رواية آصرة العزايزة الجزء الثانى الفصل السادس عشر 16 بقلم نهال مصطفى


 رواية آصرة العزايزة الجزء الثانى الفصل السادس عشر 

«حين يصبح الحب رهينة»
أحيانًا لا نخاف على الحب من نهايته... بل نخاف عليه ممن يكتشفون نقاط ضعفه، فيضعون بين أيدينا اختيارًا قاسيًا؛ إمّا أن نبقى ونخسر من نحب، أو نرحل لننقذه منا، وعندما يصبح الحبُّ رهينة،لا يعود السؤال: من يحب أكثر؟ بل من يستطيع أن يضحي بقلبه، كي لا يؤذي قلب الآخر؟
فبعض الرحيل لا يكون هروبًا من الحب بل أقصى درجاته ، كأنه آخر محاولة يائسة لحمايته،حتى وإن كان الثمن أن نترك أرواحنا خلفنا ونمضي وحدنا دون التفات أو رجعة .
#نهال_مصطفى.. 
••••••••••••
" إلى جميلــتي .....
لا أعرف من أين أبدأ خطابًا لامرأة اسمها «جميلة»،
 فالمشكلة أن الاسم وحده وضعني في موقف صعب لا يُحسد عليه .. على من العتاب يا ترى  ؟! سؤال لا يفارقني أبدًا .. فلماذا «جميلة» تحديدًا؟ هل كان والدك يتنبأ بالمستقبل، أم أنه فقط قرر أن يضعني في مأزق مثل هذا ؟!! 
أما بعد... فهذه أول مرة أكتب لكِ، وربما لأن الورق أجرأ مني قليلًا فأنه يستطيع أن يقول ما أخفيه.. عيني تُحب مراقبتك، وقلبي ضال يستدل بـ وجودك ، وأحب أنكِ أصبحتِ بطريقةٍ ما أجمل تفاصيل أيامي.. وأعلنها أمامك صراحـةً بأنكِ زهرة العزايزة، وأنا مجرد رجلٍ وقع في عطرها قبل أن يلتقي بها.
فدعينا نترك للحروف مهمة حبنا الآن... وللقدَر مهمة اللقاء!! "
إمضاء:
"المتورط في حب جميلة" 

قرأت " جميلة" الخطاب الذي وجدته أمام قعر دارها قُرب آذان الفجر ، بعد رنة جرس خفيفة أيقظتها من نومها .. عادت مرة آخرى لتقرأ تفاصيل الورقة وهي تفرك عينيها مكذبة ما ترى ، ومعالم الدهشة والاستغراب تحاصرها ، جاءت جدتها من الداخل تسألها :
-مين يا بتي ؟! 
نظرت لها بحيرة ، ورفعت الورقة أمامها :
-معارفاش !! ديه واحد سايب چواب حب وغرام قصاد الباب ؟! ده باينله عيل دماغه تعبانة !! بس هو مين ؟! 
لم يخل وجه جدتها من الحيرة :
-چواب !! وهو في حد عيكتب چوابات دلوق يابتي ؟! تلاقيها حد بيهزر معاكِ .. قومي قومي متشغليش راسك ، صلي فرض ربنـا وسيبك من لعب العيال ديه ..... 
تركت جميلة الخطاب على الطاولة دون اهتمام، وتحركت نحو جدتها، أو هكذا حاولت أن توهم نفسها... فما كان يشغل عقلها شيء، وما كان يفضحها شيء آخر تمامًا..كان قلبها، رغم كل إنكارها، لا يزال عالقًا عند جملة واحدة:
«أنتِ زهرة العزايزة...»
ابتسمت رغماً عنها، ثم أسرعت تخفي ابتسامتها وهي تتمتم: 
-على قولك ، حديت فارغ  من واحد فاضي  .... 
على بُعد مائة متر من منزلها يقف هيثم بعيدًا يراقبها ويراقب خطوات ظلها من وراء النافذة ، رفع العدسات المكبرة عن عينيه بحيرة وهو يقول لنفسه :
-طب وبعدين !! هعرف ردها كيف دي ؟! أيه أخرة الشحططة دي يا واد يا هيثم !!! بس مش هستسلم ، لو وصل بيّ الحال هطلع لك في أحلامك لغاية ما تحبيني ....
••••••••••••
-مــرتي يا هلال ......!! 
بركان خامد وانفجر قبل أوانه وكأن الكلمة انتُزعت من بين أضلعه نزعًا لا اعترافًا ، ساد الصمت للحظات طويل بحجم تقبل الخبر ، صمتٌ أثقل من أن يُحتمل، بينما اتسعت عينا هلال في دهشة لم يُحسن إخفاءها، وكأنّه كان ينتظر من الجميع أي شيء...إلا هذه الكلمة...
-مرته؟!
أعادها في سره محاولًا تكذيب مسامعه فاستقرت الكلمة في صدره كحجرٍ أُلقي في ماءٍ ساكن، ثم رفع عينيه إليه ببطء ونظرة أخرى على رقية التي انضمت لصفه للتو ،  وقد تبدّل شيءٌ في ملامحه؛ لم يعد الغضب وحده ما يحرّكه، بل دهشة رجلٍ اكتشف أن الحكاية أخذت مسارًا جديدًا ومستعصيًا .. 
طأطأ رأسـه ، فهنـا أدرك لا كلمة يمكن أن تقال بعدها ، احتوى كف زوجته وسحبها بهدوء من بينهم مفضلا الانسحاب ، فبات الأمر لا يُعنيـه .. 
أما هارون، فظل جالسًا في مكانه، ثابت النظرة، كأنّه اتخذ قراره منذ زمن، ولم يبقَ عليه إلا أن يضع الحقيقة أمامهم دون مواربة .. انشغل بتجفيف دموع حبيبتـه ومسح قطرات العرق من فوق جبهتها باحتواء .. 

ألقى هاشم نظرة آخيرة على أخيـه الأكبر ، فكيف يلومه على فعلٍ سبق ارتكابه من قبل ، ثم تابع خطوات أخيـه الأصغر دون نطق كلمـة واحدة.. 

ومن وراء الجدران تتلصص الأذان ليسقط اعتراف هارون بزواجـه كالجمر على قلب زينة المختبئة خلف النافذة تلتقط أنفاسها من بشاعة فعلها وهي تهمس بحرقة وحقد:
-مرته !! مرتك يا هارون !! 

اتكئ خليفـة على عكازه وتحمحم معلنًا انسحابه :
-سيبوا چوزها حدها ، واقفتنا مالهاش عازة .. 
هنـا ؛ فاقت صفيـة من بنج الصدمة التي تلقتها بثغرها المفتوح وعينها المتسعة ، تقدمت خطوتين لداخل الغرفة وهي تقف أمام زوجها وتوبخه :
-چوزها !! يعني أنا سمعت صُح ! مطرمتش ! طب كيف !! يعني أيه ؟! ما تقول حاچة ياابو هارون !! أنتو ناويين تچننوني صح !! 

