رواية ناب الافعي الفصل الثالث عشر 13 بقلم سمر بسطاوي


 رواية ناب الافعي الفصل الثالث عشر 

كانت تجلس على سريرها تحتضن نفسها، تحدق في الفراغ وتهز جسدها بهستيرية. الدموع تسقط من عينيها دون أن تدري. تتذكر تلك الذكرى الأخيرة بينهما فتأوهت بصوت مكتوم.

*فلاش باك*

*عمران ببرود: تقصدي إيه بكلامك ده يا مهرة؟*  
*مهرة بهمس: اللي فهمته يا عمران... بابا مش موافق.*  

*عمران بعصبية: إزاي يعني؟ والدك أداني كلمته. إزاي يغير رأيه بالسرعة دي؟*  
التزمت مهرة الصمت وهي تنظر إليه بتوهان. لا تعرف ما الذي عليها قوله. هل ستقول له إن والدها لا يريده لأنه خسر شركاته وأصبح فقيراً الآن؟  
فهم من عينيها ما تود قوله. فنظر إليها بغضب وهو يقبض يديه وتحدث ببرود:  
*عمران: والدك رفضني عشان خسرت شركتي... مش كده؟*  

*مهرة بتوتر: عمران بابا ميقصدش هو..*  
قاطعها وهو يضرب بيديه بقوة على مقدمة السيارة.  
*عمران بصوت عالي: تبرري إيه يا مهرة؟ ولمين؟ مهران السيوفي اللي عمره ما همه غير الفلوس. دي الحقيقة المرة. أبوكِ بعدني عنك عشان مبقتش من مستواكم. عشان عمران سالم خسر شركاته وبقى على الحديدة. صح؟ أبوكِ كان عاجبه جوازنا عشان كان عارف إني هنفعه في الشركة. لكن دلوقتي أنا مسواش حاجة... صح؟*  
  
*مهرة بدموع: أنا والدي مش كده يا عمران. متتكلمش عنه كده قدامي لو سمحت. أنا مسمحلكش.*  

*عمران: انتي بتحبيني يا مهرة؟*  
*مهرة: طبعاً يا عمران بحبك.*  
*عمران: خلاص يبقى نتجوز وتيجي معايا.*  
تراجعت خطوة للوراء بتوتر.  
*مهرة: أنا مينفعش أكمل حاجة زي كده من ورا والدي. هو اللي بقالي في الدنيا دي بعد موت ماما.*  

*عمران بهستيرية: طب وأنا؟ أنا أبقالك إيه؟*  

*مهرة: انت ليه مش قادر تفهمني؟*  

*عمران: أنا لحد دلوقتي مستعد أحارب الدنيا دي كلها علشانك. علشان بحبك وعاوزك ومش هستحمل إنك تكوني لغيري. بس أنا مش هحارب عشان واحدة مش قادرة تحارب عشاني.*

مسح على وجهه عدة مرات وهو يقترب منها ويمسك يديها. فنظرت له والدموع تنهمر من عينيها دون توقف. أسند جبينه على جبينها وهمس:  
*عمران: هو... ولا أنا؟*

انتفضت بعيداً عنه تنظر له بصدمة. كيف لها أن تختار بينه وبين أبيها الذي رباها واعتنى بها كل تلك السنين؟ ابتلعت ريقها وهي تنظر له بوجع وبصوت مبحوح.  
*مهرة: بلاش يا عمران. أنا مش عاوزة أخسرك.*  
نظر لها بوجع وهو يهز رأسه بيأس ويبتعد عنها بخطوات بطيئة.  
*عمران: انتي خسرتيني يا مهرة.*  
  
*مهرة: عمران انت بتقول إيه؟*  

صعد عمران سيارته. ألقى لها نظرة أخيرة وقال بتحدي:  
*عمران: وعد إني هرجع يا مهرة. بس وقتها مش هرجع عمران سالم بتاع زمان. هرجع رجل الأعمال عمران الألفي الأشهر في العالم. ولوقتها مش هتشوفي وشي.*  
ثم أكمل بوجع:  
*عمران: كان نفسي تختاريني زي ما كنت بختارك دائماً. أنا هرجع... هرجع عشانك حتى لو انتي مخترتنيش. مش عشان أنا ضعيف. عشان أنا بجد حبيتك يا مهرة. ووقتها هتبقي حرم عمران. وده وعد.*  
تحرك بعيداً عنها بسيارته وهي تنظر له بوجع. سقطت على الأرض تبكي على فراق حبيب أيامها.  

دق باب الغرفة فمسحت دموعها سريعاً. دخل والدها الغرفة وجلس على طرف الفراش. فنظرت له بقهر.  
*مهرة: بقى يليق بمقامك؟ ولا انت رأيك إيه؟*  

*مهران باستغراب: هو مين ده يا مهرة يا بنتي؟*  

*مهرة: عمران رجع يا بابا. عمران سالم هو نفسه عمران الألفي.*  

انتفض مهران من على السرير وهو يتحدث بصدمة:  
*مهران: انتي بتقولي إيه؟*  

*مهرة: اللي سمعته.*  

*مهران: مستحيل.*  
  
تركها وهو يغادر يصفع الباب خلفه بقوة. مرر إصبعه على هاتفه.  
*مهران: والدك فين يا سليم؟ احنا في مصيبة.*  

*_**_**_**_**_**_**_*______________________ 

*"من قال أن الحقيقة قد تُدفن إلى الأبد؟ حبل الكذب قصير، والحقيقة كالشمس مهما غابت ستسطع بقوة من جديد."*

كان المطار خالياً إلا من بضع أشخاص متفرقين. والهواء باردٌ والصمت يخيم على المكان.

