رواية دكة السادة الفصل الرابع عشر بقلم فطمة محمد علي النعيمي
على حد السكين
كانت شمس الضحى تضرب ظهر جواد حين طرق باب عاشور الصلُبي.
فُتِح الباب ....
فطالعه وجه رجلٍ عبر الستين عاماً من عمره؛ نحيف الجسد، بعينين زرقاوين جاحظتين قد اصفر بياضهما، وذقن مربعة محلوقة، وجلد أصفر جاف قد غزته التجاعيد.
ماداً رقبته الى الأمام كأنه يستفسر منك عن شيء ما
سلم جواد:
-مرحبا يعم عاشور اشلونك؟
رحب به عاشور.
خرج دخيل بهذه اللحظة مسرعاً
من الغرفة واستقبله خلف باب البيت، لكن جواد حين نظر إلى دخيل قال له وكل علامات الاستفهام مرسومة على وجهه:
- دخيل اشبيك؟ ماعرفتك واني اول البارحة معاك، وعرفت عمي عاشور واني صارلي اربع سنين ماشايفو! اشبيك خير وليش انت هينا؟ البارحة دورت عليك انت وحمدان وما لكيتكم
ضليت طول اليوم أدور
وكلمن أنشدو يكول ماشفتهم
دورت على أبوية دا انشدو هم مارجع للبيت للعصر وچان زعلان وصاير نار ما استجريت اروح انشدو
واليوم جيت انطي فلوس خليف وكلي انت هينا
شنو السبب؟
طبطب دخيل على زند جواد وقال له:
- فوت فوت حتى تعرف اش بيا فوت.
دخل جواد الغرفة؛ كانت هناك دكة من طين على اليمين في الغرفة الصغيرة التي كان عاشور يستقبل بها المرضى والمصابين، يعالجهم بالأعشاب وبعض المطهرات، ويخيط الجروح ويجبر الكسور.
حين دخل جواد الغرفة، صفعته رائحة الدم والمطهرات
التي ما زالت بالغرفة رغم أن عاشور ألقى كل شيء خارجاً. لمح شخصاً مغطى فوق الدكة، فسأل:
- منو هذا؟
- حمدان.
- حمدان؟!!
- اي حمدان.
- اشبيه؟
- أبوك ذبحو!
- أبوية آني؟!! انت انجنيت ؟ ليش أبوية يذبح حمدان؟ اش سوالو حمدان؟
ركض جواد ونظر إلى وجه حمدان؛ كان وجهه مصفراً وشبح الموت مرسوماً على ملامحه. فتح جواد فمه مبهوتاً وقال لدخيل بأنفعال شديد:
- بس فهمني اش صار احچيلي أش صار؟
جلس دخيل.....
كمن يحمل حملاً ثقيلاً لاتحمله ساقاه،
وحكى لجواد كل شيء، وبين لحظة وأخرى ينهض جواد كمن لسعه عقرب،
يدور في المكان ويرجع ويقرفص أمام دخيل، الذي حين روى ما حصل ورجعت تلك الذكريات المؤلمة، دخل جسده بنفس الانفعالات؛ فمرة يبكي ومرة يصرخ بوجه جواد كأنه يكلم ماهر أباه.
حكى له قصة يونس وماحصل لحمدان بالضبط
كما حصلت
أما جواد الذي كان ضد أبيه دائماً-ليس لأي سبب غير قسوته على خضيرة أمهم الحنون، وبعض العاملين
والذي لولا سليمان كان سيأخذ أمه ويذهب إلى أبعد نقطة عن الخان-
لكن سليمان كان دوما يعارضه
أما الان
وهو يكتشف جانباً مظلماً آخر من شخصية أبوه.
فقد بدا عليه خوف لايدرك عمقه في ذاته
وشعر بضيق شديد.
من فكرة أن والده عرف بقصة عبوره للنهر.
لم يكن خائفاً بل كان لايريد التصادم مع أبيه
بعد أن استقرت العلاقة بينهما منذ بضع سنين فقط،
ولأول مرة في حياته، وبلحظة تجميع كل هذه الصور، سأل نفسه سؤالاً مهماً جداً: لماذا كان والده يمنعه وأخاه من عبور النهر؟ في تلك المناطق
لكن لا جواب لهذا السؤال المحير.
