رواية ثمن العروس الفصل الخامس عشر 15 بقلم اماني سيد


 رواية ثمن العروس الفصل الخامس عشر 

تحركت السيارة مبتعدة عن الفندق، بينما خيم الصمت بينهما.
أخرجت غزل هاتفها، وكتبت رسالة سريعة:
"بابا... أنا مع مختار، متقلقش، هتأخر شوية وهكلم حضرتك أول ما أخلص."
أرسلتها، ثم أعادت الهاتف إلى حقيبتها وأخذت تنظر من النافذة.
مرّت عدة دقائق، قبل أن تتحدث دون أن تنظر إليه.
ـ لو سمحت يا مختار، رجعني عند عربيتي، أنا وافقت أركب معاك عشان أخلص الموقف اللي قدام الفندق، لكن ده ميمنحكش الحق إنك تاخد قرار مكاني وتحدد إحنا رايحين فين أو هنعمل إيه.

ـ وأنا مصمم انك تركبى  لأن عندي كلام لازم يتقال، ومش هينفع يتقال وإحنا واقفين قدام الفندق، ولا وسط الناس، المرة دي لازم نتكلم للنهاية مهما حصل.

ـ وأنا معنديش استعداد أفتح أي كلام، لأن كل حاجة كان ممكن تتقال اتقالت من شهور، وكل فرصة كانت ممكن تتاخد خدتها، وكل مرة كنت بحاول أوصل لك اللي جوايا كنت برجع منك بنفس الإحساس، فبصراحة مش شايفة إن في حاجة جديدة ممكن تتقال.

ـ الجديد إنك هتسمعيني وأنا هسمعك، مش كل واحد يتكلم دقيقتين ويمشي، ومش كل مرة أول ما الحوار يقرب من الحقيقة حد فينا يهرب منه.

التفتت إليه أخيرًا وقالت بضيق واضح:

ـ تهرب؟ إنت بجد شايف إني أنا اللي كنت بهرب؟ ده إنت اللي عمرك ما عرفت تسيب الماضي وراه، وعمرك ما بصيتلي على إني مراتك وبس، أنا من أول يوم في جوازنا كنت بالنسبة لك حل لمشكلة، كنت الجوازة اللي هتنقذ شركتك وتسدد ديون عيلتك، ولو الظروف دي مكنتش موجودة، عمرك ما كنت بصيتلي أصلًا وكان زمانك متجوز ليلى 
ساد الصمت لثوانٍ، قبل أن يقول بهدوء:
الكلام ده مكانه مش هنا.
ضحكت بمرارة.
ـ لا... مكانه هنا، لأن دي أول مرة تبقى مجبر تسمعني ومتعرفش تهرب، زي ما كنت بتهرب كل مرة أفتح معاك الموضوع.
ـ غزل..
ـ لا، سيبني أتكلم، كنت كل مرة أقنع نفسي إن الأيام هتغيرك، وإن بعد ما الأزمة تخلص هتبصلي، وبعد ما الشغل يستقر هتقرب مني، وبعد ما الديون تتسدد هتحبني... لكن لا حاجة من ده حصل.
ـ قولتلك الكلام ده كله هنتكلم فيه لما نوصل.
ـ وأنا بقولك مش هروح معاك أي مكان.
وهنتكلم لما نوصل.
ـ إنت مش سامعني؟ أنا بقولك مش موافقة.
ـ وأنا سامعك كويس.
ـ أمال ليه مكمل في الطريق؟
ـ لأن لو وقفت دلوقتي هنرجع لنفس اللي كنا فيه... كل واحد يروح في طريق، ونفضل سايبين الكلام ياكل فينا.
ـ وأنا خلاص مبقاش عندي كلام يا مختار، أنا شبعت عتاب، وشبعت لوم، وشبعت انتظار، ومبقتش مستعدة أرجع أعيش نفس الدوامة من أول وجديد.
ـ وأنا لسه عندي كلام.
ـ حتى لو عندك ألف كلمة، هيغيروا إيه؟ هيغيروا إنك اتجوزتني عشان مصلحة؟ هيغيروا إن كل مرة كنت ببصلك فيها مستنية كلمة حلوة، كنت بتقابلني بصمت؟ هيغيروا إنك كنت بتشوف كل الناس إلا أنا؟

قبض على المقود بقوة، لكنه لم يلتفت إليها.