ثم غيرت مسارها ودنت من ابنها الغارق في مواساة زوجته التي ترتعش بين يديه .. ضربت على كتفه بنبرة الفاقد لعقله :
-بص لي يا ولد بطني يا كبير .. مرتك كيف !! 
ثم طاحت صارخة بوجهه وهي تلطم خدودها وتصيح :
-يعني أيه مرتك !! چرالكم أيه !! يعني الصغير ورامية طوبته من زمان !! لكن انت يا عمدة يا كبير .. رد عليّ مرتك كيف وميتى !!! 

ثم دارت صارخة بأعلى صوتها وهي تندب بحرقة لخليفة :
-ولادي بيروحوا مني وأنت واخد بعضك ورايح على فين ! يعني أيه مرته !! 
ثم وجهت عتابها لأحلام :
-هي دي تربيتك !! عصيتي العيال علىّ وعلى أبوهم وناسهم !! طلعتي غلك وودرتي عيالي مني !! كُل ديه عشان تقهريني !! لفتيهم حوليكي كيف الحية لغاية ما غرقتيهم .. 

فدوت صفية بصرخة عاجزة عن قول الكثير والكثير وهي تترجى زوجها :
-أنت واقف تتفرچ على عيالك والموت محاوطهم !! ما تقول حاچة يا عمدة يا كبير !! أهي اللي عاطيها سرك اهي غرقتك أنت وعيالك !  
جهر خليفة بوجهه ليخرسها:
-صفية ، اكتمي خلاص ، أقفلي خشمك قولت!
خرت الدموع من عينيها كالسيل:
-معاك حق ، هقفل خشمي واروح احضر كفن عيالي بيدي !! هو ديه اللي أنتوا عايزينه !!
ثم ركضت ناحية هارون تتوسل اليه :
-هارون يا ولدي، يا حبيبي .. قول أيه حاجة في الدنيا غير أن البت الخوجاية دي مرتك !! أنت كبير وواعي ، متعملهاش يا ضنايا.. 
لاحظ تدهور حالة ليلة أمامه وتشبثها بملابسه أكثر،  وهو أكثر من يدرك تفاصيل حالتها جيدًا، وفي الجهة الأخرى انهيار أمه الذي لم يعد خافيًا على أحد، فوقف بينهما حائرًا؛ لا يدري كيف يُرضي هذه دون أن يخذل تلك، ولمن يميل حين يكون قلبه موزعًا بين امرأتين، كلتاهما تعني له ما لا يستطيع وصفه.
ظل للحظات عاجزًا عن الكلام، حتى انكسر صمته فجأة، وخرجت صرخته حاسمة أخرست الجميع: 
-اطلعي برة دلوق ياما ، مش وقت حديت ... خدها يابوي من هِنه .. 
تجمدت أمه في مكانها، وكأنها لم تتوقع أن تأتيها القسوة من ابنها تحديدًا، بينما أسرعت أحلام إلى ليلة، تحاول تهدئتها قبل أن يزداد انهيارها .. صدح صوت خليفة هذا المرة بجبروته القديم قبل أن يهزمه الهرم :
-مش عاوز أشوف مراة هنـه .. يالا قدامي ، يلا يا صفية ، يلا يا أحلام..
لم تُجبه أمه فقط رمقته بنظرةٍ موجوعة، ثم استدارت وغادرت، تحمل في صدرها غضبًا لم تجد له موضعًا إلا الصمت والحسرة المدفونـة .. 
وما إن ابتعدت خطواتها، حتى عاد المكان إلى صمته الأول، إلا من أنفاس ليلة المتقطعة وهي تتشبث بهارون كأنها تستمد من وجوده بعض الأمان.

رفع هارون عينيه إلى الباب الذي غابت خلفه أمه، ثم أغلقهما لحظةً، وكأن قلبه وحده يعرف كم كلّفته تلك الصرخة الأولى على أمه  لم يكن عقوقًا، ولا قسوةً كما ستراه هي، لكنه كان يعرف أن هناك لحظاتٍ يصبح فيها الصمت خيانة، وأن عليه أن يختار بين وجعٍ سيُحتمل... ووجعٍ قد يُفقده ليلته إلى الأبد.
عاد ببصره إليها، فوجدها ما زالت ترتجف، فشد على يدها وقال بصوتٍ خافت، لكنه حاسم:
-خايفة من أيه وأنا چارك أهو .. ليلة متخافيش أنا مش هسيبك .. 

انخرطت دموعها برعب ملحوظ :
-كان في حد بيحاول يقتلني يا هارون.. 
خيم الشك على وجهه وهو يسألها:
-كابوس، آكيد كابوس يا ليلة ؟!
هزت رأسها نافية وهي ترتجف وتبلل حلقها الذي جف:
-مش كابوس، أنا متأكدة .. حد كان بيحاول يقتلني ، أنا كنت هموت يا هارون .. أنا متأكدة من اللي بقوله.. 
-كيف يعني !! مين يستجرى ويقرب ناحيتك !!و
قال جملته وهو يركض ناحيـة النافذة ليجدها مفتوحة بالفعل وهناك محاولة لدخول أحد من قبل، مد بصره للخارج ومسح المكان بعينيه فلم يجد شيئًا ، عاد إليها من جديد بعد ما تحول شكه ليقين من دخول أحد وهو يضمها لصدره ويقبل رأسها :
-طب أهدي خلاص ، اتأكدي لو كلامك صُح مش هرحمه .. خلاص يا ليـلة .. 
ثم مد لها كوب من الماء به رشفة صغيرة :
-خُدي اشربي وروقي دمك .. وأنا مش هسيبك تاني ..
تناولت منه الكوب بكفها المرتعش وهي تطالعه برهبة:
-هارون .. أنا خايفة أوي .. 
ضمها إليه أكثر، حتى كادت تختفي بين ذراعيه، ومرر كفه على شعرها في هدوءٍ يخالف النار التي اشتعلت في عينيه منذ أن أخبرته بما حدث:
-بصيلي يا ليلة.. طول ما أنا عايش، محدش هيقدر يقربلك.. سامعة ياليـلة ..

