رواية ظنها دميه بين أصابعه الفصل المائة والثاني والثلاثون
وقفت أشرقت بأنفاس ثقيلة وقلب ينبض وجِلاً أمام باب وحدة العناية المركزة بعد أن تم تجهيزها للدخول ورؤية والدتها التي لا يتوقف لسانها عن ندائها منذ أن استطاعت التحدث.
ـ لو حضرتك مش هتقدري تكوني قوية قدامها بلاش تدخلي.
قالتها واحدة من طاقم التمريض الخاصين بهذا القسم ثم صرفت أنظارها عنها وانشغلت في قراءة التقارير التي بيدها.
لم تطرف أشرقت بطرف عينيها واستجمعت قوتها الواهية ثم سارت ببقية خطواتها إلى الباب الذي انفتح فوراً لدخولها.
...
وفي بقعة أخرى من المشفى، كان قصي يتهاوى بجسده على أقرب مقعد، فالطبيب لم يعطه أملًا في حالة والدته كما أعطاه بالأمس.
تحجرت مقلتا سما للحظات وهي تستعيد ما قاله الطبيب، وسرعان ما كانت تضع يدها على شفتيها وتهز رأسها رافضة فقد الأمل الذي أرسله لهم الطبيب بكلامه حتى يكونوا مستعدين.
وجهت أنظارها سريِعاً نحو قصي الذي تجلى الضعف عليه بوضوح أشد.
ـ قصي.
نادته بصوت جاهدت على إخراجه ثابتاً لكنها فشلت، لم يُجب ولم يحرك عينيه نحوها.
أشاحت بوجهها عنه حتى تسيطر على دموعها التي ترقرقت في عينيها ثم عادت ببصرها إليه وجثيت على ركبتيها عند ساقيه.
ـ قصي، الدكتور قال نكون مستعدين بس ما قالش نفقد الأمل.
كانت كاذبة في كلامها الذي جعله ينظر إليها بنظرة فهمتها سريعاً.
ـ قصي، ممكن تبصيلي؟
خرجت منه زفرة طويلة ثم هرب بعينيه بعيداً عنها..
وضعت سما يديها على يديه واحتضنتهما وأردفت قائلة بصوت مهزوز:
ـ أعمارنا بأيد ربنا ومهما وصلنا في العلم... في معجزات بتحصل، وأنا قلبي بيقولي إن طنط لبنى هتقوم منها.
نظر نحو يديها اللاتي تحتضن يديه وتربت عليهما وقد حركت كلماتها المواسية فؤاده.
انتبه على وضعية جلوسها، فأسرع بإجتذابها وضمها إلى صدره.
ـ أدعيلها يا سما.
استكانت سما في حضنه مرحبة بحنانه الذي يغمرها به وهو في أحلك الظروف.
وعلى بعد خطوات ليست قريبة وقف أحدهم بملامح جامدة عندما التقطت عيناه المشهد، ضاقت حدقتاه وفي رأسه تردد سؤال واحد: هل استطاعت سما بتلك السرعة تجاوز حبه؟
ـ عقلك راح فين يا دكتور؟
تساءل صديقه بصوت ضاحك وهو يربت على كتفه، فاتجهت أعين مازن نحوه قائلاً بصوت متعب:
ـ أنت عارف إني جيت من المطار على المستشفى عشان نتناقش في تقارير الحالة.
تنهد صديقه وربت على كتفه مرة أخرى:
ـ لولا ضرورة وجودك كنت أجلت كلامنا لبكرة أو كنا نهينا مناقشتنا في التليفون.
هز مازن رأسه بتفهم وهو يلقي نظرة سريعة نحو سما ثم استدار بجسده وأسرع في خطواته حتى يغادر هذا الطابق.
....
فتحت لبنى عينيها بعد أن استشعرت تلك القطرة الساخنة التي سقطت على كف يدها ولم تكن إلا دموع أشرقت.
ـ أشرقت.
تمتمتها لبنى بلسان ثقيل وخافت اجتذب انتباه أشرقت وأسرعت برفع رأسها.
ـ ماما.
ابتسمت لبنى وأشارت إليها أن تقترب منها أكثر حتى تتمكن من لمس وجهها.
ارتجفت شفتا أشرقت وانهمرت الدموع على خديها وهتفت بأمل:
ـ ماما، أنتِ هتكوني كويسة صح؟
ابتلعت لبنى ريقها وحركت يدها حتى تستجيب لها، فخفق قلب أشرقت وأسرعت بتقريب وجهها منها.
ـ ماما أنا حامل.
تصاعدت أنفاس لبنى بصوت مسموع، فسيطرت أشرقت سريعاً على ارتجاف جسدها وأردفت:
ـ هياخد الطفل وهطلق منه يا ماما، وأوعدك إن لحد آخر نفس فيا هفضل أسعى علشان أنتقم منه.
أغلقت لبنى عينيها وهمست بضعف:
ـ حامل!
احتضنت أشرقت كفيها وهزت رأسها بتأكيد وأردفت بنبرة صوت مختنقة:
ـ مش أنتِ كنتي عايزة كده يا ماما وكذبتي عليه..
وتشتت بعدها انتباه أشرقت للحظة نحو ذلك اليوم الذي أراد أن يأخذها فيه إلى الطبيبة حتى يتأكد ولم يخلصها من هذا المأزق إلا ما حدث مع زينب.
ـ هو ما كانش مصدق كلامك وكان متأكد أننا بنلعب معاه، لكن دلوقتي إحنا اللي هنلعب بيه وناخد حقنا منه.
لم يكن انتباه لبنى معها، بل كان مع اعتراف هشام الأخير لها وهو يلفظ أنفاسه بصعوبة.
"سامحيني يا لبنى، أنا عارف أني وجعتك كتير بإهمالي وأنتِ كنتي دايماً بتتحمليني.."