ـ لما نوصل... هرد على كل كلمة قولتيها.
وأنا مش عايزة أسمع ردود.
ـ بس أنا عايز أقولها
ـ دي مشكلتك، مش مشكلتي أنا.
ـ بقت مشكلتنا إحنا الاتنين.
ـ لا... مبقاش في "إحنا".
تنفس بعمق قبل أن يقول:
ـ غزل... آخر مرة هقولها بهدوء، أول ما نوصل الفيلا اقعدي واسمعيني، وبعدها لو فضل رأيك زي ما هو، اعملي اللي إنتِ عايزاه.
هزت رأسها بعنف.
ـ وأنا آخر مرة هقولها... مش هروح الفيلا، لف العربية وارجعني عند عربيتي.
لم يجبها.ظل يقود في صمت
نظرت إلى الطريق، ثم إليه، وقد أدركت أنه اقترب بالفعل من الفيلا.
ـ مختار... بقولك لف العربية.
استمر في القيادة دون أن يرد
ـ ارتفع صوتها هذه المرة.
ـ إنت بتتجاهلني ليه؟ أنا بقولك مش موافقة، مش فاهم يعني إيه مش موافقة؟
قال دون أن ينظر إليها:
ـ فاهم.
ـ طالما فاهم، يبقى ليه مكمل؟
ـ لأني لو سمعت كلامك النهارده... هخسرك للأبد.
ـ وده حقي.
ـ يمكن... لكن قبل ما تستخدمي الحق ده، هتسمعيني.
ـ تنهدت في قهر وهي ترى بوابة الفيلا تُفتح أمام السيارة.
ـ إنت لسه زي ما إنت يا مختار... بتاخد كل حاجة بالقوة، حتى الكلام.
ـ أوقف السيارة أمام المدخل، ثم فك حزام الأمان والتفت إليها.
ـ انزلي.
ـ عقدت ذراعيها أمام صدرها وقالت بعناد:
ـ مش نازلة.
ـ غزل...
ـ قلتلك مش نازلة، ولو فاكر إني هدخل معاك بإرادتي تبقى غلطان.
فتح بابه ونزل من السيارة، ثم دار حولها وفتح بابها.
نظرت إليه بغضب شديد.
ـ اقفل الباب.
ـ مد يده إليها وقال بهدوء حاسم: ـ انزلي.
ـ قلتلك مش هانزل.
ـ مش هسيبك تمشي وإحنا سايبين الكلام ده بينا.
ـ ده مش قرارك.
ـ يمكن... لكن القرار اللي يخصني دلوقتي إني أوضحلك كل حاجة، وبعدها اعملي اللي إنتِ عايزاه.
ـ وأنا مش عايزة أسمع.
تنهد وهو يغلق عينيه لثانية، ثم أمسك بمعصمها برفق يساعدها على النزول.
ـ غزل... بالله عليكي متصعبيهاش.
حاولت أن تسحب يدها.
ـ سيب إيدي.
ـ أول ما ندخل هسيبها.
نزلت من السيارة على مضض، وما إن استقامت حتى ابتعدت عنه خطوة.
ـ متقربش مني.
ـ حاضر... بس ادخلي.
أشاحت بوجهها ودخلت الفيلا بخطوات سريعة، بينما أغلق الباب خلفهما. 
ـ يلا نطلع نتكلم فى اوضتنا 
ـ لا فى المكتب 
لم يسمع مختار حديثها وقام بحملها تحت اعتراضها ومحاولاتها الافلات منه وما إن وصل الى الغرفه قان بانزالها وبدأ الحديث مباشره 
ـ عارف إن أكتر حاجة وجعتك هي ليلى، وعارف إنك طول الوقت كنتِ حاسة إنك الاختيار التاني.
ـ لأ... أنا كنت متأكدة من ده، ومحدش يقدر يقنعني بالعكس.
ـ لو كنتي سبتيني أكمل، كنتِ عرفتي إن الحقيقة مختلفة.
ـ الحقيقة إنك فضلت متعلق بذكراها.
