رواية بريئة في حضن الشياطين الفصل الحادي عشر
وبعد مرور الوقت، وصلت رحمة إلى القصر وكان الهدوء يلف المكان، لكنها تفاجأت بسيارة "شيري" تقف أمام البوابة. نزلت رحمة من سيارتها باستغراب وهي تسألها:
غريبة يا شيري! الوقت لسه بدري، إيه رجّعك دلوقتي؟ ردت شيري بتهرب خفيف:
أصلاً اتخنقت، فقلت أروح البيت أريح. رحمة بابتسامة عملية:
طب كويس، حمد لله على سلامتك.
ولست همّت بالدخول، حتى أمسكت شيري بيدها لتستوقفها. التفتت رحمة إليها بملامح متسائلة:
في إيه يا شيري؟ حاساكِ مش على بعضك. شيري بنبرة تردد واضحة:
هو أنا وحشة يا رحمة؟ استغربت رحمة السؤال وقالت بابتسامة حائرة:
ليه بتقولي كده؟ إيه السؤال المفاجئ ده؟ شيري برجاء خفيف:
ممكن أحكي لك اللي حصل معايا وتقولي لي إذا كنت صح ولا غلط؟ رحمة وهي تتجه للداخل:
ماشي يا ستي، بس لازم أعمل مكالمة ضرورية الأول، وأجهز فنجان القهوة بتاعي عشان أقدر أركز وأسمعك كويس. شيري باسترخاء:
تمام قوي، هكون طلعت غيرت هدومي فوق ونزلت لك فوراً. رحمة:
تمام، في انتظارك.
دخلت رحمة الجناح الخاص بها، وفتحت حقيبتها وأخرجت هاتفها لتطمئن على ابنتها، واتصلت بأنور:
أنور، تاج عاملة إيه دلوقتي؟ رد أنور بصوت هادئ:
كويسة وهي نايمة، المهم أنتِ وصلتِ بالسلامة؟ رحمة:
أيوه، وصلت. أنور:
على فكرة، أنا هبيع الشركة بكره، حددت ميعاد مع الراجل اللي عايز يشتريها. رحمة:
تمام، ابقى قول لي ميعاد وصولك للقاهرة إمتى. أنور:
طيب.
قفلَت مع أنور، وقامت أخذت دُشاً وغيرت ملابسها، وتركت شعرها منسدلاً بشكل جميل، وكانت واقفة أمام ماكينة القهوة وفجأة الباب خبط.
رحمة:
تعالي يا شيري.
الباب اتفتح، لكن المفاجأة أن اللي دخل كان نور الدين!
رحمة باستغراب:
أنت صاحي يا جدو؟ نور:
أيوه، وكنت مستنيكِ تعدي عليا. رحمة:
ما حبتش أضايقك وافتكرت إنك نمت.
قعد نور على الكنبة وقال بجدية:
هتفضلي في الحالة دي كتير يا رحمة؟ ابتسمت رحمة بمرارة:
حالة إيه يا جدو؟ أنا كويسة جداً.
مسك نور إيديها بحنان:
أنتِ عارفة أنا بحبك قد ايه؟ ابتسمت رحمة بسخرية:
أكيد طبعاً. نور:
ماجد قال لي على حل كويس عشان خاطر ترجعي له.
مسكت رحمة مج القهوة وشربت منه بقلق:
ويا ترى إيه هو الحل؟ نور:
ماجد جاب واحد تتجوزيه، وتاني يوم من الطلاق وبعد شهور العدة هترجعي له. رحمة بجمود:
ولو رفضت؟ نور بحسم:
لأ يا رحمة، هتوافقي وأنا متأكد من كده. رحمة بتفكير:
أنا ممكن أوافق، لكن ليا شرط واحد.. هتوافق عليه؟ نور:
إيه هو؟ رحمة:
مش دلوقتي، بعدين أبقى أقول لك. نور بتهدئة:
طيب، هسيبك ترتاحي، تصبحي على خير. رحمة:
وأنت من أهله يا جدو.
خرج نور، وبقيَت رحمة سرحانة في الكلام وحدها: "مش قدامي غير الحل ده عشان أقدر أجيبك يا تاج وتعيشي معايا هنا".
