رواية دكة السادة الفصل السادس عشر 16 بقلم فطمة محمد علي النعيمي

 

 

 

 

رواية دكة السادة الفصل السادس عشر بقلم فطمة محمد علي النعيمي



عند الباب

حين احرق ماهر الغرفتين الاماميتين في بيت عاشور
ترك نايف يراقب المكان وهو يركب افضل خيول ماهر وما ان انطلقت السيارة الى تل عفر حتى انطلق خلفها
لا يدركها فينكشف ولا يدعها تغيب عن ناظريه
حتى وصلت السيارة الى حي حسن كوي في تلعفر
ما ان حفظ الاماكن حتى
رجع نايف إلى ماهر وأخبره أن السيارة نقلت نساءً وأطفالاً فقط، وأنه عرف أين ذهبوا ولم يكن دخيل معهم، ولا وجود لدخيل أبداً.
لكن ماهر لم يصدق؛ أصر أن يذهب بنفسه مصطحباً الرجال الثلاثة وهم مسلحون، وذهبوا إلى تلعفر واقتحموا بيتي ابنتي عاشور (مريم وحليمة) في حي "حسن كوي".

تأكد بنفسه من عدم وجود دخيل، وأصبح يشك في أن دخيل ربما ذهب إلى عمته في "خربة سالم".
رجع وهو يفكر طوال الطريق كيف سيدخل القرية ويبحث عنه؛ 
بل يجب أن يجد طريقة تجعل دخوله للقرية شرعياً بعرف العشائر. فهذه قرية فيها رجال يحمون من يلوذ بهم
لكنهم أيضاً عرب يحترمون الاعراف ولايستطيعوا الوقوف مع الظالم فيصبحون سُبة بين العشائر لهذا
هداه تفكيره ...
إلى أن يدعي أن دخيل سرقه، وعزم على الذهاب إلى القرية؛ فالسارق في عرف العشائر لا حماية له، 
ولكنه لا يُقتل: إما أن يُرجع ما سرقه أو يدفع عنه من أواه وحماه
او يتم تسليمه للشرطة وفي هذا منقصة كبيرة يدفع شيوخ العشائر المال كي لاتنالهم، 
أما إذا قُتل السارق أثناء السرقة داخل البيت فلا دية له.

جلس ماهر ليومين يفكر ويرتب كلامه ويدرب رجاله كيف سيتصرفون، حتى ظن أن حجته أصبحت قوية وموقفه سليم تماماً.
في اليوم الثالث، لبس ثيابه الفاخرة وألبس رجاله ثياب الوجهاء كأنهم رجال ذوو شأن، وانطلقوا إلى قرية "خربة سالم".
حين وصلوا كان الوقت قبل الظهر بساعة. سأل أحد الرجال عن بيت الشيخ أو المختار، فأجابه الرجل:

- نحنا واليد رجل واحد ماعدنا لاشيخ ولامختار بس عدنا عمنا الچبير أبو صطم وهذاك بيتو،

انطلق الأربعة إلى بيت العم كَبِير القرية. خرج الرجل يستقبلهم وخلفه أبناؤه التسعة، ورحب بهم وأدخلهم مضيفه وجلسوا جميعاً.
حين جلس ماهر وعرّف عن نفسه، 
عرفه الحاج أبو صطم وعرف هدفه، ولكنه جلس يستمع لحجة ماهر الذي قال:
- يبو صطم آني وربعي جاينك ونريد تصير حكم بسالفة صارت عدنا.

أجابه أبو صطم قائلاً:
- أن چان لك حگ تاخذو بعون الله، نحنا ناس نعرف الأصول تفضل احچي اش عندك؟

اعتدل ماهر في جلسته وهو واثق من حجته وقال:

