رواية ظنها دميه بين أصابعه الفصل المائة والواحد والثلاثون
عندما تتوالى عليك الصدمات وتثقل عليك الهموم ولا يكون العجز إلا حليفك، تصبح نسخة أخرى من نفسك؛ نسخة لا تشبهك.
ارتجفت أوصال ليلى وتطلعت إليه بنظرة مذعورة وهي تراه يمد يديه ويحاول أخذ الهاتف منها بطريقة عنيفة ويصيح عليها في غضب:
ـ قلت لك هاتي التليفون يا ليلى.
ارتعشت شفتا ليلى وضمت الهاتف إلى صدرها بخوف بائن:
ـ ليه عايز التليفون يا عزيز؟
أحتدت أعين عزيز بنظرة مرعبة، نظرة جعلت جسدها ينتفض ولسانها يتمتم بقهر:
ـ أنت كل يوم بتثبت لي إنك بقيت نسخة لراجل بشع يا عزيز، ليه بتعمل فيا كده؟ أنا فقدت خلاص الأمان معاك.
توقفت يدا عزيز في الهواء واهتزت أجفانه، فأردفت في حسرة:
ـ أقولك أنا ليه أنت بتعمل معايا كده...
وبأنفاس هادرة واصلت كلامها الذي لم يكن إلا سهاماً تصوب بجدارة في صدره:
ـ لأني ماليش أهل اتحامى في ضهرهم يا عزيز، أنا مجرد واحدة أنت أكرمتها في بيتك عشان عمها الراجل الطيب اللي عاش حياته هو ومراته يخدموك، ولما حليت في عينك قلت تتجوزني؛ ما أنت راجل بتخاف ربنا، لكن فين ربنا في حساباتك معايا دلوقتي وأنت كل يوم بتقهرني على نفسي؟ أنا بكرهك يا عزيز.
لم تدعه يستوعب ما تخبره به بعد أن ألقت ما بجبعتها مرة واحدة ، وأردفت وهي تحاول فتح باب السيارة المغلق:
ـ افتح الباب خليني أنزل، أنا خلاص قررت أخرج من حياتك وأرجع لدفا البيت اللي اتربيت فيه.
ـ ليلى، أنتِ بتعملي إيه؟
خرج الكلام منه بتلعثم وهو يجذبها إليه حتى تتوقف عن انفعالها.
ـ أبعد إيدك عني، أنا مبقتش طايقة حتى لمستك ليا.
أسرع عزيز في تكبيلها بذراعيه ليتحكم في حركتها:
ـ ليلى حبيبتي، أهدي أرجوكِ، والله ما كان قصدي أنفعل عليكي...
استشاطت ملامح وجهها غضباً وأخذت تدفعه عنها قائلة بصياح:
ـ أبعد عني وافتح لي الباب، أنا عايزه أمشى من هنا، مش عايزه أعيش معاك خلاص، أنت حياتك كلها سجن وأوامر، أنا عايزه أرجع ليلى القديمة، ليلى اللي كان نفسها تعيش حياة هادية زي حياة أهلها وتكون ليها عيلة صغيرة، كان نفسي تطلع زي بابا حامد وأكون أنا زي ماما عائشة.
وأجهشت في البكاء بعد أن اقتحمت ذاكرتها تلك الحياة الجميلة مع تلك العائلة التي رغم بساطة حالهم إلا أنهم علموها كيف يكون الحب والعطاء.
ـ أنت خلتني زي دمية في حياتك، دمية عرفت تشكلها صح، أنا معاك بقيت أخاف من الناس ومن بكره يا عزيز.
أحتضنها عزيز بقوة إلى صدره متسألاً:
ـ أنا طلعت وحش أوي كده يا ليلى...
عضت على طرف شفتها السفلى حتى تسيطر على دموعها، ثم التفتت بوجهها إليه قائلة:
ـ عارف يعني إيه أكون نايمة في حضنك وأنت بتسأل نفسك أمتى هكون ست خاينة وأكون نسخة من سمية هانم؟ عارف يعني إيه تكون بجسمك معايا وفي عقلك سؤال: أمتى أخونك؟
اقتطع حديثها بقبلة خاطفة وضعها على شفتيها:
ـ آسف، آسف، حقك عليا يا ليلى، أنا هفضل طول عمري أعتذر منك، أنا ندمان أوي يا ليلى وحاسس إن عمري ضيعته هدر وتعبت خلاص ونفسي أرتاح.
وبصوت متحشرج أردف وهو يمرر أصابعه على خديها ويمسح دموعها:
ـ عزيز اللي قدامك دلوقتي راجل مهزوم من كل حاجة في الحياة، وغصب عني صرخت عليكي من غير سبب، بس قوليلي أعمل إيه وأنا عقلي كله في الكارثة اللي عرفتها النهاردة وطلعتي أنتِ على علم بيها ومخبياها عليا؟
اتسعت حدقتاها مع ابتلاع ريقها وتساءلت بتلعثم أكد له أنها بالفعل على علم بها:
ـ كارثة إيه؟
أزاح عزيز يديه عن وجهها ثم تنهد وهو يشيح عيناه عنها:
ـ أنتِ كنتي بتراسلي شهد ولا سيف؟
ارتبكت ليلى من سؤاله وقد فهمت سبب ثورته عليها فجأة، فتابع عزيز كلامه بعد أن استند برأسه على عجلة القيادة:
ـ قوليلي أعمل إيه يا ليلى، أنا جردت سيف من كل حاجة يملكها وقررت أطلب إيد شهد له، بس يا ريت عايدة ترضى بابن أخويا.
أطلقت ليلى زفرة طويلة تحمل الارتياح عن أمر كان إخفاؤه شاقاً عليها:
ـ عرفت من مين يا عزيز؟
رفع عزيز رأسه ثم نظر إليها:
ـ سيف، حب يريح ضميره وجيه بنفسه يقولي، وكأني ناقص صدمة فيه زيادة!
أخفضت ليلى رأسها حتى لا يرى نظرة السخرية التي برقت في عينيها بعد أن أخبرها عن صدمته في سيف، وتساءلت في نفسها:
" ماذا سيحدث له إذا علم بما كان يسعى إليه ابن شقيقه معها؟.. فهو في فترة ما أراد أن يثبت له بأن جميع النساء يشبهون والدته وأنها مثلها خائنة."
