رواية اشباح المخابرات الجزء الثاني (عزازيل A. O. 666) الفصل الرابع
صدمة اعترتها بكل قوتها، جردتها من كل المشاعر والعواطف الرحيمة التي ترعرعت عليها في منزلٍ بُني على المحبة، صدمة جعلت عينيها تتوسعان بذعرٍ، وهي تنتقل بين ثلاجات ضخمة كانت عبارة عن أنابيب شفافة، تملئها المواد التي تحفظ هيكل الكائن، وضعت فيها أعداد كبيرة من الأجنة، وبعضها كان يخص الفتيات الحوامل.
جحظت عينا "رحمة" بعدم تصديق، وتراجعت بظهرها للخلف وهي تهز رأسها مُستنكرة بشاعة النفس البشرية، وما ساقتها لفعل كل تلك الجرائم، وبينما تتراجع ببطء، اصطدم ظهرها بإحدى الأنابيب.
ابتلعت "رحمة" ريقها الجاف بصعوبة بالغة، وأنفاسها قد تحشرجت داخل صدرها الضعيف، استجمعت شجاعتها واستدارت للخلف فتفاجأت بنفس الفتاة التي رأتها بالأمس!
شهقت فزعًا وخاصة حينما قرأت معلوماتها المدونة على الأنبوب، بل مضت تقرأ كل الجرائم المرتكبة بحق البشرية بأكملها، ودموعها تنشطر فتسلخ قلبها أولًا قبل أن تنهمر من عينيها.
تخشبت قدماها فجأة حينما أتاها صوتٌ من الخارج، وصوت خطوات كانت قادمة صوبها، تراجعت "رحمة" للخلف بخوفٍ كاد أن يفقدها حياتها من شدة خفق قلبها المُضطرب، وفجأة تصلبت محلها حينما شعرت بكف قوي يكمم فمها، واليد الأخرى لهذا الجسد القوي يضمها من الخلف ويتراجع بها بثباتٍ، حتى توارى بها خلف ستائر غليظة شفافة، مصنوعة لتكون عازلا بين الإختبارات.
لم يكن ظاهرًا من وجهها سوى عينيها، التي رأت نفس الممرضة تدخل إلى هذا المكان السري، وهي تسحب إحدى الأسرة التي يغطيها الكيس الخاص بالجثث، وأذنيها التي استمعت لها وهي تخبر الطبيب الذي لحق بها:
_لقد توفيت حينما كان الطبيب بيتر يقوم باستخراج الرحم، لقد أوهمها بأن هناك ورمٌ برحمها وعليها استئصاله، ولكننا تمكنا من استخراج الخلايا الخذعية من الجنين.
واضافت وهي تضعها جانبًا:
_سأتركها هنا إلى حين أن أستكمل أوراقها حتى لا يشك أحدٌ بالأمر.
أشار لها الطبيب وقال وهو يحمل عددا من الأوراق:
_حسنًا، اليوم لدينا ثلاث حالات ولادة، فلتنظري منهم المناسبة لسحب النخاع أثناء الجراحة، هذه المرة عليكِ الانتباه لا أريد أي مشاكل مثل المرة الماضية.
ردت عليه وهي ترتدي القفازات الطبية:
_المرة الماضية تعمق الطبيب بإحداث ثقبٍ كبير أثناء سحب النخاع، لذا نزفت المرأة بشكلٍ كبير، ولولا تدخل المدير لافتضح الأمر.
ثم توجهت للخروج قائلة:
_سأرى ملفاتهم بنفسي، وسأحاول أن أعرف منهن أي معلومة قد تعلمني عنهن.
غادرت الغرفة، وإتبعها الطبيب بعد أن أغلق الضوء والأبواب جيدًا، ارتعشت "رحمة" من شدة صدمتها لما استمعت له، وخاصة وهي تقبع بين يدي ذلك الذي يقيد جسدها، ولكن ثَمّة شيءٌ بداخلها يشملها بآمان وحماية قد بدت من حمايته لها.
تحرر الكف عنها ببطء، حتى تخلف عنها، والأخرى تحاول التغلب على رعشة جسدها، وحينما استطاعت استدارت للخلف إليه.
كان الضوء خافتًا للغاية، على أن تستكشف ملامحه، حتى اقترب هو منها، وقد كشفت عسلية عينيه عنه قبل أن ينزع لثامه، فإذا بها تهمس بصدمة وهي تهرول لأحضانه:
_بابي!
ضمها "عدي" بقوة وهو يلتقط أنفاسه أخيرًا، لا يصدق أن الخطر كان يحوم حول ابنته منذ قليل، يحمد الله أنه تمكن من الوصول لها بالوقت المناسب.
شعر برجفتها بين ذراعيه، فحاوطها بكل قوة، بينما تعود للهمس بعدم تصديق بأنه أمامها:
_بابي!!
تحرر صوته الذي شملها بعناق أقوى من ذراعيه:
_حبيبتي أنا هنا جانبك، متخافيش يا رحمة.
بكت بصوتٍ مسموع وقد تبدد عنها الخوف وانزاح، ما رأته برمة عينيها لن تتمكن من التعايش مجددًا بعد ما علمته بتلك اللحظة.
تسلل إلى الوحش الثائر صوتٌ من الجهاز الخاص به، يأمره بخشونة:
_7 دقايق، انسحب من عندك حالًا يا عدي!
على الفور أبعد ابنته عنه وأخبرها وهو يحاوط وجهها بيديه:
_حبيبتي لازم نخرج من هنا حالا، قبل ما حد يرجع.