- ياوجوه الخير أنتم تعرفوني آني تاجر حلال اجيب الحلال من كل قرى الموصل وأبيعها لتجار سوريا، 
گبل اربع سنين چانت عندي جلبة طالعة للشام ونزلو عند عين الگطا وتعرضلهم أبن اخو عمتكم دخيل الحمد وربعو گطاع الطريج ،
وصارت بينهم للشيطان الرجيم وانت سيد العارفين الحرامي ماينضرب ضرب جسية=بقسوة 
ربعنا اضربو من المحزم وجوا ودافعو عن مالهم وكسرو گطاع الطريج وانهزمو. 
والسرگال خاف لايرجعون عليه أن 
فطلع من يم العين ومشى بالجلبة وصلها لدير الزور واخذ حكو، ورجع هو والرجال بعد عشرة ايام وصلو نفس المچان عند العين، لمن وصلو سمعو صياح رجل بين الحجار يطلب من الناس الي جو وهو مايشوفهم ومايعرفهم 
يطلب منهم يشيلوه عبنو متصاوب، أثاري هو واحد من گطاع الطريج لمن تصاوب گبل عشرة ايام ربعو انهزمو وماردو عليه خلوه للوحوش تاكلو،
السرگال بوكتها ماگبل اشيلو گال لربعو:
"عوفوه چلب واتصاوب خلوه يموت"، 
بس واليدي چانو معاه ارفضو وراحو وشالو. ومن طيب أصل واليدي جابوه معاهم،
وعالجتو وعفيت عنو وشغلتو حارس بالجلبات عبنو گلي آني تايب على اديك،
وچنت انطيه أجرتو فلوس حلوة چان يدز منها لهلو وانشدو عمتكم عن هالحچي.
بس گاطع الطريچ مايتوب أبد؛ 
گبل مدة صحيت الصبح ونو مو موجود دورت عليه ون ماخذ غراضو ورايح، 
ماگلت شي عبنا متعلمين يجون شباب ويروحون شباب، گلت يجوز متكاون مع حدا من الرعيان العندي وزعل وراح، 
الله معاه. للظهر يلا عرفت أنو بايكني ومهزوم، وضليت ادور هاي اسبوع بعدين تذكرت عمتو عدكم وآني جاي اريد حگي. أبن أخو عمتكم باگ مني الف وخمسميت دينار، أما تنطوني فلوسي أو تنطوني الحرامي، اروح أسلمو للشرطة.

ضحك الحاج أبو صطم وكذلك ضحك أولاده وقال لماهر:
- لو أنك اعربي چان عرفت أن الدخيل ماينعطى.
ولو أنك صادچ چان آني افك ارگبة دخيلي وما أسلمو للشرطة

رد ماهر محتداً بقوله:
- بس العرب ما ادخل لا البايگ ولا الزاني!

أجابه أبو صطم قائلاً:
- لمن وصلنا دخيل ماجان معاه غير چم فلس أبنك بنفسو الي انطاهن لوا بشهادة عيسى أبن الصلبي،
وكلنا شفنا صدگ كلام دخيل لمن شفنا صواب رفيجو حمدان الي جابو مهزوم بيه لا تلحكو وتذبحو مثلما ذبحت يونس گبلو، ونحنا لا أهل حمدان حتى ناخذ حگنا منك ولا أهل يونس الي راح أدور على اهلو واعلمهم بفعلتك الشينة واخليهم يلحگوگ لو تفوت ابطن أمك وياخذون حگهم منك.

صُعق ماهر كأن برقاً خاطفاً ضربه من قمة رأسه حتى أخمص قدميه، وتوقفت شعيرات جلده ونهض مسرعاً،
وما إن وقف حتى كاد أن يقع لشدة صدمته. 
خرج مسرعا يلحق به الوجهاء المزيفون، 
وركبوا خيولهم ورجعوا إلى الغربية.
كان ماهر يغلي في سريرته ويضرب الحصان برجليه: كيف نجا حمدان من الموت؟! 
وكيف لم يتأكد بنفسه من موته؟! 
كيف لم يفرغ مسدسه كله في رأس حمدان؟!
إذن جواد يعرف بكل هذا وساعد عدوه عليه! 
إذن تلك الأغراض التي اشتراها جواد كانت لحمدان!
كان يردد في نفسه:
- آه يا جواد! لو أني بس دافنك بذاك اليوم! ألف لعنة عليك يا رمضان أنت وأختك !

طوال الطريق كان ماهر يفكر كيف سيقتل جواد قبل أن يأخذ سليمان وزوجته إلى مكان آخر، ويرسل نايف إلى "دمدم" كي يخبره أن كل شيء انتهى ويجب أن يهرب قبل أن ينكشف أمره في "الحويدة".
ولكن ما لم يكن يعرفه ماهر، 
أنه حين كان متجهاً إلى "خربة سالم" ووصوله عندهم قبل الظهر في ذلك اليوم...

