رواية ناب الافعي الفصل الرابع عشر 14 بقلم سمر بسطاوي


 رواية ناب الافعي الفصل الرابع عشر 

في فيلا سالم العمرواي، كانت تقف تلك الليدي وهي توبخ الخدم بشدة لعدم اتباعهم الأوامر.  
دلفت إلى الداخل وهي تتسلل من خلف والدتها حتى تفاجئها بقدومها، ولكنها تعرفت إلى خطوات طفلتها فابتسمت وأمرت الخدم بالانصراف. وقبل أن تفاجئها أتاها صوت والدتها الرقيق.

*فريدة*: متحاوليش يا زوز.

تنهدت رزان بضيق كالطفلة الصغيرة وهي تتجه لتقف قبالتها تضع يدها فى خصرها بتذمر  
*رزان*: إزاي بجد بتعرفي في كل مرة بوجودي؟ أنا كنت كاتمة أنفاسي عشان متوصلكيش.  
ربتت فريدة على وجهها بحنان وهي تبتسم ابتسامة عذبة.  
*فريدة*: وهي في أم مبتحسش ببنتها برضو؟

احتضنتها رزان وهي تهمس لها بحب.  
*رزان*: ربنا يخليكي ليا يارب وميحرمنيش منك أبداً.

أتاها صوت ذكوري من خلفها يقول بمشاكسة:  
*سالم*: ويا ترى بقى باباي ملهوش نصيب من الحضن الجميل ده؟

ضحكت رزان وهي تغمز له بمشاكسة وتقترب منه تهمس بصوت مسموع لفريدة.  
*رزان*: أخاف المزة اللي ورا دي تغير وتعلن عليا الحرب، والعبد لله صدقاً مش ناقص.

ابتسم سالم بصوته الرجولي كله، وعيناه البندقية التي تشبه الشوكولاتة تعانق عينيها البندقية الفاتحة التي ورثتها عنه. تلك هي مشاكسته الصغيرة. طبع قبلة على جبينها وهو ينظر لها بحب قائلاً:  
*سالم*: كنت لسه هسألك طالعة بكاشة كده لمين، بس افتكرت إنك بنت سالم العمرواي... رزان سالم العمرواي.

*فريدة*: ممكن بعد إذن حضرتك يا فرعون مصر الموقر؟ تحياتي تحياتي طبعاً... تسيب بنتوتي تطلع أوضتها تغير هدومها وترتاح شوية.

انحنى بحركة درامية وبسمة جذابة تزيد من وسامته قائلاً:  
*سالم*: انتي تؤمري يا نفرتيتي.

ضحكت رزان على والديها ثم صعدت إلى غرفتها ترتاح بعد يوم شاق. تذكرت صوفيان فارتسمت على وجهها ابتسامة صغيرة وهي تهمس:  
*رزان*: مغرور.

*_**_**_**_**_**_**_*_

ارتد على الأريكة بعدما خانته قدماه بعدم تصديق بعد كل ما سمعه. نظر إلى الفراغ أمامه وهو يبتلع ريقه ويداه ترتعش. أغمض عينيه مستنداً رأسه على الأريكة وهو يتحدث بوجع وصوت مخنوق من كبته لبكائه.  
*أسامة*: خليه يمشي دلوقتي يا عمران. أنا مش قادر أستوعب حاجة ولا قادر أشوفه... خليه يمشي أرجوك.

نهض مالك من الكرسي وهو يغلق أزرار بدلته السوداء متجهاً إلى أسامة. كاد أن يربت على كتفه ولكنه تراجع إلى الوراء وهو يضم يده إلى جيبه. أعطاه نظرة ثابتة ثم قال:  
*مالك*: أنا ماشي متقلقش. ده الكارت بتاعي لما تهدى ابقى كلمني.

ترك له الكارت على الطاولة ثم ذهب ناحية عمران مربتاً على كتفه ناظراً لأسامة خلفه.  
*مالك*: متسيبهوش لوحده يا عمران.

هز عمران رأسه بالموافقة وهو يودع مالك. وما أن خرج من الباب حتى سمع عمران صوت أسامة الباكي وهو يتحدث بين شهقاته:  
*أسامة*: مكنش الحل... مكنش ينفع يسيبني أواجه كل ده لوحدي. مكنتش ماما هتموت بسببه، بسبب حسرتها عليه... مكناش هنتفرق كده. أنا مش مسامحه يا عمران... أنا عمري ما هسامحه.