مالت على يديه وهي تشكو له باكية:
_دول مش بني آدمين دول شياطين!
دعمها بقوة تليق به:
_بعدين هنتكلم، حالا هنخرج من هنا.
تساءلت بحيرة وهي تتفقد باب الغرفة الموصود:
_إزاي وهما قفلوا الباب من بره.
قال بعدما سحبها خلفه:
_من المكان اللي انا جيت منه.
لم تستوعب ما يقول، إلا حينما إنزوى بها للخلف، ومن ثم فتح الغطاء المسؤول عن فتحة التهوية، ورفع جسدها بقوة جسده المفتول، بينما يحمسها:
_ازحفي يا رحمة، خليكِ ماشية على طول، لحد ما هتلاقي قدامك ضوء كشاف.
استندت على ركبتيها وذراعيها واستدارت تتساءل بخوف:
_وآنت؟
قال وهو يشجعها:
_هحصلك، كملي طريقك.
وتركها وعاد سريعًا للمخبأ، أزاح "عدي" أي آثرٍ لبصماتها بذكاء عُرف عنه، ثم عاد سريعًا لمحله بعدما أعطى إشارة بعودة الكاميرات لمسارها الطبيعي بعد مغادرته.
زحفت "رحمة" مثلما أخبرها أبوها، وما أن تلقت اشارة ضوء الكشاف تأتي من نهاية الأنبوب المعدني، واصلت الزحف حتى انتشلتها يدٌ، سحبتها كليًا بقوةٍ إلى الخارج، وعاونتها على الوقوف، فتفاجأت بمن يقف أمامها ورددت بدهشةٍ:
_أنكل مراد!
*****
_ياسيــــــن افتح الباب ده وبطل جنان! قولتلك ألف مرة أنا مش عيلة صغيرة، افتح حالا أنا لازم أخرج!!
كلمات متعصبة تحررت على لسان "مرين" وهي تعود لطرق الباب من جديد، بينما بالاسفل يتحرك "ياسين" بالمطبخ بحرية، وانتشاء، وهو يدندن باستمتاعٍ بينما يعد الطعام المفضل لمن يجلس على رخامة المطبخ ينتظره بصبرٍ وشهية تزداد مع انتشار تلك الروائح الذكية، حتى أنه ردد بضجر:
_ما تنجز يا جارحي، عصافير بطني عاملة حفلة رقص بلدي جوه!!
رد عليه وهو يسحب قطعة من المعكرونة ويضعها أمامه بالطبق بخبث:
_خليها ترقص على ألحاني، دوق وغنيلها!
ضحك "زين" وهو يسحب الملعقة وبدأ بتذوق ما صنعه "ياسين" باستمتاعٍ، تلاشى فور أن تسلل لهما صوت "مرين" المتعصب، فتنهد باستنكار:
_وإنت فكرك إنها مش هتعرف تفتح الباب يعني!
غمز وضحكته تتسع بمكر:
_مش والكلبشات بإيدها يا شبح، ومش كلبشات عادية ده من صنع إيد سفير الصحراء ليل العربي!!
اتسعت ضحكة "زين" وهز رأسه ساخطًا:
_عجبتني انك بدأت تفهم استايل العيلة بتاعتنا، احنا مياكلش معانا ورد وشوكولا والأجواء الناعمة بتاعت الجوارحو دول، احنا عيلة بتهادي بعضها بالأسلحة والكلبشات.
وأضاف وهو يبتلع ما بملعقته:
_شكلك كده هتتثبت مع مروان اشطا، وأنا بنفسي اللي هشهد على عقدكم.
وأكد عليه بسخرية:
_بالك أنا ساكت على اللي بتعمله عشان حاجة واحدة بس.
تساءل "ياسين" باهتمام وهو يتوقف عن تناول طعامه:
_حاجة إيه؟
ردد مُبتسمًا:
_نلم خطاب البايرة اللي بيتكاثروا دول!!
تلاشت ضحكة "ياسين" من شدة الغيرة، فبدا غاضبًا للغاية، سحب "زين" الطبق ونهض يغادر وهو يتمتم:
_هروح أكل جوه بنفس مفتوحة، قبل ما أخرج أقابل ثعلب الصحراء، مهو محدش بيبقاله الطالعه دي غيري.
أغلق "زين" الباب من خلفه، بينما يتنهد "ياسين" بإرهاقٍ شديد، وخاصة حينما تعالت صرخات "مرين" مجددًا:
_زيــــــن افتح الباب ده، أنا مش عيلة صغيرة عشان تحبسوني!
زفر بكل ما فيه، وجذب أحد الأطباق ثم وضع لها الطعام، وحضر لها كوبًا من مشروب الجوكر المزعوم، ثم صعد إلى غرفتها، وهو ينظم أنفاسه بين الحين والآخر.
فتح "ياسين" بابها، فإذا بها تندفع نحوه بعينيها المشتعلة من شدة الغضب، وصرخت فيه بعنفوان:
_إزاي تسمح لنفسك انك تقيدني بالشكل ده!! أنت مالكش أي حق تتحكم فيا في وجود أخويا، فاهم!!!
منحها ابتسامة باردة ورفع الصينية قبالتها:
_جهزتلك معانا طبق، وكوباية من عصيرك المفضل، إيه رأيك تهدي أعصابك بيه ونقعد نتناقش مع بعض بشكل متحضر!
وزعت نظراتها الغائمة بينه وبين ما يحمله، وراحت تهتف بنزق:
_بشكل متحضر!! ليه شايفني بتعامل بهمجية قدامك!!