كان جواد قد وصل الخان هو وسليمان وبقية الرجال عائدين بأحمال من البسط المنسوجة لتجارتهم. وصل جواد وقت الضحى، 
وحين عرف أن أباه ليس موجوداً لم ينزل عن ظهر جواده، 
بل انطلق إلى بيت عاشور متلهفاً للإنطلاق إلى "الحويدة" بأسرع ما يمكن.
حين وصل بيت عاشور عرف منه كل شيء، بل عرف أن أباه ورجاله اقتحموا بيتي ابنتيه في تلعفر؛ 
حيث جاء زوج ابنته مريم أمس وأخبره كيف دخلوا يبحثون عن دخيل، وأن ماهر لا يعلم بوجود حمدان فكل بحثه عن دخيل فقط.
فرجع جواد إلى الخان مسرعاً، وعرف من أمه ومن طيبة أن أباه خرج في الصباح الباكر متجهاً إلى "خربة سالم".
ورغم عدم منطقية هذه الفكرة بالنسبة لجواد؛ 
فليس من المعقول أن يذهب أبوه إلى قرية يبحث فيها عن رجل هارب منه ويتوقع أن يجد جواباً يرضيه، 
إذ لم يكن جواد يتخيل عقل أبيه ولا الحجة التي ذهب بها، لكن جواد أصبح يتوقع من أبيه كل شيء غير معقول.

كان سليمان واقفاً بين أمه وجواد يسأل ويسأل، لكن جواد لم يقل له إلا:
- تجي معانا لو لا؟ اذا ضليت مو بعيده ابوك يذبحك، أمشي خل ننهزم كبلا يصل، ترى خربة سالم مو بعيدة يعني العصر راح يصل الخان.

لكن سليمان رفض وقال:
- ما اعوف أبوية ابد وانتم وين ماتريدون روحو.

وبسرعة التفت جواد إلى أمه قائلاً:
- يلا يمة بساع أبوية اذا رجع راح يذبحني.

رد سليمان وهو في حالة لا يعلمها إلا الله:
- لا أله الا الله.. يجواد انت انجنيت اشلون ابوية يذبحك وهو يحبك بكد روحو انت يخوي مسحور لو لبسك جن خلني اوديك للسيد يعزم عليك.

لكن أمه كانت تجمع حوائجها، وجواد أخرج أمواله التي كان يجمعها عند أمه وخرج مسرعاً، وسليمان يمسك به وهو يقول:
- جواد اش صاير؟ بس علمني انت عندك سالفة ومسوي شي تعرف زين يزعل ابوية؟
بس فهمني انت شمسوي؟ 
يخوي اني بظهرك وراح اخلي ابوية يسامحك اشما مسوي، يخوي لاتعوفني آني ماليا غيرك أنت وأبوية، ليش تمتحني هالامتحان الصعب؟ يمة دخيلچ احچي معاه.

ردت أمه بحزن وقالت:
- انت يسليمان الي لازم ينحچي معاه، آني سولفتلك أبوك اش سوا بيا وأنت ولا داير بال أنت يبني ماتشوف شي انت اعمى،
عوفو وتعال معانا خلنا ننهزم ابوك هاي مدة متخبل لو مو نايف چان ذبحني، 
آني والله لو عندي احد يحاميني منو من زمان چان عفتو بس ماعندي غير الخسيس أرمضان،
ورمضان مثل الچلب بيد ابوك يگلو انبح على فلان ينبح يكلو عض فلان يعض.

أمسك سليمان بيد أخيه وهو يكاد يبكي وقال:
- يخوي أنت سويت شي غلط؟
أنت غير تفهمني حتى اعرف أجي معاك لو أضل؟

أجابه جواد وهو يساعد أمه على ركوب الحصان بسرعة، وركب هو أيضاً وقال له على عجل:
- أبوية ذبح حمدان وگبل حمدان ذبح يونس، أتذكر يونس؟ لمن گال اروح اسلمو لمخفر تل عفر أبوك ذبحو بالطريچ.
ضربت أمه صدرها بيدها وقالت:
-يمة ياستار هيمت هالحجي؟
لم يجيبها جواد

جُنّ سليمان وصرخ بأخيه:
- وانت اشلون عرفت أشلون ها؟ منو گلگ هذا الحجي يخوية منو الي فات جواك وخربك على ابوية منو بس گلي يجواد لا تصدگ هذا الحجي يخوي والله يچذبون عليك

أجابه جواد وقد وصل باب الخان، وسليمان متمسك بسرج الحصان يتوسل به أن يبقى وهو سيصلح بينه وبين أبيه وقال:
- يخوي لاتروح ...
هسع يرجع ابوية وآني اصالحكم، يجواد منو يگول هالحجي صحيح يخوي بلچي احد فات جوا راسك وخربك على أبوية والله أبوية يحبنا ومالوا غيرنا ألله يهديك.