في هذه اللحظـة ارتفع صوت آذان المؤذن بـ " الله أكبر " وكأنه جاء صوته ليقضى على كل الأسئلة التي طرحتها رغد في رأسها لتنهي حياة ابنها .
" انا مش هجيب طفل يتعذب في الدنيا دي ؟! ياترى هيسامحني وهو مش عارف مين باباه ؟! يا ترى هقوله أيه ؟! هقوله بابك اتخلى عننا ومحاولش حتى محاولة واحدة تشفع له !! هجيب طفل هفضل شايلة ذنبه العمر كله عشان انانيتي وأني خايفة أكون لوحدي !! لا يا رغد ، تمسكك بالطفل ده عشان انتي لسه بتحبي هاشم ، وعايزة تحتفظي بأي حاجة منه !! فكرة رجوعه لحياتك انتهت ، والحقيقة هي أنك مش هتقدري تسلمي لراجل تاني !! أنتِ مش عايزة تهدي الطريق بينك وبينه ، أنتِ عايزة أي حاجة من ريحته !! أنت بالطفل ده بتحاولي تبني مش تهدي !! أيوة أيوة أنا لسه بعشق هاشم ومش عايزه فراق ، عندي آخرى ذرة أمل أن  البيبي ده هو اللي يصلح كل حاجة "
مع تردد صدى صوت الأذان وقع كأس الماء من يدها وارتطم بالأرض ، فجاء الصوت ليكون مرهما لمخاوفها بأن الله اكبر ، الله أعظم ، الله لم يخلق شيئا سدى ... 
بصقت الأقراص من فمهما وهي تعود لوعيها وتجفف دموعها :
-لا مستحيل انا مش هعمل كده ..... 
خرجت الكلمات منها كأنها انتُزعت من بين خوفها ثم جثت على الأرض تجمع بقايا الكأس المتناثرة، ويدها ترتعش حتى جرحتها إحدى الشظايا، لكنها لم تشعر بالألم .. ظلت عيناها معلقتين بالماء المنسكب أمامها، وكأنها ترى فيه كل الاحتمالات التي كانت على وشك أن تنهي أحدها بيديها.
رفعت كفها إلى بطنها، وانهمرت دموعها من جديد وهي تنكمش هو نفسها لكن هذه المرة لم تكن دموع حيرة.. كانت دموع نجاة : 
-سامحني إني للحظة فكرت إن وجودك هو اللي هيكسرني.. إنت مش ذنب، ولا عقاب، ولا ذكرى من راجل سابني.. إنت روح ربنا كتب لها تيجي الدنيا مني .. 
شهقت، ومسحت دموعها بكف مرتجف، ثم همست وكأنها تقطع عهدًا لا رجعة فيه:
-مش هقتلك عشان أبوك باعنا ومش هحملك ذنب اللي حصل بيني وبينه أنت جيت في وقت كنا بنعشق بعض فيه عمرك ما كنت غلطة .. ولو كان نصيبي أربيك لوحدي، هربيك.. ولو الدنيا كلها قالتلي إنك حِمل هفضل شايفاك نعمة كبيرة ليا . 
ثم أغمضت عينيها، ورفعت وجهها إلى السماء:
-يا رب.. أنا مش عارفة هقدر على اللي جاي إزاي، بس إنت اللي سمعتني وأنا بيني وبين نفسي.. اديني قوة أكمل ...
وفي اللحظة التي هدأ فيها صوت الأذان، وضعت رغد كفها فوق بطنها مرة أخرى، وكأنها للمرة الأولى لا تتحسس طفلًا تخشاه.. بل تتحسس حياةً اختارت أن تحميها بكل قوتها ... 
•••••••••••
-طب يلا يا ليلة، نصلّوا.. يمكن ربنا يربط على قلبك ويشرح صدرك.. 
قال جملته وهو يسحب منها شريط العلاج المهدئ رافضًا أن تلجأ إليه مهما كان.. جذبها عنوة وبنبرة غير قابلة للجدال :
-يلا اسمعي الكلام ، معندناش رچالة تكرر كلمتها مرتين ..

توسلت إليه :
-هارون بليز مش قادرة ، أعصاب جسمي كلها بتترعش ، سيبني أخد العلاج .. 

لم يصغ لتوسلها وجذبها عنوة إلى الحمام الكائن بالغرفة وقال بصوت خافت وهو يفتح الصنبور:
-يلا..  هتتوضي ولا أوضيكي ؟ 