كان يعتقد سابقاً أن أباه يخاف عليهما من النهر،
لكنه تذكر سفراتهم إلى دير الزور وسباحتهم في الفرات حتى أتقنا السباحة بشكل مبهر،
ولم يكن أبوه يعترض. إذن لم يكن خوفاً عليهما من النهر، وإلا لِمَا يقتل شخصاً فقط لأنه اعترف بعبور سليمان وجواد للنهر؟
أم أن هناك أمر أكبر بكثير من فكرة عبور النهر
ثم خطر على باله سؤال محير التفت الى دخيل وقال:
-دخيل أذا كلامك صحيح ليش أبوية ماذبحك فوگو
وطمركم ثنينكم وخلص منكم؟
أجاب دخيل وعلى وجهه ابتسامة لاتناسب الموقف كلهُ:
- أبوك يعرف أهلي.....
عندي عمة بجرية هينا مو بعيدة يم المحمودية
أسمها خربة سالم
نوبة مريت عليها وسلمت عليها وگلتلها.آني اشتغل
حارس جلبات عن ماهر العطا.
عگب سنة جا عليا أخوية عويد
انتم چنتم رايحين لدير الزور مع خالكم ارمضان
گلي اعويد أبوية مات ولمن جت عمتي عالعزا
گالت انت تشتغل هين وجيت اشوفك واطمن عليك
وانطيتو فلوس ينطيهن لأمي
وضليت ادزلهم فلوس اروح لعمتي انطيها واوصيها توصلهن لأمي. وأبوك جان يدري عبن لمن جنت اروح على خربة سالم أگلو
أبوك يخوي يذبح الدايح الي مالو ظهر
ايعرف اذا اندگ بشخص عندو أهل وأخوة
ماراح يسكتون
ذبح حمدان عبن عرف ماعندو غير أمو
وآني گعدت اتنخاهم واتوسل بيهم وأگللهم ماعندو احد غير أم
أثاري آني بهل چلمة خليتو ايتطمن ويذبحو
أبوك لو يعرف ما ورايا أحد چان اسهل ماعندو يذبحني فوكو
آني أصلا ماشفت سلاحو الما طلعو وهدد حمدان
وچنت مطمن معرف منين طلع المسدس
بعد صمت عم الغرفة لحظات، قال دخيل بأستغراب غريب:
- يخوي يجواد البارحة صحى حمدان ماچان يكدر يحچي زين بس گلي أريد لبن،
وبعدما شربتو شوية لبن گلي كلام مافهمتو وماكدرت استفسر منو عبن كلامو بالزور ينفهم
گال لازم تصل الحويدة وتبلغ عبدالله النمر يگضب دمدم وگلو ترى دمدم مو مجنون ومعرف ليش مسوي نفسو خبل.
هدأ جواد وقال:
- هي دمدم؟
- مدري.
- يعني حمدان بس هشكل گال؟
- اي.
- وراح تروح للحويدة؟
- اي نعم.
- هيمت تروح؟
- اريد بس حمدان يصير زين واروح معاه.
- اسمع يدخيل، اريد اعرف ليش ابوية ذبح حمدان، واريد اعرف حمدان اش يگصد.. يعني اني راح اجي معاكم، بس أكو مشكلة بالموضوع.
- شنو من مشكلة؟
- لازم أبوية مايعرف.
انت تعرف آخر جلبة حلال بالسنة نسوگها بتشرين الاول، يعني بعد شهر وأرجع، وبعدها نروح لدير الزور نوصل الجلبة ونرجع؛
يعني اشلون ماچان بعد شهر ونص لو شهرين نخلص شغل هالسنة. أذا گدرتو تسوون مشيتكم مع طلعتنا عالجلبة اجي معاكم. راح نطلع بحجة الجلبة، ولما نصير گبال الحويدة نعبر عليها ونروح لهذا الرجل عبدالله ونشوف شنو السالفة.