حرّك جواد حصانه وهو يمسك زمام حصان أمه وقال وقد ابتعد:
- انت اعمى يسليمان، أذا تريد تعرف اشلون عرفت آني روح لعاشور وأش تريد تعرفو راح تلگا جوابو عند عاشور، مابيدي مجال اشرحلك أي شي، اذا ضليت 
وابويا وصل راح يذبحني، 
وأي خبر اريد اوصلو لكا راح اتركو عند عاشور وأذا ردت تنشد عني بيوم راح تلگي خبري عند عاشور، مع السلامة يخوي.
وانطلق مع أمه الى خربة سالم

وقف سليمان يراقب أخاه وأمه يبتعدان، وجلس على عتبة باب الخان وقد اعتصر قلبه وطفرت دموعه رغم حبسه لها؛ فهو وجواد لم يفترقا أبداً، فكيف سيحتمل فراقه الذي قد لا يكون بعده لقاء أبداً؟

***

كان جواد يعرف أن أباه ورجاله لا بد عائدين على الطريق نفسه، لهذا تجنب الطرق المستقيمة للوصول إلى القرية واتخذ طريقاً أطول للوصول.
يمشي بحيث لايتعب امه

وما إن وصل القرية آخر عصر ذلك اليوم 
حتى استقبله الرجال بالسلاح وهددوه بالقتل؛
كان الرجال يعتقدون أن جواداً تابع لركب ماهر رغم وجود امرأة معه.
لكنه قال لهم:
- آني جايكم داخل على الله وعليكم.

حين وصل بيت أبو صطم وفهم أبو صطم من هو، رحّب به غاية الترحيب وقال للرجال حوله:
- هالولد طالع على خوالو أبد مالوا شي بماهر العطا سود الله وجهو.

كان جواد في هذه الأثناء ينزل أمه وأغراضها عند بيت أبو صطم وطلب منهم حمايتها، 
اقسم عليه أبو صطم أن يبقى ليقوم بواجب ضيافته
لكن جواد رفض وقال له
-يعم أحنا لازم هسع نمشي للحويدة
وبس ارجع راح اجي عليك واشرحلك كلشي
خلني هسع اخذ ربعي وأمشي
حتى نلحگ سالفة گبل لاتصير،

وأخذه ابناء أبو صطم إلى دخيل وحمدان عند العمة گرحة.
ولم ينزل جواد من حصانه إلا ليحمل حمدان على حصان أمه، 
وزوج گرحة أعطى حصاناً لدخيل فركبه، 
وكانوا سيمضون حين خرجت العمة تحمل بيدها صرة فيها طعام وقربة ماء لهم، وانطلقوا إلى "الحويدة" بلا توقف، وكل واحد منهم يتمنى أن يملك أجنحة كي يصل قبل أن يهرب رمضان ويخسروا معركة الوقت العنيفة هذه.

***

أما في الغربية، فحين وصل ماهر وعلم بما حدث، فقد عقله تماماً وأصبح كالمجنون؛ بالذات حين علم أن سليمان قد خرج بعد أخيه ذاهباً إلى عاشور. صرخ بعجاج قائلاً:
- اركب والحگني!

ورجع إلى حصانه وهو يرتجف من شدة القهر والغيظ، وكان سيركب حين رأى سليمان وقد عاد وهو مذهول يلبس وجه جواد حرفياً. وقف أمام أبيه وقال له:
- صحيح يابا انت ذبحت حمدان؟

التفت ماهر إلى عجاج ونايف وقال لهما:
- تروحون للحويدة وتبلغون ارمضان يطلع ويروح لبيتو.

أمسكه سليمان من ذراعه وقال له:
- يابا اني نشدتك جوابني!

رد عليه ماهر قائلاً بإنفعال:
- بعدين احچيلك كلشي لازم نجهز نفسنا ونبيع كلشي ونمشي باچر الصبح ماكو وگت وآني راح اسولفلك كلشي.

أعاد سليمان سؤاله بإصرار:
- يابا انت صحيح ذبحت حمدان وگبلو يونس؟ وجواد انهزم وهو يگول اذا أبوية وصل وآني هين راح يذبحني، وصحيح انت ردت تذبح أمي؟ يابا بس گلي هذا الحجي صحيح لولا؟

أجاب ماهر بصدق بارد ومخيف ووجه مرعب:
- أي صحيح وراح أذبح اي واحد يندگ بيك، 
آني كل الي سويتو حتى احاميك انت وأخوك الخبل،
آني يسليمان مطلوب دم وعدوي مايريد يذبحني آني، عدوي يريد يذبحكم انتم وأخوك الأثول صدگ كلام عدوي وعافني وراح ينذبح ومابعد أگدر احاميه واشگد گلت له وما صدگني، وآني راح اسولفلك كلشي بس خلي نخلص ونمشي عبن مكانا انكشف ومو بعيدة للصبح يصلون هينا

ورغم كل ما سمعه سليمان من عاشور ومن جواد وهو يجمع أغراضه ومن أمه، رغم كل هذا صدّق سليمان أباه وراح يعمل بسرعة معه.
انطلق ماهر إلى مختار القرية يعرض عليه شراء الخان بكل ما فيه من أثاث وأغراض وأبقار، وأن لا يأخذ معه غير الأشياء الشخصية وبنصف الثمن. واشترى أحد أثرياء القرية الخان بما فيه بعد أن جاء وعاين كل شيء.