ـ ليه مقولتيش ليا يا ليلى، ليه خبيتي عني؟
زفرت أنفاسها بفتور ثم وجهت أنظارها نحوه وأجبته ساخرة:
ـ أنت مكنتش موجود في حياتي الفترة دي يا عزيز، كنت هاجرني وبتعاملني أسوء معاملة، تفتكر هاجي ليك وأقولك: ابن أخوك حاول يعتدي على بنت عمي اللي اتربيت في بيتك وعلى إيدك؟!
وابتعت حديثها باستهزاء لاذع:
ـ أنت عملت مني زوجة جبانة بتخاف تجري على جوزها أول واحد وتشتكيله من أذى الدنيا والناس.
انتفض قلب عزيز بوجل وتساءل بصوت مهزوز :
ـ هو أنا للدرجادي طلعت زوج وحش أوي يا ليلى؟
انفرجت شفتيها عن ابتسامة لم يفهمها ثم أشاحت بوجهها عنه.
ـ ليلى، بصي لي أرجوكي.
تمتم بنبرة صوت تعبة.
ـ خلينا نروح من فضلك يا عزيز، ميعاد دوا مرات عمي قرب وأنا لازم أطمن أنها أخدته.
....
وقفت سما بمشاعر متخبطة بعد أن انصرف والداها وعمتها من الغرفة وأخبروها أن تقوم بدورها مع زوجها.
قصي، زوجها... أمر لم تعتاده حتى هذه اللحظة، فهي ما زالت تعتبره ابن العم الذي يحتل منزلة الأخ.
ـ الحقير بيعاند معايا ويقولي مش هطلقها، بهدل أختي ومرمطها معاه ويقولي بحبها!
وأردف بغضب وهو يمرر يده على جرح شفتيه:
ـ الغبية إزاي تفكر تحمل منه؟ بقى أنا أكون خال لطفل من راجل زي ده؟!
وتوقف عن حديثه فجأة، ثم اتجهت عيناه نحوها:
ـ أنتِ مخرجتيش معاهم ليه؟ مش قلت مش عايز حد في الأوضة؟
صراخه أفزعها، لكن سرعان ما استوعبت انفعاله عليها دون سبب، وهي التي تريد أن تقوم معه بمهام لا تناسبها.
تنهد قصي وهو يفرك فروة رأسه بعنف من شدة خنقته، وقال بصوت مبحوح:
ـ سما، من فضلك أخرجي، أنا عايز أفضل لوحدي لأني ممكن أخرج عصبيتي عليكي.
عقدت سما حاجبيها بتفكير، ورغم ضيقها من صراخه إلا أنها وجدت نفسها تحثها على التحمل.
ـ سما، أنا محتاجك أوي.
وفجأة لم يشعر قصي بنفسه وهو يعبر عن احتياجه لها بعد أن كان يدفعها للخروج من الغرفة والأبتعاد عنه.
انخلع قلبها عند رؤيته يجهش بالبكاء كطفل صغير. اندفعت إليه وأحتضنته بكل قوتها، ورغماً عنها كانت تبكي معه؛ فالمصاب ليس سهلاً على العائلة، وبالأخص عليه هو.
ـ بابا مات يا سما، سيادة المستشار هشام الرفاعي مبقاش خلاص موجود وسطينا.
أعتصر الألم فؤادها عند اختراق سمعها حقيقة موت عمها من فمه بتلك القهرة.
ـ أبكي يا قصي، ساعات كتير البكا بيريحنا.
...
توقف مراد مكانه مدهوشاً ليس من رؤيتها الليلة، بل من وقوفها أمامه بهذا الضعف، فـ زينب لا يصورها له عقله إلا بالطفلة الصغيرة التي كانت تركض ضاحكة بدراجتها ووالدها يركض وراءها صائحاً بأن تنتبه على الطريق، أما جدتها العجوز تفترش الملاءة على أرضية الحديقة وتضحك على أفعالهم أو تناديهم أن يأتوا قربها ويتناولوا الطعام.
عائلة بسيطة كان يتابعها بأعين طفل اقترب من سن المراهقة يسأل نفسه:
" لماذا لم يملك حياة كتلك مع والديه؟ والجواب كان واضحاً؛ هو ابن عدنان الهتيمي، وابن امرأة مغيبة وتعيسة كانت السبب في سرقة سعادة تلك العائلة."
ـ عملت فيا إيه؟ هي كانت بتكرهني من ساعت ما بابا دخلها حياتنا، أخدت مني كل حاجة حلوة.
قبض مراد على يديه في صمت مطبق، فاقتربت منه زينب أكثر وهتفت بتوسل:
ـ قولي حصل إيه وريحني...
وتفاصيل هذا اليوم كانت في جبعة مراد وأشرقت.
ـ أشرقت قالت لي أسألك أنت، ريحوني بقى.
نبرة صوتها اليائسة ومظهرها المحطم جعله يرغب بالفرار من أمامها، لكن عندما سقطت على ركبتيها باكية، تسارعت أنفاسه بتهدج وأغمض أجفانه بقوة ثم صاح عليها:
ـ قومي اركبي معايا العربية لو عايزه تعرفي نص الحقيقة.
رفعت وجهها إليه بضعف وقد حملت عيناها نظرة خاوية من الحياة.
ـ ولا خايفة مني ولا نقول خلاص بقيت عدو العيلة الكريمة؟!
تساءل بها ساخراً، ثم أعطاها ظهره وفتح باب السيارة.
حدقت زينب للحظات نحو كفوفي يديها، ثم حسمت أمرها ونهضت.
عقد مراد حاجبيه عندما وجدها تفتح باب السيارة وتستقل المقعد الذي بجواره.
ـ أنا مش خايفة منك يا مراد لأني عارفة إنك مش ممكن تأذيني.
قالتها وهي تنظر إليه، فرمقها مراد بنظرة ثاقبة لم يستطع من خلالها سبر أغوارها.
حرك رأسه عدة مرات، ثم زفر أنفاسه وانطلق بسيارته التي تتبعتها سيارة الحرس الخاص به.
....
ربتت ليلى على يدي زوجة عمها بعد أن أعطتها الدواء وساعدتها في الاستلقاء على الفراش.
ـ أنا يعتبر عزيت سما ومامتها بس، معرفتش أشوف لا زينب ولا أشرقت.