أجاب دخيل وقال:
- أذا الله ستر علينا وماصار شي على حمدان بلجي تجبر رجلو لذاك الوكت. والله نوبات اخاف لايدري أبوك بينا ويلحكو ويخلص عليه، وافكر اروح ادور سيارة وأخذو وانهزم بيه لبيت عمتي، ونوبات أگول اضل ابيت عاشور ما اطلع ابد الما حمدان يصير زين، عبن عاشور يعرف اشلون يداويه ويعالجو. ونوبات أگول اوديه لمستوصف تل عفر، بس أخاف اتورط
على أبو منو ضربو واشلون انطعن! وهاي من البارحة لي هسع وآني بس صافن بالوضع.. شتكول اش اسوي؟
التفت جواد إلى عاشور وقال:
- يعم عاشور، عندك مچان غير هالغرفة يكدر يضل دخيل وحمدان بيه بأمان؟
أجاب عاشور قائلاً:
- أي عندي چادينة ورا البيت مال تبن نگدر نفرغها ونظفها ونفرشلكم فراش بيها، وهم أكو باب گبال الچادينة يروح لبيت أبني عيسى؛ اذا صار أي شي يكدرون ينهزمون لبيت عيسى ومن غادي يطلعون لاي مچان.
قال جواد:
- حيل زين، بس اريد اعرف اشكد يطول حمدان ويگدر أيكوم أن شاء الله؟
أجاب عاشور وهو يقلب كفيه:
- والله يخوي الكسر يجبر بشهرين، على عمرو ،
حمدان زغير بس لو ياكل.. هو من اول البارحة لي هسع مافات ابطنو غير سناف★ لبن.
رد جواد بتفاؤل:
- زين زين، مادام أچل يصير زين أن شاء الله. يعني مايكدر يمشي من هين لشهر؟
أجاب عاشور بثقة:
- لااااا أبد، هو اذا مشى يحتاج شهرين لو ثلاثة يلا يجبر كسر رجلو.
وصواب جتفو مو چثير صعب
من رحمة الله وعبن الضرب چان من جريب
كل الطلگات اطلعن اني بس طهرت المكان وخيطتو وجبرت رجلو،
رد جواد وقال:
- عجل مايفيد، ماراح تكدرون تطلعون معايا بالجلبة. خلي اروح وارجع ونشوفلنا فرد حجة نطلع بيها، وأذا فرد مرة مالگيت حل راح اطلع مثلما طلعتو صنطة بصنطة وما أگول لأحد، ومن أرجع شيسوي خلي يسوي،
وصمت وهو يقول لنفسه
-قابل لسعني زغير مثل گبل يگضب العصا ويضرب بيا؟
ثم أردف قائلا:
-هسع اروح للبگالين وأجيبلكم كلشي تحتاجوه، وأش تحتاجون بس گلي.
وبدأ جواد ودخيل يعملان بسرعة على تفريغ غرفة التبن في الفناء الخلفي، وكنس غرفة التبن ورش أرضها بالماء، ونقل الحصران والفراش إليها.
سأل عاشور عن الأشياء التي سيحتاجها حمدان
فعدد له كل مايحتاجه
وخرج جواد وعاد بعد قليل وقد اشترى جرة للماء،
وكمية من التمر والحلاوة وفانوساً وسطلاً وصحناً كبيراً نسبياً كي يستخدمه دخيل لقضاء حاجة حمدان فيه، وكمية من المكسرات كالجوز واللوز وأشياء كثيرة قد يحتاجونها، ودفع لعاشور ثمن طعامهم وشرابهم وخدمتهم. وقاموا بنقل حمدان بحذر إلى (چادينة) التبن.
وخرج جواد على أساس أنه سيرجع إليهم في اليوم الثاني، وقد أقسم عليه دخيل أن لا يخبر أحداً أبداً، حتى سليمان؛ فدخيل وجواد يعرفان تماماً أن سليمان مع ماهر سواء كان على حق أو باطل. وأوصاه أيضاً أن يكون حذراً حين يأتي إليهم.
خرج جواد وبقي دخيل مع حمدان الذي صحى وشرب القليل من الماء ورجع للنوم.
****
مضت ثلاثة أيام على إصابة حمدان، كان خلالها يهذي من الحمى، ويردد في هذيانه بصعوبة
اسم "دمدم" و"زعيتر" باستمرار.
كان يشعر دخيل كأن حمدان يحدث زعيتر عن دمدم؛ مرة يقول:
- يازعيتر دمدم هذا جن مو بشر!
ومرة يقول:
- زعيتر روح من هناك حتى نگضب دمدم!
كان عقل حمدان في هذيانه يبحث عن دمدم ويريد الإمساك به. أما دخيل الذي كان يسمعه ويحاول أن يفهم من هو دمدم ولماذا يركز حمدان عليه، فكان يصبر نفسه بأن حمدان سيصحى ويخبره كل شيء.