وفجأة الباب خبط تاني.
رحمة:
اتفضل.
دخلت شيري وقالت بتوتر:
هو أنا هعطلك؟ رحمة بابتسامة ترحيب:
لا يا ستي، ما فيش عطله، ممكن أفهَم بقى في إيه وإيه لازمة السؤال ده؟
قعدت شيري قصادها وقالت بصوت مهزوز:
بصراحة كده... أنا كسرت قلب واحد! رحمة باستغراب:
إزاي يعني؟
حكت لها شيري كل اللي حصل مع أصحابها، وإزاي اتفقوا يعملوا رهان على "عز"، وإزاي هي قدرت تقرب منه لغاية ما اعترف بحبه لها وساعتهاكسبت الرهان. كانت رحمة مش مصدقّة الكلام اللي بتسمعه، بينما عيون شيري دمعت بصدق.
رحمة:
طب وأنتِ زعلانة ليه دلوقتي؟ مش أنتِ كسبتِ الرهان؟ شيري بغصة ودموع:
أنا فعلاً كسبت الرهان... بس خسرت قلبي! أنا حبيته يا رحمة، وعارفة ومتاكدة إن مامي وبابا هيرفضوا العلاقة ديت. رحمة بحكمة:
مش مهم رأي أي حد، المهم أنتِ عايزه إيه؟ شيري بوهن:
أنا بتصل به كتير، لكن هو مش بيترضى يرد عليا؛ علشان أعتذر له وأعرفه إني بحبه بجد.
مسكت رحمة إيديها وقالت بنبرة دافئة:
بصي يا شيري، اللي أنتِ عملتيه ده طبعا غلط، بس هتقدري تصلحيه لو هو بيحبك بجد. شيري بلهفة:
بيحبني قوي! رحمة:
يبقى خلاص، لازم تروحي تعتذري له، وتكلمي معه، ولو رفض حاولي مرة وٱتنين وثلاثة لغاية ما يسامحك؛ علشان الحب بيجي مرة واحدة في العمر ما بيجيش تاني.
ابتسمت شيري وحضنت رحمة بقوة وهي بتقول:
شكراً قوي، أنا كنت مش عارفة أعمل إيه من غيرك! رحمة بابتسامة حانية وهي تطبطب على ظهرها:
بس لازم الأول تبطلي سهر، وتبعدي عن الشلة ديت، وتهتمي بدراستك. شيري بابتسامة صادقة:
ده اللي هيحصل، يلا تصبحي على خير.
وخرجت شيري من الجناح، وعلى وجهها ابتسامة أمل خفيفة.
نامت رحمة على السرير وهي بتبتسم بحزن على شيري التي نفتقد حنان أبوها وأمها، وده اللي خلاها شخصية ضعيفة، وأصحابها اللي تعرفت عليهم ضيعوها أكتر وخلوها أنانية. غمضت عينيها بتعب وراحت في نوم عميق.
تاني يوم في لندن، كان حسن واقف قدام الشركة بكل هيبة وقوة، ودخل وكانت العيون كلها عليه، وقرب من أنور وسلم عليه، وأنور استغرب إنه عربي:
إيه، مستغرب قوي كده؟ أنور:
أصل كنت فاكر إنه مستثمر أجنبي، ما أعرفش إنك مصري. ابتسم حسن:
ما فيش مشكلة، أنا أحب نتكلم في الشغل. أنور:
طبعاً.
دخلوا المكتب وخلصوا كل الاتفاق، وأنور كان مبسوط إنه هيخلص بسرعة ويرجع بلده. حسن كان بيتعامل بحذر مع أنور وعرفهُ إنه قاعد يومين وهيرجع مصر. أنور حبه جداً وطلب منه إنه يعزمه على الغداء في البيت عنده، وحسن فرح من جواه عشان هيشوف بنته.
تمام، الساعة 7:00 أكون عندك.
خرج حسن والابتسامة على وشه، وأنور كان مبسوط إنه اتعرف عليه. أما في القاهرة، وفي الجامعة، شيري كانت ماشية بتدور على عز في كل مكان وما لقيتوش، ولكن افتكرت المكتبة وراحت بسرعة على هناك، وشافته وهو قاعد بيقرأ في كتاب. قربت منه وقعدت قصاده ومسكت إيديه:
أنا آسفة.
