رواية عناد الصقر الفصل الثاني عشر
زين مكنش حاسس بأي حاجة غير صوت دقات قلبه اللي بتضرب في ضلوعه بقوة
إيديه قابضة على الدركسيون لحد ما عروقه برزت وعينيه الرمادية مركزة على الطريق بس عقله مكنش في الشارع عقله كان بيعرض شريط ذكريات الأسبوع اللي فات كله في ثواني
عنادها ضحكتها بيجامتها اللي عليها قطط فنجان القهوة اللي بالفلفل ريحة اللافندر اللي بتسبقها ودموعها امبارح وهي واقفة مكسورة قدامه وهو بكل قسوة الدنيا بيقولها متدخليش في حاجة مش تخصك
ضرب الدركسيون بإيده بقوة وهو بيجز على سنانه
غبي غبي يا زين كبريائك كان هيضيعها منك للأبد الصقر اللي كان فاكر نفسه طاير فوق الناس طلع أعمى ومبيشوفش
كل ثانية بتعدي كانت بتسحب من روحه لو القطر اتحرك لو رجعت القاهرة لو قررت تقفل الباب اللي هو كسره امبارح زين الرضوان لأول مرة في حياته عرف يعني إيه رعب الفقد
محطة قطار الأقصر
الساعة 8 25 صباحاً
المحطة كانت زحمة دوشة أصوات البياعين وصافرة القطر اللي بيستعد للقيام بتشق الهوا
أيسل كانت واقفة على الرصيف ماسكة شنطة سفرها الصغيرة بإيد بتترعش خفيف
لابسة جاكيت خفيف فوق هدومها وشعرها ديل حصان ووشها
وشها كان باهت كأن حد سحب منه الألوان
نيرمين حطت إيدها على كتف بنتها بحنية
أيسل القطر قدامه خمس دقايق ويتحرك متأكدة إنك مش عايزة تستني شوية يمكن يمكن ييجي
أيسل بلعت الغصة اللي سادة حلقها ورفعت راسها بكبرياء عيلة الرضوان اللي بيجري في دمها وقالت بصوت حاولت تخليه ثابت
ييجي يعمل إيه يا ماما يطردني تاني يقولي تاني إني حشرية ومش بخصه لا يا ماما أنا أيسل طارق أنا اللي بمشي بمزاجي ومبستناش حد قالي في يوم إني بره حياته
نيرمين اتنهدت بحزن على بنتها اللي العناد بياكل في قلبها بس سكتت لأنها عارفة إن ده وقت الكرامة والكرامة عند أيسل مبتتجزأش
صوت الميكروفون في المحطة دوّى
القطار المتجه إلى القاهرة على السادة الركاب سرعة التوجه لأماكنهم
أيسل غمضت عينيها ثانية خدت نفس عميق محمل بريحة تراب الأقصر ريحة السرايا ريحة زين
وفتحت عينيها ورفعت شنطتها
يلا يا ماما رحلتنا هنا خلصت
خارج المحطة
الساعة 8 28 صباحاً
فرامل قوية جداً خلت العربية تلف نص لفة قبل ما تقف بزاوية عشوائية قدام باب المحطة مباشرة
زين منزلش من العربية هو فط منها
ساب الباب مفتوح وساب المفاتيح جوه ومحسش بأمن المحطة اللي بيزعقله عشان ركنته الغلط
دخل المحطة بيجري
زين الرضوان ببدلته الرسمية وهيبته اللي بترعب بيجري وسط الناس زي المجنون
بيزق ده ويعدي من ده وعينيه الرمادية بتمسح الرصيف زي الصقر اللي بيدور على فريسته أو بمعنى أصح الصقر اللي بيدور على روحه
القطر بدأ يطلع صوته الأخير والعجل بدأ يتحرك ببطء شديد على القضبان
زين وصل للرصيف بص يمين شمال مفيش
