رواية جبروت جبل الفصل العاشر
قدام باب السرايا كان واقف الأمين الجاي من مركز البلد ومعاه اتنين عساكر بنادقهم متعلقة على كتافهم
و على الأرض متكتف اليدين و قاعد دياب وضهره للحايط إيده المضروبة ملفوفة في قماش وعينيه بتلف في المكان كله بكره صريح
جبل نزل من على عتبة المندرة بخطوات ثابتة عبايته السودا على كتفه ووشه جامد كالعادة بس اللي يعرفه كويس كان هيلمح تحت الجمود ده عقل شغال وحذر ما بينامش
ناول الأمين المحضر اللي كتبه محامي السرايا في الفجر وقال بصوت واضح قدام الشهود
اللي حصل اتكتب حرف بحرف اقتحام سرايا و شروع في قتل وسلاح من غير ترخيص والراجل ده يدخل المركز ويتحقق معاه على أصوله إحنا عندنا شهود وعندنا السلاح وعندنا إصابة المجني عليها
الأمين هز راسه باحترام
تحت أمرك يا كبير النيابة هتتبلغ النهاردة
دياب رفع وشه وبص لجبل و بص ناحية شبابيك الجناح كأنه بيدور على لمحة من ورد ضحكة ساخرة قطعت وشه وقال
كبرت أوي يا جبل بدل ما تخلصها بيدك بقيت تودّيها للقانون
جبل ما ردش في الأول نزل عليه بنظرة باردة وبعدها قال
القانون مش ضعف يا دياب القانون بيخلّي اللي زيك يعيش وهو عارف إن نهايته جاية حتة حتة
دياب كز على سنانه ومال لقدام رغم قيوده
أنا رايح الحبس إنما اللي برة ما راحوش خليك فاكر دي زين
للحظة ساد صمت حتى العساكر بصوا لبعضهم لكن جبل ما رمش
قال بهدوء أخطر
واللي برة هيتلموا واحد واحد
إشارة واحدة من الأمين والعساكر شدوا دياب من كتفه قبل ما يتحرك لف برقبته بصعوبة وقال
لو كتبت عليها الليلة هتدفنها بإيدك
المرة دي جبل قرب خطوة خلت دياب يشوف النار اللي في عينه من غير ما تعلى نبرته
سرتها متجيش على لسانك تاني دي آخر مرة هسمحلك تنطقها
اتسحب دياب على برة والحديد في إيده بيرن مع كل خطوة الغفر قفلوا الباب وراه لكن الجملة اللي قالها فضلت معلقة
فوق في الجناح كانت ورد قاعدة على طرف السرير ضهرها مستقيم رغم الوجع وصوابِعها على خفيف بتمر على الشاش الملفوف حوالين رقبتها خمس غرز صغار لكن أثرهم أكبر بكتير من حجمهم كل ما تبلع ريقها يوجعها الجرح ويذكّرها بسن المطواة وهو لامس حياتها
دخل جبل بعد ما خبط على الباب خبطتين خفاف حاجة ما كانش بيعملها قبل كده وقفت ورد تلقائيًا لكن الدوار خطفها لحظة فلحقت نفسها بيدها على قائم السرير
جبل لمح الحركة وعبس
الدكتور قال متتحركيش كتير
ورد رفعت عينيها له وفيها نظرة ثابتة رغم الشحوب
وأنا قولت لنفسي الكلام اللي لازم يتقال ميتأجلش
سكت جبل قفل الباب ووقف قدامها مستني
قالت ورد من غير لف
الجواز اللي اتكلمت عنه امبارح أنا مش هقبله لو كان شفقة أنا عمري ما طلبت منك اسم ولا بيت ولا حماية
الكلام نزل بثقة لا فيه دلع ولا انكسار كلام بنت شايلة نفسها بنفسها وعارفة إنها لو فرّطت في كرامتها مرة هتعيش طول عمرها تجمع بقاياها
جبل فضل ساكت ثواني بعدها مشي ناحيتها ببطء لحد ما بقى بينهم مسافة شبر صوته لما خرج كان اقوي من المعتاد لكنه أهدى
لو كان شفقة كنت رديتلك اعتبارك قدام الناس وسكت
ولو كان ذنب كنت كتبتلك نص الأرض وباب السرايا مفتوح الجواز مش عشان أصلح اللي حصل الجواز عشان من يوم ما ربطتي جرحي وإنتي دخلتي في كل حاجة تخصني في غضبي وفي راحتي وفي خوفي كمان