ورفعت يديها له وهي تشير بهدوء زائف:
_فكني حالًا، وإلا أقسم بالله ردي على تصرفاتك دي كلها مش هتعجبك يا سيادة القائد.
لم تتلاشَ عنه بسمته الهادئة، بل مال صوبها برأسه وتساءل بخبث:
_هتعملي إيه يعني؟
نظمت أنفاسها المتعالية، وفجأة استخرجت سلاحها الذي تفاجأ به "ياسين" وظهر له من العدم، ومع ذلك حافظ على ثباته وردد بصلابة:
_أووه، متقوليش إنك بتهدديني بالسلاح للمرة اللي مبقتش فاكر عددها، وكالعادة هقولك آ..
ردت بنبرة ساخرة:
_حفيد ياسين الجارحي مبيتثبتش بسلاح!
اتسعت ابتسامته وقال وهو يغمز لها:
_شابووو ميري.
انبلجت بسمة ماكرة على وجهها، وقالت وهي تلوح بسلاحها:
_بس أنا مش هقتلك يا قائد، أنا هفك الكلبشات بخزنة السلاح زي ما الأسطورة دربنا.
تلاشت بسمته وفاه وهو يحذرها:
_هتنصابي لو عملتي كده!
هزت رأسها بكل تأكيد، ورددت وهي تفكك سلاحها ببرود:
_إصابة سطحية مفهاش ضرر خطير، بس أهون من إن العدو يلوي دراعك ويقف يتفرج عليك وإنت مُقيد، مش دي جملة أنكل رحيم!!
أسرع "ياسين" بوضع الصينية على الكومود، وهرول صوبها بعصبية بالغة:
_عنادك ده أبشع شيء واجهته في حياتي.
حاول جذب السلاح منها، وحينما فشل صاح فيها:
_ارمي السلاح وهفكك حالًا.
رمقته بنظرة مشككة، فاستطرد بقوة:
_كلامي عهد وإنتِ عارفة.
ضيقت زُرقتها باستمتاعٍ من انتصارها، ورفعت يدها ومازالت تحمل السلاح وتصوبه للأسفل بعناد من تخليها عنه، هز رأسه بإحباطٍ منها، ثم استخرج المفتاح من جيب سرواله، وحررها.
ألقى الكلبشات أرضًا وصاح بعصبية:
_لو فكيتك متفكريش إني هسمحلك بالخروج، هارون مختفي من بعد ما كان عند بيتك، وده معناه إنه بيدبرلك شيء، أو عثمان نفسه اللي بيدبرلك لذا طالب يشوفك.
واسترسل بهدوء يجاهد للتحلي به:
_مرين عثمان مش سهل، ممكن يكون بيوقعك في هارون عشان هارون اللي يتخلص منك بنفسه.
ربعت يديها أمام صدرها وفجآته حينما قالت:
_عارفة، بس قبل ما حد فيهم يفكر يتخلص مني هكون قيدت النار بينهم، وده هيخلي حد فيهم يغلط وغلطه ده هيكشفلنا طرف الخيط اللي هنجيب بيهم الكلاب دول الارض، حتى لو كنت كبش فدا لده.
رد عليها "ياسين" والخوف عليها ينهش قلبه:
_عثمان مش سهل، مش هتعرفي تتغلبي عليه لوحدك يا مرين، كل حاجه هتتحقق بالصبر، دخولنا كلنا الساحة ضده هتحققلنا فرصة كبيرة لتوقيعه، غير لما حد فينا اللي يدخل لوحده.
تنهدت وهي تفك عقدة يديها وتتطلع له بهدوء وعقلانية:
_ياسين أنا مش بعاندك لمجرد إننا دايما في وش بعض، لو أنا مروحتش أقابل عثمان دلوقتي هيشك فيا، وهيشك اني على علم باللي عمله هارون وباختفائه، كده هكون بأكدله إني ورايا حد، فكر فيها بالعقل!
واستطردت بمنطقية بحتة:
_ثم إني أكدتلك بعد ما قعدت مع عثمان إنه فعلا مش زي ما رسمنا عنه، ده بني آدم ذكي ومرعب، وده بيحتم علينا نتحرك بسرعة، لو استنينا لحد ما كلنا ندخل الساحة زي ما بتقول مش بعيد يكون كشفنا، كل ما اتحركنا بسرعة كان أفضل لينا، وللضحايا اللي بتقع بسبب الكلب ده واللي وراه.
وبألمٍ رددت وهي تذكره فيما مضى:
_زمان الصدفة وقعتنا جوه لعبة قذرة كان ضحاياها آلاف من البنات اللي كان ممكن أكون واحدة منهم، لولا اني مكنتش بنت عادية كان مصيري هيكون شبيه ليهم.
(عتاولة المخابرات للطلب واتساب 01121530961)
وأضافت وهي تتطلع له بحزنٍ شديد:
_كنت معايا فلازم تكون فاهم البنات دول بيعانوا ازاي، الملفات اللي كانت على تليفون الكلب ده أكدتلي إن ليهم يد في قذارة مش مكشوفة لينا، قذارة ليها علاقة بالـ. ـدرك ويب، والديـب ويب، إنت مستوعب مدى قذارتهم!
تذكر "ياسين" ما قصته له "صوفي" عن ابنتها، ثم عاد للواقع وهو يهتف لها بلين:
_هننتقم منهم كلهم بس واحنا مع بعض!