الناس بتركب والأبواب بتتقفل
قلبه وقع في رجليه
مشيت راحت ضيعتها
وفجأة
لمحها
كانت واقفة على باب عربية القطر رجليها على السلم بتلف تبص بصه أخيرة على المحطة قبل ما تتدخل
كل حاجة حوالين زين سكتت
صوت القطر دوشة الناس نداء الميكروفون كله اختفى
مبقاش في غيرها
وبأعلى صوت طلع من صدره صوت شق زحمة المحطة كلها
أيـــســــــل
لحظة المواجهة
أيسل اتنفضت
الصوت ده الصوت اللي بيعمل زلزال في كيانها
لفت ببطء ووقفت متسمرة على سلم القطر
زين كان بيقرب منها بخطوات سريعة بينهج شعره متبهدل على جبهته الجرافته بتاعته مفكوكة وعينيه
عينيه كان فيها رجاء لأول مرة في حياتها تشوفه
وقف قدام باب القطر وهو بيرفع راسه يبصلها وهي على السلم
كان بياخد نفسه بصعوبة صدره بيعلى ويهبط وقال بصوت متقطع
انزلي
أيسل قلبها كان بيدق بسرعة إيديها على مقبض الباب العناد كان أقوى
بصتله ببرود ظاهري وقالت
القطر بيتحرك يا زين عن إذنك
وجت تلف عشان تدخل
زين مد إيده بسرعة البرق ومسك إيدها اللي على المقبض بقوة خلتها تقف
قولتلك انزلي يا أيسل مش هتمشي
أيسل لفتله وعينيها بتلمع بدموع الغضب المكتوم
أنزل ليه عشان تقولي تاني متدخليش في اللي ميخصكيش عشان تكسرني تاني إنت مفكرني إيه يا زين مفكرني لعبة تسيبها وقت ما تحب وترجعلها لما تفضى
القطر بدأ سرعته تزيد شوية
نيرمين من جوه القطر مسكت شنطتها ونزلت بسرعة على الرصيف عشان تسيبهم لوحدهم وتشوف النهاية إيه
زين سحب أيسل من إيدها بقوة ونزلها من على سلم القطر على الرصيف في نفس اللحظة اللي الباب قفل فيها والقطر مشي
أيسل حاولت تسحب إيدها بانفعال
إنت مجنون القطر مشي إنت إزاي تعمل كده سيب إيدي
زين مسبش إيدها بالعكس شدها عليه أكتر لحد ما بقت المسافة بينهم معدومة
عينيه اخترقت عينيها وقال بصوت مليان صدق ووجع
عشان كنت غبي عشان كنت حيوان ومبفهمش عشان الماضي كان عميني وخايف يكسرني تاني
أيسل سكتت الصدمة من اعترافه المفاجئ لجمت لسانها بس دموعها خانتها ونزلت
زين رفع إيده التانية وبصوابعه اللي بتترعش مسح دمعتها
التحليل طلع سلبي يا أيسل الواد مش ابني رنا كدبت تاني كدبت عشان ترجع وتدمرني من جديد
وامبارح لما قولتيلي رايح فين مقدرتش أقولك الحقيقة عشان مكنتش عايز ألوثك بالقذارة دي كنت خايف لأول مرة في حياتي كنت مرعوب إني أقولك حاجة تندمك إنك عرفتيني
أيسل بصوت مخنوق وشهقات مكتومة
بس إنت قولتلي مش تخصك الكلمة دي وجعتني أوي يا زين وجعتني أكتر من وجودها
زين سند جبهته على جبهتها في وسط المحطة وسط الناس ولا همه هيبته ولا كبريائه وقال بهمس حرق قلبها
إنتي مش تخصيني وبس يا أيسل إنتي بقيتي كلي إنتي بقيتي النفس اللي بطلعه إنتي دخلتي سرايا الرضوان في أسبوع هديتي كل الجدران اللي بنيتها في سنين