لم ينم ماهر تلك الليلة، بل كان منشغلاً بتحميل أمواله على الخيول، وأمر طيبة بالرجوع إلى أهلها في قرية الغربية.
وما إن انتهى حتى انطلق في جوف الليل يرافقه سليمان وخمسة رجال من رجاله،
وترك أحد الرجال في الخان ليسلمه غداً لمالكه الجديد ويرجع إلى أهله.

أما نايف وعجاج فقد انطلقا إلى الحويدة ليبلغا رمضان بالانسحاب، لكن هيهات أن يصل ركب جواد وركب نايف في الوقت نفسه؛ 
فجواد لا يستريح إلا حين يجوع أو يرى حمدان قد تعب من ركوب الحصان، فيستريح لدقائق وينطلق. أما نايف وعجاج فكانا يستريحان وعلى قول المثل الشعبي: *(مضيع جمل خالتو أن لكاه يغني وان مالگاه يغني)*.

********

في أول استراحة لهم بعد خمس ساعات من السفر
ساعد جواد حمدان وانزله عن الحصان ومشى حمدان وهو يعرج ممسكاً بيده عصا
يتكيء عليها كي لايضغط على ساقه.
كان الوقت بعد صلاة العشاء 
ودخيل انزل الطعام والماء وجهز مكان المبيت
وحين جلس حمدان قال لجواد:

-جواد من وكت ما جيت عدكم گبل ستشهر
وما حصل ابد أني عرفت أسم جدك
عبن الكل ينادوه ابو جواد وعاشور چان يسميه ماهر بس،

بس اليوم وآني گاعد بمضيف زيدان رجل العمة گرحة
سمعت رجل يصيح ويگول
-يعم زيدان هذا ابن ماهر العطا جاي على اخوياه عدكم
ظليت صافن الما فتت ون انت
وتعجبت من اسم أبوك وجدك،
قال جواد مستفهماً:
-وشنو العجيب باسمهم؟
اجاب حمدان بسذاجة الرعيان:
-عبن عدنا واحد بالجرية أسمو ماهر العطا
والصحيح يخوية هو يشبه ابوك بس مو فرد مرة
بس نفس الدم ونفس العيون
يعني آني مدري اشلون أگلگ معرف اشلون اوصفلك
الموضوع، بس آني أشك ماهر العطا هذا لو شي بماهر العطا ذاك،
رد دخيل وقال:
-يگولون يخلگ من الشبه اربعين بس شبه شكل وشبه اسم وخالك گاعد بالجرية ومسوي نفسو خبل ه‍اي ينرادلها صفنه،
التفت جواد وقال وقد بدا مستغرباً والأسألة 
تحيطه من كل جنب:
-أش تگصد يدخيل؟ صحيح مايصير شبه بالشكل وشبه بالاسم وخالي هناك هذني للهن سبب مثل حزازير أهل گبل بس ماللها جواب
قال لهم حمدان:
- لا بالله للهن جواب ،
وجوابهن عند خالك .
وآني عندي راي يخوي أذا تسمعني.

قال جواد:
- كول يخوي اسمعك اكيد.

- شوف يخوي آني غايب صارلي يجي ست شهور، أذا وصلت الجرية وشافونا الناس راح ينطش الخبر بساع وراح يسمع أرمضان وراح ينهزم ومانلحگ نگضبو، وأذا ماگضبناه ماراح نعرف كلشي وكل هالحزازير جوابها عند أرمضان نحنا لازم نگضبو أول شي وبعدين
كلها راح تنحل
وهم أخاف اكو ربط بين ماهر العطا أبوك وماهر العطا الشامي الي عدنا وأذا صارحس وجو يجوز يفكون دمدم من ادينا لهل سبب لازم نعرف اشلون نسويها سكتاوي

رد دخيل مؤيداً:
- اي بالله صحيح.

