه أرضاً لأول مرة! ضحك سليمان بحرارة وهو يتمرغ في التراب مشيداً بذكائه، لكن حمدان رغم حيلته هذه، ظل عاجزاً تماماً عن صرع جواد الذي كان يتمتع ببنية صلبة وخبرة لا تُخترق فجواد كان خفيف الحركة شديد البأس.

​بعد ستة أسابيع من وصولهم للغربية، وصل أحد التجار السوريين من دير الزور واسمه إبراهيم واشترى الجلبة كلها، لكنه طلب من ماهر أن يبعث معه شباباً يرافقونه حتى حدود دير الزور لأن الطريق غير آمن والجلبة كبيرة. انتدب التاجر ماهر ولديه ودخيل وسالم وحمدان، وأوصاهم بشراء خيوط من الصوف الملون، وزودهم بالمال الكافي لشراء البضاعة، وانطلقوا جميعاً يحثون الخُطى نحو الأراضي السورية.

​على الطرف الآخر... في بيت عبد الله:

​حين صعدت خديجة وسمرا إلى السطح لفرش الفراش كما تفعلان كل ليلة تحت قبة السماء، دنَت خديجة من أختها الصغيرة وهمست في أذنها:

-​تدرين سمرا... كلامچ ماگطع عگلي إنو الشابين يشبهون بعض هلكثر! يعني معگولة يشبهون بعض چنهم شخص واحد؟!

​أجابت سمرا ببراءة الأطفال وهي تسحب غطاء القطن لتفرده على فراش أبيها وهي تقول:

-​بالقرآن يخديجة چنهم شخص واحد! لي هسع صورتهم ببالي وما تروح...

​ردت خديجة تستدرجها:

-​يعني أبد أبد ماكو بينهم أي اختلاف؟ ولا نقطة بسيطة تفرگ بينهم شامة علامة؟

​سكنت سمرا لحظات، وغرقت في شريط الخوف الماضي عند شاطئ النهر... كانت تفكر وتسترجع التفاصيل،
استعادت المشهد بت٤اصيله
، وفجأة رفعت إصبعها وصاحت بلهفة كمن وجد ضالته:

-​ايييي! تذكرت! 
الزلمة اللي مد إيدو على خدي... الي اسمو جواد
أصبعو الشاهودي مقطوع من عرجو!

​في تلك اللحظة... توقف قلب خديجة عن النبض! شعرت ببرودةٍ تسري في أطرافها وغثيانٍ يكتم أنفاسها. 
تراجعت خطوة ونظرت لسمرا بذهول وشفتيها ترتجفان،

وقالت في سرها والنار تشتعل بضلوعها: "عجل هذولة إخوتي! ما دام أمي عرفت اكو بيهم شي مختلف وگالتو گبل لا أسمعو من سمرا... بالقرعان ذولة اخوتي يا حظج يخديجة! يحظچ يخديجة عجل آني عندي اخوة رجال
يبوووووه يبووووه ييمة
أني لازم أكوم أروح لأمي هسع! 
يا ويلي عليچ ينفلة!"

​انتبهت سمرا وقالت:

-​هييي يخدايج اشبيج؟ اشبلاچ ؟تخبلتي؟

​تركت خديجة أختها باستغرابها ونزلت الدرج كالمجنونة، كادت أن تتعثر بثوبها وتسقط. كان أبوها عبد الله جالساً في صحن الدار يأكل عشاءه، فأقبلت عليه بارتباكٍ شديد وصوتها يتقطع:

-​يابا عفية... أريد أرد لبيت جدي زيد..
أم حمدان مريضة حيل ويمكن تموت،
وأمي أخذتها عدها حتى تداريها، وگالتلي گولي لأبوچ خلي تباتين عندي اليوم...
أخاف أم حمدان تموت وأني وحدي واريد اضل مع أمي. المرا فرد مو زينة فرد مرة يايابا.

​هز الأب رأسه برفق وقال بصوتٍ هادئ:

-​صحيح، حازم گلي عالمسكينة أم حمدان لمن رجعت من البستان. 
روحي يمة... أم حمدان خوش آدمية ومرا مستورة، والله يعين گلبها على هالمصيبة. وعفية على أمچ أخذتها عدها... خطية مرا غريبة وما عدها أحد، وأمچ دومها طيبة وأصيلة.

​نظرت زوجته "سورية" إليه بقهرٍ واكتظاظ، وابتلعت لسانها على مضض وهي ترقبهما. أردف الأب وهو يمسح يديه بمنديله ويتراجع للوراء:

-​چان تعشيتي اول فال؟

​أجابت خديجة بارتباك واضح وهي تتحرك كمن يقف على جمر:

-​والله يابا اچلت العصيرة الضيچة=قبل الغروب

مع أمي بعدما سبحنا أم حمدان وما جوعانة
ويمچن ولا اتعشا.

​سحب عبد الله الوسادة واتكأ عليها وقال لخديجة:

-​عفية يأمي عليج وعلى أمج، روحي وباچر من الصبح ردي للبيت ترى سورية وحدها وأنتي عامود البيت
البيت بلياچ ظلمة يأمي.

​أجابت خديجة وهي تكاد تطير من الدار:

-​صار يابا... من الصبح أرجع. تصبحون على خير!

​خرجت خديجة من الباب بهدوء مرتبك وهي تجمع صايتها على نفسها، 
وما إن أصبحت خارج باب البيت ودلفت إلى الأزقة الفارغة المعتمة، 
حتى انطلقت بكل ما أوتيت من قوة.
كانت تركض في ليل القرية
كأنها تحمل لأمها روحاً جديدة لتحييها بعد موتٍ طويل.

