رواية لؤلؤة الدنجوان الفصل الحادي عشر 11 بقلم نور محمد


 رواية لؤلؤة الدنجوان الفصل الحادي عشر 


دوى أزيز الرصاص في أرجاء القصر الفخم كزئير وحوش كاسرة أُفلتت من أقفاصها، واختلطت رائحة البارود الخانقة برائحة الموت التي خيمت على المكان. في تلك الثواني التي بدت كأعوام، لم تشعر لؤلؤ بشيء سوى بثقل جسد هشام الضخم الذي ألقى بنفسه فوقها، محتضناً إياها بقوة سحقت أضلعها، دافناً وجهها في صدره ليحجب عنها رؤية الجحيم الذي اندلع حولهما.

توقف إطلاق النار فجأة، وحل مكانه صمت مرعب، صمت أثقل من صوت الرصاص نفسه.

كانت لؤلؤ ترتجف أسفل جسد هشام، أنفاسها متقطعة، وعقلها يرفض استيعاب ما حدث. شعرت بقطرات دافئة ولزجة تتساقط على عنقها. اتسعت عيناها برعب قاتل، والدم يتجمد في عروقها.

“هشام…” همست بصوت خرج كحشرجة ذبيح. “هشام… رد عليا والنبي!”

تحرك الجسد الثقيل فوقها ببطء، واستند هشام على ذراعه السليمة ليرفع نفسه عنها. كان يتنفس بصعوبة، ووجهه الوسيم شاحباً، بينما الدماء تنزف بغزارة من جرح غائر في كتفه الأيسر، ملوثة قميصه الأبيض الحريري.

“أنا… أنا كويس يا قلب هشام،” قالها بصوت أجش متقطع، وهو يتفحص وجهها ويديها بلهفة مجنونة ليتأكد أنها لم تُمس بسوء. “إنتي فيكي حاجة؟ الرصاصة لمستك؟”

لم تجب لؤلؤ، بل انهارت في نوبة بكاء هيستيرية، ورفعت يديها المرتجفتين لتضغط على جرح كتفه النازف محاولة إيقاف الدم. “إنت بتنزف! إنت أخدت الرصاصة بدالي يا هشام! ليه عملت كده؟ ليه؟!”

“عشان إنتي روحي… وفي حد يقدر يعيش من غير روحه؟” ابتسم بشحوب رغم الألم الذي ينهش كتفه.

نهض طارق، رئيس الحرس، من خلف أحد الأعمدة، ووجهه ملطخ بالدخان، وركض نحوهما. “هشام بيه! إنت مصاب! الإسعاف بسرعة!”

التفت هشام ببطء وصعوبة، ليرى المشهد خلفه. كان حراسه قد أبادوا حراس سليمان المنشاوي في ثوانٍ معدودة. وفي منتصف القاعة الرخامية، كان سليمان المنشاوي ممدداً غارقاً في بركة من دمائه، وعيناه مفتوحتان بجمود الموت. لقد حاول قتل ابنة دمه، فكان جزاؤه رصاصات حراس الشافعي التي مزقت جسده قبل أن يرتد إليه طرفه.

نظر هشام إلى جث\ة غريمه ببرود جليدي، ثم وجه حديثه لطارق بصوت حازم رغم إصابته: “مفيش إسعاف هتدخل القصر. كلم دكتور العيلة يجيلي الجناح فوراً. وعادل يتصرف مع الجثث دي ويقفل الموضوع مع البوليس… التار خلص النهارده يا طارق، ومات مع صاحبه.”

أحاط هشام خصر لؤلؤ المنهارة بذراعه السليمة، ونهض بصعوبة. أبت لؤلؤ أن تتركه، فأسندت جسده الضخم على كتفها النحيل، وسارت معه خطوة بخطوة نحو الأعلى، ودموعها لا تتوقف، بينما عيناها ترفضان النظر إلى ج\ثة عمها الذي لم تعرفه إلا كقاتل أراد سلبها حياتها.

في الجناح الملكي، كان التوتر يسيطر على الأجواء. أنهى الطبيب الخاص تنظيف الجرح وخياطته. كانت الرصاصة قد اخترقت اللحم في الكتف ولم تستقر، مما أنقذ هشام من جراحة معقدة، لكن الألم كان مبرحاً.