يعلم عمران جيداً أن أسامة ليس الشخص الذي يبكي أمام أحد مهما كان، حتى أنه كان يأبى البكاء أمام والدته حين كان صغيراً. فدمعة الرجل غالية عليه. شفق عمران لحاله فتنهد ثم اتجه إليه يجلس بجواره جاذباً إياه لحضنه مربتاً على ظهره بحنان أخوي.  
*عمران*: كله بسببهم... وعد مني إني مش هرحمهم كلهم على كل دمعة نزلت من حد فيكم.

أخذ يربت عليه بحنان وهو يشعر بحرارة دموعه على كتفيه، فاحتدت عينيه حتى صارت بلون داكن وتزداد قتامة مع كل دمعة تنهمر من أسامة، تجعله يقسم أنهم لو كانوا أمامه في هذه الدقيقة لقتـلهم في الحال.

*_**_**_**_**_**_**_*_

كان يجلس في البرندة يستنشق الهواء وهو يتذكر كل ما حدث معهم خلال الخمس سنوات الفائتة. من أول موت والده وكسرة عمران التي حولته لهذا العمران الذي يقف أمامهم. تذكر كيف أجبرهم على عدم مقابلة والدتهم بعد الحادث لسبب مفاجئ لا يريد أن يفصح عنه. يؤلمه أنه يتحمل كل هذا لوحده. تنهد وهو يزيح خصلات شعره السوداء الطويلة عن عينيه الزرقاء، فوجد يداً صلبة تحاوطه من الخلف بابتسامة حنونة، ويد أخرى تضع على الطاولة بعض الكعك وتتجه لتجلس أمامه.

*ترتيل*: عيب قاعد من غيرنا طب بذمتك كده ينفع يعنى  
*أدهم*: طب نادينا، عارف كنا هناكل الكيكة اللي عملتها ترتيل لوحدنا 

ثم أشار بطريقة درامية ناحية قلبه وهو يتجه لأحد المقاعد القريبة من سالم.  
*أدهم*: بس أعمل إيه؟ هو قلبي الحنين ده.

نظر سالم إلى أدهم بامتنان، فهو يعلم أنه فعل كل هذا هو وترتيل حتى يخففوا عنه بعد مشاجرته مع عمران، لأنهم يشعرون بضيق صدره الذي يعتليه الآن لأنه كلمه بهذه الطريقة وصرخ به. ففي النهاية هو أخوهم الكبير ووالدهم الذي يحترمونه. أخذ قطعة من الكعك يأكلها وهو ينظر لترتيل بحب.  
*سالم*: الله دي طعمها جميل أوي، تسلم إيدك يحبيبتى 

*أدهم بخنقة*: تسلم إيدها هي بس؟ طب وأنا مليش في الطيب نصيب؟ ما أنا ساعدتها.

ربت على كتفه بضحك.  
*سالم*: تسلم إيدك يا حبيب أخوك.

*ترتيل بابتسامة واسعة وهي تشير له*: ممكن تسأله ساعدني إزاي؟

وجه نظراته لأدهم الذي تحدث وهو يضع قدماً فوق الأخرى بتعالي وثقة كبيرة.  
*أدهم*: أبداً، كلت الكيكة وأنا بقطعها عشان تطلعلك مثالية بالشكل ده.

*سالم بضحك *: لا ده يسلم فمك بقى.

جلسوا جميعاً يضحكون معاً حتى شعرت ترتيل بنعاس وغادرتهم. فالتفت أدهم لسالم وهو يخرج الدواء من جيبه محدثاً إياه بلوم وعتاب.  
*أدهم*: مخدتش دواك ليه يا سالم؟  
*سالم*: نسيت عادي يا أدهم، هات أخده دلوقتي.

تحدث أدهم بغيظ: *اتفضل يا خويا، أنا شغال ليكم بوظيفة مجانية. شوية ببقى مامي اللي بتطبطب، وشوية ببقى باباي اللي بيزعق عشان ابنه الصغير مخدش الدواء.*  
*سالم بضحك وهو يلتقط منه الدواء*: طب هات يا مامي.

*أدهم بحنية*: يا سيدي مامي مامي، أهم حاجة إنك كويس وشايفك بعيني.

وضع سالم المياه على الطاولة وهو يتأمل أخاه الذي يذكره بأباه بشخصيته الحنونة وطيبته واهتمامه بهم جميعاً. حتى عادته السيئة بأنه لا يعبأ بما يصيبه من هموم وحزن في قلبه حتى يسعد الآخرين. ابتسامته رغم حزنه الشديد، مرحه، كله أباه.