أزاحت خصلاتها للخلف بعصبية، واستدارت تلتقط نفسًا طويلًا، ثم عادت تتطلع له وهي تخبره:
_إنت عامل بالظبط زي الأم اللي بلدها بتغتصـ.ــــب وبتدعي ليل نهار إن ربنا يحررها، مع ان جنبها جيش من الأولاد اللي يقدروا يخرجوا ويعملوا ده، خوفها الغريزي مش مخليها تفهم إن الدعوات لوحدها مش كفايا، خروج اولادها هيحميها قبل ما يحمي بلدها، حتى لو وقع منهم واحد ولا اتنين، الحرية من أي آسر ليها تمن.
صرخ فيها بعنف قاتل وهو يلكم الحائط من جوارها:
_مش هتكوني التمن لده سامعة، قدس في أمان لأنها برة اللعبة، إنتِ داخلاها وش، وأنا مش هسمحلك بده.
وراح يذكرها بامتيازاته:
_أوعي تنسي ان القرار هنا راجع ليا ولوحدي، وأقدر ببساطة أخليكِ تنسحبي من المهمة كلها.
قابلته بنظرة متعصبة، في حين أن ظهر "زين" أمامهما وهو يهتف بضيق:
_أنا زهقت منكم إنتوا الاتنين، وبتمنى إن القتل يكون حلال ليوم واحد بس أخلص منكم وأرتاح لباقي حياتي.
تغاضى "ياسين" عما يقوله، واستكمل وهو يشير لها:
_خروج من هنا انسي، مقابلة الشيطان ده مستحيل، كلام كتير هأمرك بالانسحاب وبنفسي هخدك للجوكر.
ومنح "زين" نظرة أخيرة قبل مغادرته للمنزل:
_عقل أختك.
تنهد بضجر وهو يطالعه يغادر المنزل:
_هعقلها وأعقلك قبل منها حاضر.
واستدار يمنحها نظرة ساخطة، ثم مال على الدرج وهو يميل بساقيه مُتسائلًا بنزقٍ:
_هببتي إيه المرادي يا بايرة؟ مش قولتلك متشديش قصاد الواد عصبيته قاتلة، هترتاحي لما يخلص عليكِ يا بومة!!
وأضاف وهو يتطلع للسماء ويشكو حاله:
_أنا مبقتش عارف أنا بحارب في أنهي جهة، أبويا اللي بيعقد الدنيا في وشي وعايزني سوبر مان، ولا عمي اللي بيديني كل النصايح عشان أكون جنتل مان، ولا شياطين عيلة التميمي اللي عايزة عقل مصحصح وفايق لغدرهم، ولا قصاد الجارحي والبايرة اللي ملهاش كاسر ولا بتاخدلها أي سواتر، حسبي الله ونعم الوكيل فيكم كلكم.
راقبته "مرين" والصمت والغضب يستحوذان على ملامحها الجذابة، فتنهد "زين" ونصب عوده الفارع، ثم رنا إليها يحاوط كتفيها بذراعه وهو يشير لها مُتخذًا وضعية الأخ العاقل:
_عارف إنك صح وكلامك كله صح، بس هنعمل إيه الواد خايف عليكِ وبيحبك يا هبلة، المفروض تفرحي وتزيطي إن عشقه ليكِ طافح من قلبه وعيونه وعصبيته وكيانه كله.
وأشار على ذاته وهو يستكمل ما فرض عليه قوله:
_بالك الحب بيعمل كده وأبو كده كمان، ما أنا عندك أهو عقلي مشغول بالكوكيزاية بتاعتي طول مهي جوه العمليات، بخاف المشرط يجرح ايديها الناعمة دي وتتعور!! ما بالك هو يا عين أمه بيتعامل مع سفاحة دولية بتلعب بالسلاح والقنابل لعبة البنات مع تستيف الميكب بتاعهم كل شوية!!
منحته نظرة إضافية، فردد وهو يربت على كتفها:
_خايف عليك لتتصاب يا مروان، اصابتك هتصيب قلبه وتذبح فؤاده يا عديمة المشاعر.
ودفعها بعيدًا وهو يصيح:
_بفهم مين أنا، إنتِ بومة يا بت!!
تخلت عن مزحه، ورددت بجدية تامة:
_زين أنا لو مرحتش أقابل عثمان هخسر كل اللي عملته الفترة اللي فاتت.
زم شفتيه وهو يفكر بالأمر، ثم ردد:
_عارف بس ياسين معاه حق يا مرين، في خطورة كبيرة عليكِ، فبلاش تعاندي، على الأقل دلوقتي، ياسين اتحرك للشقة عشان تيام، وأنا هقابل ليل العربي.
وأضاف وهو يتفقد الإشارة التي حصل عليها للتو من اسورته الشبيهة بالساعة:
_لازم أتحرك دلوقتي، هنكمل كلامنا لما أرجع.
وعاد ينذرها بجدية تامة:
_أرجع ألقيكِ في أوضتك عاقلة، أو اتجنني في أوضة التدريبات عادي، لكن تكوني هنا تمام؟
راقبته بنظرة باردة وهو يغادر المكان بأكمله، اتجهت "مرين" إلى غرفتها، ثم أعادت فتح هاتفها الخاص بشخصية "غزل"، فوجدت" عثمان" يرسل لها للمرة الخامسة، وآخر رسالة كانت تحمل موقع يبعد عن قصره.