نظرت إليه ليلة بعينين مثقلتين بالخوف، ثم قالت بصوت واهن:
-هو ينفع؟! 
ابتسم لها ابتسامة صغيرة، وأمسك يدها بحنو:
-أيوه طبعا.. إنتِ النهارده مش مطلوب منك غير إنك تهدي..
سحب يدها بهدوء تحت الصنبور، وأحاط كفّيها بكفّيه، وغسلهما ثلاث مرات، ثم ملأ كفّه بالماء وقربه من فمها، فارتشفت منه قليلًا وتمضمضت ثلاث مرات، ثم فعل معها الأمر ذاته في استنشاق الماء بأنفها.. أخذ الماء بكفه بعدها، ومرره على وجهها برفق، كأنه يتعامل مع شيء يخشى أن ينكسر بين يديه: 
-غمضي عينيكي.. أيوه كِده .. 
امتثلت له، فغسل وجهها ويديها بهدوء، وبين كل حركة وأخرى كان يطمئن عليها بعينيه قبل يديه:
-كويسة؟
هزت رأسها، فابتسمت :
-طب الحمدلله.. 
ثم شَمّر أكمامها بحنو، وشرع يغسل ذراعيها حتى مرفقيها، يسكب الماء برفق ويمسح بيده ما يبلغه الماء، حتى تلاقت أعينهما في المرآة.. ابتسم لها تلك الابتسامة الهادئة التي تشبه ابتسامة أبٍ يطمئن صغيرته، فابتسمت له رغم ارتجافها، وكأن شيئًا من الطمأنينة تسلل إليها دون استئذان وقال وهو يبتسم، تشبثت بيده ونهضت، فمال إليها قليلًا وقال بنبرة أدفأ: 
 -يلا.. دلوق نصلي وأقبليني أمامك.. 
ثم نظر إليها مليًّا، وكأنه يريد أن يطمئن خوفًا لم تُفصح عنه:
-وبعدها هاخدك فيحضني وشالله تنامي للعصر ، ووعد مفيش خوف هقرب منك .
ثم زرع قُبلة خفيفة بين حاجبيها وقال :
-الليلة دي أنا أمانك وبس ..
تشبثت بذراعه، كأنها للمرة الأولى التي تسمح لنفسها أن تستند إليه دون مقاومة، وهمست:
-خدني معاك لآخر الدنيا ولأي مكان أنا موافقة ، خلاص مش هفكر في بكرة تاني ولا خايفة منه.. أنا تعبت من كتر ما بحاول أبقى قوية لوحدي..أنا مش هبعد عنك مهما حصل .. أنا هعيش عشان أشبع منك وبس حتى ولو هموت بكرة . 
ولأن بعض الخوف لا يقتله الكلام، اختار هارون أن يترك ليديه مهمة الطمأنينة ولحضنه مهمة ما عجزت الكلمات عن قوله.. فربما لم يكن قادرًا على أن يعدها بأن الغد سيكون رحيمًا، لكنه كان قادرًا أن يعدها بأنها لن تواجهه وحدها.. وفي تلك الليلة، لم تكن ليلة تبحث عن رجلٍ يحميها من العالم بقدر ما كانت تبحث عن وطنٍ صغيرٍ تختبئ فيه من خوفها.. وكان هارون، بكل ما فيه، وطنها الذي لم تخطئ الطريق إليه.
•••••••••
-أقدر اتكلم ولا مش قابل كلام من حد الساعة دي ؟! 
جلست رُقيـة بجواره على مضض، بعد ما طال صمتـه منذ عودته من صلاة الفجر، وما انفلق الصبح وهو ما زال محافظًا على جلسته وسكوته، وكظم الغضب الذي يتفجر من بين ثنايا وجهه..
 ظلت تراقبـه بهدوء، وتقوم بخدمتـه دون أمرٍ منه، تعلم أن ما بجوفه فاق الجدال أو النقاش..
لم تتزحزح عيناه عن الأرض، ولم يغيّر وضعيته، وقال بصوت رزين : 
-تكلّمي، لعلّ في حديثك ما يُهوّن عليَّ ما أثقلني.
أحست بصعوبـة مهمتها وهي تدنو منه قليـلًا :
-أنت زعلان من هارون ، ولا خايف عليه من اللي چاي ؟
رد بيأس :
-متوقعتهاش منـه يا رقـيـة ؟! هارون بالذات طول عمره العقل ساقه وقبل ما يقطع الخطوة بيكون حاسبلها . 
أجابته رقية بنبرة حنونة:
-طالما الحب حضر ، ميبقاش للعقل سلطان ياشيخنا .. 
رد بحيرة وتردد :
-بس متطلعيش من هارون يا رقية؛ هارون مش من النوع اللي الحب والمشاعر تسوقه لدرجة إنه يقدّم نفسه قربان للعزايزة عشانه.. محدش يعرف هارون أخوي كدي ..
ثم ولى إليها وملامح العجز تحاصره :
-يعني مش هاشم كمان أخوي ، بس متصدمتش فيه ، طول عمره هاشم الهوى سايقه ويدوس على أي حد وأي حاچة عشان روحه .. لكن هارون لا ، في حاچة مدارية محدش فينا عارفلها . 
مسحت على جدائل شعره الأسود اللامع بحنـو :
-فاكر لما چيت وقولتلك أني شفت ليلة طالعة من عند هارون ، أنت حتى مچاش في راسك ذرة شـك ناحية أن ممكن يبقى في بينهم حاجة!!

خرج عن هدوئه وهو ينفى أي اتهام عن أخيه بدون تردد:
-بقولك هارون أخوي لو شوفته بعيني هكذبهم يا رقية ..
ثم هدأ قليـلًا وانخفضت نبرتـه وأتبع هو يحكي لها أخد روايات التاريخ :
-محمد بن الإمام علي رضي الله عنه كان يُقدّمه في المعارك والمواطن الشديدة، فقال له بعض الناس عشان يوقعوا بين الأخوة :«لِمَ تُقحم أباك في مواضع لا يُقحم فيها الحسن والحسين؟!»
ثم تبسم للحظة وقال:
-عارفة رد قالهم أيه يارقية ؟!رد متخلد للتاريخ .
رقية باهتمام:
-قال أيه يا مولانـا ؟! 
-قالهم صراحة ، لأن أخويَّ هما عينا أبي، وأنا يده.. فهو يقي عينيه بيديه.
ثم لمعت عينيه بحب لأخوته :
-شوفتي كيف فضّل أخويه على نفسه، وكيف التمس العذر لأبيه، وكيف ارتقى بنفسه عن النميمة، وكيف عبر بكلمات موجزة تحمل إعجاز المعنى.. 

فتنهد معترفًا :
-أنا أخواتي دول روحي يا رقية ، كلهم في كفة وهارون ديه لروحه في كفة ، هارون المدرسة اللي أنا اتعلمت منها الذكاء والفطنة والأمانة ويعني أيه أكون راجل بحق .. 
ثم أغرورقت عينـيه لأول مرة أمامها معلنـًا ضعفه:
-مش هقدر اتفرچ على أخواتي وهما بيروحوا مني واحد ورا التاني عشان أعراف چرى عليها الزمن ، مش هقدر يا رقيـة .. 
زفرت دمعـة لدمعـه ، وفتحت ذراعيها إليـه وهي تطلب منه :
-عارفـة أنك متعود عليّ كل مرة بترمي في حضنك زي العيلة ، بس المرة دي حاسـة چيه الوقت اللي أنت محتاچ في حضني يا هلال .. يمكن معنديش كلام كتير أقوله ، بس عندي حنيـة في قلبي قادرة تداوي قلبك وتهون عليك الـ چاي... 
لم يجد هلال في عينيها سؤالًا واحدًا، ولا حتى محاولةً لمعرفة ما عجز عن قوله.. فقط ذراعان مفتوحتان، كأنهما المكان الوحيد الذي لم يُطلب منه فيه أن يكون قويًا .. ظل يحدق فيها للحظات ، فكيف لهذه الفراشة قادرة على ضم جروحه ؟! وآخيرا انتهى به المطاف لينكسر أمام مجد حنانها الفائض وألقى رأسه على كتفها كطفلٍ أرهقته الحياة ودوريها . 
ضمته رُقية إليها، ومسحت على شعره في صمت.. لم تقل له إن كل شيء سيكون بخير، لأنها لا تملك وعدًا كهذا، لكنها كانت تملك شيئًا أصدق؛ هو  أن تبقى بجانبـه مهما حدث . 
فـ بعض الأوقات، لا نحتاج لمن يُصلح ما انكسر فينا.. يكفينا قلب يقول لنا دون كلام "أنا هنا، ولن أتركك وحدك في هذا الوجع."
أغمض هلال عينيه مطمئنًا.. وكأن حضنها لم يغيّر ما ينتظره في الخارج، لكنه جعله قادرًا على مواجهته.. فبعض الأحضان لا تمنع عنا القدر.. لكنها تجعلنا أقدر على احتماله ..... 
•••••••••••
-طب ياما قومي مهياش نافعة قعدتك إكده ؟! 
قالت هيام جملتها الأخيـرة على مسامع امها الجالسة بمنتصف السلم تصيح وتندب حظها وخلفتها ، فصرخت بها :
-حِلوا عن سمايا!! ألقاها منين ولا منين يا ربي؟! كان مستخبي لنا كل ديه فين !! ياحسرتك على ولادك يا صفية ..

