رواية بريئة في حضن الشياطين الفصل الثاني عشر 12 بقلم اميرة خالد


 رواية بريئة في حضن الشياطين الفصل الثاني عشر 

قعد أنور وحسن مع بعض في الجنينة بتاعت الفيلا بيكملوا كلامهم وشغلهم في هدوء، وفجأة ظهرت كريستينا من جوه وهي بتنده بصوت عالي شوية على أنور عشان تلفت نظره لموضوع مهم محتاجه فيه جوه البيت.
قام أنور بسرعة وقال باعتذار لحسن: "معلش يا حيدر بيه، ثانية واحدة وراجع لك ضروري."
استغل حسن الفرصة بسرعة أول ما أنور اختفى، وقرب بخطوات هادية من تاج اللي كانت قاعدة لوحدها بتلعب. نزل لمستواها وشالها بحب وحضنها حضن أبوي دافئ بيعوض فيه كل سنين الشوق والبعد، وهمس جنب إذنها بصوت مليان حنان:

"قريب قوي هتبقي معايا يا تاج."

تاج بضت له باستغراب وبراءة ومش فاهمة هو يقصد إيه بكلامه، لكن حسن ابتسم لها وبدأ يلعب معاها ويهزر بلطف عشان يشتت انتباهها ويفضل قريب منها أطول وقت ممكن.
بعد دقايق، رجع أنور وهو بيعتذر: "معلش معلش، حقك عليا يا حيدر بيه بس كنت في حاجة مهمة لازم أعملها جوه." ابتسم حسن وهز راسه بهدوء: "ولا يهمك يا أنور، مافيش مشكلة خالص."
قعدوا يتكلموا تاني، وفجأة وسط القعدة رن تليفون حسن بصوت عالي. طلّع الموبايل وشاف اسم صاحب عمره بيتصل به، فرّد بسرعة: "خير؟ فيه إيه؟" صاحب عمره بصوت ملهوف: "الحق يا حسن، ماجد اتصل بيك وعمال يسأل عنك وعايزك تيجي له القصر حالاً!"
عقد حسن حواجبه بتفكير وقرر يستغل الفرصة عشان يتحرك، وقال لصاحبه بجدية: "طيب خلاص، احجز لي على أول طيارة طالعة مصر."
قفل حسن التليفون والتفت لأنور بملامح كلها أسف واعتذار، وقال له: "أنا آسف جداً يا أنور بس لازم أمشي دلوقتي حالاً، ورایي ظروف طارئة وسفر ضروري بطيارة الصبح بكره."
حاول أنور يضغط عليه يقعد أكتر بس حسن كان اتحسم أمره، فقام وودعه بشكر، وهو ماشي كانت عيونه مش مفارقة تاج اللي كانت قاعدة بتلعب، وقلبه معلق بيها لحد ما ركب عربيته وطلع على المطار وهو بيعد الساعات عشان يرجع وينفذ وعده.
بعد وقت وصل حسن إلى مصر بعد رحلة قصيرة، وكان في استقباله صديقه سعد. التقى الاثنان ودار بينهما حديث سريع:

​سعد: "أنا عملت كل حاجة يا حسن، ورجعت شريفة وعز وأماني على الحارة."

​حسن باهتمام: "كويس قوي، المهم ما يكونش حد شافهم وأنا غايب."

​سعد بثقة: "عيب عليك، كل حاجة معمول حسابها، أنا وديتهم الساعة 3 الفجر، قبل رجوعك بساعة."

​حسن بجدية: "طب أنا هتحرك وأرجع على الحارة، وبكرة هنشوف إيه اللي هيحصل والخطوة الجاية."

​سعد: "ماشي، يلا عشان أوصلك."

​ركب حسن السيارة مع سعد ليوصله. وفي نفس الوقت، كانت رحمة واقفة في قصرها تجري مكالمة هاتفية مع أنور، وعرفت منه أنه باع الشركة وأنه سينتهي من أماره ليعود إلى القاهرة آخر الأسبوع.

​رحمة: "كويس قوي.. استنى مني تليفون أول ما توصل."

​أنور بنبرة قلق: "أنتِ ناويّة على إيه يا رحمة؟ لو اللي في بالك ده فيه أي خطورة على تاج، بلاش منه."

​رحمة بتأكيد: "لا طبعا، ما تخافش، تاج في أمان.. هي نايمة دلوقتي أصلاً."

​أنور: "أيوه يا ستي نايمة، لعبت كتير النهاردة وماتت من التعب."

