رواية دكة السادة الفصل الخامس عشر بقلم فطمة محمد علي النعيمي
الانتقام
يقولون...
إن الانتقام طبق يؤكل بارداً.
يعني أن الاستعجال قد يُقلب لصالح عدوك...
رغم أن ماهر قرر فصل جواد وسليمان، وإرسال واحد وإبقاء الآخر معه في الخان، إلا أنه أرسل سليمان مع جواد وطلب منه أن يسبر غور جواد، ويعرف منه لمَ تغير هكذا وابتعد عن والده.
كان ماهر يشك بشيء لم يستطع حتى أن يبوح به لنفسه، ولهذا أراد أن يتأكد أولاً.
مشى جواد وسليمان للجلبة، وكانت هذه المرة في نواحي البعاج. اشتروا ما يقرب من ثلاث مائة رأس من الغنم وانطلقوا راجعين.
كان جواد طوال الرحلة صامتاً، وأغلب وقته يجلس بعيداً عن الرجال. حاول سليمان أن يكلمه عدة مرات وأن يفهم ما به، لكنه كان يقول له دوماً:
- مابيا شي، بس اريد اعرف وين راح حمدان ودخيل.
أجابه سليمان بقوله:
- أبوية يكول جا دخيل عليا بالليل وطلب فلوس اكثر من حگو، وانطيتو حگو وطردتو.
التفت جواد إلى سليمان وقال له:
- ليش ابوية ماگلي هذا الحچي؟ ها؟ تدري ليش؟
- ليش؟
- عبنو يعرف ماراح اصدگو، ويگلگ انت عبنو يعرف زين انت تصدگ كل كلامو.
رد سليمان وقال:
- يعني يجواد آني اعرفك من زمان انت وأبوية مو ربع، بس من فترة اشوفك بنوبة صاير مدري اشلونك معاه! بأخر شهر گبل ما نطلع انت حت أچل مابعد تاكل معانا. گلي يخوي أش صاير؟ أنت بيك شي؟ آني أخوك الوحيد.
التفت جواد إلى سليمان وأمسكه من زنديه وقال له:
- لوما انك تشبهني فرد مرة لگول انت مو أخوية. اني وانت ياسليمان نشبه بعض بس بالشكل، مدري اشلون توم نحنا!
وترك أخاه خلفه ومشى عنه.
لم يصل سليمان لأي فكرة سوى أن جواد يكره انحياز ماهر لسليمان، وكان يرى أن جواد ربما يغار من هذه العلاقة بينه وبين أبيه؛ لهذا رجع للشباب وترك أخاه كي يهدأ.
وكان ينظر اليه بين لحظة وأخرى كأنه يشعر بوجعه
لكنه لايفهم نوع هذا الوجع
أما جواد، فقد مشى خطوات مبتعداً، ثم توقف. ينظر إلى السماء الصحراوية الممتدة بلا نهاية وهي تلتصق بالأرض، وشعر بغصة في حلقه. كان يرى وجه حمدان وهو ممدد على الدكة، ويسمع دخيل وهو يهمس: "أبوك ذبحو".
وذبح يونس گبلو...
أغمض عينيه، وحاول أن يتنفس بعمق، لكن الهواء كان ثقيلاً كأنه يضغط على صدره. همس لنفسه:
- ليش؟ ليش يبوية تسوي هيچ؟ وليش أني خايف منك أكثر من ما زعلان؟ لازم أكو شي چبير ورا هالسالفة. اشگد خايف لا أموت وآني معرف شنو السالفة!
***********
في اليوم الخامس لسفر رجال الجلبة من الخان إلى البعاج، كان دخيل يغلي في داخله وهو يتذكر ذلك الشعور الكريه بالعجز امام ماهر لحظة قتل حمدان
غالب نفسه كي يصمد في وجه ذلك الضغط العنيف بالرغبة في الانتقام لكن نفسه صرعته أخيرا
فخرج بعد منتصف الليل بعد ان نام حمدان
وركب بغله الذي أخرجه بهدوء من بيت عاشور، وانطلق إلى الخان. ترك البغل بعيداً مسافة،
ثم ذهب ليراقب الخان من بعيد ولف حول المكان من كل جهاته. كان يريد الوصول لمدخل الحلال
لان باب الحلال سهل فتحه من الخارج اذا ادخل يده من الفرجة الصغيرة ورفع المزلاج،
لكنه.......