ـ الحقيقة إني كنت متعلق بصورة قديمة في دماغي، بصورة شاب كان فاكر إن أول حب في حياته هو آخر حب، وكل ما كانت ليلى تظهر قدامي كانت تحاول ترجعني للذكريات دي، وتفضل تفكرني بإحنا زمان كنا عاملين إزاي 
ـ ونجحت.
ـ لا... كانت فاكرة إنها نجحت.
ـ بلاش تضحك عليا يا مختار.
ـ مش بضحك عليكي، وأنا هقولك حاجة عمري ما اعترفت بيها لحد.
ـ اتفضل.
ـ يوم ما بعدتي عني، ويوم ما حسيت إنك فعلًا ممكن تسيبيني، سألت نفسي: يمكن أرجع لليلى؟ يمكن هي دي اللي كنت بدور عليها من الأول.
ساد الصمت بينهما.
ـ وساعتها؟
ـ وساعتها اكتشفت إني مقدرتش... كل مرة كنت بحاول أقنع نفسي إن أرجع، كنت ألاقي نفسي بدور عليكي إنتِ، مستني صوتك، مستني وجودك، مستني أشوفك حتى لو من بعيد.
ـ وليه؟
ـ لأني اكتشفت إن اللي كان بيني وبين ليلى كان ماضي، مجرد ذكرى كنت متمسك بيها، لكن اللي كان مالي حياتي من غير ما آخد بالي... كنتِ إنتِ.
ـ متأخر يا مختار.
ـ يمكن... لكن لأول مرة في حياتي بقيت عارف أنا كنت بحب مين فعلًا.
ـ أنا مش هكدب عليكي وأقول إن الماضي كان سهل يتنسي، لأن ده هيبقى كدب، وأنا عمري ما حبيت أكذب عليكي، أنا فعلًا معرفتش أنسى الماضي بسهولة، وحاولت سنين أقنع نفسي إن كل حاجة انتهت، وكل ما كنت بافتكر ليلى كنت بافتكرها كذكرى، مش كإنسانة عايز أرجعلها، لكن الفرق إني كنت محتاج وقت أفهم أنا حاسس بإيه فعلًا.
ظلَّت غزل صامتة، تنظر إليه بعينين امتلأتا بالعتاب.
ـ يمكن أكبر غلطة عملتها إني كنت سايبك تدفعي تمن الحيرة اللي كنت عايشها، ودي غلطة مش هعرف أبررها، لكن لما الاختيار بقى بإيدي أنا، ومن غير أي ضغوط، ومن غير ديون، ومن غير حد يفرض عليا أي حاجة... اخترتك إنتِ.
ابتسمت بمرارة.
ـ اخترتني؟ إمتى؟ بعد ما خسرتني؟
هز رأسه ببطء.
ـ لا... اخترتك من قبل ما أخسرك، بس أنا الغبي اللي اتأخر في الاعتراف، واتصورت إن وجودك مضمون، وإنك مهما زعلتي هتفضلي مكملة، ولما فوقت كان كل حاجة بينا وصلت للحافة.
أشاحت بوجهها بعيدًا.
ـ الكلام ده مبيغيرش الحقيقة، الحقيقة إنك سيبتني لوحدي وأنا محتاجاك.
ـ عارف... وعارف كمان إنك مستحقة اعتذار أكبر من أي كلام هقوله، لكن في حاجة لازم تعرفيها.
التفتت إليه في صمت.
ـ إنتِ عارفة أنا كنت بعيد الفترة اللي فاتت ليه؟
ضحكت بسخرية.
ـ عشان الشغل... دي الإجابة اللي كنت بتقولها كل مرة.
ـ لا... مش دي الحقيقة كلها.
عقدت حاجبيها.
ـ أمال إيه الحقيقة؟
ـ الحقيقة إني بعد ما طلبتي الانفصال، كنت عارف إن أي خطوة أقربها منك في الوقت ده، هتفتكري إنها بسبب استثمارات والدك، وهتفتكري إني بخاف يخدها مني، أو إني برجعلك عشان الفلوس.
نظرت إليه باهتمام لأول مرة.
ـ وده مش حقيقي؟
أجابها بثبات:
ـ لو كان حقيقي، كنت رجعت من أول يوم.