زوت حاجبيها بدهشة، "عثمان التميمي" لم يغادر قصره يومًا منذ أن جمعوا المعلومات الدقيقة عنه، لمع عقلها بخبث وهي تجمع خيوط ما يفعله هذا الشيطان، فنهضت من محلها تتجه إلى خزانتها.
جذبت بذلتها السوداء المصنوعة من الجلد، ومن أسفلها غلاله(فانلة) بحملات رفيعة سوداء وأعلاها الجاكت الجلد.
طمست أسلحتها وعيناها تفوح بشرارة ملتهبة، ثم غادرت على الفور، بعدما استقلت الدرجة النارية، ومن فوق رأسها ارتدت خوذتها.
*******
كانت تستكين بين أحضان "مارال" في غرفتها، بينما على بعدٍ منهما يقف "عدي" و"مراد"، يراقبان ما يحدث وينتظران أن تهدأ تمامًا، فإذا بها تميل ومازالت بين أحضانها وتهمس بصوتٍ متقطع:
_دول شياطين يا بابي، الملفات كلها ليها علاقة بالخلايا الجذعية اللي بياخدوها من الأجنة من عمر أسابيع لأربع شهور، مش متخيلة إنهم ممكن يعملوا كده.
وأضافت ودموعها تنهمر كالشلال:
_حتى لو في حالات فلتت من قذارتهم بيستغلوهم في الولادة، بينقلوا منهم النخاع بدون ما يحسوا.
هتفت "مارال" بصدمة وهي تستوعب ما قالته:
_نقل النخاع من الست وقت الولادة، لأن بيكون في خلايا جذعية سخنة تلات أضعاف الشخص العادي.
راقبهما "عدي" و"مراد" بصمت، وعلى ما يبدو بأنهما كانا على علم بكل ما يتم كشفه بين ابنتيهما، ابتعدت "رحمة" عنها وقالت باكية:
_أنا شوفت بعينيا تحت في تجارب بيعملوها على الأجنة، والبنات اللي تحت دول ملهمش ورق زي الحالات اللي دخلت المستشفى، والله أعلم يمكن يكونوا خافين كل شيء يخصهم، دي جزارة بشرية.
وزعت "مارال" بصرها بين أبيها ورفيقه، ورددت بشك:
_هو حضرتك كنت عارف يا بابي!
تحرر "مراد" عن صمته، حينما وجه سؤالًا مباشرا إلى "رحمة":
_مكنش في حاجه ملفتة في الملفات اللي شوفتيها يا رحمة؟
أزاحت دموعها وحاولت أن تتذكر أي شيء، فإذا بها تنطق:
_أيوه، الورق كله متوقع برمز غريب (A. O. 666).
توزعت النظرات الصامتة بين" الوحش" و"الجوكر"، فاذا "بمراد" يشير لابنته:
_خدي رحمة لأوضتها يا مارال، وخليكِ معاها.
علمت بأنه يود الحديث مع رفيقه بمفردهما، فساندتها وخرجت بها إلي غرفتها، بينما استدار "مراد" ل"عدي" الذي نطق هو الآخر:
_شكوكنا طلعت صح، الكلاب دول ليهم علاقة باللي بيحصل جوه المستشفى دي، ومش بعيد البعثة اللي أخدوها البنات تكون مُدبرة من الأول، لأنهم بقوا عارفين مين اللي ماسك ملفاتهم.
هز "الجوكر" رأسه بهدوء، وراحت على وجهه بسمة ماكرة:
_لو كلامك صح وافترضنا إنهم فعلا عارفين إننا اللي كنا ماسكين ملفاتهم طول الفترة اللي فاتت فالكويس في الموضوع إننا نجحنا نسلط عيونهم علينا وده بيدي فرصة لياسين وزين وباقي الفريق انهم يتحركوا بأسرع وقت.
واستطرد بمكر وخبث يضاهيه:
_مستحيل يكشفوا عن عيلتنا غير اللي إحنا وصلناه ليهم.
ومال صوب "عدي" يسأله بابتسامة خبيثة:
_هو إنت عندك أولاد تانية غير رحمة وعمر يا وحش؟
زفر "عدي" بغضب، وتمتم:
_خليني وراك إنت وأخوك لحد ما أشوف أخرتها إيه؟
مال "مراد" يهمس له بشر:
_أخرتها هنوقع الشياطين دول، والبداية من هنا، لازم نوهمهم اننا مشغولين بحوار المستشفى ده، وتأمين بناتنا، كل ده بيدي فرصة للفريق إنه يتقرب من هدفه.
ورفع من صوته قليلًا وهو يبتسم بمكر:
_متنساش إن الفضل بعد ربنا عز وجل يرجع لرحيم، هو اللي حافظ على معلوماتهم أنها تكون سرية بشكل متقن، مستحيل حد بره العيلتين يعرف إنك ليك ابن أو ليا بنت، أو لرحيم نفسه ابن، ولو حتى اتعرف مستحيل يوصلوا لشغلهم الحقيقي، احنا ماشين صح يا عدي.
تنهد "عدي" من شدة ما يحمله من هموم ثقيلة، ونطق بقلق:
_بس ده هيعرض البنات للخطر يا مراد، أنا مستحيل هجازف بحياة بنتي حتى لو بده هنأمن ستارة حماية للفريق، رحمة برة الحوار ده كله، بنتي مش هتستحمل كل ده.
هز رأسه بتفهمٍ فهو مثله تمامًا فيما يتعلق بابنته الهادئة:
_دخولهم للعبة من الأول مكنش محسوب يا عدي، احنا حاليًا اتحطينا قدام الأمر الواقع، ثم إنك موجود بنفسك عشان تحميها فأعتقد ده كفايا أوي.