حاولت أن تعتدل برأسها لكن محاولاتها فشلت، فغمغمت بأنفاس هادرة:
"هشام، إحنا مش هنموت صح؟"
"زينة حامل يا لبنى، حامل مني، لو عيشتي يا لبنى قولي لأولادنا ما يعملوش في أخوهم أو أختهم زي ما عملنا في أسامة أخويا وبنته."
ثقلت أجفان لبنى ثم أغلقت عينيها، وبعدها لا تتذكر إلا صوت المسعفين وهم يحملونهم.
فتحت لبنى أجفانها وتحدثت بصوت بالكاد يسمع:
ـ زينة حامل، أنتوا هيكون ليكم أخ منها... ما تعملوش فيه زي ما اتعمل في أسامة وزينب.
توقفت أشرقت عن هذيانها الذي تتوعد فيه، وسرعان ما انسحبت أنفاسها من صدرها عندما ارتفعت الإنذارات الطبية.
....
توقفت ليلى مذهولة وهي تسمع عزيز يؤكد على زوجة عمها بأن عقد القران سيتم بالغد وعليها تجهيز هوية شهد وصورها الشخصية ولا تشغل بالها بشيء آخر، ثم غادر دون أن يضيف كلمة أخرى.
ـ مرات عمي، أنتِ فعلاً موافقة على قرار عزيز؟
نظرت إليها عايدة نظرة طويلة ثم تنهدت قائلة بفتور:
ـ لو كانت قالت لأ مكنتش غصبتها على حاجة.
تابعت ليلى بنظراتها خطوات زوجة عمها وهي تتجه جهة غرفتها.
ـ إزاي عزيز عرف يقنع مرات عمي؟
تساءلت بها ليلى وسارت نحو غرفة شهد، وعند طرقها للباب هتفت شهد سريِعاً على غير عادتها:
ـ أدخلي يا ليلى.
دخلت ليلى وقبل أن يخرج أي كلام منها، استطردت شهد قائلة بحماس:
ـ أنا بعت رسالة لواحدة من صحابي قريبة أوي من لميس وعزمتها على كتب الكتاب بكرة.
تجمدت قسمات وجه ليلى عند سماعها هذا، فاستكملت شهد كلامها بابتهاج:
ـ و بكرة تجي تحضر كتب الكتاب هنا في الفيلا، هيعرفوا ساعتها إني زيهم وإني هوصل وهيكون معايا كل حاجة.
سارت نحو الفراش وجلست عليه ثم نفخت على أظافرها:
ـ هكون دكتورة وهيكون معايا الفلوس كمان، وهيتقال ليا شهد هانم الزهار.
رفرفت ليلى بأهدابها من شدة الصدمة ثم ابتلعت ريقها وتساءلت بأختناق:
ـ شهد، أنتِ عايزة تتجوزي سيف علشان كده؟
توقفت شهد عن النفخ على أظافرها ونظرت نحو ليلى التي كررت سؤالها:
ـ ردي عليا يا شهد، عايزة تتجوزي سيف علشان كده؟
عقدت شهد حاجبيها ثم أشاحت بوجهها عنها مستنكرة من صراخها عليها:
ـ على فكرة يا ليلى، صوتك العالي ده ممكن ماما تسمعه والمرادي لو ماما حصل ليها حاجة هتكوني أنتِ السبب.
تعالت أنفاس ليلى وهزت رأسها رافضة ما تسمعه، نهضت شهد وأسرعت إليها قائلة هذه المرة بتوسل:
ـ ليلى، ممكن تعمليلي منديل كتب الكتاب؟ أنا عارفة أنه ما فيش وقت لكن أنتِ هتعملي ده علشان خاطر تفرحيني.
ـ شهد، أنتِ لازم تقربي من ربنا، عينك وقلبِك يا شهد بقوا محاوطهم الغشاوة.
اختفت ابتسامة شهد وألقت نظرة استياء عليها:
ـ أنتِ عايزة تطلعيني وحشة علشان خلاص هكون زيك وهنتساوى في المعاملة ونعيش كلنا في الفيلا، وماما تبطل تقول ده مش بيتنا ولازم نمشي من هنا.
ـ شهد، أنا مش معترضة على جوازك من سيف وكنت بسعى لكده وبضغط على سيف معاكي، لكن...
قطعت شهد كلامها بقهقهتها العالية واقتربت منها قائلة بثقة:
ـ الحمدلله، أبيه عزيز أخدلي حقي من سيف وأهو هنتجوز، حتى قراره أننا مش هنعمل الفرح غير بعد ما نعرف نشتري شقة ومستعدين مادياً شايفاه مجرد قرصة ودن لينا زي ما عمل كده مع سيف قبل موافقته على جوازه من كارولين.
تحول ذهول ليلى إلى ابتسامة واسعة وأومأت برأسها متمتة بنبرة متهكمة:
ـ مبروك يا شهد، وإن شاء الله تحققي كل أحلامك من وراء جوازك من سيف.
ابتهج وجه شهد رغم علمها بتهكم ليلى عليها ثم عبست فجأة بشفتيها متسائلة:
ـ إزاي هنفرح يا ليلى بكرة وخالي لسه في المستشفى؟
في تلك اللحظة أرادت ليلى أن تضحك بكل قوتها وبسخرية ردت:
ـ ما هي فرحتنا فرحة بسيطة يا شهد، وعم سعيد لما يخرج بالسلامة هيفرح لما يعرف...
تلألأت السعادة في أعين شهد واقتربت منها ثم احتضنتها وتمتمت برجاء حرك قلب ليلى:
ـ خليكي جنبي يا ليلى، أنا محتاجاكي معايا بكرة أوي وأسهري النهارده على منديل كتب الكتاب، أنتِ شغلك حلو أوي أحلى حتى من شغل ماما.
...
تنهد سيف تنهيدة طويلة بعد أن انتهى من مكالمته مع عمه والتي أبلغه فيها بأن يستعد للغد وعليه أيضاً أن يحضر خاتم الزواج لعروسه.
ـ أستحق عقابك يا عمي وهستحمل لأني مش هكون نسخة من سمية هانم...