ساد الصمت بينهما.
فأكمل بهدوء:
ـ أنا فضلت ساكت، واشتغلت أكتر من أي وقت فات، ورفضت أدخل والدك في أي قرار جديد، وكان كل همي أثبت لنفسي قبلك إن الشركة تقدر تكمل واقفة على رجليها من غير ما حد يقول إن مختار نجح بفلوس حماه.
ظلَّت تنظر إليه دون تعليق.
ـ النهارده أقدر أبص في عينك وأقولك إن الشركة كبرت، وإن الأرباح اللي حققناها خلت استثمار والدك يضاعف قيمته أكتر من مرة، ولو قرر يسحب فلوسه النهارده، هيخرج بأرباح عمره ما كان هيحققها مع أي مستثمر تاني.
قالت بهدوء ممزوج بالمرارة:
ـ يعني جيت تقوللي إنك بقيت غني؟
ابتسم ابتسامة باهتة.
ـ لا... جيت أقولك إن السبب اللي كنتِ فاكرة إني متمسك بيكي عشانه، مبقاش موجود.
ـ ولو بابا كان سحب استثماراته من الأول؟
أجاب دون تردد:
ـ كنت هبدأ من الصفر.
ـ ولو خسرت كل حاجة؟
ـ كنت هشتغل وأرجع أبنيها تاني.
نظرت إليه طويلًا، ثم قالت بصوت خافت:
ـ لكنك مقدرتش تبني اللي بينا.
خفض عينيه للحظة، ثم قال بصراحة:
ـ عشان كنت فاكر إن الشركة لو وقعت أقدر أبنيها من جديد... لكن محبتك، للأسف، معرفتش قيمتها غير لما حسيت إنها بتضيع من إيدي.
ـ عشان كده... أنا مش هطلقك.
رفعت غزل رأسها نحوه فجأة، وكأنها لم تستوعب ما قاله.
ـ إيه ؟ 
ـ بقولك... أنا مش هطلقك.
ابتسمت بسخرية، لكنها كانت تخفي ارتباكًا واضحًا.
ـ هو إنت فاكر إن الموضوع قرار من طرف واحد؟
ـ لا، وعشان كده أنا بطلب منك تسمعيني للآخر.
ـ سمعتك.
ـ لا... لسه مسمعتيش أهم حاجة.
عقدت ذراعيها أمام صدرها وقالت ببرود:
ـ اتفضل.
ـ أنا عارف إني ظلمتك، وعارف إنك استحملتي فوق طاقتك، وعارف إن أي كلمة اعتذار هتكون أقل بكتير من اللي تستحقيه، لكني مش مستعد أخسر جوازنا من غير ما أحارب عشانه، ولا مستعد أسيبك تمشي وأنا أول مرة أبقى متأكد إنك الست اللي عايز أكمل عمري معاها.
ظلت تنظر إليه دون أن تتكلم.
ـ أنا مش بطلب منك تنسي، ومش بطلب منك تسامحي النهارده، ومش بطلب منك حتى ترجعي تثقي فيا من بكرة... أنا كل اللي بطلبه فرصة.
ابتسمت ابتسامة باهتة.
ـ فرصة؟ 
ـ أيوه... فرصة حقيقية، أول فرصة أكون فيها مختار اللي إنتِ كنتِ مستنياه، مش مختار اللي كان تايه بين شغله وبين ماضيه.
هزت رأسها ببطء.
اقترب منها خطوة، ثم توقف، تاركًا بينهما مسافة احترامًا لها.
ـ يمكن ضيعتها فعلًا... لكن لو كنت استسلمت دلوقتي، أبقى بضيع آخر فرصة لينا إحنا الاتنين.
قالت بصوت هادئ، لكنه حاسم:
ـ وإنت ليه مقتنع إن في "إحنا" أصلًا؟
أجابها دون تردد:
ـ لأني بحبك.
ارتجفت ملامحها للحظة، لكنها تماسكت سريعًا.
ـ متقولهاش لو سمحت.
ـ ليه؟
ـ لأن الكلمة دي كان نفسي أسمعها في الوقت اللي كنت محتاجاها فيه، مش بعد ما قررت أمشي.