مال على الكومود من خلفه، وبدأ يربط الخيط الغامض، ويحلله بذكاء:
_رحمة قالت إن في مجموعة كبيرة من البنات دخلوا المستشفى بدون أوراق، تفتكر يكونوا تبع الجزيرة دي.
شرد "مراد" قليلًا، ثم انكمشت ملامحه غضبًا ونفورًا:
_وليه لا، الكلاب دول بيتعاملوا معاهم على أنهم فئران تجارب، بضاعة مفيدة بالإستخدام بكافة السبل، ياخدوهم الجزيرة ويشاركوا بيهم في مزاد الـ. ــــدرك ويب، وبعد ما بيحملوا بيستفادوا من الأجنة في الخلايا الجذعية اللي بيبيعوها بملايين الدولارات لكبار رجال الأعمال اللي بيستخدموا الخلايا دي لتجديد الانسجة وإنهم يبانوا أصغر في السن، والله أعلم البنات دي مصيرهم بيبقى إيه بعد كل ده، بيرجعوهم تاني الجزيرة ولا بيتحكم عليهم بالموت؟ ده اللي لازم نعرفه طول فترة وجودنا هنا!
وأضاف وهو يطرق على كتف "عدي" القوي:
_وزي ما قدرنا نأمن ليهم الحماية هنقدر نكرر ده لحد ما نرجعهم مصر بأمان، المهم دلوقتي إننا نأمن الفريق على أد ما نقدر، لحد ما نكشف باقي مصايب الشياطين دول.
زفر "عدي" وتمتم بنفور:
_اللي واثق منه إننا مهما وصلنا لمعلومات هتفضل نقطة في بحر الشياطين دول، وبالذات عثمان التميمي!
******
دق جرس المنزل مرتين، حتى فُتح الباب من أمامه، فاذا به يدخل بثقل جسده المُنهك، ويلقي بذاته على أقرب أريكة.
لحق به "ياسين" وهو يراقبه بدهشةٍ، ثم جذب المقعد وجلس قبالته ينتظر أن يتحرر من حالة حزنه البادية على وجهه، فإذا ب"تيام" يتطلع له بتيهة ويردد بفتور:
_مهربتش ليه؟
زوى حاجبيه وهو يخبره بعمقٍ:
_كنت متوقع إني هسيبك وأهرب.
هز كتفيه وهو يجيبه بحزن شديد:
_عادي الكل بيتخلى عني وبيسبني، مجتش عليك يعني.
أظهر الألم بعسليته، وبنبرة صادقة قال:
_مش أنا اللي بيتخلى عن صديق لجأ ليا يا تيام، أنت لو في وش النار هقف جانبك وعلى الأقل هنصحك تعافرها ازاي ده لو مقدرتش أنقذك.
بسمة ألم تشكلت على شفتيه، فأسرع بازاحة دمعة خائنة كادت بالسقوط من عينيه:
_مبقتش عارف مين اللي المفروض يكون معايا ومين اللي المفروض يكون ضدي.
واستطرد وهو يتطلع له بانكسارٍ:
_النهاردة كان بيفصل بيني وبين الحقيقة اللي هتريحني خطوة واحدة بس، واللي وقفني عنها هو نفسه اللي كنت فاكره بيحميني طلع بيحمي هارون مني!!
زوى ياسين حاجبيه بعدم فهم، واعتدل بجلسته وهو يتساءل:
_مش فاهم قصدك إيه يا تيام؟
رد عليه بنبرة منهزمة:
_عثمان! أوقات بحسه معايا وأوقات بحسه ضدي، النهاردة كان بيعلنها حرب صريحة على هارون، ولما دخلت جناحه وحاولت أوصل للتسجيلات اللي هتوصلني لرحيق لاقيتها كلها متشفرة بعلامة الـ A_O ده رمز خاضع لعثمان، بيشفر بيه أي برامج، وبيخصص بيه اختراعاته.
واسترسل وهو يغلق عينيه بقوةٍ:
_منعني عشان يحمي الكلب ده.
مازال ذلك الشيطان لغزًا محيرا للجميع، مازال عقبة قوية حبالها راسخة حد المحال، تغلب "ياسين" على شروده وقال:
_ما يمكن بيحميك إنت يا تيام، يمكن الحقيقية اللي هتكشفها دي هتتعبك إنت، وممكن تهدك إنت، وده اللي يهمه هو، هارون آخر اهتماماته على ما أعتقد.
تنهد وهو يسند رأسه للخلف:
_مبقتش عارف حاجه يا عمر، كل اللي عايزه إني أأمن أختي وأخلص على الكلب ده وبإيديا!!
******
وصلت "مرين" إلى الموقع الذي أرسله لها "عثمان"، هبطت عن دراجتها وأبعدت الخوذة، ثم مضت إلى الداخل وعيناها تتفحص المكان بأكمله، تلتقط أماكن الرجال المسلحين المتفرقين على أنحاء المنزل المتهالك.
وصلت "مرين" إلى منتصف القاعة، حيثما يقف رجلان بأجساد قوية، تقدم منها أحدهما يقدم لها بانحناء جسده التحية والوقار،ثم قال:
_مرحبًا بكِ سيدة غزل، سيدي عثمان يرحب بكِ.
شملته بنظرة ثابتة، وتساءلت:
_وأين هو؟
أجابها بصوته الجاف:
_سيلتقي بكِ فور انتهاء مهمتك هنا.