أردف حمدان قائلاً:
- بأيام الشتا دمدم يروح على خرابيش البساتين يگعد بيها، وهاي صايرة بأخير البساتين شمال الجرية،
اربع خمس  خرابيش ،
وعندي خوي أسمو زعيتر عندو خربوش بأول البساتين من يم الجرية. 
برايي نروح لجرية غزيل الي صايرة گبال جريتنا من يم البساتين، ايمت مانصل نضل عدهم لليل وهما عدهم أبلام صيد يعبرونا بيها بالليل ويكون نصل لو للمارد الچبير لو لأول البساتين يم خربوش زعيتر، 
عبن زعيتر يكدر يصيد دمدم.
 اول شي نحنا نكدر نصل زعيتر بلا مانفوت عالجرية ونفهمو عالسالفة وهو ياخذ خبز ويروح لدمدم بحجة ينطيه خبز ونحن نمشي ورا زعيتر من بعيد، وأول مانشوف دمدم نگضبو وبعدين تونا عاد نروح لبيت سيد عبدالله شتكولون بهل راي؟

وافق الاثنان وبقوة وقال جواد:
- والله هذا احسن راي وهشكل راح نسوي.
لكن هنا بدا على وجه حمدان التردد،
سأله جواد:
-اشبيك يخوي؟
اجاب حمدان بخجل:
خايف من سالفة
أذا حجيت لعمي عبدالله اشلون وليش طلعت من الجرية راح اصغر بعينو عبني ماخلصت بنتو من الموت يعني معرف اشلون راح اسولف هالسالفة،
قال جواد :
- المرجلة يخوي مو بالمباطح وطگ رماح المرجلة انك تواجه غلطك وتعترف بيه
 وانت اليوم مو مثل حمدان گبل ستشهور أنت كاونت معانا وثبتت وسافرت وشفت دنيا وتعلمت لابالله لاتخاف گولها مثلما هية
واذا هذا الرجل عبدالله النمر أبن أصول راح يفهم اعترافك شجاعة،
ابتسم حمدان وربت على يد جواد موافقاً،

نام الثلاثة بضع ساعات وانطلقوا مع الفجر 

بعد أربعة أيام وصلوا إلى قرية "غزيل".
كان الوقت ظهراً وكانت "الحويدة" كلها مكشوفة أمامهم؛ فالحويدة تقع على سفح مائل باتجاه النهر. يسميه العرب (بطين)
جلس حمدان مع أصحابه في بيت أحد الأخيار في غزيل، وقاموا بضيافتهم على أكمل وجه.

وانتظروا حتى هدأت العيون وانطفأت الأضواء، وتحرك الجميع مع صاحب القارب إلى الشاطئ، ثم عبروا النهر بهدوء إلى الحويدة. 
ما أن وصلوا الشاطيء حتى
أشار حمدان لرفيقيه أن يجلسا بين المزروعات كي لا يخاف زعيتر، وذهب حمدان يمشي بتهمل معتمداً على عصاه حتى وصل خربوش زعيتر.
كان الجو بارداً والسماء تمطر مطراً خفيفاً.
طرق بابه طرقاً خفيفاً وهمس من خلف الباب قائلاً:
- زعيتر أني حمدان .

سمع زعيتر الطرق ولم يسمع الهمس. حين فتح باب خربوشه كاد أن يصرخ حين سمع صوت حمدان وهو يسلم عليه وعرفه،

لكن حمدان وضع يده على فم زعيتر ودخل وهو يدفعه لداخل الخربوش واحتضنه وهو يقول:
- أشششششششش اگطع الحس ماريد احد يعرف أني جيت

صمت زعيتر رغم رقص عينيه فرحا بسرعة مذهلة. 
كان حمدان يلف وجهه بشماغ يخفي تلك الندبة الفظيعة. سأله زعيتر هامساً:
- من أيش خايف ليش انت شمسوي يول؟
 أمك وصلت للموت اشلون صخيت بيها؟ عفية خلني اروح أبشرها بالله غير تنطيني سياگگ بشراوية

همس حمدان قائلاً:
- أگف خل افهمك المصيبة بس اسمعني بلا ما اطلع صوت نهائي، أول شي دمدم وين؟

رد عليه زعيتر منزعجاً:
- يخوي لسعك تخاف من دمدم ترى هذا والله مسكين مالوا أذية.

أسكته حمدان وقال:
- يالخبل جاي اسألك دمدم وين؟

أجاب زعيتر:
- غير بخروش علي الحسين!

أمسك حمدان يد زعيتر وقال بهدوء:
- زعيتر دمدم مو مجنون ولا درويش، شوف دمدم اش سوا بيا...

