رواية ناب الافعي الفصل العاشر
الصمتُ خيّمَ على المكانِ بثقلٍ لا يُحتمل. كان بإمكانها أن تسمعَ دقّاتِ قلبها وهي ترتطمُ بضلوعها.
مهرةُ وقفتْ متجمدةً في مكانها، وكأنّ قدميها قد التصقتا بالأرض. خطوتانِ فقط... كانتا كافيتينِ لتعيداها ثلاثَ سنواتٍ كاملةٍ حاولتْ نسيانها.
رائحتُهُ... نبرتُهُ... عيناهُ الرماديتانِ اللتانِ كانتْ تقرأُ فيهما كما تُقرأُ الكتبُ المفتوحة.
قطعَ ذلكَ الصمتَ صوتُهُ الباردُ الذي تحفظُهُ عن ظهرِ قلب:
*عمران: مش كنتي تعزميني على خطوبتك؟ مكنش العشم والله*
توقفتِ الكلماتُ في حلقها. وارتجفتْ شفتاها.
*مهرة: عمران.. أنا..*
لم تُكمل. يدٌ قويةٌ التقطتْ يدها وقبّلتها أمام الجميع.
سليم.
وقفَ بجوارها بجسدهِ الضخمِ كسورٍ منيعٍ، ونظرَ إلى عمرانَ بابتسامةٍ باردةٍ ومدّ يده:
*سليم: مين كان يتوقع إن عمران الألفي بنفسه هيشرفنا.*
حدّقَ عمرانُ في اليدِ الممدودة. ثانية... واثنتان...
ثم صافحَهُ. ولكنّها لم تكنْ مصافحةَ ترحيب. كانتْ مصافحةَ حرب. برزتْ عروقُ يدهِ، وعيناهُ تقولانِ "أن وقت اللعب بدأ.
*عمران بهدوءٍ قاتل: أهلا بيك.*
*سليم: الشركة نورت يا عمران.*
*عمران ينظرُ حوله ببرود: ده نورك يا... معلش انت مين؟*
تجمدتْ ملامحُ سليمٍ لثانيةٍ ثم عادتْ ابتسامتهُ:
*سليم: غريبة. فكرت عيلة الألفي كلها حافظة اسمي أنا سليم الجبالي.. باين كده والدك سالم باشا الله يرحمه نسي يعرفك بيا.*
نزلتِ الكلمةُ كخنجرٍ في صدره.
قبضَ عمرانُ يدهُ داخلَ جيبه. واتسعتْ ابتسامتهُ حدّ الخطر:
*عمران: غريبة فعلاً. بابا الله يرحمه كان متعود يكلمني عن الناس المهمة دائماً بس شكله نسي تشرفنا.*
وتركهُ ودارَ بظهرهِ تحت نظرات سليم الغاضبه ذهبتْ عيناهُ إلى مهرةَ التي كانتْ تتنفسُ بصعوبة.
*عمران: مش هنبدأ الاجتماع؟ أنا وقتي بالدقيقة يا أنسة مهرة.*
*مهرة بارتباك: ط.. طبعاً. ثانية وأقول لهاني نبدأ.*
خرجتْ مهرةُ هاربةً. قلبها يكادُ يقفزُ من صدرها.
وتركتهما... في حربِ نظراتٍ صامتة.
ارتشفَ عمرانُ قهوتهُ بهدوءٍ وهمسَ لنفسه وعيناهُ لم تفارقْ سليم:
*عمران: شكلنا كده هنتسلى أوي.*
__________________________________
كانَ سالمُ صامتاً. وجهُهُ شاحبٌ ويداهُ ترتجفانِ على المقود.
*أسامه بقلق: قولتلك بلاش سواقة. خلي أدهم هو اللي يسوق.*
*سالم بإصرارٍ موجوع: لازم أروح الشركة.وبعدين انا كويس متقلقش
*أسامه: أنت واخوك أعند من بعض حاسس ان واحد فيكم هيجبلى جلطه قريب
ضحك أدهم وهو يتابع حديثهم من الخلف قائلاً
أدهم: ومين سمعك مش انت لوحدك يا أبو نسب
ضحك ثلاثتهم بينما تنهد أسامه وهو ينظر إلى النافذه يتذكر ما الذى حدث منذ قليل فتبدلت تلك البسمه المشرقه بأخرى حزينه ولمعت عيناه بالدموع
#
دق برفق على باب مكتبها فأذنت له بالدخول رفعت عيناها عن ملفات المرضى ببطئ لتعرف هويه الطارق فأندهشت لوجوده فى مكتبها فتلك المره الاولى له تحدثت بقلق وهى تنظر له
سيلا: خير سالم كويس
رد عليها وهو يتجه إلى الكرسي المقابل لمكتبها يزيح شعره الطويل عن عيناه العسليه سانداً رأسه على الكرسي
سالم: كويس متقلقيش انا جيت..