​دفعت باب بيت جدها، ودموعها تختلط بضحكاتها الفائرة،
وابتلعت ريقها
واستجمعت طاقتها كلها
وصرخت بأعلى صوتها وهي تقتحم البيت:

-​يمة! يمة! يمة! الأصبع الشاهودي مگطوع!

​كانت نفلة قد خرجت من الغرفة، وما إن أدرك سمعها تلك الكلمات ومعناها، حتى انقطعت أنفاسها، ورفعت يديها إلى السماء وهي تردد الله أكبر الله أكبر

وصرخت بكل ما في حنجرتها من وجع السنين:

-​يااباااااه... ياباااااه يابااااه!

​وتهاوت على الأرض سريعاً، سقطت مغشياً عليها كأن صاعقة ألمت بها!
لم يستطع عقلها تحمل عاصفة الفرح الرهيبة القادمة من قلبها، 
فأقفل كل أبواب الحياة لحظات ليستوعبها، كانت نفلة خلالها تبحر في ملكوت الرحمة الإلهية.
تكومت أمام باب غرفة العيلة
وصوت أم حمدان الخافت خلفها
يسأل بخوف
-شبيچ ينفلة؟
​خرج الأب "زيد" يركض وهو يتكأ على عصاه والأرض تميد به، وصل ابنته ونفلة فاقدة للوعي وخديجة تقفز حولها وترفرف بيديها كالمحروق. 
صرخ زيد بخديجة والهلع يأكله:

-​إش صار يولي؟ إش صار فهميني؟!

​قالت خديجة وهي تبكي وتضحك بآنٍ واحد:

-​يجدي! يجدي! ذولاك الواليد إخوتي... إخوتي عدلين وسالمين!

​جلس زيد على الأرض قرب نفلة، وصاح بخديجة:

-​جيبي مي من الحب بساع!

​ركضت خديجة إلى دَنّ الماء المنصوب يمين باب المطبخ
وجاءت بطاسة مملوءة، ورشتها على وجه أمها وهي تبكي بوجه ضاحك. 
صحت نفلة، كان رأسها على عتبة الغرفة، 
دارت بعينيها ثم فتحتهما على سعتهما كأنها تذكرت، فجلست ونظرت إلى والدها وأمسكت يده تقبلها وهي تصرخ:

-​يابا يابا واليدي عايشين والله والله!

​أمسك زيد بكتفي ابنته يهزها بقسوة الخائف، وقد تملكه الشك والذهول:

-​استهدي بالله ينفلة! إش هالحچي؟ 
إش هالخبال؟ هدي روحچ وفهميني إش صار!

​أخبرته خديجة وهي تلهث بكل ما قالته سمرا عن الأصبع الشاهودي المقطوع .

​سكن زيد في مكانه كأنما جُمّد.
اختفت نبرة الصراخ وحلت محلها نظرة ذهولٍ جامدة؛ أغمض عينيه بقوة، وصمت لحظاتٍ وهو يسترجع ببطءٍ ثقيل سنوات الماضي وشريط السنين الغابرة... كانت شفتا الشيخ الكبير تتحركان بلا صوت، 
وفي عزلته الذاتية تلك، 
تجسد أمامه فجأة ذلك اليوم البعيد؛ يوم عضّ الكلب يد حسين وهو ابن سنتين، وكيف قطع الكلب أصبعه، وكيف 
ركض من بيته الى بيت عبدالله حين سمع بالخبر
وكيف ضمّه يومها وبكى على وجع الطفل وعلى وجع نفلة

وضل حسين لأشهر كلما ياتي الى جده يحاول ان يحكي له عن اصبعه المقطوع وجده يقبل اصبعه ويقول له

-بس تكبر راح يطلعلك اصبع جديد،
وأذا تريد اثنين هم راح يطلعلك اثنين،
مر كل هذا بلحظة واحدة فقط
​فتح زيد عينيه ونظر الى نفلة التي كانت تحمد الله بلا توقف،
كانت الدموع تتجمع في عيني زيد
لأول مرة منذ سنوات طويلة، نزلت قطرات الدمع لتبلل لحيته البيضاء.
مال بجسده إلى الأرض وسجد شكرانا لله
ثم اعتدل
، وجاء صوته خاشعاً مبحوحاً يخرج من بين ضلوعه:

​لا إله إلا الله... لا إله إلا الله! الحمد لك يارب... الحمد لك يارب! 

أي والله! أتذكر لمن الچلب عض أصبع حسين وگطعو... أتذكر هذا اليوم عبالك البارحة، چان حسين عمرو يمچن سنتين! بوكتها گلتلچ: صحيح ماليا صخوة بشعرة وحدة تگع من روس واحد بيهم، بس هشكل احسن حتى اگدر افرگ بينهم واعرف حسن من حسين... حسين اصبعو الشاهودي مگطوع!
عجل موجودين صحيح؟!!!!!
عجل عدلين وصارو زلم؟!!!!!!
يا ويل گلبي عليچ ينفلة والله فلا صدكتي يوم واحد انهم ماتو

​نهض وعيناه تتوهجان بنور الأمل وهو يستند إلى عصاه ويقول:

​يا ربي لك الحمد والشكر! گومي ينفلة... گومي نروح لبيت عبدالله... گومي نروح نبشرو!

​نهض الجميع والدنيا لا تسع فرحتهم، وانطلقوا في عتمة الليل ونور الأمل يسبقهم نحو بيت عبد الله.


تعليقات