ورفع اللثام عن وجهه...
صدم زعيتر وهو يتخل الوجع الذي شعر به حمدان
وجفل  وكاد أن يصرخ ورجع للخلف، وقد بدأت شفتاه ترتجف وهو يقول:
- ياستار شنو هذا؟ هذا صواب موت
واشلون سوا بيك دمدم هالشي انت متوكد دمدم هو الي سوا هيچ بيك؟

قال حمدان:
- اسمعني يخوي كلشي تريد اتعرفو آني راح اعلمك اياه بس أول شي تعاوني آني وخوياي حتى نگضب دمدم، نگضبو ونربطو وعود آني احچيلك كلشي.

جفل زعيتر وقال برعب:
- اخوياك؟ وينهم؟

قال حمدان:
- أگف هينا ولا اطلع الفانوس واهم شي لا اطلع حس نحنا عالمي ودنيا ليل والصوت يسري.

ونزل حمدان من خربوش زعيتر إلى البستان وهمس لدخيل وجواد:
- تعالو تعالو.
كان زعيتر يقف عند باب خربوشه مترقبا يميل براسه يمين حمدان ويساره ليعرف من هم رفاقه
راى
شابان ينهضان وأسرعا إلى خربوش زعيتر. الذي رجع للوراء ليفسح لهم طريق الدخول
حين دخلا ورفع جواد اللثام قال زعيتر:
- منو انت وشتصير من عمي عبدالله وليش هلگد تشبهو
چنك عمي عبدالله بذاتو؟

هنا فقط التفت حمدان إلى جواد ونظر إليه وقال:
- أي والله صحيح آني اشلون ما سمت بالي، وكلما ادحج عليك وعلى سليمان أگول عبالك اعرفكم

هنا صرخ زعيتر وقال بلهفة وهو يضحك:
- سليمان وجواد واليد عبدالله النمر الي ضاعو؟ يبوووووه يعمة نفلة على هالخبر!
هجم عليه حمدان وسد فمه
وحصلت ضجة وارتباك كبير بين الشباب الواقفين

لم يعد أحد منهم يفهم أي شيء، كل واحد ينظر في وجه الآخر، والخربوش صغير لا يتسع لجلوس أربعة رجال؛ كانوا يتحدثون وهم وقوف.
كان الوضع سيخرج عن السيطرة حين همّ زعيتر وهو يضحك ويقول:
- وخر وخر وانت هم وخر اريد ابشر عمي عبدالله واخذ البشارة الله العليم اش راح ينطيني يجوز يجوزني بنتو.

وأواح زعيتر جواد الذي كان في حالة ذهول
والصور القديمة تتراكض امامه
كأن ماقاله زعيتر يد خفية رفعت عن ذاكرته حجاب سميك كان واقفاً كالصنم وقد فغر فمه 
وأزدادت ضربات قلبه حتى شعر ان الجو حوله أصبح ساخنا فجأةً،
ولكن زعيتر حين وصل الباب، أمسكه حمدان من ياقته من الخلف وسحبه بكل ما فيه من قوة فسقط على الارض للخلف وقرفص حمدان عند راسه وسد فمه بيديه
 وقال له:
- يول يالخبل آني أش گلتلك؟

قرفص جواد قرب حمدان وهمس في أذن زعيتر وهو يقول:
- يخوي لاتخبلني انت اش كلت؟ أش تگصد؟

كان زعيتر يريد أن يتكلم بكل صوته، لكن حمدان سد فمه والتفت إلى جواد وقال له:
- جواد يجواد اسكت هسع نريد نكضب دمدم، 
وانت يزعيتر بالقرعان اذا ماصرت آدمي وسويت الي أگلك عليه اني لأحذفك بالمي بهل برد.

كانت عينا زعيتر مفتوحتين على وسعهما وهو يهز رأسه موافقاً.
همس حمدان بأذنه:
- زعيتر يخوي أگضب عگلگ براسك دخيل ناموسك بس الما نگضب دمدم.
كان جواد يحاول رفع يد حمدان عن فم زعيتر
ويقول لحمدان:
- وخر ايدك خلني بس أفهم.

أمسك دخيل يد جواد  بسرعة يسحبها عن يد حمدان التي كانت تقبض على فم زعيتر بقوة وقال له:

- يخوي اش تريد تفهم راح تفهم بس خلنا نگضب خالك هسع

بهذه الأثناء رفع حمدان يده فصرخ بهم زعيتر:
- هذا هي خال
انعل أبوكم لأبو البزركم فهموني شسالفة؟

رجع حمدان وقبض على فم زعيتر بكل قوته

كان كل واحد منهم يريد أن يفهم، وحمدان يحاول السيطرة على الوضع، والأربعة كانوا فوق بعض تقريباً حين قال حمدان:
- أشششششش اسكتو كلكم اسكتو اسكتو.
 اسمع يازعيتر آني هم أريد افهم اش تگصد واشلون عرفت بجواد وسليمان
لكن أول شي خل نگضب دمدم وأش تريد آني انطيك.