عز رفع راسه وشافها، اتعصب وزق إيديها:
أبِعُد عني أحسن لك! شيري مسكت إيده تاني:
مستحيل أبعد عنك، ولازم تفهم إن أنا ما كانش قصدي حاجة من اللي حصلت، وأنا بحبك.
ابتسم عز بسخرية:
يا ترى رهان جديد؟ ويا ترى بقى هتكسبي إيه؟ شيري بدموع:
أبداً والله، أنا بحبك يا عز وما فيش أي رهان ولا حاجة. عز:
إن شاء الله!
وسابها ومشي، وهي جريت وراه.
أما في الشركة، كانت قاعدة رحمة بتخلص شغلها، ودخلت ليليان وقربت منها:
إيه يا بنتي، أول ما تيجي كده مش تستريحي شوية؟ ابتسمت رحمة:
هو أنا هعرف يعني إيه راحة طول ما العيلة دي ورايا؟ ضحت ليليان:
طيب يا ستي، أخبار البرنسيسة إيه؟ ابتسمت رحمة:
كويسة قوي، لكن اتضايقت قوي وأنا ماشية بسبب دموعها. ليليان:
يا بنتي، أنا رأيي تروحي تعيشي معاها وتسيبي الهم ده وتريحي دماغك. رحمة:
أنا مش هروح أعيش معاها، هي اللي هتيجي تعيش معايا وفي وسط العيلة دي. ليليان:
قصدك إيه؟ رحمة:
بعدين هتعرفي، ممكن بقى نخلص الشغل اللي ورانا؟ ليليان:
حاضر.
أما عند ماجد، كان نايم على السرير والتليفون بيرن باسم "مشيرة". رد بضيق:
في إيه؟ مشيرة بغضب:
فوق كده يا ماجد وتعالي لي ضروري الفيلا، رحمة رجعت واحنا عايزين نحطها قدام الأمر الواقع، المهم تشوف الراجل اللي هيتجوزها ده فين! ماجد وهو مغمض عينيه بنوم:
حاضر، هفوق كده وأجي.
وقفل معاها. سألته أصاله بدلع:
في إيه يا ماجد؟ ماجد شدها لحضنه:
ما فيش حاجة يا حبيبي.
وناموا تاني.
وبعد وقت، وصل حسن فيلا أنور، وهو أصلاً كان قاعد قصاد الفيلا من بعد المقابلة ومستني الميعاد ده بفارغ الصبر. دخل، ووقف أنور رحّب به هو وكريستينا بحرارة، وفي اللحظة دي دخلت تاج هي ونوح بيجروا.
أنور بابتسامة:
بالراحة يا أولاد، هتقعوا!
وقفت تاج وحطت إيديها في وسطها بعفوية:
اعمل إيه؟ نوح مش عايز يسيب لي الشيكولاتة! أنور بجدية مصطنعة:
ليه كده يا نوح؟ أنا قلت لك سيب الشيكولاتة لأختك.
نوح بغضب:
هي اللي كل ما تشوف حاجة في إيديها بتبقى عايزاها! وأصلاً هي مش اختي يا حبيبتي!
ضحك أنور:
طب روحي العبي جوه... أنا آسف جداً يا حيدر بيه.
حسن ما كانش سامع أي حاجة، وعينيه كانت مركزة تماماً مع تاج اللي طالعة نسخة طبق الأصل من حبيبته ومنه هو شخصياً، وكان نفسه يقرب منها بكل جوارحه وياخدها في حضنه عشان يعوض السنين اللي فاتت وهي بعيدة عنه.
رفعت تاج راسها وبصت لحيدر بفضول:
هو مين القمر ده؟ أنور بحرج:
تاج! ما ينفعش كده، روحي العبي في الأوضة اللي فوق.
نزل حيدر لمستواها وابتسم بحنان:
أنا حيدر، وأنتِ مين يا قمر؟ تاج بكل دلع وعفوية:
أنا البرنسيس تاج!