ما إن اقترب من المدخل حتى ثارت عليه الكلاب الشرسة التي يطلقها ماهر كل يوم ليلاً ويربطها صباحاً،
وهجم عليه احد الكلاب وبعد صراع عنيف استطاع ضرب الكلب وهرب مبتعداً وهو يسأل نفسه:
لمَ هبت عليه الكلاب وهي تعرفه؟!
جلس عند بغله ينظر من بعيد إلى الخان مستغرباً، ثم تذكر...
تذكر دخيل قبل عام حين طرد ماهر أحد الرجال، أمر دخيل بقتل كل الكلاب وشراء كلاب أخرى. حين سأله:
- ليش يعمي؟
قال ماهر:
- تعلمت من وكت يونس أني اذا طردت واحد من الزلم لازم ابدل الچلاب كلها، عبن الچلاب ماگامت على يونس لمن فات عليا يريد يذبحني، لو مو نايف گعد وشافو... چان گدر يذبحني.
عرف دخيل أن دخوله إلى ماهر لن يكون سهلاً، فخمسة كلاب شرسة قد تمزقه، أو أقل ما تفعل أن تنبه ماهر أن هناك شيئاً.
إذاً، يجب أن يجد حلاً للكلاب أولاً ثم يرجع.
رجع دخيل فوجد حمدان صاحياً. سأله حمدان بيده وببعض الكلمات البسيطة، فقال دخيل:
- ردت اعلم عالچلب ماهر، ردت احط بوجهو وسر مايروح أبد حتى يضل يذكرو انو مايتعدا عالرجال، وردت ابرد گلبي من القهر الي حطو بيا. بس الچلب أبن الچلب طلع مبدل كل الچلاب!
اول ما وصلت هبن عليا وبالزور يلا خلصت روحي منهن.
قال حمدان بصعوبة:
- يخوي عوف السالفة هاي... عوفها هسع.
تقدم دخيل إلى حمدان وقال له بإصرار عجيب:
- والله وحق الله فلا اعوفها ابد.
باچر اخذ لحم واروح اشتري سم من خليف واحطو عاللحم وأسمم الچلاب، وأفوت عالچلب وأشگ وجهو من اليمين لليسار، وهذا يمين برگبتي!
كان دخيل يضغط على أسنانه وهو يشير بابهامه إلى وجهه كأنه يتخيل الموقف.
أشار له حمدان بيده بمعنى تعال. حين اقترب دخيل، وضع حمدان يده على يد دخيل وقال بكلمات ثقيلة متقطعة:
- آني... حگي... عند هذا الرجل... آني... أريد اخذ حگي بيدي... خلي... اطيب... واروح لأهلي... واعرف ليش أرمضان مسوي نفسو خبل ورابض بالجرية، وليش... ماهر ذبحني لمن عرف من ارمضان الي هو دمدم الدرويش أني من الحويدة...
صعق دخيل لهذا الكلام وقال بعد أن جلس أمام حمدان:
- بالله عليك؟ انت متوكد من كلامك هذا؟
- أي نعم تذكرت وين شفت ارمضان خال الواليد. هذا عايش بجريتنا صحيح مو دايم يجي ويروح بس چنا نظن انو يروح للقرى الحوالينا.
يدخيل أكو شي لازم نعرفو، شي چبير... حيل. أصبر يخوي راح ياخذ جزاه لو اعرف أموت بيها، مابعد اخاف يخوي، أكو شي بگلبي مات... مابعد أكو شي يخوفني! وأكو سالفة لازم نحطها بالحساب گبل كلشي: سليمان وجواد.