*أدهم*: أنت يا عم روحت فين؟  
*سالم بابتسامة*: سرحت فيك.  
ضم أدهم جاكيته إليه بطريقة درامية وهو يتحدث بخوف مصطنع.  
*أدهم*: أنت عاوز مني إيه؟

لكزه سالم بغضب في كتفه.  
*سالم*: إيه يا عم أفكارك المنحرفة دي يا أبو دم يلطش؟  
*أدهم بضحك وهو يتفادى المخدة التي كادت بالسقوط على وجهه*: بهزر معاك يا عم، بلاش تبقى قفوش كده... خلاص متزعلش، قولي قصدك إيه.

عاد ليتطلع إليه ثم قال بابتسامة:  
*سالم*: بتفكرني ببابا يا أدهم. كل ما أبصلك وأشوف الشبه بينكم بحس إنه هو. كل ما أشوف حنيتك وضحكك وهزارك واهتمامك بكل واحد فينا بشوفه فيك، كأنك اتجسدت فيك يا أدهم... أنت شبهه أوي... شبهه في كل حاجة، حتى في ضحكته اللي بيخفي حزنه وراها. في قوته وهيبته واحترامه واعتزازه بنفسه. بغض النظر إنك قريب من عمران أكتر مني، بس أنا بشوفك أقرب حد ليا، حتى أقرب من أسامة نفسه. أنا معرفش اللي جاي هيبقى عامل إزاي، بس كل اللي أعرفه إنك طول ما أنت جنبي فأنا بأمان طول الوقت.

تنهد بحزن وقد ابتلع غصة مريرة بحلقه يحاول عدم البكاء.  
*سالم*: بعد موت بابا وكل اللي حصل، حتى لحد موت سهيلة، وأنا الحاجة الوحيدة اللي مانعاني من إني أحصلهم هي وجودكم جنبي، وخصوصاً أنت وأسامة يا أدهم. ده مش معناه إني بقلل من قيمة عمران، بالعكس. عمران ده أبويا وليه مكانه خاصه فى قلبى ، بغض النظر عن إنه أكبر مني بسنة، إلا إنه احتل مكانة الأب وشال مسئولياتنا كلنا. هو شايل كتير، يمكن اللي مضايقني إنه مش مديني فرصة أكون جنبه. عشان كده متبعدش عني أنت يا أدهم.

كان يتكئ على قدمه واضعاً يده على وجهه يغمض عينيه في محاولة لإخفاء وجع قلبه من كلمات أخيه. أزاح سالم يديه فنظر إليه فوجد عينيه محتقنة بالدموع فقال بصوت مبحوح:  
*أدهم*: أنت اللي متبعدش عني يا سالم زيهم... كل اللي حبتهم بعدوا عني يا سالم أو مختارونيش. خايف أحبك أنت كمان وأقرب منك فتبعد أنت كمان عني يا سالم، وأنا بجد مش حمل أي مشاكل تاني لأن مبقاش عندي طاقة أحارب. عشان كده أوعدني... أوعدني إن مهما حصل عمرك ما هتبعد عني، وعمرك أبداً ما هتخلي أي شيء أو أي شخص يأثر علينا. إياك تبعد عني في يوم.

أمسك سالم يديه بقوة لا يعلم ما سبب تلك الرجفة التي سرت في قلبه. شعر وكأنه سيخسر أخاه أو أن شيئاً سيئاً قد يحدث. فأمسك يديه وهو يبتسم محاولاً أن يخفف من حدة الأجواء.  
*سالم*: عارف ليلى لو هنا كانت هتقول علينا إيه؟  
*سالم وأدهم بصوت واحد*: دانتوا عيلة نكدية، تموتوا في الدراما كوين.

ضحكا الاثنين معاً في صوت واحد ثم ذهب كل واحد منهم لغرفته حتى يخلد كل واحد منهم للنوم فقد كان يوماًشاق للغايه.

*_**_*_'*_**_**_**_*___

كتبت آخر الكلمات على تلك الورقة الأخيرة من الدفتر. لطالما اعتادت أن تكتب مذكراتها منذ أن وقعت في الحب. ربما ليشهد الورق الأبيض النقي على قصة حبها التي لن ولم تكتمل. تلك الورقات كانت أغلى ما لديها رغم زهد ثمنها، ولكنها لطالما كانت تحمل عنها سر حبها. ذلك الحب الذي استقر يعذبها حتى فاض بها الكيل. نظرت إلى ورقات دفترها بعد أن أنهته تقلب به بعشوائية تتذكر كل ذكرى من البداية، بداية القصة.