وأتبع حديثه بإصرار:
ـ ابن سالم الزهار الراجل الطيب لازم يطلع شبيه له.
وتنهد مجدداً عندما تذكر بيسان:
ـ كنتي حلم جميل يا بيسان، حلم ما حسيتش أني نفسي أحققه غير لما روحتي مني...
أفاق من شروده على صوت طرق الباب المصاحب لصوت تلك المزعجة جارته:
ـ يا بشمهندس، افتح الباب، عايزاك تحل معايا مسائل الفيزياء أنا لو سقطت السنة دي أمي حالفة هتقعدني في البيت وتجوزني.
فتح سيف الباب بوجه حانق وصاح عليها:
ـ أنتِ ليه صوتك عالي وليه مزعجة كده؟
غادرت والدة سندس شقتها وأكدت على كلامه وهي تحمل حذاءها المنزلي في يدها:
ـ عندك حق يا بني، ووسعلي كده علشان الشبشب ما يجيش فيك.
انفلتت شهقة قوية من شفتي سندس وفعلت مثلها والدتها بعد أن أصاب الحذاء المنزلي كتف سيف.
ـ يا لهوي عليا جات فيك يا بني، تعالي يا مقصوفة الرقبة فضحتيني، أه على خلفتي اللي تكسف.
أزاحت سندس يد والدتها عنها صائحة بضيق:
ـ يا ماما، ده شاطر أوي في الفيزياء، من يومين شرح ليا درس وفهمته علطول.
و التفتت أثنتاهما نحو سيف الذي وقف محتقن الوجه وقابضاً على كفوف يديه.
ـ ما دام هو شاطر خلاص جمعي له أصحابك وتاخدوا درس عنده يمكن تفلحوا.
عقدت سندس حاجبيها بتفكير:
ـ فكرة حلوة أوي يا ماما، وكمان أهو نساعده بدل ما هو عاطل عن العمل.
تلاشت تلك الانفعالات الغاضبة عن وجه سيف وتحولت إلى ذهول وصاح عليهن بضيق قبل أن يغلق الباب بعنف أمام أنظارهن:
ـ عن أذنكم.
....
أخذت ليلى نفساً عميقاً قبل اتجاهها نحو غرفة مكتب عزيز.
دخلت الغرفة في الوقت الذي تحدث فيه عزيز بغضب:
ـ نارفين، أخبرتك ألا تنفذي أي قرار من رأسك.
لم يرفع عزيز عيناه عن الجهاز اللوحي الذي أمامه واستكمل مكالمته دون أن ينتبه إلى وجود ليلى التي وقفت تستمع إلى المكالمة الهاتفية التي لم تفهم فيها شيئاً لتحدثهم باللغة التركية:
ـ سأهتم بالأمر، وأتمنى أن تنتبهي.
ردت نارفين عليه بصوت جاد:
ـ لا تقلق عزيز لن أكرر هذا الخطأ وقريباً سأثبت لك نفسي في عالم الأعمال.
تنهد عزيز ثم تمتم ببضعة كلمات بنبرة سريعة وأنهى المكالمة حتى يستطيع التركيز في عمله.
ـ عزيز، ممكن نتكلم ولا شكلك مشغول؟ ولا أقولك هجيلك وقت تاني تكون فضيت.
رفع عزيز رأسه سريِعاً بعد أن انتبه أخيراً إلى وقوفها ثم نهض وقال بلهفة عندما وجدها تلتف بجسدها لتخرج من الغرفة:
ـ رايحة فين يا ليلى؟
التقط يدها وقربها إلى حضنه وأردف بعتاب:
ـ ما بتصدقي تهربي من قدامي، لأ يا ستي أنا فاضي ليكي وتعالي أقعدي معايا حتى لو بشتغل.
رمقته بنظرة اخترقت فؤاده المتعب من الهموم، فتنهد مستطرداً بصدق وهو يحتضن وجهها بكفوف يديه:
ـ ليلى، أنا عمري ما كنت مقتنع إن الزوجة بتكون سند وأمان، لكن معاكي كل مفاهيمي اتغيرت، وغصب عني يا ليلى، أنا عارف إني ظلمتك معايا بس أنا من غيرك ولا حاجة.
أخفضت رأسها حتى لا يرى تلك الدموع التي لمعت في مقلتيها:
ـ عزيز، أنت خلتني أفقد الأمان وثقتي في نفسي...
وبنبرة صوت متهدجة أردفت بعد أن فاض بها الكيل من كل شىء حولها:
ـ أصعب حاجة لما تكتشف أنك في الحكاية مجرد لعبة...
وبقهر واصلت كلامها الذي جعل أنفاسه تخرج بصوت مسموع:
ـ أنا عارفة أني ساذجة وعلى نياتي لكن ما كنتش أتخيل أني هتعلم على أيديكم دروس الحياة الصعبة يا عزيز.
لم يصب عزيز تركيزه مع صيغة الجمع التي نطقتها في حروف إحدى كلماتها، فكل تركيزه كان مع دموعها التي أغرقت وجهها ورجفة شفتيها.
اجتذب رأسها إلى صدره وقد عادت بعض مشاهد خذلانه لها تتدفق إلى ذاكرته:
ـ أعمل إيه قوليلي علشان أخفف وجعك يا ليلى؟ اختاري أي حاجة أقدر أعملها إلا الفراق.
وابتعد عنها وقال:
ـ بعد خروج عم سعيد من المستشفى، هاخدك ونسافر نتفسح وأعمل العملية وهلتزم في العلاج والمتابعة وأي حاجة نفسك فيها هعملها بس رجعيلي ليلى حبيبتي ومراتي...
أطبقت ليلى أجفانها بضعف وتناست أمر الحديث الذي أتت من أجله.
مرر عزيز أصابعه على خديها واستطرد في حديثه دون خجل أو حرج كان يكبله:
ـ عارفة يا ليلى ، ليلة امبارح وأنتِ بتديني حقوقي، عارفة حسيت بأيه لأول مرة من ساعة متجوزنا... حسيت أنك بتعملي ده بالغصب...