ورد رمشت ببطء الكلمة خرجت من جبل بصعوبة لكن صدقها كان واضح
كمل وهو عينه في عينها
أول مرة أعرف يعني إيه باب يتقفل وأنا أبقى مستني خيال حد يعديه وأول مرة لما حد يتأذى أحس الوجع في صدري أنا لو ده مش سبب كفاية يبقى مفيش في الدنيا سبب يكفي
سكتت ورد قلبها كان بيدق بعنف لكن ملامحها فضلت ماسكة نفسها
همست
والناس
جبل رد من غير تردد
الناس عمرها ما شبعت حكي النهاردة يقولوا سترها بكرة يقولوا خطفها من بيت أبوها وبعده يقولوا طمعانة في كبير البلد الناس رزقها الكلام إنما أنا رزقي الفعل
وبنبرة نادرة عليه قال
أنا بس عايز أعرف موافقتك أنتي
الوجع في رقبتها شد عليها لما بلعت ريقها بصت للشباك للشمس اللي داخلة على أرض الأوضة وبعدين رجعت تبصله
لو ده حصل هيحصل وأنا مرفوعة الراس لا مكسورة ولا مدينة
ده حقي عليك قبل ما يكون حقك عليا
ولأول مرة ارتخت حواف فمه بابتسامة خفيفة
النجع كله عرف قبل الضهر بس الخبر ما خرجش بالطريقة اللي كانت النسوان مستنياها لا زفة كبيرة ولا فرش سجاد على أول البلد ولا طبل يلف على البيوت جبل بنفسه أمر إن العقد يكون بعد صلاة المغرب في السرايا على الضيق بحضور الشيخ وشاهدين من كبار العيلة وعدد قليل من الحريم
قالها بصراحة
لا وقتها وقت فرح صاخب ولا الجرح لسه سامح اللي لينا هنعمله والزيادة ملهاش لازمة
والحقيقة إن قراره كان أقرب للمنطق من أي استعراض المخازن لسه ريحة الحريق فيها موجودة وورد خارجة من محاولة قتل والبلد كلها في حالة ترقب بعد القبض على دياب أي فرح كبير كان هيبقى تحدي
في المخزن الداخلي اللي بتحفظ فيه الحجة الراحلة صفية حاجتها اتفتح صندوق قديم مكسو بالنحاس الشغالات طلعوا منه فستان حرير عاجي بسيط مطرز على الصدر بخيط دهبي باهت أكل منه الزمن لكنه ما أكلش جماله
كانت دي واحدة من هدوم صفية اللي محوشاها لست الدار
نعمة العجوز أقدم شغالة في السرايا كانت بتبص للفستان وعينيها بتلمع
الست صفية الله يرحمها كانت تقول الهدوم دي لبنت تستاهلها مش لأي حد يمكن كانت شايفة اليوم ده من زمان
ورد ما علقتش مدت إيدها ولمست القماش بأطراف صوابعها كأنها بتختبر مش الفستان بتختبر القدر نفسه
في آخر الأرض في الدوار القديم كانت زهرة واقفة عند الشباك المكسور سامعة الخبر من بنت صغيرة تبع الغفر جت تجيب جرة مية
يعني إيه على الضيق
يعني الشيخ هيجي السرايا بعد المغرب لا فرح ولا غُنا بس كتب كتاب
سابت البنت ومشيت وفضلت زهرة مكانها ساكتة هنادي اللي كانت قاعدة على الحصير تعجن في غِلّها زي كل يوم رفعت وشها وقالت بقلق
وساكتة ليه ما تنطقي يا بت
زهرة لفتلها ببطء الهدوء اللي على وشها كان يخوف أكتر من الصريخ
لأن اللعب الكتير بيعلم الخصم وجبل اتعلم الحراسة زادت والعيون مفتحة ومحدش هيعرف يدخل له من الباب
هنادي بلعت ريقها
يبقى خلاص نسلم
زهرة ضحكت ضحكة قصيرة
اللي ما يعرفش يدخل من الباب يدخل من اللي الناس مش بتبص عليه
فتحت قبضة إيدها كان فيها مفتاح صغير ومنديل ملفوف جوه عقدة محكمة
هنادي قامت مفزوعة
ده مفتاح إيه ده
زهرة رفعت عينيها لأمها وقالت