خرج الكلام منها بأسى ملحوظ ظنته زوجة عمها تأثراً بمصاب تلك العائلة.
ـ الواحد في مصابه بيكون في دنيا تانية يا بنتي، ربنا يصبرهم.
هزت ليلى رأسها ، ثم جلست جوارها وكادت أن تتحدث عن أمر المكان الذي وجده لها بسام وما أخبرها به اليوم، لكن فجأة حدقتاها ضاقت وهي تلمح خيال شهد خلال مرآة طاولة الزينة.
ـ في حاجة عايزه تقوليها ليا يا ليلى؟
صرفت ليلى عيناها عن المرآة التي أظهرت تلصص شهد على حديثهن، ثم ابتسمت:
ـ لا يا حبيبتي، أنا كنت بس عايزه أدردش معاكي دردشة عادية، قولي لي بكره هنروح لعم سعيد أمتى؟
....
دارت عينا زينب بالمكان الذي توقفت فيه السيارة، ولم يكن المكان إلا نائياً ومظلماً.
انكمشت على نفسها بعد أن انتفض قلبها خوفاً، وسرعان ما ازدادت سرعة دقاته عندما قال قبل خروجه من السيارة:
ـ مقطع الفيديو فيه تفاصيل اليوم، هسيبك تتفرجي عليه.
ترك لها الهاتف ولبثت هي لبعض الوقت محدقة فيه إلى أن أتتها الشجاعة حتى تلتقطه وترى حقيقة ذلك اليوم.
ابتلعت ريقها وهي تفتح مقطع الفيديو، ثم انسابت دموعها في صمت.
يزيد تنفلت منه صرخة ضعيفة ثم بعدها يغادر الشقة مع أحد الرجال، وهي تمد إليه يديها حتى تستطيع الإمساك به، ثم انغراز إبرة في ذراعها وسقوطها أرضاً تحت قدمي تلك المرأة التي كانت يوماً زوجة والدها.
ارتعشت شفتا زينب وهي تتابع المقطع، ثم أسرعت بوضع يدها على بطنها بعد أن ظهرت زوجة أبيها وهي تدفعها بقدميها وتضحك.
ـ ده أنا هخليكي طول عمرك تكرهي نفسك.
هتفت كلامها ضمن تهديدات عديدة ثم أطلقت ضحكة أخرى قوية ورنانة.
تعالت وتيرة أنفاس زينب بتهدج عندما ظهر رجل بملابس رثة وعلى ما يبدو أنه عامل نظافة ووجهت زوجة والدها حديثها إليه:
ـ عايزاك متسبيهاش غير وهي مسقطة البيبي، واستمتع بيها لحد ما تشبع.
التمعت أعين الواقف وجرى لعابه، فهل يعقل أنه سينال امرأة جميلة وبعدها يحصل على المال؟!
ـ أنتِ متأكدة إن البيه جوزها عايز يعمل فيها كده يا هانم؟
انفلتت شهقات عدة من شفتي زينب وهي تسمع وترى ما أرادوا أن يفعلوه بها:
ـ يلا خلونا ندخلها الأوضة، وأنتِ بلاش نواح كتير.
هذا الكلام وجهته زوجة والدها إلى الخادمة الصغيرة حتى تتوقف عن البكاء.
وفجأة صدح صراخ عالٍ، صراخ لم يسمعه أحد بالبناية السكنية التي خلت هذا اليوم من السكان لتكون هي الفريسة التي ينهشونها دون أن ينجدها أحد.
"زينب، زينب."
عادت أنظار زينب تتعلق بشاشة الهاتف مرة أخرى بعد أن اقتحم صوت أشرقت مسامعها وأفاقها من حالة الصدمة التي عادت إليها:
"عملوا فيها إيه؟ أطلب الإسعاف بسرعة."
وصوت آخر ارتفع في صياح تبين بعدها صاحبه الذي جثا على ركبتيه قربها ولم يكن إلا مراد:
"خدوهم من قدامي."
ألقى مراد عقب سيجارته ثم دهسها والتفت بكامل جسده نحو القابعة داخل السيارة.
شعر بالذعر عندما أبصر انهيارها ومحاولتها لالتقاط أنفاسها.
ـ زينب!
ناداها في ذعر وهو يراها تميل برأسها إلى الأمام فاقدة الوعي.
....
تظاهرت شهد بانشغالها في غسل الصحون ولم تلتفت نحو ليلى التي وقفت على عتبة المطبخ.
خرجت من شفتي ليلى تنهيدة طويلة ومسموعة، زادت من ارتباك شهد.
ـ أنتِ كلمتي سيف يا شهد؟
اهتزت يدا شهد وسقط الطبق من يدها في الحوض وتساءلت بنبرة صوت مرتعشة:
ـ هو أبيه عزيز عرف؟
ارتفعت زاوية شفتي ليلى باستهزاء:
ـ ردي على سؤالي الأول.
استدارت شهد نحوها ساخطة وهتفت بصوت خافت بعض الشيء:
ـ أيوه، كلمت سيف وهددته إني هقول لأبيه عزيز كل حاجة؛ حتى محاولاته معاكي عشان تخوني أبيه عزيز معاه.
خرجت الكلمات الأخيرة منها متقطعة ومهزوزة بعد أن صفعتها ليلى.
ـ أنتِ ليه بقيتي كده...؟
انسالت الدموع من عيني شهد وصاحت عليها:
ـ أنتِ بتضربيني يا ليلى؟!
ابتسمت ليلى هازئة:
ـ آه بضربك، يمكن تفوقي وبلاش تتكلمي وتعلي صوتك، لأن المرة دي لو مرات عمي صحيت وجات على صوتنا هحكي ليها عن كل حاجة يا شهد.
أطبقت شهد على شفتيها بسخط وحدقتها بنظرة غاضبة:
ـ عموماً أهنيكي يا شهد، وصلتي لهدفك وعزيز ناوي يطلب أيدك من مرات عمي.
اختفى الغضب من وجه شهد وتهللت أساريرها:
ـ بجد يا ليلى؟
نظرت ليلى إلى يدي شهد اللتين وضعتهما على ذراعيها ثم أزاحتهما سريعاً واستدارت بجسدها:
ـ بكره هتتأكدي من كلامي يا بنت عمي وهتتفاجئي من قرار تاني أخذه عزيز مع سيف غير قرار جوازكم.