ـ حتى لو اتأخرت... فهي حقيقة. انا بحبك يا غزل 
صمتت غزل لثوانٍ، وعيناها تتعلقان بعينيه في ذهول حاولات إخفاءه خلف قناع الجمود، لكن دقات قلبها المتسارعة كانت تفضحها. الكلمة التي انتظرتها لسنوات، الكلمة التي تمنت أن يُحيي بها جفاف مشاعرها، قالها الآن... في أكثر اللحظات تعقيدًا.
انقبضت ملامح مختار وهو يرى التردد والصراع المشتعل في عينيها. لم ينتظر هذه المرة، ولم يترك مسافة الفراق التي اعتاد وضعها بينهما. خطى نحوها بخطوات بطيئة وحازمة، وشيئًا فشيئًا تقلصت الفجوة، حتى بات يقف أمامها مباشرة، يُغلفها بهيبته وأنفاسه المتسارعة.
أرادت أن تتراجع خطوة للوراء، لكنه كان أسرع؛ رفع يده ببطء وحذر، وأحاط وجنتها بكفه الدافئة، متلمسًا بشرتها بنعومة وكأنه يلمس قطعة من الزجاج الخشيّ عليها من الكسر.
تسمرت غزل مكانها، واختلجت أنفاسها وهي تشعر ببرودة أطرافها تحت دفء كفه. قالت بصوت خافت يُخالطه الارتجاف:
ـ مختار... ابعد.
ـ مش هبعد يا غزل...
قالها بصوت عميق ومبحوح، خالي من أي قسوة، يحمل رجاءً لم تعتد منه إظهاره لأحد. انحنى قليلاً ليصل لمستوى عينيها، وتابع ويده الأخرى تمتد لتمسك بكفها الباردة وتضغط عليها بحنان:
ـ انا  النهارده مش هبعد، حتى لو طردتيني، هفضل واقف في مكانك.
نظرت إلى يده الممسكة بيدها، ثم إلى عينيه اللتين أظلمتا بالشوق والندم. كانت تقاوم هذا التأثير الذي يملكه عليها، تقاوم حقيقة أن قربه هذا يُربك كل حصونها التي بنتها لشهور.
اقترب أكثر، حتى لامست جبهته جبهتها ببطء شديد. أغمضت غزل عينيها رغماً عنها، وانسابت تنهيدة محبوسة من صدرها، بينما قال هو بصوت هامس كالهمس بين نبضين:
ـ أنا اتعلمت أقود كل حاجة يا غزل... الشركات، الشغل، الفلوس... بس فشلت إني أقود قلبي لحد ما ضيعتك. الكلمة دي مش مبرر، ولا عشان أمنعك تمشي... الكلمة دي اعتراف إن الحياة من غيرك مالهاش أي طعم.
ترددت يده الأخرى لتهبط إلى خصرها، يشدها إليه ببطء ودون إرغام، وكأنه يستأذنها في كل إنش يقتربه. وحين لم تبعده، ضمها إليه بحماية، واضعًا رأسه في تجويف عنقها، ليستنشق عبيرها بلهفة رجل كان يتضور جوعاً للأمان.
شعرت غزل بجميع دفاعاتها تنهار حجرًا تلو الآخر. حرارة جسده، ونبرته الصادقة، وضمة يديه التي تطوقها وكأنه يخشى أن تتلاشى من بين يديه، جعلتها تفقد قدرتها على العتاب.
رفعت يدها ببطء شديد، وترددت لثوانٍ في الهواء، قبل أن تستقر على كتفه، تمسك بقميصه برفق.
أحس مختار بحركتها، فرفع رأسه عن عنقها لينظر في عينيها عن قرب شديد. طالع شفتيها المرتجفتين، ثم نظر في عينيها المعروقتين بالدموع وقال بهمس آسر:
ـ اديني فرصة واحدة بس... فرصة أخليكي تحبيني فيها من جديد، بس المرة دي وأنا ملكك إنتِ وبس... فرصة أعوضك عن كل ليلة نمتي فيها ودمعتك على خدك.
لم تنطق كلمة، لكن نظرة عينيها والتنهيدة الحارة التي خرجت من بين شفتيها كانت إجابة كافية.