- أش تگصد؟
- يخوي ماهر هذا ابوهم، ما ممكن ينطون عليه. أذا ذبحنا ماهر راح يلحگونا وياخذون حگهم. وجواد خوش ولد ومهما.... خالف أبوه بسالفة مايصل أبد أنو يگبل احد يطخو بشي.
- يعني انت اشلون تگول اخذ حگي منو، وأشلون تفكر بجواد وسليمان؟
- يخوي آني اريد أوصل ماهر للموت بس ما أذبحو، اريد اشوفو بمچاني بذيج الليلة بس، اريد اشوفو مذلول!
لم يعرف حمدان كيف يشرح لدخيل
أنه يريد أن يذيق ماهر من نفس كأس الرعب الذي ارتشفه حمدان قطرة قطرة في تلك الليلة الرهيبة
هز دخيل رأسه موافقاً وسكت، وهو يستعيد بذهنه حين سأل رمضان أبا سعد:
- ليش يعمي مو دايم تطلع معانا؟
أجاب بهدوء:
- عندي تجارة ثانية مشغول بيها ولمن يكون عندي فراغ أجي واطلع معاكم.
أما في الخان...
لم يمر نباح الكلاب بذلك الشكل المرعب بهدوء؛ لم يمر على ماهر الخبيث. فككل يوم، حين تنبح الكلاب على قط أو ثعلب، لا تنبح بهذه الشراسة.
ولا يخرج الكلب صوتاً گان احد يضربه
لهذا حين سمع ماهر نباح الكلاب خرج وهو يحمل بندقية حديثة، ودار حول البيت يرافقه نايف الذي لا يفارقه وشابان آخران. داروا حول الخان ولم يجدوا أي شيء، لكنه رغم هذا لم يشعر بالأمان؛ فمن اعتاد الغدر لا يرعبه سوى الغدر.
لهذا أمر رجلين من رجاله أن يتخذا لأنفسهما مواقع خارج الخان يراقبانه ليلاً وينامان نهاراً حتى يرجع الرجال من الجلبة.
********
أما في رحلة الجلبة، فقد مضت الأيام مسرعة رغم التعب والسهر والحر والتراب، ووصلت الجلبة للغربية بعد عشرين يوماً من خروجهم.
استقبل ماهر ولديه ككل مرة ضاحكاً مستبشراً، يشعر أنه قضى على كل شيء يزعج صفو حياته.
احتضن سليمان، وحين جاء ليحتضن جواد، مشى جواد عابساً من أمامه وذهب إلى البيت ليرى أمه.
نظر ماهر إلى جواد وهو يمشي متجهاً للبيت، والتفت الى
سليمان يسأله :
- ما عرفت اشبيه اخوك؟ ماعرفت منو شي؟
- والله يابا مدري اشبيه بس أظن جواد يمچن يغارمني عبن صاير كلامو معايا مدري اشلون يعني هيچ حسيت، صار مدة مو على بعضو، من رحنا الما رجعنا وهو ولا گعد معانا وبس صافن! كلما احجي معاه احس عبالك يريد يكاوني حسيتو يغار مني عبن كل كلامو عن أشلون أنت زين عليا ومو زين عليه
أجاب الأب:
- مو معگولة جواد يغار منك، يعني صحيح انتم توم بس آني دايم أشوفو هو الچبير والناس تناديني باسمو وآني مسويه السرگال. سليمان أخاف أخوك عاشج؟
- مدري...
- انشدو بينك وبينو وشوف، اذا يريد ايتجوز اني اروح اخطبلو منين مايريد.
- ان شا الله صار، تأمر يابا.
أما جواد، فحين كان يمشي في فناء البيت، شعر بنظرة أبيه تخترق ظهره. كان يعلم أن ماهر يراقبه، وأن صمته الطويل لن يمر مرور الكرام. لكنه لم يعد يستطع أن يتظاهر كأن شيئاً لم يحصل؛ فكلما رأى وجه أبيه، تذكر حمدان وهو ينزف فيدير وجهه عن أبيه، ويتذكر تلك الرصاصات التي اخترقت جسد حمدان ويتخيل نفسه بنفس الموقف، لكن المرعب أكثر،
كان برود أبيه تجاه الأمر.