وبتنهيدة طويلة وثقيلة أردف:
ـ شعور قاسي أوي، شعور خليتك تعيشيه معايا وعملت الأبشع زي ما قولتي...
خرج صوت شهقاتها عالياً وتراجعت إلى الوراء، فهذا الأمر كلما استرجعته ذاكرتها كرهت عزيز.
ـ متتكلمش أرجوك.
تمتمتها بانهيار ثم أسرعت في مغادرة الغرفة.
....
قطبت الطبيبة هناء حاجبيها عندما التقطت عيناها ما أظهرته نتيجة التحاليل التي وصلت إليها اليوم عند عودتها من رحلتها السريعة التي كانت لحضور أحد المؤتمرات الطبية.
أسرعت بالتقاط هاتفها وهتفت عندما ردت صديقتها عليها:
ـ نهى، هو النوع ده من المخـ.. ـدرات ممكن يكون اتاخد إزاي؟ ما هو مش معقول مستشارة بنت راجل قانون تتعاطى مخـ.. ـدرات.
أجابتها صديقتها نهى بعد أن خرجت من شفتيها تنهيدة مسموعة:
ـ مبدئياً كده يا هناء متقلقيش، البنت دي ربنا كان رحيم بيها والعلاج اللي هتكون محتاجاه هو علاج نفسي لأن ممكن جداً تكون اندفعت للطريق ده بسبب ضغط قوي مرت بيه.
هزت هناء رأسها رافضة وتحدثت وهي مقتنعة بتلك الأسباب التي حثتها على فعل هذا الفحص:
ـ لأ يا نهى أكيد معملتش في نفسها كده ، حماها راجل مش مريح خالص والوضع اللي جات بيه المستشفى يخليكي تقولي إن هدفهم يخلصوا عليها وكأنهم خايفين منها، وركزي بقولك هي بتشتغل في هيئة النيابة الإدارية.
مطت نهى شفتيها ولم تتعجب من تخمينات صديقتها البوليسية، فـ هناء كان لديها ابنة عم تعرضت لقهْر من عائلة زوجها دفعها للانتحـ.. ـار.
ـ هي كانت بتاخد جـ..ـرعات قليلة، صح يا نهى؟
تساءلت هناء بعد أن مررت عينيها على التقرير الطبي مجدداً ثم أردفت:
ـ يعني كده مفعول الجـ.. ـرعات بدأ في الانسحاب؟
انطلقت من شفتي نهى زفرة طويلة:
ـ خدي بالك، في نسبة كمان من مسكنات قوية مع حبوب منومة وأكيد كانوا بيتاخدوا علشان الأرق والصداع القوي، خلينا نحط ده على جنب لأن الموضوع بسهولة يتعالج.
توقفت نهى عن الكلام حتى ترتشف بضعة رشفات من مشروبها الساخن ثم استكملت حديثها بتريث:
ـ الفكرة إننا نعرف هل فعلاً زي ما أنتِ شاكة في الأمر؟
قبضت هناء على التقرير وهتفت بإصرار دون أن تهتم لأعتراضات صديقتها على تهورها في أمور لا تخصها:
ـ أنا لازم أقابلها وأفهم منها.
....
أشاحت ليلى وجهها عند دلوف عزيز الغرفة وقد أصابته الدهشة عندما وجدها ما زالت مستيقظة وتقوم بتطريز شيء لم يتبين ماهيته.
ـ عينك هتتعبك كده.
استكملت ليلى ما تفعله ورَدّت بنبرة جافة:
ـ لما بنعمل حاجة بحب ما بنتعَبش منها.
أومأ برأسه ولم يجادلها ثم تساءل:
ـ لما جيتيلي أوضة المكتب كنت عايزانا نتكلم في إيه؟
أطبقت ليلى أجفانها لوهلة ثم نظرت إليه وتساءلت:
ـ إزاي أقنعت مرات عمي؟
حرك عزيز يده على جبينه وجاوبها بنبرة صوت فاترة:
ـ وعدتها إن شهد هتكون في أمان من قراري، وهي عارفة عزيز الزهار لما بيوعد.
ابتسمت ليلى ابتسامة ساخرة التقطتها أعين عزيز.
ـ تصبحي على خير.
تمتم بها وغادر الغرفة سريعاً بعد أن تذكر وعده لسائقه المخلص عند زواجه منها.
....
تأففت بيسان بضجر وهي تنظر إلى شاشة جهازها اللوحي من وقت لآخر.
ـ هو مش بيرد على مكالمتي ليه؟ أه، لو طلعت بتلعب معايا يا فارس لأندمنك.
ورغم علمها إنها لا تستطيع الوقوف أمام رجل خطير مثله، إلا أنها تنفث غضبها بتلك الكلمات الساخطة بسبب تأخره عن اجتماعهم المرئي.
أخرجها من توعداتها صوت رنين المكالمة، فأسرعت بالرد:
ـ أمتى هنخلص من الست دي؟ مش هصبر أكتر من كده...
افتر ثغر فارس بسخرية، فهو عندما أخبرها تلك الليلة عن حقيقة سمية وما فعلته وما تسعى له، ثارت عليه وكذبته، لكن الآن تتعجله في لحظة الانتقام والتي تخص عمه، لكن لا بأس أن يتخلص من سمية أيضاً من أجلها.
ـ دلوقتي مستعجلة على نهايتها! مش دي قدوتك وأم سيف بيه؟
احتقنت ملامح بيسان ثم نفخت أنفاسها بضيق، فضحك فارس واسترخى في جلوسه وقال:
ـ هخليكي تشفي غليلك معايا وهصورلك كل حاجة صوت وصورة، وزي ما أنتِ عايزة حق والدتك وحق هارون بيه واستغفالها ليكُمْ السنين دي، أنا كمان عايز أشوف عمي سيادة الوزير وهو في عينيه الخوف وبيتوسلني أرحمه...