انحنى مختار أكثر، وطبع قبله دافئة ورقيقة على وجنتها، تنقلت ببطء بين عينيها وجبينها، لتغسل كل الآلام القديمة، قبل أن يهمس أمام شفتيها مباشرة:
ـ بحبك يا غزل... ومافيش أي قوة في الدنيا هتخليني أسيبك تاني.
ظلَّت غزل مُعلَّقة بين يديه، أنفاسها المتهدجة تتردد في مسافة القرب الضيقة بينهما، وقلبها يخوض معركة شرسة بين عقلها الذي يصرخ بالانسحاب، وحواسها التي استسلمت بالكامل لدفء حضنه ولصدق كلماته التي لامست روحها لأول مرة.
حاولت أن تستجمع شتات نفسها، فرفعت كفيها ببطء واستقرا على صدره، تثبّت المسافة بينهما دون أن تدفعه بقسوة. نظرت في عينيه المليئتين بالترقب وشيء يشبه الرهبة، وقالت بصوت همسٍ أبحّ، يحمل كل ما في قلبها من حيرة وتعب:
ـ مختار... اللي انكسر ، مش هيرممه اعتراف في لحظة، ولا ضمة دافية مهما كانت صادقة.
توقف نبضه للحظة وهو يستمع إليها، فتابعت وهي تنظر إلى عمق عينيه:
ـ أنا محتاجة وقت... محتاجة وقت أراجع فيه نفسي، أستوعب كل اللي قلته، وأشوف إذا كنت قادرة أفتح قلبي من جديد ولا لأ. تديني الفرصة دي؟ تديني المساحة دي من غير ضغط؟
ساد الصمت للظات، كانت عيناه خلالها تجوب ملامحها بشغف وحنان طافح. رفع كفه وأزاح خصلة شعر شاردة عن وجهها، يُمرر أطراف أطراف أصابعه على بشرتها بنعومة ساحرة، ثم ابتسم ابتسامة هادئة تُخالطها نبرة استسلام عاشق:
ـ موافق يا غزل... خدى كل الوقت اللي محتاجاه، ولو عايزة العمر كله تأخذيه عشان تطمني، هفضل مستني. أنا مش هضغط عليكي في حاجة تاني، ولا هفرض نفسي عليكي.
تنفست براحة خفيفة، وأرادت أن تخطو خطوة للخلف لتغادر الغرفة، لكنه لم يطلق سراح يدها تمامًا؛ بل أمسك بأطراف أصابعها برفق شديد، وكأنه يترجاها بأدب جم.
نظرت إليه بتساءل، فقال بصوت دافئ ومبتل بالرجاء وهو ينظر إلى الساعة، ثم يرجع عيونه إلى عينيها:
ـ بس ليّا عندك طلب واحد... ليلة واحدة بس.
تراجعت حاجباها بدهشة، فأكمل بهمسٍ آسر يذيب أي عناد:
ـ الوقت تأخر جدًا، والطريق من هنا لعربيتك ولبيتك مش أمان دلوقتي... ابقي هنا الليلة. مش بطلب منك ترجعيلي، ولا بطلب منك أي حاجة غير إنك تنامي تحت سقف واحد معايا، تطمني وتستريحي... وبكره، أول ما الصبح يطلع، أوعدك هنسق كل حاجة، وإنتِ اللي هتحددي خطوتك الجاية بإرادتك الكاملة.
تلاقت أعينهما في حوار صامت طويل. كان بإمكانها أن تلمس في نظرته أنه لا يبحث عن انتصار، بل يبحث عن إبقائها في أمان دفئه ليلة واحدة أخيرة قبل أن ترحل بأفكارها.
تنهدت بعمق، وانكسرت آخر موجة من مقاومتها أمام رقة نظرته. هزت رأسها ببطء شديد، وقالت بنبرة خافتة:
ـ ماشي يا مختار... هفضل للصبح.
اتسعت ابتسامته ببطء، ابتسامة صادقة أضاءت ملامحه المجهدة، ولم يستطع منع نفسه من أن يدنو منها مجددًا، ليرفع يدها الصغيرة إلى شفتيه، ويطبع عليها قبلة طويلة ودافئة، أغلقت غزل عينيها على أثرها، وهي تشعر بأن هذه الليلة لن تكون مجرد ليلة عابرة، بل بداية لفصلٍ جديد كليًا بينهما.