​رحمة: "طيب هقفل معاك عشان أنا كمان تعبانة وعاوزة أرتاح."

​أنور: "طب تصبحي على خير."

​رحمة: "وأنت من أهله."

​قفلَت رحمة الهاتف مع أنور، وأغضمت عينيها وهي بتفكر وبتكلم نفسها بهمشة مليانة إصرار: "خلاص يا حسن.. وعد مني بنتك هتعيش في أمان وفي حضني طول العمر." وابتسمت براحة وهي مستعدة للخطوة الجاية.
​أما في الجناح الآخر، وتحديداً في غرفة ماجد، كانت مشيرة واقفة مع ابنها وبتسأله بقلق وتأكيد:

​مشيرة: "أنت متأكد من السواق ده؟ وإنه هيجيبه بكرة زي ما اتفقنا؟"

​ماجد بثقة وخبيث: "طبعا متأكد، اطمئني.. ده أنا حتى هجيب الماذون بنفسي عشان نخلص الموضوع ده بكرة ونحطها قدام الأمر الواقع."

​مشيرة بابتسامة شريرة: "كويس قوي، عشان نرتاح بقى من وجع الدماغ ده."
و

صل حسن إلى الحارة وكان في استقباله شريفة التي استقببته بحضن دافئ وهي تقول بسعادة: "حمد لله على السلامة يا حبيبي." رد عليها حسن بابتسامة: "الله يسلمك يا حبيبتي." واقترب عز وسلم عليه بحرارة، تتبعه أماني التي سلمت هي الأخرى.
نظر إليهم حسن بجدية وقال: "أنتم طبعا فاهمين هتقولوا إيه لأهل الحارة لو حد سألكم عن غيابكم الفترة اللي فاتت؟" تذمرت أماني وقالت بضجر: "ما خلاص بقى يا عم عرفنا، هو وجع دماغ وخلاص! صاحبك يقعد يعيد الكلام مئة مرة!"
ابتسم حسن بشر، وفجأة خلع حذاءه وحدفه عليها بسرعة ليتدارك لسانها الطويل. تفادت أماني الحذاء بصعوبة وابتعدت بسرعة وهي تضحك بصوت عالي وتستفزه: "أحلى إنها ما جتش فيا!" وكان حسن لسه هيقوم وراها، لكنها جريت بسرعة ودخلت غرفتها وهي تضحك. ابتسمت شريفة بحنان وقالت: "ربنا ينصرك عليهم يا ابني." رد حسن بقلوب مطئنة: "يا رب.. أنا هدخل أنام بقى عشان تعبان." فقالت شريفة: "قوم ارتاح يا حبيبي."
وفي صباح اليوم التالي، صحيت رحمة وبدأت يومها بارتداء فستان أنيق وشيك للغاية، ونزلَت بخطوات واثقة لأسفل القصر. قابلها نور الدين باستغراب وهو يسألها: "رايحة فين يا رحمة؟" ردت ببرود وهدوء: "رايحة الشركة يا جدو، محتاج حاجة؟" هز نور رأسه وقال: "أيوه، ما فيش شغل النهارده.. عشان الماذون جاي كمان شوية هو والعريس عشان نخلص." وقفت رحمة مكانها لثوانٍ وقالت بجمود: "طيب يا جدو."
قعدت رحمة على الترابيزة المخصصة للإفطار وطلبت من الدادا بأسلوب هادئ: "هاتي لي قهوة يا دادا." ردت الدادا بسرعة: "حاضر يا بنتي."
كانت رحمة مرتدية نظارة شمسية أنيقة تخفي خلفها عينيها، ومن خلف عدساتها كانت تتابع بتمعن ابتسامات النصر الشماتة المرتسمة على وجوه مشيرة وماجد اللذين كانا يتبادلان النظرات الخبيثة. حدثت نفسها بابتسامة خفيفة مليئة بالثقة: "افرحوا براحتكم دلوقتي.. في الآخر هتعيطوا."
أما في الجامعة، كانت شيري ماشية وراء عز في كل مكان تراقبه بعينين مشتعلة بالغيرة. وأول ما شافته واقف بيتكلم مع إحدى الزميلات، اتعصبت بشدة، وقربت منه بخطوات سريعة، ومسكت إيده بقوة وهي بتقول بحدة: "أنا عايزاك في موضوع مهم حالاً!"