مشى بخطى ثقيلة، وهو يردد في نفسه:
- يمكن لو تعرف يبوية اني عرفت الي سويتو چان ذبحتني آني هم! ابد ما استغرب منك شي والله. گبل سنتين ذبحت يونس وهسع ذبحت حمدان، والله العالم اش سويت گبل هالوكت.
كانت رائحة الخان المألوفة ممزوجة بالهواء: رائحة التبن الجاف، ودخان الحطب، ورائحة اللبن المختمر في القدور. ورغم أنه كان يشعر بالثراء سابقاً حين يمشي في فناء بيته ويشم هذه الروائح، إلا أن جواد فقد الأمان وأصبح يشعر بعدم الانتماء للمكان، لم يعد يشعر بتلك الراحة الآن كما كانت سابقا.
كان يسمع صوت خطواته وهو يمشي على التراب بخفة كأن الأرض تحاول إخفاء وجوده، أو كأنه يتمنى لو يختفي، ففي أعماق روحه رغبة عنيفة بالهرب بعيداً.
طرق أذنه صرير الباب الخشبي وهو يفتحه، وصوت أنفاسه وهو يحاول أن يهدئها قبل أن يواجه أمه؛ فأمه تشعر بكل خلجة من خلجات روحه.
حين سلم عليها واحتضنته، شعرت ببرودة مشاعره فسألته ما به، فقال:
- يمة أذا بيوم طلبت منچ تجين معايا ونهج من هينا تجين؟
أجابت بسرعة:
- ياريييت يايمة ياريت بس كون سليمان يجي معانا. بس ليش يمة تريد تهج هم تعدا عليك ملعون الرس★؟
أجاب بحزن:
- لو يگدر مايگصر، مابطل ضرب بينا الا لمن گدرت أگضب العصا والويها من ايدو وارميها برا. ما اتذكرين يمة گبل ست سنين؟ لي گبل ست سنين وهو يضربني آني وسليمان.
ردت بخوف مغلف بالحزن:
- اي وهم بطل يضربني عبن أنت ووگف بوجهو. تدري يجواد اشكد أخاف منو لمن تروحون وتعوفوني معاه؟ هذا آدمي خبل والله.
رد جواد وقال وقد جلس وجلست أمه قربه، هامساً:
- لا يمة مو خبل بس هذا آدمي...
الشر مخلوط بدمو، يعني نوبات احس اهلو واجدادو كلهم مطاريد.
ردت الأم وهي تقلب كفيها يأساً واستغراباً:
- والله يابا مدري، هسع گوم اسبح حتى أتعشون.
**********
في اليوم الثاني، انطلق جواد إلى منزل عاشور والتقى بدخيل. كان حمدان قد تحسن كثيراً، لكنه فقط لا يستطيع الكلام بطلاقة ولا يستطيع المشي، رغم أن عاشور فك الجبيرة وفتح ضماد وجهه ليكتشف حمدان ودخيل أن هناك ندبة بشعة في جانب وجهه وأن نصف أذنه من الأعلى غير موجود. ورغم سوء منظره حمد الله أن نجاه من الموت.
ورغم أن كلماته متقطعة ولا يستطيع تكوين جمل طويلة، إلا أنه كان يستطيع أن يوصل الفكرة، وقد بدأ يستطيع أن يمضغ الطعام ببطء، ولم يزل يشرب من خلال القصبة؛ فهو لا يستطيع إرجاع رأسه للخلف. كان عاشور قد قص له عدداً من القصبات الرفيعة، وقام دخيل بتنظيفها وتركها قرب حمدان.
احتضنه جواد وقال له:
- يخوي مدري اشلون اتعذر منك عن فعل أبوية.
رفع حمدان يده كأنه يقول له لا داعي، وقال فقط:
- أنت بريء.
سأل حمدان جواد:
- خالك راح؟
- أي راح.
نظر حمدان إلى دخيل وقال بصعوبة:
- يخوي ياريت أكدر اروح للحويدة هسع گبل مايفلت!