“الجرح محتاج راحة تامة يا هشام بيه،” قال الطبيب وهو يغلق حقيبته. “وممنوع أي انفعال أو حركة مفاجئة.”

بمجرد أن غادر الطبيب، التفت هشام ليبحث عنها بعينيه. كانت لؤلؤ تقف في زاوية الغرفة، تضم ذراعيها إلى صدرها، وترتجف بشدة. فستانها الأسود ملطخ بدمائه، وعيناها مثبتتان على الأرض في ضياع تام.

تجاهل هشام تعليمات الطبيب وألمه، ونهض ببطء. اقترب منها حتى وقف أمامها، ورفع ذقنها بإصبعه ليلتقي بعينيها الباكيتين.

“بتعيطي على إيه دلوقتي؟” سألها بصوت دافئ، مليء بالحنان الذي لا يظهره لأحد سواها. “الخطر راح، والعدو مات، وأنا واقف قدامك زي الفل أهو.”

“بعيط على نفسي… وبعيط عليك،” شهقت لؤلؤ وألقت بنفسها في حضنه، متجنبة كتفه المصاب، ودفنت وجهها في صدره العاري. “عمي… لحمي ودمي… كان عايز يقتلني لمجرد إني اخترتك. عيلتي الحقيقية طلعت وحوش، وإنت اللي المفروض عدوهم، إنت اللي فديتني بروحك وتلقيت الرصاصة في صدرك. أنا حاسة إني تايهة يا هشام.”

لف ذراعه السليمة حولها، وشدد من عناقها حتى تلاشت المسافات بينهما. مسح على شعرها الفاحم بحركة بطيئة ومهدئة.

“الدم عمره ما كان بالاسم ولا بشهادة الميلاد يا لؤلؤ،” همس في أذنها بصوت عميق، يقطر يقيناً. “الدم الحقيقي هو اللي بيغلي في عروقك لما تشوفي اللي بتحبيه بيتألم. أهلك هما اللي بيحموكي، اللي بيسندوا ضهرك لما الدنيا تميل. سليمان مات، وعيلة المنشاوي انتهت من قاموسنا للأبد. إنتي دلوقتي لؤلؤ الشافعي، وبس.”

رفعت رأسها لتنظر إليه. كانت ملامحه حازمة، وعيناه تفيضان بعشق خالص مسح كل مخاوفها. رأت في عينيه وطناً كاملاً يتسع لها وحدها.

مدت يدها المرتجفة، ولمست خده برفق، ثم مررت أناملها على صدره وصولاً إلى الضمادة البيضاء التي تغطي جرحه. انحنت ببطء، وطبعت قبلة رقيقة، مليئة بالدموع والامتنان، فوق موضع الجرح.

أغمض هشام عينيه، وأطلق تنهيدة حارة. لمستها كانت كالسحر الذي يسكن الألم ويشعل نيراناً من نوع آخر في جسده.

“روحي خدي دُش دافي يريح أعصابك،” قال هشام وهو يفتح عينيه المظلمتين، محاولاً السيطرة على مشاعره الجياشة. “واقلعي الفستان اللي مليان ريحة موت ودم ده… النهارده إحنا اتولدنا من جديد.”

بعد ساعة، خرجت لؤلؤ من الحمام. كانت ترتدي ثوب نوم من الحرير الأبيض الناصع، محتشم لكنه ينسدل بنعومة ساحرة على قوامها النحيل، مبرزاً رقتها وجمال بشرتها السمراء المتوهجة. تركت شعرها الفاحم المبلل قليلاً منسدلاً بحرية على كتفيها، وتفوح منها رائحة الياسمين العطرة التي تخدر حواس هشام.

كان هشام مستلقياً على السرير الوثير، يستند بظهره على الوسائد، وصدره العريض نصف عارٍ. بمجرد أن وقعت عيناه عليها، توقف الزمن.

كيف استطاعت هذه الفتاة البسيطة أن تسحره بهذا الشكل المجنون؟ هو الدنجوان، الذي ركعت له ملكات الجمال، الذي لم يعرف قلبه طريقاً للحب، يجد نفسه الآن متيماً، عاشقاً حد الهوس بفتاة سمراء، هادئة، أذابت كل حصون غروره ببرائتها.

اقتربت لؤلؤ من السرير بخجل، وجلست بجواره بحذر كي لا تؤلمه. “لسا في وجع؟ أجبلك مسكن؟” سألت بصوت رقيق.