رد جواد وقال لزعيتر:
- بس فهمني السالفة شنو وآني عندي عليجة ذهب كلها راح انطيك هية بس فهمني.
أشلون آني أبن عبدالله النمر گوووول.

هنا أخذ زعيتر يضرب رأسه ويصفع وجهه بكفيه ويردد:
- اكعد يزعيتر أكعد انعل أبوك لأبو العدس.
كلها من ورا العدس الي أچلتو عالعشا وانطمرت وجاي اتحلم!

ضربه حمدان على وجهه ضربة قوية وهو ما زال نصف ممدد في الوسط والثلاثة يقرفصون حوله.
قال زعيتر وهو يضع يده على خده:
- لا بالله موحلم! لا بالله صحيح طول عمري اتمنى الگي كنز واصير زنگيل ويصير عندي بيت واتجوز
ماعبالي الگنز يجي هشكل ،

اعتدل ووقف ووقف الجميع، ثم التفت إلى حمدان وقال:
- ليش تريد دمدم؟

أجاب حمدان وقال:
- خل نگضبو وآني أگلگ اسمع وبالقرعان الا نغطيك بالفلوس انت بس خلك معايا اراد جواد ان يتكلم
فامسكه دخيل بكل قوته وهمس بأذنه

-جواد آني يمچن فهمت كلشي وآني والله راح افهمك
بس خل نگضب خالك اول فال،
يجواد زايدها ناگصها عشر دگايگ اسكت خل نخلص شغلتنا اول فال لايفلت الچلب ،
رد جواد وقال
-يخوي آني هم فهمت مثلك بس ماني مصدگ اشلون اشلون ماهر مو ابوية،
أي صحيح خل نگضب خالي النذل

رد زعيتر وهو يقفز في مكانه وقال ويضرب وجهه:
- يولو هي خال هذا؟ هي خاااال

ضربه حمدان مرة أخرى وقال له:
- انچب انچب ولا كلمة اسمع!

التفت حمدان وشاهد الشف الذي يتغطى به زعيتر، فأمسكه وقال لزعيتر:
- شوف الدنيا جاي تنخنح مطر، أخذ الشف وروح على دمدم على اساس موديه لوا حتى ايتغطى ونحنا نحاوط المكان ونگضبو.

أمسك جواد زعيتر وقال له:
- بس نگضب زعيتر تحجيلي شنو السالفة.

هز زعيتر برأسه، واتفق الجميع وخرجوا حمدان وجواد ودخيل اتجهوا الى خربوش علي الحسين مسرعين
وزعيتر يحمل بيده الفانوس وهو يمشي خلفهم على مهل حتى يتخذوا مواقعهم

كانت رائحة المطر الخفيف تفوح في الجو كأطيب اطايب الريف، 
والجو مضاء اضاءة رمادية خفيفة
لأن الغيوم الماطرة تشتّت وتعكس ضوء القمر، 
فتصبح الغيوم كمرأة 
وأقدامهم تدوس على أعشاب البساتين فتُهرس تحت أقدامهم ويخرج منها صوت خفيف،
حين وصلوا خربوش علي الحسين في أقصى البساتين،
كل شاب اخذ موقعه بصمت
وقف زعيتر عند السيباط يحمل بيده فانوسه ونادى:
- دمدم يدمدم تعال اخذ الشف اخاف عليك تبرد.

لم يخرج دمدم.
أعاد زعيتر الكلام مرة أخرى.

فُتح باب الخربوش وظهر وجه دمدم وجاء كعادته يقف بعيدا ويمد يده ليمسك الشف، 
وما هي إلا لحظات حتى اجتمع عليه الشباب الأربعة وأمسكوه وهو يرافس بينهم ويدمدم يضرب ويعض، لكنهم استطاعوا السيطرة عليه، وقيدوه بتلك الأشرطة الكثيرة المتدلية من جوانبه.
وحمله جواد ودخيل وزعيتر، وحمدان يمشي خلفهم، وصعدوا المنحدر متجهين إلى بيت عبدالله ودمدم يصرخ من تحت الكمامة، حتى وقفوا عند باب عبدالله وطرقوه.

بعد لحظات خرج عبدالله يحمل بيده فانوساً... وحين رآهم تجمد في مكانه من شدة الذهول!


تعليقات