في مساء اليوم الرابع، صحى حمدان؛ كان نصف وجهه قد أصبح أزرق متورماً، لكن دخيل كان يسأل عاشور كلما بدل ضمادات حمدان، فيجيبه عاشور:
- مادام ما مات لي هسع يصير زين أن شاء الله.
حين صحى لم يكن يستطيع الكلام، كان حين يحرك فكه يؤلمه، فقال بكلمات بالكاد تخرج:
- جوعان.
رد عليه دخيل بفرح:
- أبشر هسع أش تريد يجيك!
- لبن.
- ها تريد لبن؟ هسع اجيبلك.
خرج دخيل مبتسماً فرحاً، وذهب إلى عاشور وقال له:
- حمدان يريد لبن، بس اشو مدري اشلون يسولف عبالك أثمو مخيط!
رد عاشور وقد فرح هو أيضاً:
- طبعا يخوي، صفحة راسو مفلش وأظن ماراح يرجع يحجي مثل گبل اني شفت بعيني رباط الفچ ★مگطع،
بس لاتخاف مادام صحى راح ايطيب.
*********
أما في بيت ماهر..
لم يستطع جواد أن يجلس مع أبيه تلك المدة كان يتحاشاه، وقد انتبه ماهر لهذا.
في مساء اليوم الرابع للجريمة، صعد ماهر إلى السطح وذهب إلى فراش جواد، ووقف عند رأسه وجواد ممدد على ظهره وقد وضع يديه تحت رأسه يبحث في السماء عن حلول لكل تلك الألغاز، لدرجة أنه لم يشعر بوجود والده إلا حين قال:
- صار يومين ماشفتك، وكلما اريد احجي معاك تطلع من جدامي. شعندك شكو من سالفة شاغلتك؟
جفل جواد كأنه شعر أن صوت أبوه تسلسل الى أفكاره
وما إن سمع صوت أبيه حتى التفت إليه واعتدل في فراشه بسرعة.
وجلس أبوه جنبه، وأجاب جواد بهدوء:
- آني بس مستغرب اشلون حمدان ودخيل يتركون الخان بلا مايگولون لأحد، وآني چثير حبيت هالولدين ومدري ليش ما مصدگ انهم راحو بكيفهم. لمن نشدت الواليد عنهم واش سمعوا منهم، عجاج گلي كلام غريب.
رد ماهر بسرعة:
- أش گال؟
- گال گبلها العصر لمن رجعنا من الجلبة سمع حمدان يسولف لدخيل ويكول: "منو هذا الرجل الي واگف مع ماهر جدام باب المضافة؟
رد عليه دخيل وكال: هذا أرمضان أبو سعد خال الوليد ونسيب ماهر". راد حمدان وگايل: "مدري ليش احس نفسي شايفو واعرفو بس مدري وين، يعني اعرفو وما اعرفو بس وجهو أبد مو غريب عليا"
. ويكول عجاج: "بوكت من الليل فكيت عيني على حركة بالخان وشفت دخيل ياخذ عليجتو ويطلع بس چنت چثير تعبان ورديت نمت، ولمن صحيت الصبح لا شفت حمدان ولا دخيل". وآني بالي مشغول بس اريد اعرف وين صارو وليش راحو أخاف أحد من الشباب مضوجهم او متعدي عليهم بس ليش ماگلولي ليش؟
رد ماهر بلا مبالاة وقال:
- لاتشغل بالك بيهم، لازم لگو شغل بغير مچان. ونحنا طول عمرنا يجونا رجال يشتغلون عدنا ويروحون، مافرد يوم سالنا الي راح وين رايح، كلمن يسوي الي يريحو.
أجاب جواد بوجه عابس:
- يابا دخيل ماعندو احد غيرنا وحمدان نفس الشي، خصوصا حمدان چثير چان متلب★ بينا. اشلون يروحون بلا ما حتى يگولولي؟ آني السرگال غير اعرف رجالي وين راحو وليش راحو بنفس الليلة الي رجعنا بيها ونحنا تعبانين من السفر؟!!
وين واشلون لگو شغل؟أذا آني مافارگتهم ولا لحظة؟!!!