- ولايهمك، بس تكدر تمشي نطلع گبل.
سأل جواد:
- منو الي يفلت؟
رد حمدان
- خالك.
- ليش خالي بالحويدة؟
- أي مسوي نفسو درويش والنسوان اتبرك بيه، يبوكن من الشرطان الي يلفهن حول رگبتو ويشدنها على جسم المريض والعاجر. مرة شفت حمدة جارتنا بايكة نعالو وتركض وتمسح وجهها بيه، وهو يركض وراها يريد نعالو، ولمن أمي نشدتها گالت حتى تصير بيضة وزلمتها ما ايتجوز عليها!★
كان جواد يسمع وقد فغر فمه، ويسأل وقد تملكه العجب:
- يحمدان، انت متوكد انو خالي بنفسو؟
- آي نعم هو بنفسو، وهو الي كال لأبوك اني من الحويدة، ولهل سبب ابوك قرر يذبحني... بس ليش مدري، واريد اروح بس حتى اعرف ليش!
رد جواد وهو يكاد يصرخ:
- خالي خالي ابو سعد؟
ليش؟ وأش عندو بالحويدة وليش مسوي نفسو درويش
أسمعو
أبد أبد ماتروحون بلياي!
خل بس ارجع من دير الزور ونشوف صحتك اشلون تصير ونطلع سوا، ابد ماتروحون من دوني! آني لازم اروح معاكم، لازم اعرف شنو السالفة.
آني راح انجن راح أنجن ياناس،
يااارب جيب الصبر! هسع لو انت تكدر تمشي او تگوم چان هسع مشينا، وانعل ابو الجلبة لابو الحلال!
قرفص جواد قرب الحائط، وأسند كوعيه على ركبتيه وأمسك رأسه؛ يشعر أن رأسه سينفجر لكثرة توالد الأسئلة. فكلما طرح سؤالاً، وُلِد من ذلك السؤال الكثير من الأسئلة. وللحظة تمنى من أعماق قلبه لو يرجع إلى وضعه قبل هذه الحادثة مرتاح البال، رغم لهفته على معرفة الأجوبة.
فمنذ شهرين وأسبوع لا يصحو من صدمة حتى تأتيه صدمة أكبر؛ لِمَا يسكن خاله في الحويدة؟ ما هي علاقته بحمدان؟ لماذا يحرض ماهر على قتل حمدان؟ ولماذا ينفذ أبوه بلا تردد؟ ولماذا هو متنكر بهذا الشكل؟
هناك شيء كبير حتماً.
*********
بعد أيام في بدايات تشرين الثاني، انطلقت الجلبة إلى دير الزور. وخلال الرحلة، انفرد سليمان بجواد عدة مرات، أخبره أن أباه يقول إذا كان يريد الزواج أزوجه من أي فتاة وأدفع مهرها مهما كان غالياً. كان جواد يصمت وينظر إلى أخيه الوحيد بإشفاق كبير؛
لأنه كان يشعر أن أباه يريد أن يدخل إلى رأسه ليعرف ما فيها من خلال سليمان، ويعرف أن سليمان لا يعرف هذه النقطة، فهو لا يشك لحظة بولاء سليمان له ولأمه أولاً، لكنه لا يقبل أبداً أن يتخلى عن أبيه.
أما ماهر، وبعد أن مشت الجلبة ورأى جواد وهو يغادر دون أن ينظر إليه أو يكلمه ،
بدأ يسأل نفسه: ما الذي غير جواد لهذه الدرجة؟ وما هو سر ذهاب جواد للقرية بين فترة وأخرى؟ في البداية كان يظن أن لجواد علاقة بواحدة من فتيات القرية، ثم شيئاً فشيئاً بدأ تفكيره يتجه لطريق آخر... يتجه للشك الذي شعر به ورفض أن يصدقه.
الموضوع ليس موضوع زعله على غياب حمدان ودخيل، خصوصاً بعد تلك الليلة التي هاجت بها الكلاب؛ فقد أصبح مقتنعاً تماماً
أن دخيل موجود، وأنه قريب منه ولم يغادر الغربية، وأنه قد يكون التقى بجواد.