اتعصب عز وزق إيديها بحزم وقال بنبرة واوطية وغاضبة: "اللي أنتِ بتعمليه ده إيه؟ احنا في الجامعة والكل بيبص لنا!"
ردت شيري بتهور وعدم اهتمام: "ما يفرقش معايا حد، ويلا تعالى معايا بدل ما أعمل مصيبة هنا!"
تدخلت البنت اللي كانت واقفة وقالت بنبرة هادية واستنكار: "بالراحة يا آنسة، مش كده خالص!"
التفتت لها شيري بغضب وقالت: "انتِ مالك ومالنا؟ واحدة وخطيبها بيتكلموا، بتدخلي ليه من أساسه؟!"
في الوقت ده، كان عز بيحاول يخبي ابتسامة واسعة طلعت من جوه، وكان ميت من الضحك عليها ومن غيرتها الجنونية، ونفسه في نفس الوقت يمسكها يضربها على جنونها ده. بص للبنت وقال بابتسامة اعتذار: "بعد إذنك يا انسه، هنبقى نكمل كلامنا بعدين."
كانت البنت لسه هتفتح كلام وترد، لكن شيري قاطعتها بقوة وقالت وهي بتشد عز من هدومه: "مش هيحصل يا آنسة، ومش هيكلمك تاني أبداً!" وفعلاً شدت عز ومشيت بيه بعيد عن المكان وسط استغراب الطلاب.
وقف عز فجأة وسحب إيده منها وهو بينفخ بعصبية: "ممكن بقى أفهم إيه قلة الحيا والجنون اللي أنتِ بتعمليه ده؟ أنا اللي المفروض أتعصب وأعمل كده، مش أنتِ! أنتِ بنت المفروض تتكسفي وما تبقيش جريئة بالطريقة دي قدام الناس!"
دمعت عيون شيري وبصت له بكسرة وقالت بصوت مهزوز وهي بتترعش: "أنا مش جريئة... أنا بـ.. بموت من القهرة! أنا بحبك يا عز، وما بحبش أشوف حد بيقرب من حاجة بحبها، اللي بحبه بيبقى ملكية خاصة ليا لوحدي!"
سكت عز تماماً، وتلاشت كل كلمات العتاب اللي كانت على لسانه أول ما سمع كلمة "بحبك"، وجمد في مكانه كأن الكلام وقف في صدره ومش قادري يستوعب غيرها.
شيري بلهفة وعيونها لمعت بالدموع: "قلت إيه يا عز؟ هتيجي تخطبني أمتى؟"
​عز بتوتر وهو بيحاول يهديها: "يا شيري، بالراحة شوية.. اللي أنتِ بتقوليه ده خطوبة إيه بس؟"
​شيري بوجع: "يعني إيه؟ هو أنت بطلت تحبني يا عز؟"
​عز بحيرة: "الموضوع مش كده خالص.. أنا لسه في أول حياتي وببني نفسي، وأنتِ بنت عائلة واضحة ومستحيل تقدري تعيشي معايا في الحارة وتستحملي ظروفي دي دلوقتي، عشان كده بقول لك اصبري عليا شوية."
​ما كملش كلمته إلا ولقى شيري نطت وحضنته بقوة شديدة وقالت بصوت مدمع وصادق: "أنا مستعدة أعيش معاك لو في خرابه يا عز! وهستحمل معاك أي حاجة في الدنيا."
​عز وقف مكانه مذهول ومش مصدق الكلام اللي بيسمعه: "أنتِ بتكلمي بجد يا شيري؟"
​شيري بابتسامة واسعة وهي متمسكة بيه: "طبعا يا حبيبي، وخلاص، أنا قطعت علاقتي بالشلة دي كلها، وهانتبه لدراستك وليك وبس."
​عز بابتسامة حب واضحة: "خلاص، وأنا موافق.. بس ليا شرط صغير."
​شيري بفرحة: "آمرني يا حبيبي."
​عز: "تغيري طريقة لبسك، وتستني لحد ما أكون نفسي كويس."
​شيري بسعادة طاغية: "طبعا يا حبيبي، استناك العمر كله!" ونطت تاني عشان تحضنه بحماس.
​بعد عنها عز برفق وهو بيبتسم بارتباك: "استني بس ما ينفعش كده.. لازم أحافظ عليكِ، وبلاش أحضان عشان أنا ممكن أضعف قدام الحلاوة دي كلها."
​اتكسفت شيري ووشه احمر من الكسوف، فمسك إيديها بحنان وقال: "يلا بقى خلينا نشوف ورانا إيه." وكانت شيري طايرة من السعادة.
