رواية عندما يستيقظ الامس الفصل الثالث عشر
_ لازم تعرف انك محظوظ لأننا مبنساعدش أي حد و بنختار الناس اللي عندهم دوافع قوية للاختفاء.
- شعر " زياد " بالغثيان حتى هذه اللحظة كان يظن نفسه ضحية قرار يائس لكن "عزام" يتكلم وكأن حياته كانت ملفًا موضوعًا فوق مكتب ، فقال بمرارة: يعني المنظمة كانت بتدرسني ؟
_ كنا بنتأكد إنك مش هترجع تدور.
- ضحك " زياد " ضحكة باردة ثم أخبره :
واضح إن الخطة فشلت.
- ظل " زياد " جالسًا أمام " عزام " في الميناء ، بينما كانت الأمواج ترتطم بالحجارة القريبة.
قال " زياد " أخيرًا:
في حاجة لسه ناقصة صح؟
تنهد "عزام " ببطء وقال : أيوه.
- ارتفع توتر " زياد " و تسائل : ايه هي؟
- نظر " عزام " إليه طويلًا قبل أن يجيب:
آخر جلسة قبل العملية.. فاكرها ؟
- حرك" زياد " رأسه وقال: لاء
_ ده اكيد لأنها من الذكريات اللي أنت بنفسك طلبت تتشال. أخبره " عزام " لذلك فـ شحب وجه " زياد " و تسائل : أنا ؟!
_ أيوة
- أخرج " عزام " ملفًا صغيرًا من حقيبته ثم ناوله إياه و قال : قبل العملية بيوم، كان فيه تسجيل مكتوب لموافقتك
- فتح " زياد " الملف ببطء وبدأ يقرأ وكانت البنود المكتوبة :
[أرغب في حذف كل ما يتعلق بزوجتي مُنى وابني تَيم ]
- ارتفعت أنفاسه وأكمل القراءة
[لا أريد أن أتذكرهما. لا أريد أن أعيش بهذا الألم. أريد أن أبدأ من جديد ]
- ارتعشت يده وللمرة الأولى أدرك أن أحدًا لم يجبره ،
لم يكن ضحية بل رجلًا مكسورًا اتخذ قرارًا يائسًا ،فهو ماذا كان يتوقع بعد أن وافق على التواصل مع منظمة
سرية كهذه عبر الدارك ويب فهي نعم تقدم لهم خدمة غير قانونية تُعرف باسم "البدء من جديد" تستهدف اشخاص مثله الذين يحملون صدمات نفسية قاسية، وتمنحهم فرصة للتخلي عن ماضيهم والبدء بهوية جديدة عبر عمليات تجريبية تمحو أجزاء من ذاكرتهم
كانت تُجري لهم عمليات تجريبية معقدة تهدف إلى طمس أجزاء محددة من ذاكرتهم وإعادة تشكيل حياتهم من جديد. وفي المقابل، كانت المنظمة تستفيد من هؤلاء الأشخاص باعتبارهم نماذج حية لنجاح تجاربها السرية ومشاريعها غير المعلنة.
- استفاق من شروده وهو يرفع رأسه نحو "عزام "وقال بصوت مبحوح:
أنا اللي طلبت أنساهم؟
_ أيوة
- ساد الصمت طويلًا ثم قال عزام :
الحقيقة يا ماجد أنت ما هربتش من مُنى ،
أنت هربت من نفسك
- بعد أن انتهى من الحديث مع عزام وجد نفسه يُهاتف " مُنى " و اول ما سمع صوتها سألها ذلك السؤال و شئ بارد تدفق في صدره
_ كنتِ بتكرهيني.
- امتلأت عيناها بالدموع وقالت :
كنت بكره نفسي أكتر
- تنهدت بحزن وأكملت:
عشان جزء مني كان عارف إن الموضوع مش ذنبك لوحدك بس ماقدرتش أشوف ده وقتها.
- تنفس " زياد " ببطء وشعر أن الجرح الذي حمله سنوات بدأ يتغير شكله ليس أخف لكن أكثر تعقيدًا ثم قال:
وأنا هربت.