...
شعرت شهد بالصدمة عندما أخبروها أن عقد القران سيتم في مكتب المأذون، لكن قبل هذا سيأخذها سيف وينتقيا سوياً خواتم الزواج.
ـ خاتم ودبلة بس؟!
تساءلت شهد وهي تنظر إلى ليلى التي حركت لها رأسها وكأن الأمر لا علاقة لها به ثم انسحبت مبتعدة وانشغلت في هاتفها وحديثها بالرسائل النصية مع بسام وأميمة زميلته حول ما يفعلونه من تعديلات بالمكان، لكن لابد أن تحضر وتشاركهم ولا تنسى أمر الأقمشة التي عليهم إحضارها ولن يجدوها إلا بمصنع زوجها.
ـ مالهم الخاتم والدبلة، ولا أنتِ كنتي مستنية الألماس يا بنت عزيز؟
قالتها عايدة التي استاءت من اعتراضات ابنتها، فأسرعت شهد نحو ليلى ملتقطة ذراعها.
ـ ليلى، هو أبيه عزيز قالك تجيبيلي بس خاتم ودبلة؟!
وجهت ليلى بصرها إلى الخارج حيث وقوف سيف منتظراً لهما:
ـ الخاتم و الدبلة من فلوس سيف ودي مقدرته يا شهد.
واتبعت حديثها وهي تنظر إليها وتتفرس خلجات وجهها:
ـ وعزيز قالها ليكي، هتبدؤوا حياتكم سوا من الصفر...
🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤
منذ الصباح والسعادة تملأ فؤاد شاكر عند علمه أن صالح وافق أخيراً على العيش معه بعد أن تأكد أن أمان أسرته هو وجودهم هنا، وأن تمرده بالابتعاد عن العائلة لم يجلب له سوى الكوارث، وعِناد حفيدة نائل معه وظنها أنها أصبحت مسيطرة عليه.
استفاق شاكر من عمق أفكاره واستنتاجاته التي لا يصورها سوى عقله.
ـ دادة نعمات، دادة نعمات...
ارتفع صوت حورية بالنداء على السيدة نعمات التي خرجت من المطبخ مسرعة.
ـ نعم يا دكتورة؟
نظرت إليها حورية بنظرة تقييمية ثم اتخذت قرارها الذي ترددت فيه بالبداية:
ـ هيام هتكون مرافقة لـ زينب وملازمة ليها طول الوقت...
اندهشت نعمات من قرار سيدتها، كما أندهش شاكر الذي يتلصص على حديثهن.
ـ ديه أوامر صالح، ومن النهاردة شغل هيام مقتصر على خدمة زينب فقط.
أومأت نعمات برأسها وتأكدت أن استبعاد صالح لها عن خدمة زوجته ما هو إلا بسبب أنها كانت تنقل أخبارهم للجد عندما كانت تعمل لديه.
ـ فين يزيد يا دادة نعمات؟
التفتت نعمات وراءها بفزع ثم صوبت عينيها جهة المطبخ قائلة:
ـ يا خبر! أنا سيباه في المطبخ بيلعب في الدقيق، زمانه خرب لي العجين!
ضحكت حورية على هرولة نعمات بتلك الطريقة المضحكة، ثم اتبعتها حتى ترى ما فعله حفيدها من كوارث.
ـ كده يا يزيد، بوظت لي العجين!
قالتها نعمات ثم نظرت إلى الخادمتين اللاتي يعملن تحت إشرافها وصاحت عليهن:
ـ وأنتوا واقفين تتفرجوا؟!
أخفضا رءوسهما، فهن حاولن مع يزيد لكنه لم يستمع لهن.
نظر يزيد إلى كور العجين التي أمامه ثم التقط واحدة وقذف بها نحوهن وضحك:
ـ يزيد، عيب!
صاحت حورية عليه، فالتقط واحدة أخرى وألقاها.
ـ يزيد، كفاية كده، وأخرج فوراً من المطبخ!
خرج صياح حورية هذه المرة بحزم أشد، ثم أسرعت إليه وأجتذبته من يده.
ـ لو مخرجتش معايا وسمعت الكلام هنادي على صالح.
ـ في إيه يا حورية؟ بتزعقي في الولد كده ليه؟
قالها شاكر عند دلوفه إلى المطبخ، فامتعض وجه حورية وأشارت إلى ما فعله:
ـ مش شايف شكله، ولا شايف عمل إيه يا عمي؟
ـ سيبي إيد الولد يا حورية!
واتبع حديثه وهو يشير إلى يزيد أن يأتي إليه:
ـ حفيدي يعمل أي حاجة عايز يعملها، تعالي يا حبيبي.
برقت أعين يزيد بالسعادة وأسرع إليه، احتضنه شاكر بأحد ذراعيه وأردف مازحاً:
ـ جدك راجل عجوز ومكحكح يا يزيد، مش حمل النطه ديه!
رفع يزيد عينيه إليه وقال:
ـ وأنت كبرت بسرعة ليه يا جدو؟ كنت استنتني نكبر سوا!
تجلجلت ضحكات الجد التي أدهشت حورية والخدم:
ـ تعالى نخرج من المطبخ الأول وأقولك أنا كبرت بسرعة إزاي، وكمان حفيدي لازم يعرف إن المطبخ ده مش مكانه يلعب ويقعد فيه، أنت حفيد شاكر الزيني.
هز يزيد رأسه، فداعب الجد خصلات شعره وقال:
ـ أسند جدك يا يزيد، يمكن أنت اللي تكون شاكر الزيني بدل أبوك اللي خاب أملي فيه.
غادر شاكر المطبخ أمام أنظار حورية التي وقفت مصدومة ومعقودة اللسان، ثم غمغمت في نفسها:
ـ عمي بيلعب لعبة جديدة! يا ترى إيه هي؟
...