*الورقة الأولى*  
"لقد وقعت في حب ذلك الوسيم، فصار دعوتي في كل سجدة أسجدها. دعوت الله له أن يكون سعيداً، ودعوت لي أنا بأن يكون من نصيبي."

ابتسمت ابتسامة مكسورة وهي تقلب صفحات الدفتر حتى وقعت عيناها على تلك الجملة:  
"اليوم أدركتُ أن القلب لا يستشير العقل قبل أن يختار.  
اخترتُ "سالم".  
واختار هو "سهيلة"... أختي.  
جاءها يدق بابها بعشق جعلني ألعن اليوم الذي وقعت فيه بحبه.  
كنت دائماً أراها في عينيه قبل أن ينطق باسمها.  
كان الضوء الذي في وجهه لا يظهر إلا حين يذكرها.  
أما أنا... فكنتُ ظلّها. الأخت الصغرى التي تضحك وتساند وتربت على الكتف.  
ولم أكن يوماً البطلة في قصته، بل كنت أخته وشقيقة زوجته."

*المذكرة الثانية*  
اليوم كان عيد ميلاد سهيلة.  
جاءها بباقة ياسمين. وقالت لي: "انظري يا سيلا كم هو رقيق".  
ابتسمتُ لها. وركضتُ إلى المطبخ لأبكي حيث لا يراني أحد.  
غسلتُ الصحون بدموعي حتى لمعت أكثر من الزجاج.

قلبت الصفحة مرة أخرى لتروادها تلك الذكرى وهي تدعو له حتى بعد أن طلب أختها للزواج:  
"أدعو الله في سجودي: "اللهم اجعله من نصيبها، فهو يحبها".  
وأبكي بعد الدعاء... لأن الدعاء كان صادقاً، والوجع كان أصدق.  
مجرد فكرة أنه سيكون سعيد جعلتني أدعو له كالحمقاء بغيري."

*المذكرة الثالثة*  
قررتُ الابتعاد.  
حذفتُ رقمه. أخفيتُ صورته.  
ولكن كيف أخفي اسمه من دعائي؟  
وكيف أنتزعه من تفاصيل يومي؟  
من فنجان القهوة الذي كان يحبه،  
ومن الأغنية التي كان يرددها،  
ومن اسمه الذي يشبه اسمي في الحروف الأولى.  
أحببته بصدق، لذا إلى الآن لم أنس حبه.

*المذكرة الرابعة*  
ارتديت الأبيض كأي فتاة في زفاف محبوبها، ولكني للأسف لم أكن العروس. اكتفيت بابتسامة صغيرة وأنا أراقب فرحتهم من بعيد. قلبي يحترق وعقلي يتمنى لهم السعادة للأبد، حتى وإن كانت آخر ابتسامة لي.

قلبت الصفحة لآخر جملة كتبتها في دفترها:  
"سأظل أحبك للأبد، ولكن أبداً لن نلتقي، وأيضاً لن نفترق."

نظرت إلى المدفأة المشتعلة أمامها فجذبت الدفتر بيديها وهي تتأمله للحظات، ثم ألقته في نيران المدفأة تتأمل الدخان المتصاعد أثر احتراقه. ابتسمت ابتسامة وجع وهي تضم كتفيها إليها وعيناها لا تفارق النيران المشتعلة.  
*سيلا*: المشكلة إنك اتعذبت بحبها، وأنا اتحرقت بحبك، وفي الحالتين قلبي وقلبك موجوعين.

*_**_**_**_**_**_**_*_

 انطوى الليل  فى  سواده  حتى تسللت الشمس لغرفهم لتعلن عن وصول صباح جديد. أغلق أدهم المنبه ثم اتجه إلى الحمام ليغتسل، ولكن قبل أن يخطو خطوة إلى الداخل أمسك هاتفه معتاداً أن يبعث لها رسالتها المعتادة التي تنص دائماً: "صباح الخير".  
لترد هي خلال ثانيتين أو أكثر ينتظرهم بكل شوق: "صباح النور يا أدهم". وقتها يعلم بأن هذا الصباح يبتسم له.