غادرت ليلى وهي تنتظر الغد باللهفة حتى ترى ردة فعل شهد عندما تعلم أن سيف صار لا يملك شيئاً.
برقت أعين شهد بالسعادة لوصولها لمبتغاها دون أن تركز في كلام ليلى.
....
زفر عزيز أنفاسه بنفاذ صبر بعد أن توقف عن الدوران حول نفسه، وقبل أن يحسم أمره وينفذ قراره وجدها تدخل الغرفة بوهن.
ـ أتأخرتي ليه يا ليلى؟
أزالت ليلى غطاء رأسها وتحركت في الغرفة أمام أنظاره:
ـ جربت شعور الأهمال يا عزيز.
أخفض عزيز عينيه بعد أن رمت بكلامها الذي لم يكن إلا حقيقة جعلها تتجرعها دون ذنب.
ـ لو هتاخدي حقك مني بالطريقة دي أنا موافق يا ليلى.
ثم توجه بعينيه نحوها وأردف:
ـ أنا محتاج حضنك يا ليلى، هتكوني بخيلة عليا؟
اقتربت منه ونظرت إليه بنظرة طويلة:
ـ أنا لا همنعك من حضني ولا همنعك من حقك اللي ربنا أمرني بيه يا عزيز، لكن هحرمك من حاجة بصعوبة تقدر تمتلكها من تاني.
قطب عزيز حاجبيه مدهوشاً ثم ابتلع ريقه وتساءل في خوف:
ـ حاجة إيه يا ليلى اللي هتحرميني منها؟
داعبت شفتيها ابتسامة خفيفة والتقطت يده حتى تضعها على موضع خافقها:
ـ قلبي يا عزيز.
ارتجفت أهداب عزيز من الصدمة وخرجت أنفاسه بتهدج:
ـ يعني إيه يا ليلى؟
وسرعان ما كان يحتضن وجهها ويقبلها بقبلات تحمل حب وعجز صاحبها.
ـ هرجعه ينبض باسمي يا ليلى، هعمل المستحيل علشان ترجعي لي من تاني.
....
أشاح مراد وجهه عن مشهد ركض صالح ومن خلفه عائلته نحو بوابة المشفى التي تم نقل زينب إليها.
ـ أما نشوف هتوفي بوعدك لي يا زينب وتكوني قد كلمتك وتبعدي جوزك عن طريقي، ولا وعدك هيتبخر أول ما تترمي في حضنه؟
واستطرد قائلاً بضحكة هازئة:
ـ لو نقضتي العهد أنسي أعترف ليكي بسر الماضي وإن ليه أنتِ غالية عندي.
...
نظرت سمية نحو فارس الذي استقبلها في ردهة الفندق متظاهراً بالدهشة من وجودها.
ـ سمية هانم! معقول الصدفة الحلوة تجمعنا ونتقابل في لندن، لأ وكمان نكون نزلاء في نفس الفندق؟
ابتسمت سمية ابتسامة متوترة والتفتت حولها خشية أن تكون مراقبة:
ـ أهلاً يا فارس.
أومأ فارس برأسه متفهماً سبب مصافحتها الباردة:
ـ شكلك جايه تعبانة من رحلتك، أتمنى ليكي رحلة عمل موفقة.
قالها ثم عاد إلى محادثته الهاتفية التي قطعها وغادر الفندق.
تنفست سمية الصعداء بعد مغادرته، فهي حتى هذه اللحظة لا تعرف كيف ستقوم باستدراج فارس إلى الفراش والحصول على مبتغى كمال عمه؛ وهو الإطاحة بشقيقه وابنه من عالم البيزنس وكسر شوكتهم...
🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤
سار صالح بخطوات ثقيلة بعد أن غادر غرفة المراقبة التي يتم من خلالها كشف جميع مداخل المشفى داخلياً وخارجياً، وقد تأكد أن الرجل الذي قام بمهاتفته ليخبره عن وجود زينب بالمشفى التي تمتلكها عائلته لم يكن إلا أحد رجال مراد.
توقف عن سيره عند استماعه لنداء والده عليه:
ـ صالح.
اقترب صفوان منه، ثم أردف قائلاً بعد أن ربت على أحد أكتافه:
ـ خلينا نتكلم قبل ما تدخل لمراتك.
أطبق صالح أجفانه متنهداً، ثم استدار بجسده ناحيته. استطرد صفوان في كلامه:
ـ أنا قلت لك إن سر الحادثة دي كلها عند مراد الهتيمي، وتهربه من مقابلتنا مخليني أشك في حاجة.
لم يتساءل صالح عن شكوك والده، فـعقله الآن منشغل بمغادرة زينب منزل عائلتها دون أن تخبر أحداً، ولقائها مع مراد، ثم انتهاء الأمر بينهما هنا في المشفى.
ـ زينب وابن الهتيمي في حاجة تربطهم.
ألقى صفوان الكلام في وجهه دون تفكير، لكنه أسرع في توضيح ما يقصده بعد أن رأى تجهم وجه صالح:
ـ لا، ما تفهمش كلامي غلط، مراتك بنت أصول وبنت عيلة كريمة ومتربية، بس ممكن تكون في حاجة من الماضي تجمعهم يا بني.
واتبع صفوان حديثه بعدما تذكر ما قالته أشرقت تلك الليلة:
ـ بنت عمها ليلتها كانت بتبص لجوزها بصة استنكار وهو واقف يتكلم معايا، وقالت جملة أنا ما ركزتش فيها غير النهاردة، إنها غالية أوي عنده، فمافيش داعي للشكر.
استهجنت ملامح وجه صالح، وقال بغضب مكتوم:
ـ أنا من بدري مش برتاح لنظراته من ناحية زينب، ولا زينب حتى بترتاح له.
وبغضب أشد أردف وهو يطبق على كفوف يديه:
ـ كله من شركة الحراسة اللي طلعت ساكة! قال إيه، كانوا مراقبين الوضع كويس وقربوا يوصلوا للهانم مرات أبوها ، طلعت الهانم عايشة معانا في نفس العمارة، ودخلت بيتي، ووصلت لمراتي شغلها، وقربت منها ومن أبني!