ضيقت زُرقتها باستفهامٍ ماكر:
_أي مهمة تقصد؟
تغاضى عن سؤالها، وقدم لها سلاحًا مدونا بالرمز المعروف (A_O)، ويحرر أمر سيده المباشر لها:
_السيد عثمان يأمرك بقتل هارون.
وأشار بيديه على باب الغرفة الموصود، ثم أفسح لها المجال بعدما قام أحد من رجاله بفتح الباب الحديدي؛ فتمكنت من محلها رؤية هارون المُقيد على المقعد المقابل للباب الحديدي، والذي بدوره صعق من وجودها ومما استمعه من هذا الرجل، الذي يصرح بأن "عثمان" يأمر بقتله.
كانت صدمة قاتلة له، فتحرك بمقعده بعصبية وهو يحاول فك قيوده، لثام فمه يتحرك من شدة احتباسه للسباب، عيناه تتطلعها بغضبٍ حارق.
حملت "مرين" السلاح من الرجل، وعيناها تجوب المكان ببطءٍ شديد، بينما يعتري ملامحها الخبث والغموض.
"عثمان" الأحمق ظنها لقمة سائغة سيوقعها في براثين "هارون"، عساه لم يعلم بعد من هي ابنة" الجوكر"، و"الاسطورة".
لفت "مرين" السلاح بيدها وقد تأكدت من قبل استخدامه بأنه يحمل رصاصا زائفا، لقد دعاها "عثمان" لمثواها الاخير، ليرغم "هارون" على قتلها، حينما يتأكد من أن "عثمان" أوقع بها، وبأنها أختارت "عثمان" مثلما أخبره.
ذلك الساذج ظن أنها مثل أي فتاة تمتلك شخصية قوية، وحب النفوذ والمال، لا يعلم بأنها بصغرها كانت أشرس فتاة مرت على الجهاز المصري، حتى بات الجميع يترقب لها مُستقبلًا عظيمًا، وها هو سيستطيع أن يرى برمة عينيه من خلف الكاميرات ما تستطيع تلك الفتاة الجذابة فعله.
فككت "مرين" السلاح المزيف بسرعة البرق، وألقته أرضًا، ودست يديها بجاكيتها تجذب سلاحيها، في نفس لحظة انحنائها بجسدها للأسفل، لتصيب الرجلين في لمح البصر برصاص استهدف منتصف رأس أحدهما وصدر الآخر، وصدمة "هارون" الذي بات مندهشًا مما تفعله!!!
انطلق صوبها وابلٌ من الرصاص الممطر، من كل زاويا المنزل، استخدمت ساقيها بانحنائهما ودفعت جسدها حتى اختبأت خلف إحدى الحوائط.
التقطت نفسًا طويلًا، وهي تستعد بذخيرة سلاحيها، ثم خرجت بثقة وقوة تستهدف الاماكن المختبئ فيها القناصون، حسب ما رصدته فور دخولها لهذا المكان.
أسقطتهم واحدًا خلف الآخر، ومازال الرصاص يتوجه لها من كل مكان، ولكنها ولخفة جسدها التي لم يمتلكها أي رجل بسبب خفة جسد النساء، كانت تتحرك بسهولة وسرعة مرعبة، تمكنت فيها بالقضاء على ثمانية عشر رجلاً بمفردها.
وقد تركت خناجرها الدائرية تعلو أجساد بعضهم، كأنها تعيد أمجاد "الجوكر المزعوم"، انتهت حفلتها ببركة دماء مهيبة، اخترقتها وهي تخطو بخطوات واثقة صوب" هارون" الذي يتطلع لها بصدمة واستغراب.
مالت تجاهه وهي تمنحه ابتسامة خبيثة، بينما تجلس قبالته على الاريكة وتهتف:
_هاي يا روني، شكلك كنت مفتقدني مش كده؟
وأضافت وهي تميل لتزيح ما كمم به، في نفس لحظة نطقها الساخر:
_أو عثمان كرهك فيا بشكل مخليك مش طايق تبص في وشي الجذاب.
تحرر فمه واذا به ينطق بتيهةٍ:
_إزاي!!!
وضعت ساقًا فوق الأخرى وهي تجيبه:
_الظاهر كده إن كبير عيلتك اللي حكيتلي عنه بيكرهك لدرجة إنه عايز يفرقنا عن بعض، فهمني إنك سيء ووحش وإنه هو الكينج ومصلحتي معاه، فاسيبك وأكمل معاه هو بس للأسف ميعرفش إن غزل رغم طمعها للثروة والمال عندها مبادئ وأهمها الخيانة No.
وأضافت وهي تحل وثاقه الحديدي بسلاحيها وبدون أن تمس يديها بمهارة:
_وزي ما شوفت وسمعت من شوية كان عايزني أقتلك، أنا مش عارفة هو بيحبك ولا بيكرهك يا روني!
تجمد الحقد والغضب بعينيه تجاه "عثمان"، بل شعر وفي تلك اللحظة بأنه مُستعد كليًا لمحاربته وقتله، تخلف عن شروده وقال وهو يتطلع لها:
_يعني إنتِ لسه بتحبيني؟
نفت بإشارة رأسها وصححت بجرأة:
_ما أنا قولتلك قبل كده، ماليش في الحب، بس وفية ليك ولاتفاقنا.
وأضافت وهي تتطلع له بخبث:
_بتمنى متطلبش مني نزور عثمان ده تاني، الظاهر إنه بيحقد عليك ومش بيحبك أبدًا.