تنهد صالح بسأم بعد أن وجد زينب تبكي وتخبره بأنه لم يعد يحبها وأن وقتها في حياته أوشك على الانتهاء، فكل شيء خطط له جده حدث، وهي وحدها من خسرت.
ـ أنتِ مستوعبة كلامك يا زينب ومصدقاه؟!
هزت له رأسها بتأكيد وهي تمسح دموعها، وتمتمت بصوت متحشرج:
ـ ما أنت كنت متجوزني علشان أربي يزيد وأخلف، وفضلت ورايا لحد ما خليتني أسامحك، واستغليت رحلة أسوان وعرفت تضحك عليا وحققت مرادك مني!
أطبق صالح أجفانه بإرهاق، فواصلت هي عتابها باختناق:
ـ وطبعاً علشان تعاقبني جبتنا نعيش هنا مع جدك اللي بيكرهني، وزاد كرهه ليا علشان أتأكد أني حامل في بنت ومحققتش غرضه التاني من جوازنا!
فتح صالح عيناه على وسعهما في ذهول وتساءل:
ـ جدي امتى أتكلم معاكي في موضوع جنس البيبي؟
أشاحت بوجهها عنه، فانطلقت من شفتيه زفرة طويلة، ثم اقترب منها وكرر سؤاله بحدة:
ـ زينب، أنتِ مش ملاحظة إنك بقيتي ترمي الكلام وبعدين تسبيني أضرب أخماس في أسداس؟!
نظرت إليه وتمتمت بشفتين مرتعشتين:
ـ رجعني عند جدي يا صالح.
زفر صالح أنفاسه بزفرة حانقة جعلتها تجهش بالبكاء المرير.
ـ قوليلي بتعيطي تاني ليه؟ ريحيني يا زينب وروحي معايا للدكتورة النفسية.
أسرعت بهز رأسها رافضة تكرار هذه التجربة التي فعلها معها جدها بعد وفاة والدها وجدتها عندما أتت للعيش معه، ورغم تحسنها الملحوظ والذي أعطى ثماره سريعاً، إلا أن هذا الأمر جعل يسرا زوجة عمها مصطفى تنعتها لفترة بالمريضة، وعلى ابنتها ألا تصاحبها.
ـ لأ، مش هروح، أنا مش مريضة يا صالح! قول إنك مش قادر تستحملني، أنت مبقتش تحبني، رجعني لجدو قلت!
وباغتته بنهوضها واتجاهها نحو خزانة الملابس حتى تستبدل ملابسها بأخرى.
توقف صالح لوهلة مذهولاً من أفعالها التي صارت تصيبه بالجنون، وعندما وجدها بالفعل تزيل ثيابها عنها وتقوم بارتداء ما ألتقطته يداها، أسرع إليها وأحتضنها بإحْكام وتحدث برفق:
ـ زوزو البنت الشطورة عايزه تسيب صالح حبيبها وتمشي؟ ينفع كده يا زوزو...
ـ محدش بيحبني، جدو بس هو اللي بيحبني وبيسمعني!
قطب صالح حاجبيه وأبعدها عن حضنه وتساءل بعبوس وهو يحتضن وجهها:
ـ بتقوليلي أنا الكلام ده يا زوزو؟!
واتبع حديثه دون أن يشعرها بغضبه نحو الأمر الذي أجبرته عليه ووضعت حياتهما في كفة معه:
ـ يعني مخلياني رافع إيدي عن ابن عدنان الهتيمي وساكت لحد ما يصدق في وعده معاكي، وتقوليلي ماحدش بيحبني غير جدو...
وأردف بنبرة صوت فقدت بعض اللين وصارت تحمل اللوم:
ـ لو سيادة اللواء عرف بالموضوع، أكتر واحد هيتلام هو أنا لأني سمعت كلامك...
ارتسم الذعر على وجه زينب، وأسرعت بتحريك رأسها وهتفت برجاء يتغلغل فيه ذعرها:
ـ لا.. لا.. جدو مش لازم يعرف حاجة يا صالح، هو قالي إن جدو لو عرف حاجة مش هيستحمل!
ارتفعت زاوية شفتي صالح باستنكار وتحدث داخله:
ـ "ابن عدنان بيلعبها صح أوي، أكيد خايف ينكشف أكتر وجوازته من أشرقت تنتهي، ماشي يا مراد، أنا وأنت الأيام لسا بينا."
ـ صالح، أنت مش هتقول لجدو حاجة؟ أوعدني يا صالح من فضلك.
ضاق ذرعاً ثم خرجت تنهيدة طويلة وعميقة من صدره وقال:
ـ لو عايزاني أسمع كلامك، لاما تساعديني وتساعدي نفسك عشان نخرج من الحالة دي، أو توافقي تروحي معايا للدكتورة النفسية.
أومأت برأسها سريعاً في خضوع لا يحب أن يبصره عليها ثم تنهد واستطرد قائلاً وهو يضمها إلى صدره:
ـ زينب، من فضلك متخليش حاجة تهزمك، وخليكي متأكدة إننا هنعدي كل حاجة سوا.
ابتسمت ابتسامة باهتة ورفعت عينيها إليه وقد ترقرقت الدموع بهما.
ـ مش هتقوليلي بقى مين قالك إن جدي مش مبسوط إننا هنخلف بنت؟
أغلقت عينيها وهمست بخفوت ألتقطته أذناه:
ـ يزيد.
...
استعجب شاكر عند دخول صالح غرفته وعلى وجهه يتجلى الغضب.
اتجهت أنظار يزيد نحو والده وقال بحماس بعد أن اعتدل في جلوسه:
ـ بابي! تعالي أسمع حكايات جدو شاكر وهو صغير، جدو شاكر طلع طيب أوي يا بابي!
أخذ صالح نفساً عميقاً وقال بهدوء:
ـ نانا عايزاك يا يزيد، أخرج ليها.
أسرع يزيد بتحريك رأسه رافضاً الاستماع لأمره، فصرخ صالح عليه:
ـ قلتلك أخرج عند نانا يا يزيد وبلاش أكرر كلامي تاني!