داخل فيلا فؤاد...
كان فؤاد قد انتهى من تبديل ملابسه، وجلس في غرفة المعيشة يقلب في بعض الملفات، قبل أن يرفع رأسه على صوت نوال وهي تخرج من المطبخ، وتنظر خلفه باستغراب.
ـ هي غزل مجتش معاك؟
رفع فؤاد عينيه إليها ثم أغلق الملف بين يديه.
ـ لا... غزل مع مختار.
توقفت نوال في مكانها.
ـ مع مختار؟
أومأ برأسه.
ـ أيوه... بعتتلي رسالة وهي خارجة من الحفلة، قالتلي إنها معاه ومتقلقش، وهتتأخر شوية.
تنهدت نوال وهي تجلس أمامه.
ـ يعني الحمد لله... يمكن ربنا يهديهم لبعض.
ابتسم فؤاد ابتسامة خفيفة.
ـ واضح إنهم أخيرًا اتكلموا.
هزت رأسها وهي تقول بأمل:
ـ والله يا فؤاد، مهما حصل بينهم، أنا نفسي ترجعله... نفسي أشوفها في بيتها من تاني.
نظر إليها مبتسمًا. واكملت نوال 
ـ بعد كل اللي حصل تفتكر ممكن يرجعوا ؟
تنهد فؤاد.
ـ لأني شوفت منه النهارده حاجات عمري ما شوفتها قبل كده.
ـ زي إيه؟
ابتسمت وهو يستعيد  ما رآه.
ـ الراجل من أول ما دخل القاعة وعينه عليها، مكنش شايف حد غيرها، وكل ما حد يقرب منها كان يلاقي نفسه واقف جنبها من غير ما يحس، حتى وهو بيتكلم مع رجال الأعمال، عينه كانت عليها هي.
ابتسم فؤاد في هدوء. وأنا أخدت بالي من ده.
ـ ولما كان بيتكلم عنها... كلامه مكنش مجاملة، كان فخر... لأول مرة أشوفه فخور بيها بالشكل ده.
أطرق فؤاد برأسه لحظة ثم قال:
ـ يمكن اتأخر... لكن شكله فوق.
قالت نوال بسرعة:
ـ المهم إنه فوق قبل ما يخسرها.
تنهد فؤاد وهو يضع الملف جانبًا.
ـ المشكلة إن غزل تعبت يا نوال... والبنت دي لما بتوصل لقرارها، صعب ترجع فيه.
ابتسمت نوال بثقة.
ـ إلا لو اللي قدامها يستحق إنها ترجع.
نظر إليها فؤاد متسائلًا.
ـ وإنتِ شايفة إنه يستحق؟
ابتسمت ابتسامة هادئة.
ـ من زمان وأنا شايفة إن مختار راجل محترم، ويمكن كان عنده أخطاء كبيرة، ويمكن انشغل عنها وظلمها، لكن عمري ما شكيت في أخلاقه، ولا في أصله، ولا في إنه راجل يعتمد عليه انا لما خيرت مختار إنى اسددله ديونه اختارته وانا عارفه إن الشخص ده هيسعدها بجد منا كان ممكن اغرى أى موظف واهليه يتجوزها مقابل مرتب او ترقيه 
ابتسم فؤاد بخفة.
ـ ده رأيك فيه من أول يوم بغض النظر عن طريقتك لانها ماعحبتنيش لأن الامان لأى ست شغلها وحياتها مش راجل وانتى رابطه الامان لولادك براجل كويس 
ضحكت نوال.
ـ لأن الراجل بيتعرف من المواقف، ومختار في كل موقف صعب كان راجل... يمكن مشاعره خانته، ويمكن عقله غلب قلبه، لكن عمره ما كان قليل الأصل.
أطرق فؤاد برأسه مفكرًا.
ـ أنا كمان النهارده شوفته بشكل مختلف... أول مرة أحس إنه خايف فعلًا.
ابتسمت نوال.