ذهب لخزانته يختار ما الذي سيرتديه اليوم من مجموعة البدل المصممة بعناية من قبل مصممة المشهور جذب بدلة سوداء مع قميص أسود أنيق، ثم اتجه إلى قسم الساعات مختاراً ساعة رولكس بعناية لتليق مع بدلته السوداء. من يراه يقسم بأنه زعيم مافيا، وهذا ما يحبه لأنها تحبه. يتذكر مرة حين قالت إنها تعشق الأسود ويروقها رجال المافيا كثيراً، لذا يعتمد أن يرتدي هذا الاستايل.

أخذ دوشاً بارداً ثم ارتدى ملابسه متعمداً عدم إغلاق القميص لآخره. أعاد خصلات شعره الطويل إلى الوراء ثم وضع لمسته الأخيرة: العطر المميز الذي يسافر إلى فرنسا مخصوص لشرائه.

فور أن انتهى ذهب إلى غرفة سالم فلم يجده، فقال له الخادم  أنه ينتظره في السيارة بالخارج. فاتجه سريعاً للخارج، انحنى ليقابل نافذة السائق ففتح سالم النافذة له فقال أدهم وهو يشير له:  
*أدهم*: انزل عشان أنا اللي هسوق.  
*سالم*: تسوق مين يا حلتها؟ حد قالك إني مستغني عن حياتي؟ اطلع يلا جنبي وبلاش كلام فاضي، أنا صاحي مش طايق نفسي أصلاً.

صعد إلى الكرسي المجاور له وهو يتحدث بسخرية.  
*أدهم*: قلبك ضعيف يا قطة.  
نظر له سالم بغضب كان واضحاً على ملامحه فأشار له بضيق محذراً إياه.  
*سالم*: لو مقعدتش ساكت أنت حر.  
*أدهم بجدية*: هو في حاجة؟  
*سالم*: لا خالص، أدينا رايحين نشوف آخر عمايل عمران.  
*أدهم باستفهام*: عمل إيه عمران معصبك بالشكل ده؟  
*سالم*: مالك رجع، والباشا مستقبله في المكتب عندنا.  
*أدهم بصدمة*: مالك المنشاوي؟  
*سالم بضيق وهو يضرب مقود السيارة*: هو بشحمه ولحمه... حمايا الموقر افتكر إن ليه عيلة أخيراً ورجع.

أمسك أدهم هاتفه يبعث رسالة لأحدهم بينما سالم يسوق السيارة متجهاً لمقر الشركة يحاول أن يتمالك أعصابه.

*_**_**_**_**_**_**_*_

في الشركة كان يجلس عمران ومالك في مكتبه يتناقشون في القادم. دق باب المكتب فدلف منه السكرتير الخاص بعمران وبيده علبة سوداء مغلفة بشكل أنيق.  
*حازم*: صباح الخير أستاذ عمران، الطرد ده وصل لحضرتك.

ابتسم عمران ابتسامة صغيرة وهو يشاور له أن يضعه على المكتب. فوضعه حازم واستأذن للرحيل. ظل عمران ينظر للطرد بغموض ثم تحدث وهو يبتسم بمكر وغموض مشيراً على العلبة.  
*عمران*: عضلة قلبك قوية يا مالك باشا.

*مالك بابتسامة وقد لمح ما يعنيه فتحدث بمكر وهو يغمز له ويضع قدم فوق الأخرى*  

مالك: معقول الكوبرا بيسألنى سؤال زى ده... افتح يا عموري خلينا نشوف آخر أعمال الهطل دول إيه.

هز رأسه بابتسامة وهو يفتح العلبة فظهرت منها أفعى عملاقة ببطء. نظر له عمران ببرود وعيناه تقابل عيني الأفعى بجدارة، فابتسم ابتسامة غامضة حين وجد الأفعى تنصاع له وتلتف حول ذراعه حتى وصلت لرقبته ووقفت أعلى كتفه كأنه سيدها، في مشهد عجيب.  
*مالك*: مش بقولك هطل.

ابتسم له وهو يضغط زر المكتب فدلف السكرتير حازم إلى الداخل، فتفاجأ وانصعق لرؤية الأفعى تحيط بعمران بهذا الشكل. كاد أن يتحدث فأشار له عمران ففهم أنه بخير فتحدث قائلاً بتوتر:  
*حازم*: تـ تؤمر بحاجة يا عمران باشا؟  
*عمران*: عاوزك ترد الهديه الجميله دى وتبعت شكرى لعيله الجبالى 

*مالك*: طول عمرك يا صاحب كرم يا أبو نسب.