الصقر اللي الناس بتخاف منه جناحته اتكسرت على عتبة شرفتك... وإنتي بتحطيلي فلفل أسود في القهوة
أيسل غمضت عينيها ودموعها بتنزل بغزارة بس ابتسامة صغيرة غصب عنها بدأت تترسم على شفايفها وسط العياط
زين كمل وهو بيبص في عينيها مباشرة وعينيه هو كمان بتلمع
أنا بحبك يا أيسل بحبك لدرجة إني جريت زي المجنون في الشارع عشان مأخسركيش أنا مقدرش أنسى ومش هنسى ومش هخليكي تمشي فاهمة
أيسل سحبت نفسها شوية وبصتله بعنادها المعهود اللي رجع يلمع في عينيها من تاني وقالت بطفولة ممزوجة بكبرياء
يعني إنت معترف إنك كنت غبي
زين ضحك ضحكة صافية من قلبه ضحكة رنت في المحطة كلها
معترف إني كنت أغبى خلق الله
أيسل ربعت إيديها قدام صدرها
ومين اللي كسب التحدي ومين اللي عناده طلع أقوى
زين رفع إيديه الاتنين باستسلام كأنه متهم
إنتي يا ستي عنادك كسب كبريائي بالضربة القاضية أنا مستسلم تماماً
ابتسمت أيسل ابتسامة واسعة نورت وشها كله وقبل ما ترد
صوت نهجان فظيع وكحة جاية من وراهم
التفتوا هما الاتنين
كان مروان
واقف ساند إيديه على ركبه وشه أحمر زي الطماطم وبينهج كأنه طالع جبل إفرست
يا يا ولاد الـ يا ظَـ ظَلمة
زين بذهول مصطنع
مروان إنت إيه اللي جابك
مروان وهو بيشاور بإيده ومش قادر يتكلم من النهجان
إيه اللي جابني إنت نسيت انت اللى قولتلى اجى
إنت أخدت عربيتك وطرت وأنا ركبت تاكسي والسواق السواق طلع أعمى ومبيشوفش وضيعنا في السكة و وجريت نص كيلو عشان ألحق الفيلم الرومانسي ده
أيسل مقدرتش تمسك نفسها وانفجرت في الضحك لحد ما عينيها دمعت تاني
مروان اتعدل وهو بيمسح عرقه وبص لزين اللي كان محاوط خصر أيسل بإيده ومبتسم
ها تمت بحمد الله الصقر وقع ولا لسه بيعافر
زين بص لأيسل نظرة كلها عشق وشدها عليه أكتر وقال لمروان بثقة
الصقر لقى عشه يا مروان ومبقاش عايز يطير تاني
نيرمين اللي كانت واقفة بعيد بتراقبهم مسحت دمعة فرحة من عينيها وابتسمت وهي بتدعي لطارق جوزها إنه يقوم بالسلامة ويشوف بنته اللي لقت عوضها في أكتر إنسان كان رافضه
مروان صفر تصفيرة إعجاب عالية
الله أكبر طب يلا يا عم روميو إنت وجوليت الصعيد السرايا مقلوبة وجدي عثمان مستنيكم وفريدة كلت ضوافرها من القلق يلا نرجع
زين وطى راسه لمستوى ودن أيسل وهمس بصوت دوب كيانها
نرجع السرايا ولا تحبي نهرب
أيسل بصتله بعينين بتلمع بالحب والتحدي
نرجع السرايا يا زين بيه لسه حسابك معايا مخلصش على الطريحة بتاعت امبارح
زين ضحك وهو بياخد الشنطة من إيدها
أنا راضي بأي حكم تحكميه يا ضوء القمر يلا بينا
ومشيوا مع بعض إيده متشابكة في إيدها بقوة
خطوتهم واحدة
راجعين للسرايا
بس المرادي مش أيسل وزين اللي بيتحدوا بعض
المرادي الصقر اللي اتعلم يحب
والعنيدة اللي روضت قسوته