زم الصغير شفتيه ثم وثب وسار ناحيته مطأطأ الرأس، وقال قبل أن ينفذ أمره ويغادر:
ـ أنا زعلان منك يا بابي، وهقول لـ زوزو أنك زعقت فيا لأني قاعد مع جدو شاكر وبسمع كلامه! أصلاً زوزو قالتلي أني أسمع كلام جدو شاكر وأحبه وماخفش منه.
اعتلى الذهول قسمات وجه شاكر، وقد أصابه كلام الصغير بالغرابة؛ فهل زينب تسعى لتصليح علاقة يزيد معه؟
ـ شايف هي بتعمل ليك إيه ، وأنت كل هدفك أنك تفكرها بسبب وجودها في حياتنا؟ وأنها كانت مجرد لعبة في خطتك اللي استغليت فيها ظروفها و خوف جدها عليها والهدف إنها تجيب ليك وريث وتربي يزيد.
وبسخرية واصل صالح كلامه الذي يذكره بحقارته معها في ليلة عُرسهما:
ـ وتهذب طباع حفيدك وتخليه يرجع يخضع ليك من تاني.
ابتلع شاكر ريقه وتحدث بنبرة متعلثمة:
ـ أنت بتتكلم عن إيه؟ ولا أنت لازم تطلع جدك السيء في كل حاجة؟!
افتر ثغر صالح عن ابتسامة تحولت سريعاً لقهقهة عالية:
ـ جدي، هو أنت لسا مقتنع أنك كل اللي بتعمله ده علشان ترابط العيلة؟!
تجهم وجه شاكر وكاد أن يرد عليه ويخبره بكل ما فعله من أجل العائلة، لكن صالح أردف بتهكم:
ـ أنت كنت هادم معنى كلمة عيلة بالنسبة ليا، والحسنة الوحيدة اللي عملتها علشاني هو اختيارك لـ زينب!
استند شاكر على عكازه واقترب منه قائلاً بنبرة مستاءة:
ـ أنا جدك مش عدوك!
ردد صالح كلامه لعدة مرات ثم مال ناحيته هامساً:
ـ مين قالك أنك مش عدوي؟! أنت أكبر عدو ليا يا جدي، وعلشان كده بحذرك للمرة الأخيرة: زينب خط أحمر!
ظهر الامتعاض على وجه شاكر، فابتسم صالح وهو يلتقط بعينيه هذا:
ـ مش أنت عايز الترابط العائلي؟ أهو أحنا حواليك، استغل الفرصة يا باشا، لأنها لو ضاعت منك الله أعلم هتعيشها تاني ولا لأ!
انعقد لسان شاكر عن الرد، وحدق نحو عصاه التي بدء يضرب بها أرضية الغرفة متسائلاً:
ـ "هو يقصد إيه؟ يقصد أنه ممكن يبعد تاني عني؟ لا.. لا.. أنا لازم المرادي ألعبها صح وأكسب حب زينب."
وشاكر الزيني لا ينظر إلى ضياع الفرص إلا هكذا، وسرعان ما كان يعقد ما بين حاجبيه متمتماً بقلق:
ـ "رغد ممكن تكون عقبة جديدة ليا مع صالح وينفذ تهديده لو عرف بخطتنا، أنا لازم أتكلم معاها قبل ما تنطق بكلمة."
....
تلاقت أعين عزيز مع سيف بنظرة حملت العديد من المشاعر المتضاربة، لم يقطعها سوى صوت الشيخ وهو يقول:
ـ سيد عزيز، أنت وكيل العروسة ولا هتوكل حد تاني؟
اتجهت أنظار عزيز نحو شهد بنظرة خاطفة ثم أجاب:
ـ أيوة أنا، والحج عبدالرحمن والسيد هارون الشهود.
حرك كل من الحج عبدالرحمن وهارون رءوسهما تأكيداً على كلامه.
أومأ الشيخ برأسة وجلس بالمقعد المخصص له، ثم نظر إلى الأوراق التي أمامه وبعدها بدأ في إتمام مراسم الزواج.
شعرت عايدة بشيء خفي يعتصر قلبها، ثم نظرت نحو شهد بأعين يلتمع فيها الرجاء بأن تتراجع، لكن خيبة أمل جديدة كانت تضاف إليها فتزيد من أوجاعها وحسرتها.
أمسكت ليلى بيد زوجة عمها بدعم عندما سأل الشيخ شهد عن موافقتها على الزواج.
انتقلت أعين شهد جهة سيف، ثم أسدلت أهدابها وتمتمت بنبرة صوت ارتجف معها قلب عايدة:
ـ موافقة.
أطبق سيف أجفانه عندما استمع لقبولها.
برقت أعين هارون من السعادة والارتياح، ثم نهض قائلاً بنبرة صوت يتغلغل فيها الشماتة:
ـ مبروك يا سيف، كنت أتمنى سمية تكون معانا.
استقبل سيف حضن هارون بمشاعر خاوية، وسرعان ما كانت ملامح وجهه تتجمد عندما همس هارون قرب أذنه:
ـ إياك في يوم تفكر تقرب من بنتي تاني! واسمع كلام عمك وخليك طفل مطيع يا ابن سمية!
ابتعد هارون عنه ثم نظر نحو عزيز الذي لم تظهر على وجهه أي مشاعر، واقترب منه حتى يودعه:
ـ مبروك يا عزيز، وكويس أنك خليت حد يلقط لينا كام صورة للذكرى.
ثم انفرجت شفتا هارون بابتسامة واسعة وأردف:
ـ كنت عايز أكون أنا أول واحد يوصل الخبر لـ سمية، لكن مادام أنت عايز تسبقني مافيش مشكلة.
تعجب عزيز من تلك الشجاعة التي سيطرت على هارون فجأة، فربت هارون على كتفه وتحدث هذه المرة بنبرة صوت تحمل اللطف:
ـ أشوفك على خير يا عزيز، لو لسا في العمر بقية.