دخل سالم في هذه اللحظة والغضب يتطاير من عينيه. فور أن رأى مالك جالساً على الكرسي اقترب منه ومسكه من جاكيته بغضب وصاح به بقوة:  
*سالم*: ولسه ليك عين تيجي وتورينا وشك؟

*مالك ببرود*: مش دي الطريقة المناسبة اللي تتكلم بيها مع حماك، مش دي الأصول يا ابن سالم.

*عمران*: اهدى يا سالم ومتعقدش الموضوع. مش ده الأسلوب المناسب اللي تتكلم بيه مع حماك.  
*سالم بصراخ*: أنت ناسي ده عمل فينا كلنا إيه؟ ناسي حالة أسامة؟ ناسي سهيلة والصدمة اللي عاشتها؟ لا يا عمران أنت اللي فوق.

شدد عمران على قبضته واتجه لسالم ثم أعطاه لكمة قوية أطاحت به أرضاً جعلت الدماء تسقط من جانب فمه. أشار إليه محذراً والغضب يلمع في عينيه.  
*عمران*: مش هسمحلك تتكلم بالأسلوب ده تاني معايا أو معاه. أنا فوتلك امبارح عشان  قدرت موقفك، لكن هتزيد فأنت عارف غضب عمران ممكن يوصل لفين.

دخل أدهم إلى الغرفة فوجد سالم ملقى على الأرض ينظر لعمران بغضب، وخلف عمران يقف مالك. فبرهن الأمر سريعاً فاتجه إلى أخيه يعاونه على الوقوف، ثم وقف أمام عمران وعيناه الرمادية الغاضبة تقابل رمادية عمران.  
*أدهم*: بتضرب أخوك عشان ده؟ عشان مالك؟  
*عمران*: لآخر مرة هتكلم بهدوء وأقولكم اهدوا. الموضوع مش زي ما أنتوا مفكرين.

*صاح سالم بغضب*: أمال عاوزني أفكر إزاي؟ ها؟ عاوزني لما أشوفه أخده بالحضن وأتعامل معاه كأن ولا حاجة حصلت؟  
*عمران*: إذا كان ده أقل واجب، بس أنا مطلبتش منك ده.  
*سالم*: لو ممشيش من هنا حالاً أنا هقطعه بسناني.

وكاد بالتوجه نحوه ولكنه تفاجئ بأسامة يقف أمام والده وينظر لسالم بهدوء.  
*أسامة*: مش هسمحلك تتكلم مع والدي بالشكل ده.

ابتعد خطوتين للوراء بعدم تصديق وهو يشير لمالك بدهشة.  
*أسامة*: ده... ده مسميه أب؟ أنت مين؟ أنت أسامة صاحبي اللي كان يتعذب كل يوم بسببه؟ ده أنت؟

اقترب أسامة من سالم وهو يضع يديه على كتفه بحنان وينظر لعينيه.  
*أسامة*: مكنتش أعرف وقتها الحقيقة.

*سالم*: حقيقة إيه؟ ده ميشفعلوش أي حاجة، ده واحد....  
*أسامة بغضب*: سااالم.

رفع أسامة قبضته ليضرب سالم ولكنها توقفت في الهواء. نظر له سالم بعدم تصديق وهو يهز رأسه بحزن.  
*سالم وهو يصفق بهستيرية وهو ينظر لمالك*: لا برافو، قلبتهم كلهم لصفك.

أكمل حديثه وهو يوزع نظراته بين عمران وأسامة بحزن.  
*سالم*: لو نسيتوا.. فانا منستش 

تركهم وغادر بعصبية، فذهب أدهم خلفه بسرعة كي لا يتركه وحيداً وهو بهذه الحالة، ولكن سالم كان أسرع منه وأخذ العربية ورحل.

عاد أدهم للمكتب ثم نظر للجميع بهدوء.  
*أدهم*: أنا مردتش أتكلم لأني عارف إنكم مخبين حاجة، فياريت تقولوا مالك بيعمل هنا إيه وإيه الحقيقة اللي أنتوا مخبينها؟

نظر مالك لعمران فنهض واتجه ناحية أدهم وهو يربت على كتفه، فأزاح أدهم يد مالك. فابتسم بهدوء وهو يتنهد بحزن قائلاً:  
*مالك*: أنا هقولك كل حاجة بس لما يرجع سالم ونروح.

نظر أدهم لأسامة الذي كان يجلس على الكرسي كالصنم شارداً والحزن ينبع من عينيه، ولعمران الجالس على مكتبه والأفعى تحيطه كأنها تحتمي به. فعلم أن الأمر ليس بهين وأن القادم لن يكون خيراً بتاتاً.

تعليقات