تنهد صفوان، ثم وقف أمامه قائلاً في تريث:
ـ في حاجة مخفية، حاجة حركت الست دي صح؛ لأن اللي زيها سهل ينكشف وما بيعرفش يخطط؛ لأن آخرها...
وكاد أن يستكمل صفوان كلامه الذي يخص أعمالها التي تنتمي لعالم الد،،عارة، لكنه تمتم:
ـ استغفر الله العظيم، خلاص ماتت وبين إيدين ربنا.
ـ كان نفسي آخذ حق زينب منها، لكن وعدي ليها قدر يحققه واحد تاني، واحد مش قادر أفهم نواياه من ناحية مراتي وهو متجوز بنت عمها!
نظرا إليه والده بنظرة ثاقبة، وقبل أن يتكلم عن شيء آخر يخص هذا الأمر:
ـ لو سمحت يا بابا، الموضوع ده ما حدش يتكلم فيه مع زينب، ولا تسألوها عملت كده ليه. خليك أنت وماما في نفس دور الصمت.
ابتسم صفوان وأومأ له برأسه:
ـ ما تقلقش يا حبيبي، أنا بس التساؤلات دي بقولها ليك، وكمان أنا زيك مش ساكت، عايز أعرف مين السبب وراء كل ده، وشكلي كده هروح لـعدنان الهتيمي بنفسي.
خرجت حورية في تلك اللحظة من غرفة زينب، وعند وقوع عينيها عليهم أسرعت إليهم وقالت:
ـ صالح، ادخل لـزينب، بتدور عليك ومتتكلمش في أي حاجة معاها دلوقتي، خدها في حضنك وبس.
لم ينتظر صالح أن يسمع كلمات أخرى من والدته، واتجه نحو الغرفة.
فتح باب الغرفة، وقد تجمدت يده على مقبض الباب لوهلة.
أزاحت زينب عينيها عن نافذة الغرفة التي تحدق بها فور أن انفتح الباب، وسرعان ما ظهرت على شفتيها ابتسامة باهتة:
ـ صالح، تعال احضني.
قالتها بضعف جعل كل شيء في عقله يختفي، واندفع إليها ملبياً احتياجها له:
ـ خليني في حضنك يا صالح، ما تسيبنيش لوحدي.
أغلق صالح أجفانه بقوة وهو يشد من احتضانها ويهمس في أذنها بكلمات مطمئنة:
ـ أنا معاكي وجنبك يا حبيبتي، ورغم إن بنوتي زعلت بابي النهارده، بس هسكت وهسيبها تحكيلي لوحدها غلطها.
انكمش جسدها في حضنه بعد أن شعرت بالبرودة، واقتحم ذاكرتها ما رأته في الهاتف وما أخبرها به مراد:
ـ صالح، سارة بتضرب في بطني جامد، هات إيدك تاني.
تمتمت بها بصوت واهن وهي تبتعد عنه، ثم التقطت يده لتضعها على بطنها:
ـ حسيت بحركتها؟
مرر صالح يده الأخرى على وجهها، وقد تفهم سبب تحول حديثهما نحو حوار آخر:
ـ حسيت يا حبيبتي، وشكلها هتطلع بنوتة شقية زيك.
دمعت عيناها وألقت جسدها بين ذراعيه مجدداً، وقالت بصوت مهزوز:
ـ أنا روحتله عشان هو عارف سر اليوم ده يا صالح...
وبنبرة صوت مجهدة استطردت:
ـ آخر حاجة سمعتها منها يومها إنها عايزاني أعيش عمري وأنا كارهة نفسي وأندم؛ لأن راجل غيرك لمسني، راجل مش هكون عارفة ملامحه...
انفجرت في البكاء، أما هو فتصلب جسده وانحبست أنفاسه:
ـ مافيش حاجة حصلت يا صالح ليا، مراد أنقذني!
تحول الجمود الذي أصابه إلى غضب توقد في عينيه بعد أن أردفت ببقية كلامها:
ـ أنا هفضل طول عمري مديون له بالجميل ده!
أرخى صالح ذراعيه عنها، لكنها ظلت متشبثة بحضنه:
ـ مساعدته ليا وراها سر من الماضي، وهو مش هيقوله غير ليا، لكن...
وهنا عادت تتذكر ذلك الوعد الذي قطعته معه؛ وهو أن يبتعد صالح ورجاله عن تتبعه، وألا يتقاطع طريقهم إلا إذا أراد هو هذا:
ـ صالح، ما تحاولش تقابل مراد ولا تعترض طريقه.
نفضها من حضنه، ثم نهض ونظر إليها:
ـ بعد كل كلامك ده بتقوليلي أبعد عن طريقه؟! زينب، أنا لحد هنا وصبري مبقاش موجود، وأنا وابن عدنان الهتيمي دلوقتي يا قـ..ـاتل يا مقـ..ـتول!
وبأنفاس متهدجة أردف:
ـ لأنه راجل خاين، عمل تمثيلية علشان يظهر قدامك بطل مافيش منه...
جحظت أعين زينب وتسارعت دقات قلبها وهي ترى صالح يتجه نحو باب الغرفة كالعاصفة:
ـ أنت كده مش هتخليه يقولي ليه هو بيعمل معايا كده...
وتابعت حديثها بصوت مهزوز به غصة:
ـ ويقولي مين كان السبب إن مروة تدخل حياة بابا...
انفلتت يده عن مقبض الباب بعد أن استكملت حديثها متوسلة رضوخه لها:
ـ هنسى كل حاجة عملتها معايا يا صالح أول جوازنا، وعمري ما هفتكر اللي فات، بس وافق إنك تبعد عن طريقه لحد ما يكشف ليا سر الست دي في حياتنا من البداية.
....
فتحت سما عينيها مع خروج تثاؤب طويل من شفتيها، ثم مدت يدها جوارها.
قطبت جبينها بعدما بدأ عقلها يستعيد آخر شيء حدث، ثم بعدها سقطت في النوم دون شعور منها.
انفتح باب الغرفة في تلك اللحظة التي انتفضت فيها من رقدتها وهي تحك فروة رأسها:
ـ ما شاء الله! دخلتي تقعدي مع جوزك، وبدل ما ينام هو، نمتِ أنتِ!
تمتمت بها والدتها بنبرة غير راضية، فتساءلت سما غير مبالية بحديثها:
ـ فين قصي يا ماما؟ والساعة كام دلوقتي؟
اقتربت يسرا منها وجلست جوارها وهي تلوي شفتيها بأستياء:
ـ الساعة كام دلوقتي؟! خدي شوفي بنفسك!