نهض ماهر وقال بحزم:
- منو گلگ دخيل ماعندو احد هذيان عمتو جريبة حذفة عصا
شيلهم من راسك وانتبه لنفسك، وابدي جهز ربعك ماضل شي تطلعون للجلبة. أنت رجل سبع، هاي ست سنين تطلع بجلبات مافرد يوم راحت منا نعجة. انشغل بشغلك وماعليك بالي يجي وبالي يروح. ذولة عمال يجون يشتغلون واذا لگو مچان احسن يروحون، ونحنا أصحاب المال لانكول لليجي ليش جيت ولا لليروح ليش رحت. مازين ما باگونا او سسو بينا شي.
واسمعني زين من هسع وغادي جلبات هاي الديرة الشمالية أنت ماتروح بيها يروح بس سليمان
وجلبات الجهة الجنوبية يروح سليمان
أبد انوب ماتروحون سوا
آني ماعندي بس أنتم لازم يضل واحد معايا
اخاف عليكم،
ومشى ماهر وجواد يراقبه وهو ينزل الدرج بخطواتٍ ثقيلة كأن السطح كان يرتج تحت وقعها.
كان جواد يراقبه بظهرٍ متصلّب، وعينين ترصدان كل حركةٍ من حركاته، بينما أصابعه تقبضُ على طرف الفراش بضغطٍ شديد حتى أبيضّت أنامله.
مع كل خطوةٍ يبتعدُ فيها أبوه، كان الصمتُ الذي يخلفه وراءه أثقلَ وأكثرَ رعباً من وجوده نفسه. شعر جواد بقشعريرةٍ باردة تسري في كاهله، ردّةُ فعلٍ جسديةٌ قديمةٌ مخزونةٌ فيه منذ صغره، يومَ كان يتسمرُ وهو ملتصقاً في زاوية من زوايا الغرفة
وهو يرى قسوةَ هذا الرجل تنهالُ عليه وعلى أخيه وأمه خضيرة، وبعض الصور المرعبة التي كانت تهاجمه في بعض الليالي الشتوية الطويلة، مثل أن يرى نفسه وأخاه في حفرة وماهر يهيل عليهما التراب.
ولم يكن يعرف أبدا لما يهاجمه ذلك الكابوس بين فترة وأخرى
كأن شيئاً في عقله يخبره أن ماهر الذي يكلمه وهو شاب ليس هو ماهر نفسه الذي كان يعاقبه وهو طفل صغير. ورغم ذلك الخوف الكامن في عقله خلف حجاب النسيان، لكن هذا الخوف كان مختلفاً؛
لم يكن خوفاً من صراخٍ أو ضرب أو توبيخ، بل كان الخوف من هذا البرود المرعب في هذا الوجه الأملس الذي يجلسُ معه ويقاسمه الطعام والسكن والمصير، وفي أثوابه رائحةُ دمٍ لم تجف بعد! كيف لإنسانٍ أن يحزّ رقبةَ إنسانٍ آخر، ثم يأتي ليحدثه عن "الجلبة" والتجارة وكأن شيئاً لم يكن؟
ووجد نفسه يسأل: كيف ينظر أبوه للإنسان؟ هل حقاً يراه مثلهم مثله، أم أنه يرى نفسه أعلى من البشر وأن البشر حوله مجرد حشرات يجب سحقها أذا ازعجته؟
لأول مرةٍ في حياته، يدركُ جواد أن أباه ليس مجردَ رجلٍ قاسيّ صنعته ظروف قاسية كما يقول دائما، بل هو بئرٌ عميقةٌ من الظلام. وفي تلك اللحظة بالذات، وهو يستمعُ إلى صوت أبيه وهو يسلم على سليمان الذي صعد لينام، تيقن جواد أن بحثه عن حقيقة عبور النهر وعن سر "دمدم" لم يعد مجردَ فضول، بل أضحى مسألةَ نجاة وقضية حياته الوحيدة التي ستكشف له حتماً حقيقة والده. فأن يقتل أبوه حمدان فقط لأنه عرف بطريقة ما أنه من الحويدة، هذا يدل أن هناك شيئاً في الحويدة لا يريد أبوه لأحد منهما أن يعرفه.
لكن الأغرب أن أباه لم يكلمه ولم يلمح له نهائياً أنه عرف بقصة إنقاذ وطفة أو انهما كسرا كلامه وعبرا النهر. قال في سره وهو يرى سليمان قادماً:
- ماحچى حتى لا يصير سؤال وجواب، وآني هم ماريد لا سؤال ولاجواب عبن كلشي راح يگولو ماراح اصدگو أبد.