ياللهول! هذا يعني أن جواد يعرف كل شيء يعرفه دخيل، وهذا بحد ذاته كارثة!
وشيئاً فشيئاً، بعد سفر الجلبة بأسبوعين، بدأ يساوره اليقين أن جواد ربما التقى بدخيل بشكل أو بآخر؛
فلا معنى لتغير جواد إلى هذه الدرجة غير أنه قد التقى بدخيل وعرف منه ما حصل.
ويجب أن يتصرف بسرعة كي لا يعرف جواد أكثر من هذا ويضطر إلى قتله،
فهو قد بدأ يشعر أن له شابين مقتنعين تماماً أنهما أبناؤه، وهو لا يقبل بأي شكل من الأشكال أن يتخلى عن ولديه بعد أن تأكد أنه عقيم لا ينجب أبداً.
شعر ماهر أن الماضي يمد يديه إلى رقبته ويضغط عليهما، فدخل إلى خضيرة يستجوبها. وخضيرة، ومن خلال معرفتها بزوجها خلال تلك السنين، كانت تلجأ دائماً للإنكار؛ مهما كان الأمر بسيطاً تنكر إلى النهاية، فعقاب الإنكار أقل ضرراً من عقاب الاعتراف.
جلس معها... غازلها أولاً...
شعرت أن هناك استجوباً، فتأهبت للإنكار وبدأ الخوف يلقي بوشاحه الأصفر الشفاف على ملامحها.
بدأ الكلام معها بهدوء:
- خضيرة أنتي حرمتي وأم واليدي وأنتي تدرين أشكد انتم غالين عليا وأخاف عليكم.
أجابت بحذر:
- اش صاير وشتريد؟ ترى آني ماضل عندي شي انطيك هو، ترى انت وارمضان اخذتو كلشي مني.
احتد بالكلام حين ذكرته بخسته وقال:
- يالخبلة آني رايد احچي معاچ بس ماني رايد منچ شي، سولفي معايا عدل وفهميني جواد اشبيه؟
حين عرفت ما يريد، أغلقت عقلها تماماً عن الإجابة. سكتت واتخذت موقع الاستعداد للضرب.
أمسكها من يدها وقال بحدة وقد تبدل وجهه لشيء مخيف:
- خضيرة ورب الي خلگج الا تحچين لو اطلع بروحچ، انت تعرفين شي!
مادام بس گلت جواد وانتي كشيتي هشكل، انتي تعرفين شي وراح تحچين غصباً عن خشم أبوچ!
أغلقت خضيرة كل شيء: عينيها، أذنيها، عقلها، وجسدها. تكورت وشدت عضلاتها كي تستعد للضرب،
لم تكن تعلم حجم الخطر الذي يشعر به ماهر
وأنه فعلاً ينوي قتلها أذا لم تعطيه الجواب الذي يبحث عنه
هجم عليها وأمسكها من يديها وهو يصرخ بها:
- گولي أشبيه جواد راح اذبحچ واني صادگ، مو جاي اهدد آني راح أذبحچ!
لكنها لم تستجب أبداً كالعادة.
أمسكها من رقبتها وبدأ يضغط عليها، صرخت في البداية برعب، ثم أصبح الصراخ حشرجة وقد جحظت عيناها. كانت عيناها تتسعان من الرعب، ودموعها تسيل على خديها وهي تحاول التنفس. كانت ترى في عيني ماهر ظلاماً لا نهاية له، كأنه ليس زوجها بل وحش غريب يحاول قتلها. حاولت أن تلفظ كلمة واحدة لكن الصوت لم يخرج صوتا،
بل شهقة خافتة كانت آخر ما تبقى لها من قوة.
وطيبة خلف باب الغرفة ترتجف،
ولم تعرف كيف تنقذ سيدتها إلا أن تخرج وتصرخ لنايف كي يأتي وينقذها. فدخل نايف مسرعاً وأخرج خضيرة من بين يدين ماهر بآخر رمق وهي تسعل بعنف.