فتدخلت هاجر ناصحة:
-يعني ياما ولولتك ديه هتحل حاچة !! 
ثم جلست بجوارها وأتبعت:
-أقولك على فكرة ، تعالى نامي لك ساعتين دلوق يمكن تصحى وتلاقي كل اللي أحنا فيه كابوس ، كابوس وخلص .. 
نزعت صفية الإشراب عن رأسها :
-ااه ياني ، چت من الكبير والصغير يا ربي .. عين وصابتنا ، طب أروح لمين يلحق عيالي من وحل الحريم !! أخد عيالي وأهج طب من غدر العزايزة !! أعمل أيه !! 
تأففت هيام :
-ياما بزياداكي نواح عاد .. 
وفي تلك اللحظة دخل هيثم، متعجبًا من إنارة البيت وصدح الأصوات منه، فنظر نحوهم بريبة:
-سترَك يا رب.. قولولي لو فيه نكد أرجع من مطرح ما چيت، أنا مش ناقص وجع دماغ .
صاحت صفية بحرقة:
-تعالى يا هيثم، تعالى شوف الوكسة اللي أحنا فيها .. تعالى واسمع خراب الديار المستعجل .. 
ثم وثبت وهي تقترب منه وتشم ملابسه :
-قولي الأول كنت فين لساعة دي ؟! أنت كمان چايبلي نصيبة تچيب أجلي .. اتچوزت ولا لسه أنت كمان !!
رمق أخوته بنظرات حائرة :
-لسه وحياتك يا صفية بس ناوي !! 
ضربت على صدرها بحسرة :
-ناوي تچيب أجلى مش إكده!!
-لا اله إلا الله !! مالك بس أنتِ !! عيانة ؟
سألته قطعًا:
-رد عليّ كنت فين ؟!
تنهد بحماس وهو يتذكر عيني جميلته :
-كنت عند مصنع السُكر ! 
صاحت عليه :
-المصنع اللي خربته وچبت ضلفه !! يا وكستك فـ ولادك يا صفية !!
حاول إسكاتها ليتفادى شؤمها:
-فال الله ولا فالك يا صفية .. متقوليش إكده في وشي ، وكستك چميلة بعون الله .. 
-أنتَ عتهلفط عتقول أيه يا واد أنت !! 
زفر بامتعاض:
-مالك بس ياما ، روقي دمك إكده وقوليلي مين داس لك على طرف وأنا أسفلت لك وش أبوه .. 
انفجر شاكية :
-هارون ........! 
-لا صعبة دي يا صفية !! ديه كفاية عكاز أبوه مقدرش !! بس زعلك في أيه هارون !! 
همست له هاجر بتحمس :
-أخوك طلع متچوز ليلة .. ومن ساعتها أمك جن جنونها ..
عض على شفته بحماس :
-يابن القردة يا هارون !!
ثم التفت إلى أمه:
-طب وإنتِ زعلانة ليه؟! ده أنا هموت وأعرف ولاد خليفة عيعملوها كيف!قادرين كيف أبوهم ، قلبهم ميت . 
ضرب على صدره متباهيًا:
-دانا واحدة مخلياني ماشي أكلم طوب الأرض عشان أتجوزها! هو أنا مش أخوهم ولا إيه!! انا خيبتي تقيلة لمين يا صفية !! 
لكزته هيام بعتب:
-مش وقتك خالص ، دي على آخرها .. 
هنا دخلت زينـة من الباب الخلفي بعد ما كنت منتظرة نوم الجميع ، ففوجئت بوجود عمتها وبناتها وهيثم الذي اقترب منها ساخرًا :
-دي حتى زينـة صاحية !! 
تسرب الشك لصدر صفية وهي تسألها :
-كنتي فين يا بت !! 
بدّ التوتر والارتباك عليها وهي تتأهب لتركض واهرب من المواجهـة :
-كنت بشم هوا برة .. هروح انام خلاص !!!! 