​وفي الفيلا، كان الوضع شغال بسرعة غريبة؛ حسن كان قاعد قصاد رحمة في المكتب بعد ما اتفقوا على كل التفاصيل، وبدأ المأذون يكتب الكتاب وسط فرحة مشيرة وماجد اللي كانوا حاسين إنهم انتصروا. أما سليمان فكان قاعد عابس ونافر من الجو كله، فقام وسابهم ومشي بضيق.
​لحد ما جه صوت المأذون بكلمته الأخيرة: "بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير."
​وقفت رحمة بكل ثقة وبصت لهم وقالت ببرود: "كويس.. كده أنا عملت لكم كل اللي أنتم عايزينه.. في حاجة تاني؟"
​نور باستغراب: "أنتِ رايحة فين يا رحمة؟"
​رحمة بجمود: "أكيد رايحة الشغل، مش هقعد في البيت أضيع وقت.. سلام." وسابتهم وخرجت بخطوات ثابتة، وحسن من جوه كان نفسه يقوم يجري وراها ويجيبها من شعرها على طريقتها دي.
​مشيرة بشماتة مصطنعة: "ينفع كده يا عمي؟ دي حتى ما باركتش لجوزها!"
​نور بجدية: "خلاص يا مشيرة، أنا هتصرف معاها لما ترجع."
​بص حسن لنور وقال بابتسامة مصطنعة: "في حاجة تاني يا باشا؟ خلاص خلصنا."
​ماجد بخبيث: "لا يا حسن، بس تعمل حسابك تيجي بكره بدري عشان تطلقها."
​نور قطع كلام ماجد بحسم: "استنى يا ماجد.. اطلع يا حسن استنى في أوضة الضيوف."
​حسن باعتذار: "معلش يا باشا، أمي لسه خارجة من المستشفى وتعبانة، لازم أكون جنبها."
​نور: "طيب يا حسن، بكرة الساعة ستة الصبح تكون هنا."
​حسن بابتسامة خبيثة تحت الهدوء: "حاضر يا باشا." وخرج من الفيلا.
​أما جوه، فوقفت مشيرة بحدة: "ليه يا عمي عملت كده؟ هو أنت نسيت الشرع بيقول إيه؟"
​نور باستنكار: "قصدك إيه يا مشيرة؟"
​مشيرة بتلميح خبيث: "أنت قصدك إنه ينام معاها بصفتها مراته ولا إيه؟!"
​نور بعصبية حط إيده على الترابيزة: "إيه اللي أنتِ بتقوليه ده يا مشيرة؟! أعدلي كلامك!"
​ماجد اتدخل بعصبية واندفاع: "ما هو ده قصدي يا جدي! ازاي عايز رحمة تنام مع البني آدم ده لوحدهم؟!"
​نور بحزم وثبات: "والله ده شرع ربنا، وأنا مش هعمل حاجة تخالف الشرع في بيتي!" وسابهم ودخل المكتب وقفل الباب وراه.
​ماجد بغيظ: "لا.. احنا ما اتفقناش على كده خالص!"
​مشيرة ببرود: "بقولك إيه يا ماجد؟ روح اقعد مع المذيعة بتاعتك دي الليلة دي، وتعالى بكره تكون روقت دماغك."
​ماجد بضيق: "أنا مش هتحرك من هنا!" وطلع على الجناح بتاعه وهو متعصب، ومسك التليفون بسرعة واتصل على حسن، وأول ما رد قاله بتهديد: "بقولك إيه.. لو جيت النهارده، اياك تقرب لرحمة بحرف ولا تقرب منها فاهم ولا لا؟!"
​حسن بنبرة هادئة ومستفزة من جوه: "طبعا يا باشا، فاهم كويس قوي."
​اتنهد ماجد براحة وهمية وقفل السكه في وشه، وقعد على الكرسي وهو بيتوعد لرحمة.
​وفي الشركة، كانت رحمة قاعدة على مكتبها بتفرز أوراقها، وفجأة مسكت التليفون واتصلت على ليليان: "بقولك إيه يا ليليان.. هاتي لي رقم السواق الخاص بتاع ماجد حالا."
​ليليان بقلق: "طب اهدي يا رحمة، أنتِ متعصبة وشكلك ناويّة على بلاوي!"
​رحمة بصوت حاسم وعيون بتلمع بالشر: "مش وقتك خالص يا ليليان، هاتي الرقم بسرعة!"


تعليقات