وقد بركت على الأرض ووضعت يدها على صدرها
تبكي وتسعل وتسحب انفاسها بقوه،
سحبه نايف خارجاً وهو يهدئه، وركضت طيبة إلى سيدتها تواسيها وتدلك رقبتها وترتب عصابتها التي وقعت خلفها.
خرج ماهر وهو يتوعدها، وجلس في مضافته يفكر كيف يمكن أن يصل لدخيل وأين وكيف يبحث عنه. فلم يهده تفكيره سوى أن دخيل موجود في قرية الغربية، هذا أكيد،
وإذا كان موجوداً في الغربية فحتماً هو ساكن عند أحد الأشخاص الذين يعرفهم فالغربية قرية لايوجد فيها فندق
ولأنه رجل حتما سيسكن وحده في غرفة أو خان من تلك الخانات جنوب القرية
وهذا يعني أنه ربما وجد عملاً
وهكذا مؤكد انه سيحتاج لتلك الدكاكين. فقرر أن ينزل ويسأل أهل الدكاكين الأربعة الموجودة في القرية:
دكان يبيع الأطعمة الجافة ولوازم البيت من المؤونة (شاي، سكر، دهن... إلخ)، ودكان للمواد الخاصة بالزراعة وأدوية الحيوانات، ودكان يبيع الخيوط والأبر بأنواعها وبعض الأقمشة، ودكان يبيع الأواني الفخارية والألمنيوم الذي غزا القرى مؤخراً وبدأ يزيح أواني النحاس من المطابخ الطينية.
ركب ماهر فرسه ونزل للغربية
وانطلق يسأل أهل الدكاكين واحداً واحداً. ولم تكن الدكاكين متقاربة كمثل السوق المصغر، بل هي مجرد غرفة طينية في بيوت أربعة أشخاص متفرقين في القرية.
لهذا وصل دكان صاحب الفخار والأواني، وعرف منه
انه لم يرى دخيل،
لكن جواد جاء إليه قبل شهرين أو أكثر واشترى منه أغراضاً كثيرة، لكن أكثر ما استغربه البائع هو سؤال جواد عن إناء يصلح أن يقضي مريض حاجته فيه!
من هو المريض؟
إذاً كان ظنه صحيحاً وأن الذي هاجمته الكلاب هو دخيل، وأنه مصاب ويحتاج لهذه الأغراض!
لكنه توقف وقال لنفسه،
بدأ قلب ماهر يدق بسرعة، ومشى إلى الدكان الثاني وهو يسأل نفسه: لمَ قد يبحث ابنه عن شيء كهذا؟ لكنه حين وصل إلى خليف المحمود وسأله عن دخيل أو جواد، أخبره خليف أن دخيل مر عليه فجراً قبل شهر ونصف أو شهرين تقريباً لا يذكر بالضبط، وأوصاه أن يقول لجواد إذا مر به أن يذهب ليتقي بدخيل عند عاشور الصلبي.
هنا تأكد ماهر
تماماً أن المصاب هو دخيل بسبب هجوم الكلاب عليه، وقد نسي تماماً أن البقال قال له "قبل شهرين". نسي هذه الفقرة وفهم أن دخيل مصاب بسبب الكلاب وأن جواد اشترى له الأغراض.
كان فكره مشوش،
فركب جواده وانطلق إلى بيت عاشور وطرق بابه. وما إن فتح عاشور الباب حتى دفع ماهر الباب بعنف ودخل للبيت يبحث عن دخيل. بحث في الغرفتين الأماميتين: غرفة المعالجة وغرفة الضيوف، ووقف في وسط الفناء وعاشور يسأله وقد زاد اصفرار وجهه:
- يبو جواد شتريد وعلى شنو ادور؟
لكن ماهر لم يكن يتكلم، كان يدور في الفناء، والتفت إلى عاشور وقال بغضب:
- وين دخيل؟
صعق عاشور وارتبك وتلعثم وقال:
- هي دخيل؟
اقترب ماهر وهو يصر على أسنانه حتى كاد أن يهشمها، وأمسك عاشور من تلابيبه وهزه وقال مهدداً:
- گلي وين دخيل، ولا تخليني افين حظك!