وأصلاً مادام غير طريجي يعني كلام دخيل صحيح
وأبوية ذبح حمدان بس عالمود عبرنا المي
والله چنت اترجى يكون كلام دخيل چذب
تنبه جواد أن سليمان يحدثه حين قال:
- هيييي يجواد، الي ماخذ عگلگ يتهنا بُو!
أجاب جواد بحزن:
- ما اظن بيوم احد ياخذ عگلي؛ هاي سنين نگوم ونگعد بس مع الرجال، لا عدنا گرايب نروح عليهم ويجون علينا حتى نشوف بناتهم ونحب ونخطب ونتزوج، ولا أحد يجينا. حت بيت خالي ابو سعد بعيد عنا ولانعرف حتى هو وين ساكن
ولا فرد يوم شفنا عيالو او حرمتو، انعرف بس أنو متزوج وعندو عيال بس وينهم؟ ابد مايكول. ذيج النوبة سألتو ومثل كل مرة يضحك ويكلي: "حرمتي وعيالي شكولهم تخوف من كد ما حرمتي جگمة خلفتلي جگمان"، وأبوية ضحك عليه وسووها قشمرة حتى يسكتوني.
وضل يجي نص ساعة يقلد على وجه حرمتو وأبوية يضحك الا عيونو دمعت
أجاب سليمان بشيء من الريبة:
- أي والله صحيح، ليش مافرد يوم جابهم علينا أو عزمنا عندو حتى نشوفهم ونعرفهم؟ هو نحنا ماعدنا بس هالخال. صحيح اني چثير نوبات انشدو وهم مايجاوبني.
رد جواد بحذر:
- سليمان نحنا حالنا مو عادي مثل الناس. آني لمن اگعد مع الشباب الي يشتغلون عدنا ويسولفون عن عوايلهم وگرايبهم وواليد وبنات عمامهم وخوالهم، استغرب نحنا ليش ماعدنا كرايب! چم نوبة انشد ابوية يگلي اني طلعت من أهلي عبنهم مو خوش اوادم عفتهم وطلعت.
أگلو زين يابا گللنا وينهم حتى نروح عليهم ونشوفهم
بلچي هسع تغيرو صارو أخير من گبل؟
راسا يبلش يصيح عليا حتى اسكت. وهاي سنين على هالسالفة، وصرنا بهل عمر ونحنا مثل گطاع الطريج عايشين وحدنا..
بالضبط نحنا مثل ربع دخيل لمن چان يسولفلنا عن ربعو گطاع الطريچ. نحنا يسليمان حالنا مو عدل أبد!
هسع گرايب ماعدنا عرف وربع ليش ماعدنا؟!!
ليش مگاطعين الناس؟!!
شوف هاي الجرية أكبر جرية بهل ديرة
حت مدرسة بيها هم شفت أبوك انعزم على عرس أو نهار عزم احد منهم عدنا
يسليمان أبونا عبالك مايريد يخالط أحد
حتى محد يسألو على شي أو يمكن كلهم يعرفون شي وساكتين
كان سليمان يسمعه وهو مطرق برأسه، ويخط على الأرض بإصبعه خطوطاً مستقيمة، كأنه كان يوافق أخاه بكل ما قاله لكنه لا يقبل أن يعترف.