قاطعته وهى تتحدث ظناً منها انه يسألها عن أدويه سالم
سيلا: بتسأل عن ادويه سالم صح بص هو هياخد...
قاطعها هو ينظر ليداها التى تحمل الأدويه
أسامه: سيلا انا فرحى بعد أسبوع
تجمدت يدها التى تحمل الدواء فنظرت له ليسترسيل حديثه
أسامه: انا عارف انى مفروض كنت أقولك من بدرى بس انا لسه مكلم عمران مش و....
أخذ نفساً طويلا ً تحت نظراتها الهادئه فقال بسرعه
اسامه: بصى يسيلا انا بصراحه مش عاوز المشاكل الى بينا متخلكيش تحضرى فرحى انا مصدقت أخيراً أن انا وترتيل خلاص هنتجوز فمش عاوز مشاكل واسئله من الناس هى اختك محضرتش الفرح ليه و..
قاطعته بأعين تحاول الحفاظ على دموعها ان تسقط وهى تهمس بصوت خافض
سيلا: الناس...؟
تنهد هو ينظر إلى الارض يلعن نفسه الف مره انه تحدث معها بهذا الشكل أسترسلت حديثها بوجع قائله
سيلا: انا مش وحشه لدرجه الى تخلينى محضرش فرح اخويا الى من لحمى ودمى... أنا جمبك دائماً فى حزنك قبل فرحك عشان... عشان انا أختك يا أسامه
ثم أكملت تضحك بسخريه وهى تدير وجها لتمسح تلك الدمعه المتمرده
سيلا: متقلقش مش هخلى الناس تتكلم عليك والصحافه تسأل هى اخت أسامه المنشاوى فين
اعتدلت فى وقفتها وهى تحمل الملفات ثم أتجهت نحوه تربت على كتفه بحنان وجع فتحدث يبرر لها
أسامه: سيلا.. انا
قاطعه وهى تبتعد عنه متجهه للباب تستعد لخروج
سيلا: ألف مبروك مقدماً
أغلقت الباب خلفها فتنهد بحزن وهو يخبط يداه فى المكتب بغضب يحاول الهدوء أعتدل في وقفة ينظر تلك الصوره التى تتوسط المكتب و تجمع العائله ببسمه سعيده فنظر لها بحزن وهو يتحدث بقهر
أسامه: أنا عمرى ما هسامحك أبداً
____________________________________
*فى قاعة الاجتماع*
كانَ صوفيانُ يشرحُ منذُ ساعةٍ ولم يستمعْ لهُ تميم فى أى كلمه قالها كان وجهُ تميمَ شاحبٌ والعرقُ يتصبُ منه. والدنيا تدورُ به.
*صوفيان بقلق: تميم؟ انت معايا؟*
*تميم يحاولُ الابتسام: معاك... سرحت بس.*
اتجه صوفيان ناحيه بقلق ثم انخفض لمستواه وهو يسأله بقلق
*صوفيان: خدت الدوا؟*
سكتَ تميم. وكانَ سكوتُهُ إجابة.
نظرَ صوفيانُ إلى الحاضرين وهو يعتدل فى وقفه :
*صوفيان: تمام. بريك نص ساعة.*
وما إن خرجَ الجميعُ حتى انخفض لمستواه مجدداً
*صوفيان بخوف: فين الدوا أجيبه ليك الدكتور قال مينفعش تفوت يوم من غير ما تاخده عشان تتعافى*
*تميم مغمضاً عينيه بتعب: في العربية... بس مش قادر أقوم.*
صوفيان: خليك أنا هجيبه
نظر لصوفيان بأمتنان وهو يبتعد عنه تاركاً تلك العيون تتطلع له بقلق