أعطتها يسرا الهاتف حتى ترى الوقت الذي تجاوز الواحدة صباحاً.
ـ فين قصي؟! ولا أقولك، أخرج بره أشوفه بنفسي، وأهو أطمن على جدو كمان!
امتعض وجه يسرا واجتذبتها من ذراعها حتى تجلس مكانها ، قائلة بنفس نبرة الصوت المستاءة:
ـ جدك نام بعد ما أخد علاجه واطمن على زينب، عمتك وباباكي هما بس اللي صاحين، أما جوزك خرج بعد ما جاله تليفون من صالح...
وواصلت كلامها بعد أن تأففت بضيق:
ـ هي زينب لازم كده تلفت الأنظار حواليها وتعمل قلق؟! هو احنا ناقصين؟ مش كفاية اللي إحنا فيه!
واستكملت بحزن لم ينبع من القلب لكنه كان وليد اللحظة:
ـ الله يرحمك يا هشام، ويقومك بالسلامة يا لبنى.
ضمت سما حاجبيها ثم رفعتهما معاً وصاحت بضجر:
ـ ماما، لو سمحتِ، اتكلمي كلام مترابط، أنا مش فاهمة حاجة!
استنكرت يسرا صياحها وردت عليها:
ـ ما تكلمي جوزك وأعرفي منه! أنا كل اللي فهمته أن زينب خرجت تتمشى ومكنش معاها تليفون، وطبعاً الكل قلق عليها.
وأستطردت يسرا دون أن تدع لها فرصة للرد أو التساؤل:
ـ بس تعرفي يا سما، جوزك حنين وبيحبك، ولا كأنه كان مغصوب على الجوازة ! ده يا حبيبي، رغم كل اللي فيه، قالي مخليش حد يزعجك عشان تعرفي تنامي ! أهو أبوكي بقى عمره ما خاف عليا ولا له حتى موقف أفتكره بي، لكن لبنى كانت محظوظة مع هشام؛ خروج وسفر وكل طلباتها مجابة.
وضعت سما يديها على أذنيها وأغلقت عينيها، ثم شرعت في هز رأسها بيأس.
....
استندت عايدة على ذراع ليلى وهن يتجهن نحو السيارة، وقد سبقهم عزيز بخطواته بعد أن أتته مكالمة هامة:
ـ الحمد لله يا مرات عمي، كلمنا ، حتى لو مجرد كلمتين، والدكتور طمنا عليه.
تنهدت عايدة بارتياح وهي تربت على ذراع ليلى:
ـ الحمد لله، قلبي بدأ يرتاح يا ليلى...
وأردفت عايدة بامتنان صادق وهي تصوب عينيها نحو عزيز:
ـ وجود عزيز بيه معانا دايماً بيفرق، ربنا يباركلنا فيه.
اتجهت عينا ليلى نحو عزيز في اللحظة التي استدار فيها بجسده، وقد تلاقت عيناهما.
أشاحت ليلى عيناها سريعاً عنه، فزفر أنفاسه بثقل وهو يذكر نفسه:
"هتتعب لحد ما ترجع ليلتك ليك يا عزيز، أنت برضه كسرتها وعملت في حقها حاجات صعبة."
وعزيز في الإقرار بأخطائه لا يكابر، لكن قناعته التي كانت راسخة نحو النساء قادته إلى طريق مظلم، ومع حقيقة أنه ربما لا ينجب، زادت الأمر سوءاً، وعندها ذاق مرارة نقص الرجولة الذي عانى منه شقيقه، لكن بطريقة أخرى.
اقترب منهن عزيز متسائلاً:
ـ تحبوا أخدكم مكان تغيروا فيه جو شوية ونفطر فيه؟
ابتسمت عايدة قائلة:
ـ لا، عايزة أرجع البيت عشان شهد لوحدها...
ثم أضافت وهي تسحب ذراعها من ذراع ليلى:
ـ أنا هوقف تاكسي وأروح، وأنتِ يا ليلى روحي مع عزيز بيه افطروا وغيروا جو.
نظرت ليلى نحو عزيز، وقبل أن تتحدث، قال:
ـ وتفتكري ليلى هتوافق تيجي وأنتِ مش معانا؟
ثم تنهد وأضاف:
ـ نعوضها مرة تانية يكون عم سعيد خرج المستشفى وبقى وسطينا.
....
فتح قصي عيناه اللتين لم تنعسا بعد أن تسلل صوتها إليه:
ـ قصي.
صوب قصي أنظاره عليها أولاً، ثم قام بتوجيهها نحو صينية الطعام وقال:
ـ أنا مش جعان يا سما.
أسرعت سما بالرد:
ـ مش جعان إزاي؟! أنت فاكر آخر مرة أكلت فيها إمتى؟
انطلقت من شفتيه تنهيدة طويلة، فأسرعت بوضع الصينية جانباً قائلة بتساؤل بعد أن وقعت عيناها على الحذاء الذي ما زال يرتديه:
ـ أنت كنت هتنام كده؟!
تنهد قصي مرة أخرى وهو يعتدل في رقدته:
ـ أنا كنت برتاح شوية.
وكاد أن ينهض من الفراش، فوقفت قبالته ثم دفعته برفق:
ـ أولاً، لازم تاكل حاجة يا قصي وتريح حتى لو ساعة، أنت مش شايف شكلك بقى عامل إزاي يا سيادة الرائد؟!
أشاح وجهه عنها، ثم أغمض عينيه:
ـ سما، أنا ماليش نفس لأي حاجة في الدنيا، أنتِ بس خلي بالك من أشرقت من فضلك واهتمي بيها.
ردت سريعاً وبصدق:
ـ والله كلنا بنهتم بيها وبنطمنها إن طنط لبنى هتكون بخير وتقوم منها، بس هي عايزة تسمع ده منك أنت و علي، وعايزة وجودكم حواليها.
ارتعشت شفتا قصي وتمتم بصوت نبرته مرتعشة:
ـ أحضن أختي إزاي وأطمنها وأنا عايز اللي يخصني ويواسيني يا سما؟! أنتِ ما تعرفيش سيادة المستشار كان بالنسبة لينا إيه!