ابتسم هشام ابتسامة جذابة أذابت قلبها، ومد يده السليمة ليمسك بيدها، ويسحبها برفق لتستلقي بجواره، واضعاً رأسها على صدره في الجهة السليمة.

“دوايا كله في حضنك،” همس وهو يدفن وجهه في خصلات شعرها، يستنشق عطرها بعمق.

رفعت لؤلؤ رأسها قليلاً لتنظر في عينيه. كان الضوء الخافت في الغرفة ينعكس على ملامحه الرجولية الحادة، مما زاده وسامة وجاذبية.

“أنا بحبك أوي يا هشام…” انزلقت الكلمة من بين شفتيها بعفوية وصدق مطلق، وكأنها تتنفسها. “بحبك لدرجة إني مستعدة أفديك بعمري زي ما فديتني. إنت مش بس جوزي، إنت دنيتي كلها اللي عوضتني عن يتمي وضعفي.”

لم يحتمل هشام المزيد. تحطمت آخر أسوار تماسكه أمام نظرة عينيها الصافية واعترافها المزلزل. انحنى نحوها، وأحاط وجهها بيده، والتقط شفتيها في قبلة عاصفة، عميقة، وممتلئة بشغف مهلك. لم تكن قبلة هادئة، بل كانت جائعة، متملكة، تخبرها بلا كلمات أنها ملكه وحده، وأن العالم بأسره لن يجرؤ على الاقتراب منها.

بادلته لؤلؤ القبلة بخجل في البداية، لكن حرارة أنفاسه وعشقه المتدفق جعلاها تستسلم تماماً لطوفان مشاعره. لفت ذراعيها برقة حول عنقه، وتخللت أصابعها في شعره الكثيف، مما جعل هشام يزمجر بخفوت متجاهلاً ألم كتفه تماماً.

انتقل هشام بقبلاته المحرقة إلى عنقها ووجنتيها، يهمس لها بكلمات غزل وعشق لم ينطق بها لسواها في حياته.

“إنتي سحرتيني يا لؤلؤة قلبي،” همس بصوته المبحوح والمثير بجوار أذنها، مما جعل قشعريرة لذيذة تسري في جسدها. “غروري، كبريائي، قوتي… كلهم نزلوا على ركبهم قدام حتة بنت سمرا رقيقة زيك. بقيت بشوف الدنيا بعيونك، وبقيت بتنفس عشان أسعدك.”

“إنت اللي علمتني إزاي أحب، وإزاي أكون قوية بيك،” همست وهي تداعب صدره الصلب بأناملها. “إنت الأمان اللي كنت بتمناه.”

في تلك الليلة، وفي هدوء جناحهما الخاص، ذابت كل الآلام، وتلاشت كل العداوات والدماء. لم يكن هناك ماضٍ مظلم ولا ثأر قديم. كان هناك فقط عاشقان، تعانقت أرواحهما في لوحة فنية من العشق الخالص والمشاعر الجياشة.

تحول الدنجوان القاسي والمغرور إلى عاشق حنون ومتيم، يعامل زوجته وكأنها أثمن جوهرة في الوجود، يلمسها برقة تتناقض مع قوته الجسدية، ويثبت لها مع كل همسة ولمسة أنها التاج الذي زين حياته. وكانت لؤلؤ تذوب بين يديه، تسلمه روحها وقلبها بثقة عمياء، لتعلن ولادة عهد جديد من الحب الذي انتصر على الموت والدم.

في الصباح التالي، استيقظت لؤلؤ لتجد أشعة الشمس الذهبية تتسلل عبر النوافذ. نظرت بجوارها، لتجد هشام نائماً بسلام، وذراعه لا تزال تحيط بخصرها بتملك حتى في نومه.

تأملت وجهه طويلاً. لقد انتهت الحرب، واندثرت أسرار الماضي. هي لم تعد يتيمة، ولم تعد خادمة، ولم تعد منشاوي… هي الآن، وإلى الأبد، لؤلؤة الشافعي التي لا تقدر بثمن.

ابتسمت بسعادة حقيقية لأول مرة في حياتها، وأسندت رأسها على صدره من جديد، تستمع لنبضات قلبه التي أصبحت تعزف لحن حياتها الجديد، موقنة أن قصة حبها مع هذا الدنجوان ستظل الأسطورة الأجمل في عالم لا يعرف سوى القسوة.


تعليقات