- أغمضت عينيها و قالت بحزن : أيوه.
_و سيبتك لوحدك.
- انكسرت نبرتها وهي تخبره : أيوه.
- ولأول مرة منذ لقائهما لم يكن بينهما اتهام بل حقيقتان مؤلمتان امرأة جرحت رجلًا كان ينزف ورجل هرب من امرأة كانت تنهار.
- بعد مرور بعض الوقت ظل يقود سيارته حتي توقف في شارع هادئ لا يوجد به أحد .
- ألقي بـ رأسه للخلف وهو يتذكر اليوم الذي غير حياته وهو يوم الذي خضع فيه للعملية.
~~ عوده للماضي فلاش باك ~~
- جلس " ماجد " على طرف السرير المعدني داخل الغرفة البيضاء الباردة لم تكن تشبه غرف المستشفيات التي يعرفها، بل بدت أشبه بمختبر معزول عن العالم.
كان الصمت يحيط به من كل اتجاه ولكن من خلف الزجاج الشفاف كانت تظهر أجهزة كثيرة لا يفهم طبيعتها، وشاشات تومض عليها خطوط وأرقام متحركة باستمرار.
أما هو فلم يكن مهتمًا بشيء فـ منذ وفاة " تَيم " لم يعد يهتم بشيء.
- دخل رجل في منتصف العمر يرتدي معطفًا طبيًا أبيض و جلس أمامه ووضع ملفًا أسود فوق الطاولة ، ثم قال بهدوء:
لسه عندك فرصة تتراجع
رفع ماجد عينيه إليه وبعد لحظات طويلة من الصمت سأل بصوت متعب: ولو تراجعت هعرف أعيش إزاي؟
- لم يجد الطبيب إجابة لأنهما كانا يعلمان أن السؤال لم يكن يحتاج إلى جواب.
- تنهد الطبيب ثم دفع الملف نحوه و قال :
إمضي هنا.
- أخفض ماجد بصره و كانت الأوراق طويلة لكن عيناه توقفتا عند جملة واحدة فقط
{يقرّ صاحب الطلب بموافقته الكاملة على محو أجزاء محددة من ذاكرته والتخلي عن هويته السابقة}
- شعر بشيء يعتصر قلبه وهي هويته السابقة و حياته السابقة و زوجته و ابنه و كل شيء ، لكن أي شيء من ذلك لم يعد موجودًا بالفعل.
- امسك على القلم ثم وقّع و بعد ساعة كان مستلقيًا فوق سرير طبي داخل غرفة باردة ، و ثُبتت حول رأسه أجهزة كثيرة وامتدت الأسلاك من جانبي عنقه وصدغه إلى أجهزة إلكترونية تصدر أضواءً خافتة.
- كان يسمع أصواتًا متداخلة حوله مثل أطباء و مساعدون و أجهزة ، لكن كل شيء بدا بعيدًا بل بعيدًا جدًا.
- اقترب الطبيب منه وقال:
اسمعني كويس يا ماجد
- التفت إليه ببطء فقال : احنا هنبدأ دلوقتي.
- صمت لحظة ثم أكمل:
آخر فرصة.
- نظر ماجد إلى السقف ولم يفكر و لم يتردد فقط قال:
ابدأوا.
- و بدأت الشاشات المحيطة به تعرض صورًا من حياته لـ
مُني وهي تضحك و تيم وهو يركض نحوه في الحديقة و ايضا يوم زفافه و أول مرة حمل فيها ابنه بين ذراعيه ثم تغير كل شيء و ظهرت السيارة و المياه و الصراخ و الخوف ووجه تيم الصغير فـ شعر بأنفاسه تتسارع وبأن قلبه يكاد يتمزق.
- حاول أن يشيح بوجهه لكن الصور استمرت في الظهور كأن عقله يُجبر على مواجهة كل ما هرب منه.
- انهمرت الدموع من عينيه ولأول مرة منذ شهور انفجر باكيًا و قد كان بكاءً حقيقيًا و عنيفًا و مكسورًا.