ترقرقت الدموع في عيني سما، وجلست أمامه ثم أمسكت يديه:
ـ كان بالنسبة لينا كلنا حاجة كبيرة يا قصي، بس في ناس لو انهارت ووقعت قصادنا هنقع معاهم، وأنت دلوقتي الشخص اللي جدو مسنود عليه، وكمان أشرقت وعلي، وطنط لبنى لما تقوم بالسلامة محتاجاك أوي.
وأردفت وهي تشد من أحتضان يديه:
ـ لازم تكون كويس عشانهم.
اجتذبها إلى حضنه متنفساً عبير رائحتها النابع من طيبتها:
ـ خليكي جنبي يا سما.
....
اتخذ عزيز الصمت طوال طريق العودة إلى الفيلا، ولم يكن باله مشغولاً إلا في أمر واحد، أمر صار يؤرق مضجعه.
خرجت تنهيدة منه خافته وثقيلة عندما قالت عايدة ببؤس:
ـ بقالي فترة ما رحتش زورت قبر عمك يا ليلى، وحشني أوي، عايزة أعمله القرص الفلاحي اللي بيحبها وأوزعها رحمة عليه.
افتر ثغر ليلى عن ابتسامة خفيفة، وأومأت برأسها مشجعة الفكرة:
ـ خلاص نعملها سوا، ونضاعف الكمية كمان بنية شفاء عم سعيد، ونوزع على أطفال الجيران، أو مثلاً نعمل أي نوع حلو تاني.
ابتسم عزيز، ومثله تبسمت عايدة:
ـ طيب، إيه رأيكم ندبـ..ـح حاجة لله؟
اقترح عزيز الأمر، فأسرعت ليلى بالرد الذي أدهش عايدة:
ـ أدبـ..ـح أنت الدبيـ..ـحة وإحنا نعمل القرص الفلاحي؛ لأن دي حاجة هتتعمل بحب وإخلاص، ومش محتاجة غير مبلغ بسيط.
انمحت ابتسامة عزيز ولم يعقب، وعندما انتبهت ليلى على ما قالته، اكتفت بخفض رأسها.
بعد وقت قصير، عبرت السيارة أخيراً بوابة الفيلا، وفور ترجلهم منها تساءل عزيز:
ـ ممكن أتكلم معاكي على انفراد يا عايدة؟
تعجبت عايدة في البداية ونظرت إليه، ثم وجهت أنظارها نحو ليلى التي عبست ملامح وجهها فجأة.
....
نهض هارون من وراء طاولة مكتبه وتساءل بلهفة:
ـ وصلت لحاجة عنها يا مرعي؟
تنهد مرعي بأسف:
ـ أبداً يا بيه.
طأطأ هارون برأسه ثم استدار بجسده متنهداً، فلا الرجال الخاصون به استطاعوا الوصول إليها، ولا مرعي الذي أعتقد أنه إذا اندس بين أهل منطقتها وتساءل بين الناس سيصل إلى أي طرف يرشده.
ـ يعني مش كفاية ذنب نجاة لسه في رقبتي، هتحمل ذنبك أنتِ كمان يا سماح؟!
غمغم بها هارون بصوت خفيض لا تسمعه سوى نفسه:
ـ أنا دفعت كل الفلوس اللي كانت عليها للناس يا بيه، وسافر وأنت مطمن، كل يوم هروح الحارة وأدعبس بالكلام وسط الناس لحد ما أعرف طريقها، يعني هتروح فين؟!
ثم أردف:
ـ أنا مش عارف إزاي تخاف من الجواز منك يا بيه!
ثم أسرع مرعي بالرد على تساؤله:
ـ هو أنا مستغرب ليه؟! ما هي ما تتتعقلش يا بيه جوازك منها، ولا هتصدقه حتى! سماح دي بنت غلبانة وبتتدارى ورا الحيط، ده غير سمية هانم مش هتسكت.
ابتلع هارون ريقه بخزي من نفسه، فـسماح بالفعل زوجته لكن بورقة تم إمضاؤها على يد محامي وشهود في الخفاء، لكنه لم يستطع التصريح بهذا الأمر أمام مرعي، وكل ما أخبره به هو أنه إذا حدث له شيء وعثر عليها هي وأطفالها يذهب بها إلى المحامي الخاص به.
سيطر هارون على انفعالاته والتفت إليه:
ـ أنا بكره مسافر يا مرعي، وزي ما وصيتك تنفذ، وما تقلقش ليك مكافأتك.
التمعت أعين مرعي وأسرع في هز رأسه وقال:
ـ ما تقلقش يا هارون بيه وهترجع من السفر تلاقيها هنا...
ابتسم هارون بابتسامة خفيفة وباهتة، ثم همس بخفوت:
ـ الله أعلم هرجع ولا مش هرجع...
....
أشاحت عايدة بوجهها عن عزيز بعد أن أخبرها بأن كل ما أصبحت عليه شهد بالفترة التي كان هو فيها مشغول بأموره الخاصة صار يعلمها:
ـ أنا فشلت في تربية بنتي يا عزيز بيه، وعلشان كده عايزة أخدها وأمشي، يمكن لما نخرج من الفيلا تفهم إن هنا مش حياتنا، ولا تطلعاتها لفوق وأنها تعرف ولاد الذوات وتصاحبهم وتكون وسطيهم هتوصلها لحاجة مش مكتوبه ليها.
قالتها عايدة بصوت بائس ومتحشرج لمس قلب عزيز الذي تنهد بثقل:
ـ مش أنتِ لوحدك اللي فشلتِ في التربية يا عايدة، ما أنا أهو قصادك، بعد كل حاجة عملتها مع سيف ما طلعتش راجل يخاف ربنا ويشيل المسؤولية.
مسحت عايدة دموعها التي خانتها بأنامل مرتعشة، ولم تجد ما تتكلم عنه بعد أن تعرَّى سلوك ابنتها بالكامل أمام الرجل الذي لم يبخل يوماً في دعمهم ورعايتهم.
شعر عزيز بالاختـ.ـناق بعد أن تذكر ما فعله سيف مع شهد، ورد جميل تربيتهم له بالخـ.ـسة والدنـ.ـاءة:
ـ عزيز بيه، أنت سمعت حاجة عن شهد أنا ما عرفهاش لسا؟!