ضحك حيدر بقوة من قلب، وهي اتعصبت بلطفة:
بتضحك على إيه؟! حيدر وهو بيحاول يتمالك نفسه:
أنا آسف جداً، بس فكرتيني بحد أعرفه. تاج بذكاء ودلع وهي بتغمز له:
حبيبتك؟ لمعت عيون حيدر بصدق ووجع خفي وهو بيبص لها:
مش حبيبتي بس... دي عمري كله.
كانت تاج لسه هتتكلم وترد عليه، قرب نوح بسرعة ومسك إيديها:
يلا خلينا نطلع نلعب. تاج بطفولة:
حاضر.
وطلعوا الأطفال تجري لفوق.
أنور باعتذار:
أنا آسف جداً على اللي حصل من الأطفال. حيدر بابتسامة دافئة:
ما فيش أسف ولا حاجة، الأطفال دمهم خفيف، وأنا حبيتم جداً. أنور:
طب كويس قوي، اتفضل بقى عشان الغداء جاهز.
قعدوا كلهم على السفِرة، وكريستينا ندهت للأطفال عشان ينزلوا ياكلوا معهم، وطول الوقت كانت عيون حسن معلقة بتا تاج ومش قادرة تشبع منها ولا تنزل من عليها.
أما في القاهرة، كان الوضع مختلفاً تماماً؛ نور الدين كان قاعد على السفرة والعيلة كلها حواليه، حتى رحمة كانت موجودة.
بصت مشيرة لماجد وقالت بابتسامة مصطنعة:
بجد يا رحمة، البيت كان وحش جداً ومنوروش غير رجوعك. رحمة ببرود:
شكراً يا طنط مشيرة. كملت مشيرة وهي بتوجه كلامها للجميع:
ده حتى ماجد ما حبش يقعد في البيت طول ما أنتِ مش موجودة، وسافر من كتر زعلة!
سابت رحمة معلقة الأكل من إيديها، وابتسمت بسخرية لاذعة:
بجد؟! أصل أنا استغربت أوي لما عرفت إنه كان في الساحل، وقاعد في الشاليه اللي مقفول بقاله كذا سنة!
اتوترت مشيرة وبانت علامة القلق على وشها، لكن ماجد بلع ريقه ورد بسرعة وعصبية خفيفة:
عادي يعني.. ما حبتش أقعد هنا، قلت أقعد هناك شوية عشان أقدر أخرج من الأزمة اللي أنا فيها. رحمة وهي بتضغط على حروفها ببرود:
ويا ترى إيه هي الأزمة اللي خلت الباشا متضايق قوي كده؟
بص لها ماجد وكان لسه هيرد بعصبية واندفاع، لكن مشيرة مسكت إيديه تحت الترابيزة بسرعة لتسكته، وردت هي بدالها بدلع مزيف:
طبعاً يا حبيبتي.. بعدك عنه ده أكبر أزمة! وما تنسيش إن ماجد بيحك.. بيحبك إيه دي كلمة قليلة! ده بيعشقك!
ضحكت رحمة بسخرية وهي بتبص لهم:
والله! عشان كده عايز يجوزني لواحد تاني، وأتطلق منه عشان أرجع له؟
مشيرة بسرعة وهي بتأكد:
أكيييد يا حبيبتي.. ده بيموت فيكِ، وده الحل الوحيد عشان ترجعي بيتك وتبقي في حضنه.
كانت رحمة لسه هتتكلم وترد عليهم بلسان لاذع، لما قطعها صوت نور الدين الحاسم وهو بيخبط على الترابيزة بوقار:
خلاص يا رحمة.. وأنت يا ماجد، شوف العريس ده هيجي امتى عشان نكتب الكتاب ونخلص من الهم ده.
رحمة بصت لجدها بهدوء وقالت:
ما أنا قلت لك يا جدي، إن أنا أقدر أوافق بس بشرط واحد.
نور باهتمام:
وأنا قلت لك، إيه هو شرطك عشان أنفذه لك ونخلص من القرف ده كله؟ رحمة بابتسامة غامضة:
طب كويس قوي إنك مستعد تنفذه.. لو كده، أنا موافقة على الجواز!
لمعت أعين ماجد ومشيرة بابتسامة خبيثة مليانة نصر، وهما حاسين إن اللعبة تمت وخلاص قربوا يوصلوا للي عاوزينه.