وكان قد ترك عاشور وأتجه الى البيت ليقوم بتفتيشه
بنفسه
في هذه اللحظة خرج من خلف البيت عيسى ابن عاشور. فما إن دخل ماهر بذلك الشكل حتى ركضت أخته صباح لتخبر أخيها بما يحصل،
فالتقط بندقيته وجاء يركض،
وأمر ماهر بالخروج من البيت فوراً. تراجع ماهر وخرج مسرعاً، وركب حصانه وانطلق للخان.
في اللحظة نفسها، رجع عيسى إلى دخيل وحمدان وأخرجهما إلى بيته، وهناك استدعى جاره الذي كان يملك سيارة (شوفليه) حوضية يعمل بها على نقل الصوف والجبن إلى قضاء تلعفر.
ساعد دخيل حمدان ووضعه في السيارة، وركب عيسى معهما وانطلقوا خارجين من الغربية متجهين إلى قرية خربة سالم عند عمة دخيل.
*********
استقبلتهم العمة وأولادها بالترحاب، وفرشت لحمدان فراشاً جلس عليه، وسألت دخيل عما يحصل معه، فحكى لعمته وأبنائها وزوجها كل شيء.
نهض ابنها الكبير خضر وذهب إلى بيت عمه وأبلغه بما حصل، فهب الرجال كلهم لحماية دخيلهم حمدان ودخيل، وقالوا لدخيل:
- سلمتم وخاب طلابكم، والله اليصل لي هينا فلا يطلع على رجليه، اكعدو وارتاحو ومايجيكم اثگل من هدومكم.
أما في الغربية...
في تلك الليلة بعد منتصف الليل، سمع الناس صراخ أسرة عاشور. حين خرج الناس وجدوا أن الغرفتين الأماميتين قد احترقتا، وقد بدأت النار من صبر★ "الدامين" من عند الزقاق كأن أحداً صب نفطاً أو بنزيناً في صبر الدام وأحرقه من الخارج.
اجتمع الناس، وحاولوا إطفاء النار قبل أن تمتد إلى بقية الدوم وقد تحترق القرية بأكملها، فبشكل أو بآخر كل القرية متصلة ببعضها من أحد الجوانب.
أطفأوا الحريق، لكن النار أتت على الغرفتين بالكامل.
وما إن أشرقت الشمس حتى التفت عاشور إلى ابنه وطلب منه أن يأخذ زوجته وأطفاله إلى بيت أخته الكبرى حليمة، وأمه وأخته صباح وأخاه مفيد إلى بيت أخته الوسطى مريم في تلعفر، يتركهم هناك ويرجع إليه.
حاول عيسى أن يقنع أباه كي يذهب معهم لكنه رفض وقال له هامساً:
- جواد گرب يرجع، لو اليوم لو باچر او بعد باچر يصل. اريدو يجي ويشوف ابوه اش سوا حتى يدفعلنا حگ البنية وتصليح البيت، هاي وحدة.
الثانية، اذا طلعنا مو بس نضيع حگنا بس
بكن راح يضيع جواد طريج دخيل وحمدان، آني أضل حتى ادليهم على بعض.
وهذا الچلب ماهر راح يدفع ثمن الي سواه، اريد اخذ راي جواد أذا يگبل اروح اشتكي على ابوه، هذا صار مثل الطاعون لازم يگف عند حدو.
وانطلق عيسى يحث أمه وأخته على جمع أشيائهما وكذلك زوجته، ولم يأتِ الضحى إلا وسيارة جارهم متجهة إلى تلعفر،
وبدأ عاشور يعمل على تنظيف بيته ونقل الأنقاض إلى المزبلة القريبة.
ولم ينتبه أحد أن هناك حصاناً من أفخر الخيول الأصيلة يمتطيه أحدهم يراقب من بعيد، وما إن مشت السيارة حتى انطلق خلفها لا يدركها ولا تغيب عن ناظريه...