بعد أن عم الصمت المكان قال سليمان
-يخوي أنت ليش مدوخ راسك بهل سوالف
الحمد لله عدنا أب زين وزنگيل وشنريد يجيب
گبل سنة حت سيارة طلبت منو
گلي يكولون السيارة تذبح صاحبها وآني اخاف عليكم
وأذا بيوم جانا ازلمة يشتغل عدنا ويعرف يسوگ
اروح اجيبلك احلى سيارة
يخوي أبوية راح ودفع بدل العسكرية وحت عسكرية ماخلانا نلبس وگال والله ماخلي مخلوگ يخلگ يتأمر على واليدي،
ومدللنا أچل ولبس وخيول وسلاح
شوف نفسك وشوف اهل الجرية اشلون عايشين
والله الا ترجع تحب ادين أبوية،
التفت جواد وقال :
-يسليمان أنت اشبيك ترى هذا المال آني وانت سويناه
من يوم وعيت عالدنيا وآني وانت داشرين بهلچوال
نجيب جلبة ونبيع جلبة وينطينا من الجمل أذنو
رد سليمان وقال :
يخوي ترى أذن الجمل هذا اليأنت مو راضيعليه
يعيشك انت وضناك بعز لآخرالعمر
وبعدين تعال گلي أذا أبوية يموت الله لايجعل
مو أول وتالي كل الجمل يصير ليا آني وانت،
تأكد جواد أن سليمان في وادي
وهو في وادي آخر فصمت وتركه
*******
بعد يومين، حين ذهب جواد إلى منزل عاشور، وجد حمدان جالساً وخلف ظهره وسائد، لكنه لا يستطيع الكلام لوقت طويل، مجرد كلمتين أو ثلاثة ينطقها بصعوبة. سلم عليه وخرج مع دخيل ووقفا خارجاً، وسأل جواد دخيل بقوله:
- ماگال شي؟
- اظن من گوة الورم مايكدر يحچي. عاشور كال الضربه حكت مفصل الفچ بصفحة خدو اليمين
- اشلون أچلو؟
- زين حيل، يشرب شوربات بس مايكدر يلوچ، وعاشور جابلو گصبة واني نظفتها ويشرب الشوربة بيها.
- اسمع، اكو عند ابو معيوف طليان، انطي فلوس لعاشور خلي يجيب طلي اذبحو وگطعو وانطي لبيت عاشور ياكلون منو واشوي الجبدة لحمدان، وباجي اللحم احمسو وضمو يمك، كلما يجوع طعمو لازم يرجع عافيتو بساع. وآني جاي احضر نفسي وربعي للجلبة وراح امرلكم بين فترة وفترة الما نمشي.
رد دخيل وقال:
-يخوي أگلگ مايكدر يحرك الفچ اشلون يلوچ
رد عليه جواد وقال
-أمي تكول لمن أبوها انضرب على حلكو وانكسر الفچ
چانت تطبخلو اللحم الا يصير مثل المي وتحط عليه جريش حنطة ولمن ينطبخ تشربو بخاشوكة
هسع مادام حمدان يكدر يشرب بالگصبة صارت شغلتو اسهل.
هز دخيل راسه وقال
-زين زين فهمت عليك احمس الخاروف واشيلو وكلما
نسوي شوربة نحطلو خاشوگة بالشوربة عالنار الا ينهرس اللحم ونشربو،
حين خرج جواد من خلف البيت
كانت هناك فتاة في العشرين ربما تمشي قادمة من غرفة المعالجة عند الباب الى البيت توقف جواد عند زاوية البيت ينتظرها لتقطع الفناء وقد أدار وجهه للجانب الآخر،
كان عاشور قد خرج من الغرفة في هذه اللحظة وراى جواد واقفاً
على جنب وقد ادار وجهه بعيداً
ابتسم
وقال في سره:
-والله الي يشوفك ويشوف أبوك
فلايكول أنت ابنو ياربي استغفر الله
من هالحجي حجية خضيرة خوش ادمية وأبوها چان رجل معدل ماسمعنا عنها كلمة مو زينة،
التقى عاشور بجواد في فناء البيت، فسلم عليه جواد بالحياء نفسه، ورافقه عاشور حتى الباب وهو يودعه بابتسامة دافئة.
*****
مضى شهر ايلول وحل تشرين الاول
وحمدان يتماثل للشفاء لكنه لم يزل لا يستطيع الكلام،
وجواد يجهز نفسه للجلبة. وحين قرب وقت سفره، ذهب إلى دخيل وأعطاه المال الذي يجعله ينفق على حمدان برفاهية تساعده على الشفاء، وأخبره أنه سيسافر قريباً وطلب منه أن لا يغادر البيت لأي سبب حتى يرجع.
لكن دخيل كان يعرف أن الخان يكون شبه فارغ حين يخرج الرجال للجلبة، لا يبقى إلا رجل أو رجلان، وهذا يعني أن ماهر سيكون وحده..
أضمر في نفسه أن يضرب ماهر ضربة تبرد النار التي اشتعلت في قلبه؛ لم يكن يريد قتله، بل كان يريد أن يشق وجهه ليترك في وجهه علامة تذكره أن ليس كل الرجال كيونس الذي قتله ودفنه كما يقتل كلب!