باب الساقية القديمة اللي ورا السور الباب ده محدش فاكره غيري لأني وأنا صغيرة كنت أستخبى هناك كل ما عمتي صفية تزعلني
هنادي شهقت
وهتعملي إيه بالمفتاح
زهرة لفت المنديل بين صوابعها وابتسامة سم دخلت على شفايفها
أهو الليلة هتعرفى
قبل المغرب بساعة السرايا كانت في حالة حركة محسوبة لا صخب لكن كل واحد عارف مكانه هريدي وزّع الغفر على المداخل واتنين وقفوا فوق السطح واتنين عند الاصطبل واتنين عند السور الشرقي خصوصًا بأمر مباشر من جبل
جبل كان واقف في المندرة لابس جلباب أسود جديد وعباية سادة من غير أي زينة زيادة المسدس في وسطه تحت القماش والجرح القديم في كفه بقى خط رفيع شاحب لكن جرح جوه صدره لسه بيتقفل حتة حتة
دخل عليه الشيخ عبد الرحيم راجل كبير وقور ولحيته بيضا وعيونه فاهمة
سلم عليه وقعد وبعد مجاملة قصيرة بص لجبل نظرة طويلة وقال
ربنا يتمم بخير يا ولدي بس وشك بيقول إنك داخل حرب مش داخل على عقد
جبل رد وهو بيصبله القهوة
أوقات يا شيخ عبد الرحيم الاتنين بيبقوا واحد
الشيخ فهم من غير ما يسأل
فوق كانت ورد قاعدة قدام المراية الكبيرة وراها نعمة بتسرّح شعرها على مهل الفستان كان بسيط ساتر ولونه هادي زاد وشها جمالًا الشاش اتبدل برباط تحت طرف الطرحة والجرح باين منه خط رفيع عند أول الرقبة
نعمة بصت لها في المراية وقالت بحنان
لو أمك عايشة كان قلبها طار من الفرح
ورد نزلت عينيها
أمي لو عايشة كان يمكن حاجات كتير ما وصلتش للي وصلتله
قبل ما نعمة ترد خبط خفيف جه على الباب واحدة من الخادمات دخلت وهي شايلة صينية صغيرة عليها كوباية لبن دافي وطبق تمر
الكبير قال لازم تاكلي لقمتين قبل ما الشيخ يوصل عشان الدوا على بطن فاضية يتعبك
ورد رفعت عينيها تلقائيًا
انت مين
أنا يا ست ورد من المطبخ
كان اسمها نبوية ست في الأربعين شغالة جديدة نسبيًا وشها عادي لا يلفت ولا يطمن حطت الصينية على الترابيزة وانسحبت بسرعة
نعمة كانت لسه هتناول ورد الكوباية لكن ورد وقفتها بإيدها
استني
قرّبت الكوباية من مناخيرها وشمت ريحة اللبن غريبة خفيفة تكاد ما تتلقطش نعمة استغربت
خير
ورد ما ردتش فورًا غمّست طرف صباعها ولمسته بطرف لسانها في جزء من الثانية وشها اتغير
رفعت عينيها لنعمة وقالت بهدوء شديد
متخليش حد يدخل الأوضة
وبنفس الهدوء مسكت الكوباية ولفتها في فوطة من غير ما تكب منها نقطة
نعمة قلبها وقع
فيه إيه
ورد بصت ناحية الباب المقفول وصوتها خرج أوطى من الهمس
يا إما أنا بقيت بشك في الهوا يا إما الليلة لسه ما بدأتش
في نفس اللحظة تحت في المندرة كان الشيخ فتح دفترة والشاهدين قعدوا في أماكنهم وجبل واقف مستني
هريدي دخل بسرعة لكن من غير دوشة وقرب من جبل وهمس في ودنه
يا كبير الغفير اللي واقف عند السور لقيناه مرمي ورا الساقية مغمي عليه
جسم جبل كلّه شد مرة واحدة عينه رفعت فورًا ناحية السلم
وفي نفس الثانية تقريبًا فوق في الجناح اتفتح باب الأوضة فتحة بطيئة من غير خبط
نعمة شهقت وورد لفت وشها بسرعة
كان الباب بيتزق من برّه ببطء كأن اللي واقف وراه واثق إن اللحظة دي بالذات محدش هيقدر يصرخ
الكوباية كانت محاولة تسميم ولا مجرد تمويه لبلوة أكبر
وجبل هيلحق يطلع لها قبل المصيبة ولا الليلة هتتحول من ليلة عقد إلى ليلة دفن