تساءلت عايدة بقلق بعد أن أصابها الشك، وأضافت بحزن:
ـ ياريتني كنت سمعت كلام سعيد وما دلعتهاش!
واستطردت بصوت مخنوق:
ـ ليه يا شهد تعملي فيا كده؟ ليه يا بنتي؟!
تأثر عزيز بكلامها، وأخذ نفساً عميقاً وقال دون مقدمات:
ـ عايدة، أنا بطلب إيد شهد لـسيف، وقبل ما تقولي رأيك وأنا أكيد عارف أنك هترفضي- اسمعيني للأخر.
تحفظت قسمات وجه عايدة، فابتلع عزيز ريقه أولاً ثم بدأ يسرد لها عن أسبابه نحو هذا الزواج الذي سيكون مجرد عقد قران، وعليها أن تثق في قراره.
....
ألقت شهد الهاتف بغيظ وحقد، والذي كانت من خلاله تتابع أخبار ساهر ولميس.
ـ طبعاً لايقين على بعض ما لميس بنت السفير!
تمتمت بها وهي تسير بالغرفة بدون هوادة، وقد أفزعها انفتاح الباب فجأة دون طرقه:
ـ شهد، عزيز عايز يتكلم معاكي، ومرات عمي قالتلي أناديكي.
ارتسم القلق على وجه شهد وتساءلت:
ـ أبيه عزيز عايزني في إيه؟
هزت ليلى رأسها باستهزاء:
ـ لما تتكلمي معاه هتعرفي.
أغلقت ليلى الباب وراءها وتنهدت متسائلة بصوت خفيض:
ـ يا ترى عزيز قالك إيه يا مرات عمي خلاكي تقتنعي وتوافقي على قراره؟
....
انتفض قلب أشرقت بفزع عندما دخل قصي عليها الغرفة بأنفاس لاهثة:
ـ أشرقت، ماما فاقت وعايزة تشوفك، ومافيش على لسانها غير أسمك.
...
اقتربت شهد بخطوات بطيئة من عزيز الذي انتهى من ارتشاف كوب الأعشاب ووضعه على المنضدة الصغيرة التي أمامه:
ـ أبيه عزيز، أنت طلبت تشوفني؟
خرج صوت شهد بنبرة خفيضة، فأجابها عزيز بـ رد مقتضب:
ـ اقعدي يا شهد.
ابتلعت شهد لعابها وسارت إلى حيث المقعد القريب منه وجلست عليه.
رمقها عزيز بعدة نظرات، وكل نظرة كانت تحمل الأسف عليها وعلى ما دفعتها إليه نفسها وصديقة السوء "لميس"، ولن ينسى تلك الحـ.ـياء السـ.ـامة والتي لم يستطع التخلص منه حتى اليوم، لكنه أقسم على قهـ.ـرها خاصة أن الأمل ما زال لديها من زواج سيف وبيسان:
ـ أنا آسفة يا أبيه.
تمتمت شهد بصوت خجل ثم استكملت كلامها:
ـ أنا عارفة إني خيبت نظرتك فيا أنت كمان.
هز عزيز رأسه عدة مرات ثم قال:
ـ لسه عندنا فرص نصلح غلطنا يا دكتورة.
ارتجفت شفتي شهد بعد أن استمعت منه هذا اللقب الذي ضغط على أحرفه:
ـ أنا يا أبيه مش هعمل كده تاني ولا...
قاطعها عزيز قائلاً بحزم:
ـ هنفتح صفحة جديدة يا شهد النهاردة، وأنتِ هتقولي إذا كانت الصفحة مناسبة ليكي ولا...
أسرعت شهد بالرد:
ـ قول يا أبيه، وأنا هسمع كلامك.
ابتسم عزيز وتساءل بنبرة صوت جادة:
ـ لو اتقدم ليكي سيف، بس من غير اسم الزهار؟ خلينا نقولها بطريقة صح، يعني هيتقدم ليكي بطوله كده كـراجل محدود الإمكانيات المادية، ده غير إنه راجل مطلق وخارج من تجربة زواج فاشلة!
رفرفت شهد بأهدابها بتوتر وخرجت تساؤلاتها بصوت متعلثم:
ـ يعني إيه يا أبيه؟ أنا مش فاهمة كلامك؟
حرك عزيز رأسه ثم اعتدل في جلوسه وقال بنبرة مبطنة جعلت ليلى -التي تسترقي السمع عليهم- تعقد حاجبيها بإندهاش.
ـ معقول يا دكتورة مش فاهمة كلامي؟! ده أنتِ من صغرك بتفهمي نظرة عيني ليكِ!
أطرقت شهد رأسها خجلاً بعد أن فهمت مقصده من كلامه الأخير.
ـ سكوتك ممكن أفهم منه رضى وقبول، وعلشان كده قبل ما أقوم هقولك على قراري...
انحبست أنفاس شهد بترقب، فألقى عزيز بقراره الحاسم وهو يتفرس ملامح وجهها التي فقدت براءة الطفولة:
ـ كتب كتابك على سيف هيكون بكره إن شاء الله، وهيكون مجرد كتب كتاب على ورق...
وأتبع بقية حديثه قائلاً بشك من موافقتها:
ـ أنا رفعت إيدي عن ابن أخويا في أي دعم مادي، فأنكم تكونوا في بيت واحد سوا ده متوقف على اجتهادكم وشطارتكم!
وبنبرة تحمل السخرية أردف:
ـ هو عموماً مش متوقف عليكِ أنتِ، متوقف على ابن أخويا لحد ما يبني مستقبله من جديد، ويشتري شقة تليق بيكِ، ويأسس مشروع له خاص، أو يرجع بقى لتدريس الجامعة بجانب شغله كعامل عندي عشان يلحق، أو فيه حل تاني...
خفق قلب شهد من الخوف وابتلعت ريقها وانتظرت أن تسمع بقية مقترحاته التي أوقفت عقلها عن التفكير:
ـ يجيبها من قُصيُّرها وماما سمية تعمل ليكم كل ده!
نهض عزيز وأردف بجدية وهو ينظر نحو ليلى التي اختفت من أمامه عند تقابل عيناهما:
ـ بلغيني قرارك النهاردة مع ليلى.
تحرك عزيز، لكن سرعان ما توقف مكانه مدهوشاً:
ـ أنا موافقة يا أبيه.