ونصبت عودها بقوة مازالت تلتحف بها، رغم أنها تشعر بأن هناك ألمًا يخترق كتفها:
_والله أعلم هو عمل معاك إيه عشان تحاول تتخلص مني ورجع يلعب نفس اللعبة عشان أتخلص منك أنا كمان.
واستدارت لتغادر بينما تخبره:
_عشان كده مش هعرفك مكاني تاني يا روني، اللي عملته إنت ورجالتك كسر قلبي وزعلني منك، بس بالنهاية مقدرتش أقتلك للأسف
وتوقفت قبل خروجها ثم دفعت الهاتف المزيف صوبه وهي تخبره:
_لما تقابل عثمان إديهوله هديه، وقوله عيب تبعت لخطيبة أخوك رسايل حب وإعجاب!
لعبتها وربحت وسجلت أهداف عالمية، غادرت المبنى بخطوات واثقة، تاركة من خلفها فتيل النيران يتلاعب بآعين" هارون" المشتعلة غضبًا ووعيدًا.
بينما وبقصر "التميمي"، ضرمته عاصفة قاتلة من الغضب الجحيمي، فاذا به يلكم" ماتيو" الذي ينقل له صورة حية للمكان، فارتطم بالطاولة الزجاجية من خلفه من شدة ضربة "عثمان" الغاضبة، بينما يبرق بجنون وهو لا يصدق بأن تلك الفتاة غلبته بأول جولة وبدون أي عناء.
غضبه كان مرعبًا، بينما يصرخ بجنون:
_إزاي!!!!!!!
توقفت "قدس" على باب الجناح تتطلع بدهشة ل"ماتيو" الذي يسقط أرضًا بين وابل عظيم من الزجاج، وإلى "عثمان" الذي تراه لأول مرة في تلك الحالة المرعبة من الغضب، وخاصة حينما لكم الزجاج بيده وهو يصرخ:
_هقتلك وبإيديـــــــــا!!!!!
توترت وهي تراقبه، بينما فجأة ملأها الرعب فور أن تطلع لمحلها المحدد دون أن يستدير بجسده:
_بتعملي إيه عندك غــــــــوري من هنــــــا!
هرولت "قدس" للخلف وما أن خرجت بقدميها خارج جناحه حتى انغلق بابه بقوةٍ، وأنفاسها تتهدج برعب، وهي تجزم بأنها لم ترَ غضبًا مثيلًا لهذا، بل بدأت تتساءل لمن يتوعد بالقتل؟ من تلك الفتاة التي أشعلت نيران الغضب بهذا الجبل الشامخ!!!
توسعت مُقلتيها فجأة بعدما ربطت الاحداث، وإذا بها تهمس رعبًا:
_مريـن!!
*****
فور مغادرة "تيام" المنزل، اتخذ "ياسين" كل احترازات الأمن، وغادر على الفور، حتى وصل للمكان السري، هبط من دراجته التي تضمن له سهولة التنقل دون أن ينكشف أمره، واتجه للدخول إلى المنزل.
توقف فجأة حينما استمع إلى صوتٍ يأتي من الخلف، فاذا به يستخرج سلاحه، ويتبع الصوت وهو يتأهب لأي حركة قادمة.
تفاجأ "ياسين" بضوء قوي يأتي من بين الأشجار، فتسلل ببطء حتى وصل، رفع قطعة القماش السوداء العملاقة، فاذا بدراجتها ملقاة أرضًا ومن فوقها القطعة ملقاة بإهمالٍ.
اندهش "ياسين" واستدار يبحث عنها، فرأها تقف على بعدٍ منه، وقد أمن لهما ضوء الدراجة رؤية واضحة لكلاهما.
تطلعت له بنظرة لو عاش ما تبقى من عمره لن يستطيع أن ينساها، ابتسامة صغيرة منحتها له كأنها تعزيه على تلك الآلآم التي ستصيبه بتلك اللحظة، بينما تقترب بساقيها منه ومازالت تتطلع صوبه بشكلٍ جعله يترك ما يفعله ويمضي صوبها، يحاول أن يكتشف ما بها.
خرج من بقعة الظلام لطاقة ضوء القمر المنعكس عليها، وقف قبالتها يحاول أن يقرأ من عينيها ما تحاول فعله، فاذا بابتسامتها تتلاشى ويحتل الوجع قسمات وجهها الرقيق، وجعًا يفصح عما بها، وخز قلبه وجرحه يمزق صدره تمزيقًا، ولسانه الثقيل يمنحها نداءا وسؤالا:
_مرين؟
رفعت ذراعيها له فتلقفهما، فإذا بها تسقط على ركبتيها وقد سقط هو معها، ومازال يجتهد لمعرفة ما يحدث معها، وقد كان فضل اخفاء ما بها يعود لارتدائها لتلك البذلة السوداء المصنوعة من الجلد، رفعت زُرقتها إليه تقول بصوتٍ مرتعش:
_شكلك هترتاح من عنادي وللأبد يا قائد!!
توسعت عسليته بصدمةٍ لما تقول، وخاصة حينما سحبت يدها تضم كتفها، رفع "ياسين" يده التي تمسكت بها لتمنعها من السقوط، فإذا به يرى بقعة من الدماء سلبت دقات قلبه السريعة.
منحته ابتسامة رقيقة، وفجأة سقط رأسها للخلف فاقدة للوعي، تاركة من خلفها زئيرًا قويًا وصراخا مزق سكون الليل المعتم:
_مــــريـــــــــــــن!!!