تراقصت نظرات الجميع حولها، وكل منهم ينفي شكًّا بدأ يتسلل إلى رأسه، فضرب هيثم كفًا بكف وقال بحيرة صادقة، بعد ما اختفت زينة:
-والله ما حد فاهم حاچة خالص... أنا دخلت البيت ده من شوية، لقيت أمي بتنوح على هارون، وهارون متچوز، وأنا مشكوك فيّ عالفاضي، وزينة دي كمان كانت بتشم هوا الساعة دي!!
ثم سحب أخته هاجر من ذراعها وقال :
-وزينة عرفت أن هارون اتجوز ولا اروح اقولها يكشي تتشل وتريحنا ... !!
اتسعت عيناها، بينما شهقت هاجر وكتمت ضحكتها، وصاحت صفية:
-اكتم ، اشششش أنت عاوز تولعها بدري ليه !!! عايز جنازة وتشبع فيها لطم !! 
رفع يديه مستسلمًا:
-خلاص يا ياما، أنا ساكت... أصل واضح إن البيت ده ملبوس !! كل ما الواحد يسأل فيه سؤال، يطلع له جوازة جديدة!
ثم استدار وهو يتمتم:
-والله ما أنا عارف أيه اللي بيحصل بس أنا من دلوق هبات عند الجاموسة أأمن!! العمر مش بعزقة ... 
••••••••••
 -خلاص عاد يا أحلام، خفي بكيـة لولا يمينك كنت طلعت چبتها من شعرها وعلمتها الأدب !! وبعدين من ميتى بناخدو على كلامها ، طول عمرك بتعديلها !! ومصبراني عليها ..
مرت كلمات صفية على قلب أحلام كالسلك الشائك ، كل كلمة منها كانت بتجرح في حتةٍ لسه ما خفّت من جرحها. سكتت لحظة، وبصّت له بعينين مليانين كلام، بس لسانها عجز يطلّعه :
-هفضل عمري كله اتعاير أني معيوبة ومعخلفش يا حج !! هو مش العيال دي رزق !! اتعاير ليه برزق مش مقسوم لي ..
-قطع لسان اللي يعايرك يا أحلام !! هي صُح صفية ربنا رزقها بالعيال، بس رزقك أنت بقلب العيال وأبوهم ..
أردف العجوز جملتـه بحنان كي يهون عليها مرارة فقدها وكلمات صفية المهينـة .. ثم أتبع بلين :
-وفينهم العيال يا أحلام ، لو خلفنـا دستة ، مسيرهم كل واحد يمشي ويتلهي في حياته وحاله، وآخرتها أيه!! أنا وأنتِ ملناش غير بعض بردك .. 
ربتت على كتفه ثم حانت منها قبلة خفيفة على كفه المنكمش وقالت :
-والحل أيه ياابو هارون ، هنفضلو نتفرچوا عليهم إكده!! لازمًا نچمعوا الحل .. 
تنهد خليفـة بهدوء:
-هارون هو المفتاح والحل ، والباقي بعده سهل .. 
-طب وهاشم وولده اللي كلها كام شهر ويچي الدنيا ومرته اللي لا طايلة سما ولا أرض ..
هز رأسه وهو على علم كافٍ بما سيفعله:
-قولتلك هارون هو المفتاح اللي هنفتح بيه كل الصناديق المتقفلـة ... 
نظرت له مليًا ثم قالت:
-طول عمرك بتريح قلبي، اشمعنا المرة دي سايبني للحيرة.. 
سعل بهدوء ثم اتبع مبتسمًا:
-عشان الحل طلع من يدي ، كل مرة كنت أقولك اللي هعمله، المرة دي ، هارون هو اللي هيعمل
سكت لحظة، ورفع عينه لها، وفي نظرته حاجة خلت أحلام تفقد ابتسامتها:
-هيعمل إيه يا أبو هارون؟
ابتسم خليفـة ابتسامة صغيرة، ثم مال بجسده للخلف وقال بهدوء:
-اللي أنا عجزت أعمله طول السنين اللي فاتت واللي أنتِ فاكرة إنه مستحيل يحصل.
ضيقت أحلام عينيها، وقلبها بدأ يدق على مهل، كأن جملة العجوز فتحت بابًا كانت طول السنين بتحاول تنساه.
-متقولش كلام يفتح علينا أبواب اتقفلت يا خليفة...أحنا عاوزين حل وسلام.... 
ضحك ضحكة خافتة، وهزّ رأسه:
-بعض الأبواب يا أحلام... ما بتتفتحش غير لما ييجي وقتها.
رددت بشك:
-وأنا خوفي مش من الباب... خوفي من اللي وراه.
سكت خليفة، وترك عينيه معلقتين في عينيها، قبل ما يقول بنبرة حاسمة:
-عشان إكده... خلي هارون هو اللي يفتح.. هو قديها....
كان خليفة يتكلم بثقةِ من يعرف آخر الحكاية، بينما كانت أحلام تنظر إليه بعينين لا تعرفان سوى الخوف من المجهول؛فبعض الأبواب لا تُفتح لأننا نملك مفاتيحها... بل لأن القدر، حين يحين موعده، يضع المفتاح في يدٍ لم تخطر لنا يومًا على بال.
•••••••••
~ظهرًا..
صوت طرقٍ خافت على باب الغرفة أيقظ رغد النائمة على الأرض من غفوتها، وهي تجيب بثقل:
-ادخل.....
اعتدلت في نومتها التي كانت تؤلم كل إنشٍ بها، ففوجئت بهاشم أمامها، يدخل من الباب وهو يقول بندم:
-مرضتش أدخل غير لما تسمحي لي!!
ابتسمت ساخرة:
-ومن إمتى الكلام ده؟! طول عمرك بتدخل أي مكان وقت ما تحب ومن غير إذن!!
وقف هاشم مكانه لحظات، وكأن سخريتها كانت أهون عليه من نظرة عينيها، ثم أغلق الباب خلفه بهدوء، واتجه نحوها بخطوات مترددة:
-يمكن زمان كنت بدخل من غير إذن عشان عارف أن دايما حضنك مفتوح لي ومستنيني ،  بس المرة دي، خايف أدخل وألاقيكِ مش عايزة تشوفيني. 
رفعت رغد عينيها له، وثبتت نظرها عليه لحظات، ثم قالت ببرود:
-ودلوقتي افتكرت إني مش عايزة أشوفك تاني؟ 
شدّ هاشم فكه، وتقدّم خطوة، فرفعت يدها تمنعه:
-خليك مكانك.. أقولك أطلع برة يا هاشم ..
توقف ونظر إلى يدها قبل ما يرفع عينيه لها:
-لسه بتخافي مني؟
ضحكت بسخرية قصيرة:
-أنا؟ أخاف منك؟ ده أنت آخر واحد ممكن أخاف منه..
-أمال بتبعديني ليه؟
-عشان مش عايزة أقرب منك تاني.. مش عايزة أشوفك، عايزة انسى كل الذكريات اللي انت حفرتها على ذاكرتي وقلبي وجسمي.. 
ثم ضحكت بسخرية قاتلة :
-هفشل صح !! عارفة .. أنا شايلة ابنك جوة بطني هنساك ازاي!! أهي كلها محاولات فاشلة .. 
نزلت كلمتها عليه، لكنه حاول يتمالك نفسه:
-رغد........! 
قاطعتـه بحدة:
-متقولش اسمي بالطريقة دي.
-طريقة إيه؟
-كأنك لسه ليك حق تناديني بيها.