_ مش قادر... اردف بها من بين شهقاته وأكمل بصوت حزين : مش عايز أفتكر ده تاني مش قادر...
- اقترب الطبيب منه ثم سأله بهدوء:
متأكد من قرارك؟
- أغمض عينيه بقوة وتخيل وجه تيم للمرة الأخيرة ثم همس: امسحوه أرجوكم امسحوه.
- وبعد ذلك بدأ كل شيء يبتعد كالأصوات و الوجوه و الذكريات و الألم حتى اسمه نفسه.
- شعر كأنه يغرق في بحر مظلم بلا نهاية وكان آخر ما رآه هو وجه مُني وهي تبكي ثم اختفى كل شيء.
- و عندما فتح عينيه مجددًا لم يعرف أين هو و ظل يحدق في السقف الأبيض طويلًا و كان يشعر بصداع حاد وبفراغ غريب داخل صدره لا يستطيع تفسيره.
- دخل أحد الأطباء واقترب من سريره ثم ابتسم ابتسامة مهنية وقال:
صباح الخير.
- نظر إليه ماجد بحيرة أو بالأحرى الرجل الذي كان ماجد .
_ أنا فين؟ سأله ببطء فـ تبادل الطبيب ومساعده نظرة سريعة قبل أن يسأله:
اسمك إيه؟
- ظل صامتًا لثوانٍ و كأن السؤال نفسه صعب ثم أجاب أخيرًا:
ز... ز.. زياد
- ابتسم الطبيب ودوّن شيئًا في ملفه أما زياد فأدار رأسه نحو النافذة و كان يشعر أن شيئًا مهمًا جدًا ضاع منه بل شيئًا عظيمًا لكن مهما حاول لم يستطع تذكر ما هو ولم يكن يعلم أن خلف ذلك الفراغ كانت حياة كاملة قد مُحيت من ذاكرته وهي حياة اسمها مُني وطفل اسمه تيم ورجل اسمه ماجد
- عاد لحاضره وهو ينهار في البكاء ثم بعد مرور بعض الوقت عاد زياد إلى الفيلا بعد منتصف الليل لكن شيئًا داخله لم يعد كما كان.
- دخل الفيلا بهدوء فوجد الأنوار مطفأة إلا ضوء خافت في المطبخ فـ توقف ووجد " نيللي " كانت تجلس وحدها أمام كوب شاي بارد.
- بدت مرهقة بصورة أوجعته رفعت رأسها حين دخل وتبادلا نظرة طويلة لم يكن فيها غضب هذه المرة بل مسافة ، مسافة لم تكن موجودة بينهما من قبل.
_ كنت فين؟
- تردد ثم قال بصدق: مع حد من الناس اللي عرفوا ماضيي.
_ولسه في أسرار؟
- اخفض عينيه وقال بتأكيد : أيوة
- ساد الصمت ثم قالت:
أنا خدت قرار.
_ قرار ايه؟
- وضعت الكوب بهدوء وصوتها ثابت رغم التعب:
أنا و زين هنروح عند بابا
- هبطت الكلمات عليه ثقيلة فهمس بإسمها بألم :
نيللي
- قاطعتْه بلطف موجع: محتاجة أفكر يا زياد
- اقترب منها ثم احتضن يديها بين يديه وقال :
ماتمشيش دلوقتي
_ وأنا أفضل هنا أعمل إيه؟
- لم يجد جوابًا فـ أكملت بصوت منخفض:
كل ما أبصلك أشوفك وأشوف راجل تاني معاك.
- انقبض قلبه و قال لها بنبرة هادئة حزينة : أنا لسه أنا
- ابتسمت ابتسامة صغيرة حزينة ثم اردفت إليه :
انت نفسك مش متأكد من ده
- صمت وكانت الحقيقة مؤلمة لأنها صحيحة ثم قالت:
وأنا تعبت
-طالت النظرة بينهما وشعر لأول مرة أنه قد يخسرها فعلًا.