وفجأة... شقّ الهدوء صوت محركات طائرة خاصة تهبط ببطء. نزل من على السلالم.  
خطوة... ثم خطوة أخرى ثقيلة.

كان يرتدي بدلة سوداء مفصلة على جسده بدقة، ونظارة شمسية سوداء رغم ظلام الليل.  
يحمل في يده حقيبة جلدية فاخرة، وعلى وجهه ابتسامة باردة لا تحمل أي تعبير.

نزل خلفه اثنان من حراسه الشخصيين. فوقف جميع من كان في استقباله في صفٍ واحدٍ احتراماً له. تحدث بالإنجليزية مع أحدهم قائلاً:

_مالك بصوت هادئ قاتل: عمران الألفي عاد؟_

ابتلع السكرتير ريقه وأجاب بارتباك:  
_السكرتير: نعم يا سيدي... وعاد وليس وحده._

رفع مالك نظارته ببطء ونظر إلى السماء.  
_مالك ببرود: جيد جداً... اللعبة هكذا بدأت حقاً._

ثم اتجه إلى السيارة السوداء الفاخرة التي كانت تنتظره.  
تحركت السيارة وتركت خلفها دخاناً كثيفاً...    

 

*_**_**_**_**_**_*____ 

على مائدة الطعام كان يجلس الجميع يتناول طعامه بصمت. وفي داخل كل واحد منهم همٌ كالجبال. أضاء هاتف عمران بصوت الرسالة فاكتفى بالنظر إليه. تناول طعامه بهدوء ثم نظر إلى أسامة بغموض وقال موجهاً حديثه لسالم الذي كان يقلب الطعام بضيق:  
*عمران: عندي مشوار كده كام ساعة وراجع. خليكم مع ترتيل وأنا مش هتأخر.*  
اكتفى سالم بالنظر إليه وأومأ برأسه. تنهد وهو ينهض مشيراً لأسامة.  
*عمران: تعالى عاوزك معايا.*  
*أسامة: خير في حاجة ولا إيه؟ قلقتني.*  
*عمران: كل خير يا أبو نسب.*  
*_**_**_**_**_**_**_*_ 
 
في فيلا الجبالي كان يجلس سليم ووالده أيوب الجبالي يحتسيان الخمر بتلذ ويضحكان سوياً. قطع حديثهما الخادم وهو يتحدث باحترام لسيده:  
*الخادم: سيد أيوب. مهران السيوفي ينتظرك بالخارج.*  
*أيوب باستغراب: ده إيه اللي جابه دلوقتي ده؟*  

*سليم بتلذذ وهو يحتسي مشروبه: كان بيقول في مصيبة.*  
ثم أكمل باستهزاء وهو يعتدل:  
*سليم: بعيد عنك مبيجيش من سحنته إلا المصايب. زي بنته كده بالظبط.*  

*أيوب: اتعدل يا سليم. متبوظش اللي عملناه بأسلوبك ده.*  

نظر أيوب للخادم قائلاً:  
*أيوب: أبلغه أنني سأوافيه في الحال. فقط خمس دقائق لأغير ملابسي.*  

انصرف الخادم تحت أنظار سليم الساخطة وهو يتكئ على الأريكة بأريحية متحدثاً بتحاذق لوالده بالإنجليزية:  
*سليم: وبالطبع إن سألك عني فأنا لست هنا. فأنا أخشى أن يرفض زواجي إن رآني أحتسي الخمر.*  

غمز لوالده بمكر وهو يرتدي ملابسه. خرج ليقابله فوجده يجلس في مكتبه والتوتر يغزو ملامحه. فتحدث بصوته الأجش:  
*أيوب: نورتنا يا مهران. خير يا راجل؟ مبقناش نشوفك. لازم يكون في مصيبة يعني عشان تنورنا.*  

*مهران: عمران رجع وشكله كده مش ناوي على خير أبداً.*  

انمحت الابتسامة من على وجهه وتحدث ببرود:  
*أيوب: طب ما يرجع؟ نعمله إيه يعني؟*  

*مهران بعصبية: بقولك مش ناوي على خير.*  

*أيوب بحدة: أولاً وطي صوتك. ثانياً هو ميعرفش أي حاجة من اللي حصلت. وحتى لو عرف مش هيقدر يعمل حاجة.*  

*مهران: شكلك ناسي هو ابن مين. ده ابن سالم الألفي فاكره ولا نسيته؟ سم الأفعى بيجري في دم كل واحد في عيلة الأفعى. والأفعى مبتسيبش حقها يا أيوب.*  

*أيوب: شكلك انت اللي ناسي نهاية الأفعى كانت عاملة إزاي يا شاطر. الأفعى انتهت من زمان يا مهران. والزمان ولى.*    

*مهران: يخوفي الحقيقة تبان.*  

*أيوب: ده على جثتي طول ما أنا عايش.*  

*_**_**_**_**_**_**_*_ 
فتح أسامة باب الفيلا وهو يدلف مع عمران للداخل. ولكنه صعق عندما اشتعلت الأضواء وظهر أمامه ببدلته السوداء واضعاً يده في جيب بنطاله ويقول بصوته الرخيم:  
*مالك: وحشتني يا أسامة.*  

نظر أسامة بنظرات حارقة لعمران وهو يشير على والده بغضب:  
*أسامة: الراجل ده بيعمل إيه هنا؟ وإيه اللي رجعه بعد كل السنين دي؟*  

ربت عمران على كتفه بحنان وهو يدفعه للنظر إليه:  
*عمران: اهدى وإحنا هنتفاهم.*  
*_**_**_**_**_**_*___ 

#احذر فقد تأتيك الأفعى مغلفة مع الورود البيضاء


تعليقات