تحرك هارون بضعة خطوات ثم التفت ونظر نحو سيف بنظرة سريعة وبعدها غادر المكان الذي اختفى منه أي من مظاهر الفرح.
....
سقط كوب العصير من يد سمية، والذي للتو أعطته لها إحدى العاملات بمركز المساج.
ـ عذراً سيدتي، أنا آسفة!
تمتمت العاملة بعد أن أصابها الخوف من تعنيف سمية لها وربما تتسبب في طردها من المركز الذي يحرص على إرضاء عملائه، لكن سمية هذه اللحظة لم تشغل بالها إلا بما تراه بالصور التي أرسلت إليها.
ـ عملتها يا عزيز، وجوزت ابني لبنت السواق زي ما أنت أتجوزت بنت أخوه!
وفجأة التمع في عينيها الجمود عندما انتبهت على وجود هارون في إحدى الصور.
ـ هارون معاك كمان؟! لأ، أنا كده الشك عندي زاد!
وسرعان ما تمتمت بحقد وهي تتجه نحو الغرفة المخصصة لتبديل الملابس:
ـ وأنا اللي قلت هرجع من السفر على جنازتك يا هارون!
...
ضاقت حدقتا عدنان بإنصات عندما استمع إلى صراخ إلهام على زينة، والتي أخذت تردد لها أنها لا تريد العيش بعد رحيل من أحبته.
انتفض قلب إلهام فزعاً عند رؤيتها لـ عدنان، والذي أجفلهم باقتحامه للغرفة.
ـ مين ده اللي الهانم عايزه تنتحر علشانه؟!
تساءل عدنان وهو يصوب أنظاره نحو زينة ثم أردف بغضب:
ـ علشان كده كل ما الهانم نجيب ليها سيرة الجواز تعمل الشويتين عليكي وتقولك أخلص دراسة الأول!
كادت أن تتحدث إلهام، لكن عدنان حذرها بإشارة من يده حتى لا تتحدث.
ـ كلامي المرادي منتهي، هتتجوز واحد من رجالتي هنا، ومش هتفرق معه إنها بنت ولا مش بنت، خليني أخلص من همها بدل ما حد من أعدائنا يضربنا فيها...
تراجعت زينة إلى الوراء بخوف وأغلقت عينيها وهي تهز رأسها رافضة ما سمعته.
غادر عدنان الغرفة بخطوات غاضبة، فأسرعت إلهام وراءه بعد أن ألقت بنظرة ممتعضة نحو زينة التي احتضنت بطنها بذراعيها.
ـ أنا عايزة هشام.. هشام هيجي لينا وياخدنا من هنا!
....
غادرت سمية مركز المساج وهي تزفر أنفاسها بضيق وتتوعد لكل من عزيز وهارون.
ـ محدش فيكم عايز يرد عليا وكأني مش هرجع مصر ليكم وأدفعكم ثمن لعبتكم من ورا ضهري!
وانطلقت من شفتيها زفرات عدة حتى تسيطر على غضبها وتفكر في خطواتها القادمة.
ـ زي ما هساعدك يا كمال وأخلصك من ابن أخوك، أنت كمان لازم تخلصني من هارون وعزيز!
وتجلجلت ضحكاتها لكن انقطعت فجأة عند انتباهها على تلك الرسالة المقرر فيها ساعة اللقاء، والتي ستكون بالغد وينتهي بعدها ما أتت من أجله.
....
سارت ليلى بخطوات مترددة وراء عزيز فور عودتهم، وقد أجفلها بالتفافه جهتها وقال بنبرة مرحة:
ـ سمية بعتالي رسالة بتتوعد ليا، هي فاكرة ابن أخويا بنت بتتغصب على الجواز علشان تداري فضيحتها!
لم تهتم ليلى بما يقوله عن تلك المرأة وتفرست في ملامح وجهه لوهلة، ثم ألقت عليه ما أرادت إخباره به:
ـ عزيز، أنا وشركائي هنفتتح مكان شغلنا بعد أسبوع وعايزينك تورد لنا كذا نوع من الأقمشة.
عقد عزيز ما بين حاجبيه واقترب منها بتساؤل يحمل دهشته:
ـ مكان وكمان قماش تستوردوه؟!
اهتزت أهداب ليلى بتوتر وقالت:
ـ هندفع ليك زي أي تاجر بياخد من مصنعك، بس ياريت تقسط لينا، إحنا لسا في البداية.
....
أصابت الدهشة وجه رغد عندما رأت شاكر يقف أمامها متسائلاً :
ـ هتسبيني واقف على الباب؟!
نظرت رغد إليه وإلى تلك الحقيبة التي يحملها سائقه، فأردف شاكر بأبتسامة:
ـ دي شنطة هدومك وكل حاجتك اللي كانت في الفيلا، قلت أجيبها ليكي بنفسي وأطمن عليكي وندردش شوية، ولا شكلي كده ضيف مش مرحب بيه؟!
أفسحت رغد له المجال وأشارت إليه بالدخول قائلة بصوت خافت:
ـ أتفضل.
دخل شاكر الشقة واتبعه سائقه الذي وضع الحقيبة وانصرف.
ـ حلوة الشقة، بس في أحلى طبعاً، لأ، وكمان مكانة كبيرة منتظراكي في مجال الإعلام.
استدارت رغد سريعاً جهته حتى تصرخ عليه، لكنه قطع ردة فعلها وقال:
ـ أهم حاجة تكوني عاقلة وتفكرى في مصلحتك، ولا عايزة تطلعي قدام العيلة إنك بنت عديمة الأخلاق والشرف وبتسعى ورا راجل متجوز؟!
وباستهزاء استطرد وقد استغل حالة الضياع التي تعيشها بعد ما فعله ساري بها:
ـ عارف إنك عاقلة وهتسمعي الكلام زي ما سمعتي كلامي قبل كده وطوعتيني.