ـ الراجل لما يخاف على مراته بعد ما يحس إنه ممكن يخسرها... بيبقى حب، مش مجرد تعود.
نظر إليها فؤاد مبتسمًا.
ـ إنتِ حكمتي عليه إنه بيحبها؟
قالت بثقة:
ـ مش أنا اللي حكمت... الافعال هى اللى حكمت 
تنهد فؤاد وهو ينظر إلى هاتفه.
ـ أتمنى بس غزل تديه فرصة يسمعها، وهي كمان تسمعه.
ابتسمت نوال وهي ترفع يديها بالدعاء.
ـ يا رب... البنت دي تستاهل تفرح، وهو كمان يستاهل فرصة يصلح غلطه، وربنا يجمع بينهم على خير، ويعوضهم عن كل اللي فات.
تسللت أشعة الشمس إلى الغرفة، بينما كان الهدوء يسيطر على المكان.
انطلقت رنة هاتف غزل فجأة، فقطعت السكون.
تحركت غزل بتململ، ثم فتحت عينيها بصعوبة، وقد بدا عليها الإرهاق الشديد.
مدت يدها تتحسس الكومود بجوارها حتى عثرت على هاتفها.
وما إن نظرت إلى الشاشة...اتسعت عيناها بدهشة.
ـ كريم!
في اللحظة نفسها، تحرك مختار على الجانب الآخر من الفراش بعدما أيقظته الرنة المتواصلة.
فتح عينيه ببطء، ثم التفت إليها.
لاحظ ارتباكها وهي تحدق في شاشة الهاتف.
ـ مش هتردي؟
رفعت الهاتف أمامها دون قصد.
ـ ده... كريم.
ما إن وقعت عين مختار على الاسم حتى اختفت ملامح الهدوء من وجهه.
انعقد فكه بقوة، وضاقت عيناه وهو يقرأ الاسم المضيء على الشاشة.
"كريم"
ساد الصمت لثوانٍ.
بينما استمرت الرنة.
رفعت غزل كتفيها بحيرة.
ـ غريبة... بيتصل بدري كده ليه؟
لم يجب.
كانت عيناه لا تزالان معلقتين باسم الرجل الذي ظل طوال الليلة الماضية حاضرًا بين سطور حديثهما.
رن الهاتف للمرة الأخيرة، ثم انقطع.
زفرت غزل براحة.
ـ أكيد هبقى أكلمه بعدين.
لكنها لم تكد تضع الهاتف جانبًا...
حتى عاد يرن من جديد.
نظرت إلى الشاشة.
ـ كريم برضه.
رفع مختار حاجبه وهو يقول ببرود أخفى خلفه ضيقًا واضحًا:
ـ واضح إن الموضوع مهم.
نظرت إليه.
ـ يمكن بخصوص الشغل.
ابتسم ابتسامة ساخرة بالكاد ظهرت.
ـ الساعة ١٠ الصبح؟
رمقته بنظرة مستنكرة.
ـ رجال الأعمال معندهمش مواعيد ثابتة.
أجابها وهو لا يرفع عينيه عن الهاتف.
ـ ولا بيتصلوا بواحدة متجوزة أول ما تصحى من النوم.
ارتفع حاجبها في ضيق.
ـ قصدك إيه؟
ـ قصدي إن لو الموضوع شغل، كان يقدر يكلم الشركة أو السكرتيرة أو حتى يستنى وقت مناسب.
تنهدت وهي تضغط زر الرد.
ـ لو سمحت يا مختار... متبدأش.
وما إن رفعت الهاتف إلى أذنها حتى سبقها صوته الهادئ، لكنه كان يحمل غيرة واضحة.
ـ افتحي السبيكر... بما إنه شغل، يبقى مفيش حاجة تمنع إني أسمع.
خفضت الهاتف ببطء، ثم التفتت إليه غير مصدقة.
ـ نعم؟
ـ بقول افتحي السبيكر.
عقدت حاجبيها.
ـ وإنت من إمتى بتتدخل في مكالماتي؟
أجابها وهو ينظر إليها بثبات:
ـ من ساعة ما لقيت راجل بيتصل بمراتي أول ما تصحى من النوم. وغير كده الإنسان ده أنا مش متقبله 


تعليقات