ساد الصمت بينهما لحظات، ثقيلًا ومشحونًا، ظل هاشم واقفًا مكانه، بينما أشاحت رغد بوجهها عنه، كأن النظر إليه صار أصعب من مواجهته.. فقال بصوت خافت:
-أنا جاي عشان أقولك إن اللي بينا لسه ما ماتش..وساعديني نحييه سوا 
التفتت إليه، وابتسمت ابتسامة مرتعشة:
-عندك أنت.
-عندي وعندك.. 
-لو سمحت متتكلمش باسمي.
-أنا عارف إن اللي فات صعب وحقك تعملي أكتر من كده كمان و
نهضت رغد بصعوبة، رغم الألم الذي شدّ جسدها، ووقفت أمامه:
-إنت عارف إيه؟ عارف أنا عشت إزاي بعد ما سبتني؟ عارف كل ليلة عدّت عليّا وأنا مستنياك؟ ولا عارف بس اللي يريحك؟ولا ااااه افتكرت !! هاشم انت جاي هنا عشان .....؟!
ثم وضعت عينيها بعينه بتحدٍ :
-انسى أنك تلمس مني شعرة واحدة .. 
اقترب منها خطوة، فابتعدت فورًا:
-متقربش!
تجاهل خوفها واقترب :
-هتعملي ايه ؟! وريني.
اتسعت عيناها، ومدّت يدها إلى جانبها تبحث عن أي شيء تحتمي به، قبل أن تقول:
-هصرخ...ووريني هتقولهم أيه هتبرر بيه وجودك هنا؟!
تغيّرت ملامحه، وتراجع نصف خطوة، لكنه لم يبعد عينيه عنها:
-اول مرة متقريش ملامحي يا رغد وتعرفي أنا عاوز أيه؟! 
تراجعت خطوة إضافية :
-وأنا مش محتاجة أعرف إنت جاي تعمل إيه! كفاية اللي شفته منك وكفاية إنك واقف قدامي كأن السنين اللي فاتت ما حصلتش.. كأنها كانت كلها وهم .
أصابته كلماتها، فصمت ،أما هي فكانت تحاول أن تثبت قدميها، لكن جسدها كله كان يفضح خوفًا لم تستطع إخفاءه..لاحظ هاشم ارتجاف يدها، فتراجع خطوة أخرى، وقال بنبرة أكثر هدوءًا:
-انا عمري ما خدت منك حاجة غصب يا رغد !! خايفة ليه دلوق!! ولا عشان خايفة من نفسك ، خايفة تضعفي!! 
ضحكت بمرارة:
-بلاش وش الملايكة ده !! شبعت منه ، إنت اصلك مش فاهم إن مجرد وجودك هنا بيخليني أرجع لكل حاجة حاولت أنساها؟مش عشان خيالات مريضة في دماغك أنت وبس. 
عارضها هاشم:
-منا كمان ما نسيتش.
-دي مش مشكلتي ياهاشم بيه! 
بنبرة حنونة:
-مشكلتك إنك لسه بتحبيني..ومتخبيش عني عينيكي عشان حافظهم .
شهقت كأن كلمته صفعتها، ثم رفعت يدها وصفعته بكل ما بقي فيها من قوة. مال وجهه إلى الجانب، وساد الصمت بينهما.أنزل هاشم عينيه، ولم يلمس خده، بينما قالت رغد بصوت مرتجف:
-متقولهاش تاني..حبيت بس افوق من الوهم اللي أنت عايش فيه.
رفع عينيه إليها ببطء:
-ليه؟ عشان مش حقيقة؟
اغرورقت عينيها إثر صفعتها التي شعرت بوجعها يرد في قلبها قبل وجهه:
-عشان لو كانت حقيقة، فهي أكتر حاجة بكرهها في نفسي.
تبدّل الغضب في عينيه إلى ألم، لكنه لم يقترب منها. قال:
-بس أنا مش جاي آخد منك حاجة يا رغد.
-أمال جاي ليه؟
دنى خطوة، فابتعدت مثلها، حتى ارتطم ظهرها بالحائط، وهي تخشاه وتتمناه في آنٍ واحد.. كانت عيناها تتوسلان إليه أن ينطق بكلمة واحدة تنسيها مرارة أيامٍ عاشتها بسببه، لكنها لم تعد تملك القدرة على مواجهته؛ اكتفت بإغلاق عينيها، تاركة له المساحة كاملة، لعلّه يستطيع أن يُصلح، ولو قليلًا، ما أفسده في قلبها.ط مرّر كفه على شعرها المتعرّج، ثم طبع قبلةً طويلة على رأسها، فانتفضت رغد، وابتلعت ريقها بصعوبة، وكأنها خسرت آخر أسلحة مقاومتها في المعركة التي يقودها رجل مثله.
اطمأن قلبه قليلًا، إذ شعر ببذرة سماحٍ لم تمت بعد في قلبها، وبأن هناك أملًا، ولو ضئيلًا، في عودتهما..لم ينكر أن خبر زواج هارون وبسالته قد أحيا وحوش الشجاعة في قلبه، وجعله يشعر بالخسّة والندالة أمام نفسه؛ كيف تركها كل تلك الفترة بينما كان غيره يمتلك الشجاعة التي افتقدها هو..تنهد بمرارة، ثم قال لها بنبرة حنونة:
-متخافيش... البسي وتعالي نروح لدكتور نطمن على صحتك أنتِ والبيبي....
تجمدت رغد للحظة، وكأن كلماته الأخيرة سحبت منها القدرة على التفكير «البيبي»... الكلمة وحدها كانت كفيلة بأن تهز كل ما حاولت أن تبنيه من قسوة طوال الأيام الماضية.
لم تعرف أتبكي من خوفها، أم من ذلك الأمان الغريب الذي تسلل إلى قلبها لمجرد أنه يقف أمامها ويقول لها: «متخافيش».
كرهت ضعفها، وكرهت أكثر أنها، رغم كل ما فعله بها، ما زالت تعرف طريق الطمأنينة في صوته، وما زال قربه قادرًا على إرباك قلبها بهذه السهولة.
فتحت عينيها ببطء، والتقت عيناها بعينيه، فوجدت فيهما شيئًا لم تره منذ زمن... خوفًا عليها، وندمًا لم تستطع أن تنكره.. لكن قلبها لم يكن مستعدًا ليسامح بهذه السرعة.
أنزلت عينيها نحو بطنها، ثم وضعت كفها عليها دون وعي، وكأنها تستمد منها القوة التي عجزت عن استمدادها من نفسها.
همست بصوتٍ خافت:
-البيبي...!!
ثم رفعت عينيها إليه، وفيهما خوفٌ آخر لم يكن متعلقًا بالطفل هذه المرة:
-وإنتَ... ناوي تعمل إيه فينا يا هاشم؟
••••••••••••
-اسمعي ، أنا ممكن أقبل بأي حاچة هنه غير إنك تتجوزي أبوي وتكوني مكان أمي وتشاركيه فيّ !! أنت سامعاني... 
اقتحمت غنوة غرفة نغم التي شغلت رأس ووقت أبيها للحد الذي وقف بنفسه في المظبخ يعد لها طبقًا من الحساء، ظلت صغيرته تراقبه بغيرة وسخط وهي تتوعد بينهما وبين نفسها أن تتخلص من تلك الفتاة التي جاءت لتسرق منها أبيها .. توقفت نغم عن تناول الطعام وهي تنظر لزوجة عمها بوهن:
-في أيه يا عمتي !! مالها غنوة ..
توترت العجوز وركضت نحو الصغيرة لتخرسها:
-عيب يا غنوة تكلمي اللي أكبر منك كِده يا بتي !! انا ربيتك على كده بردك !!
ردت نغم بسخرية :
-ماهي تربية ولدك مش تربيتك يا عمتي .. 
تملصت الفتاة من يد جدتها واقتربت منها بعنفوان:
-لاخر مرة هقولك ، أمشي من بيتنا انا مش عاوزاكي فيه .. أنتي أصلا چاية عندينا ليه !! طمعانة في فلوس أبوي كيف نسوان البلد صُح ! 
وضعت نغم الطعام على الكمود بجوارها واعتدلت بثقل وهي تحاول فهم ما تقوله تلك الصغيرة التي تلفظ بلسان إمراة يافعة:
-شوفتي أيه مني وحش عشان تكلميني إكده يا غنوة !! دانا بحبك ..
تلونت الفتاة بسخرية :
-اه ما هما كل الحريم اللي كانوا بيدوروا على أبوي كانوا يقولوا انهم بيحبوني عشان بس اقعنه يتچوزهم !
نظرت نغم لعمتها بتشتت:
-بس انا مش عاوزة اتچوز أبوكي ياغنوة ، مين فهمك كِده ..
هبت الصغيرة بغيرة واضحة على ابيها :
-بس هو عايزك ، وطالما حط ديه في راسه يبقى هيتچوزك .. حتى لو أنتِ ماعوزاش ..
 و هنا دخل فارس من الباب، وطرقه قبل أن يُسمح له بالدخول، ثم قال من الخارج:
-أدخل؟
التفتت غنوة إليه، وقبل أن تجيبه نغم، اندفعت الصغيرة نحوه:
-ادخل يا أبوي! وخليها هي تمشي من بيتنا!هي راقت أهي وشدت عودها وبقت زينة . 
تجمّد فارس عند الباب، ونظر إليها بدهشة قبل أن تقع عيناه على نغم الجالسة أمامه وشعرها الكيثف اللامع يهرب من تحت الوشاح الذي تحاول أن تستره به ، بدا عليها الإعياء والارتباك ، فألتفت إلى ابنته وقال:
-غنوة! إيه اللي بتقوليه ديه؟! 
رفعت الصغيرة رأسها بعناد:
-اللي سمعته مني قبل كده ومسمعتنيش! هي عايزة تتجوزك عشان فلوسك وطمعانة فيك .
قطّب فارس حاجبيه، ثم نظر إلى نغم، التي أشاحت بوجهها عنه وكأنها لم تعد تحتمل المزيد:
-غنوة، مين قالك الكلام ده؟عيب !
-محدش قالي! أنا بفهم لوحدي... من ساعة ما جات وهي واخدة كل وقتك، وإنت حتى بقيت تطبخ لها بإيدك! وبطلت تقعد معاي و 
صمت فارس لحظة، ثم اقترب منها وانخفض لمستواها:
-وأنا لو عايزها في حياتي، يبقى ده معناه إنها جات تسرقني منك ؟! 
ترددت غنوة، لكن غيرتها غلبتها:
-أيوه!
تنهد فارس، ثم نظر إلى نغم، فوجد في عينيها وجعًا لم تستطع إخفاءه، قالت امه بهدوء بخرج:
-متلومهاش يا فارس... هي خايفة تخسر أبوها، عيلة يا ولدي .
التفتت غنوة إليها، وقد هدأ اندفاعها قليلًا، لكن فارس سبقها بالكلام:
-بس فيه حاجة واحدة لازم تعرفيها يا غنوة... أبوكي مش هيسمح لحد، حتى لو كان إنتِ، إنه يهين حد في بيته.
خفضت الصغيرة عينيها، بينما بقيت نغم ساكنة، وكأنها للمرة الأولى فهمت أن المسألة بالنسبة لفارس لم تكن مجرد زواجٍ يفكر فيه... بل قرارًا اتخذه بالفعل..رفع عينيه إليها وقال بنبرة هادئة حاسمة:
-ونغم مش جاية تاخد مكان أمك، ومحدش يقدر ياخد مكان أمك أصلًا.
ثم التفت إلى ابنته وأضاف:
-ولو أنا اخترت نغم... فدييه مش معناه إني اخترت بينها وبينك.
رفعت غنوة عينيها إليه، وسألت بصوت خافت لأول مرة خالٍ من العناد:
-يعني... هتتجوزها؟
سكت فارس.. وكان صمته وحده كافيًا لتعرف غنوة أن الإجابة لم تعد مجرد احتمال.. شعرت نغم بالتوتر والارتباك وعينيها ينفيان تلك الحقيقة، أي زواج هذا الذي قرره ، وقفت أمامه مذهولة :
-أنت بتقول أيه ؟! 
أجابها بصوت قاطع وحاسم :
-هتچوزك يا بت عمي ...
وقعت جملته عليهم كحجرٍ أُلقي في ماء راكد؛ اشتعلت في الغرفة مشاعر مختلفة ومتضاربة، بينما ظلت نغم تحدق فيه كأنها تنتظر منه أن يتراجع، أن يضحك، أن يقول إنه لم يقصد ما فهمته...لكنه لم يفعل.
تركهم فارس وسط ارتباكهم، وغادر قبل أن يزيد الأمر سوءًا.. وحين وصل إلى مقدمة الدرج، أخرج هاتفه، فوجد رسالة من هلال العزايزي، لم تكن طويلة، لكنها حملت من الثقل ما يكفي ليوقفه في مكانه :
-مش حان الوقت اللي نحط فيه إيدينا في يد بعض يا صاحبي !!! 
••••••••••
نامت ليلة في حضن هارون، ورأسها مستند إلى صدره، وذراعه ملتفة حولها كأنها أكثر موضعٍ يأمن عليه قلبه.. كانت أنفاسها الهادئة تدغدغ عنقه، بينما ظل هو مستيقظًا للحظات، يتأمل ملامحها المستكينة، قبل أن يضمها إليه أكثر، وكأنه يخشى أن تسرق منها الأحلام هذا الأمان.. كانت كلما تحركت "ليلة" في نومها، فاقترب منها دون وعي، ودست وجهها في صدره، وهمس:
-نامي يا ليلة... أنا هِنه.
وكأنها سمعت صوته من بين أحلامها، اطمأن جسدها واستكان بين ذراعيه، ليغمض عينيه بعدها وهو يشعر للمرة الأولى أن للبيت معنى آخر... حين تكون هي بين يديه .. لم يهتم بوجود أحد ولا لحديث أحد .. بعد أن أعلن ملكيته لها صراحة أمام الجميـع .. وكأنه لم يعد يعنيه من الدنيا كلها سوى أن تبقى هي حيث اختار لها قلبه أن تكون.
تململت ليلة كالفراشة بقربه وهي تهمس له بصوت خفيض جدًا وتنادي باسمه :
-هارون ...؟ 
ثم عادت النداء مرة أخرى وهي تتأمل ملامحه وقربه وشعور قلبها الهاديء الذي استبدل بالدواء :
-اصحى كفايـة نوم ..
فتح جفونه بتعب وهو يتأملها بانبهار كأنها أول مرة تراها أعينه ، أراد أن يمازحها فقال بنصف ابتسامة :
-ليلة !! أنتِ أيه چابك إهنه ؟! مش خايفة حد يشوفك ! 
خيمت معالم الخيبة على وجهها وهي تجيبه برفق :
-أنت اللي چاي عندي على فكرة !! وبعدين أنت نسيت!
راقت له اللعبة وقال :
-اه نسيت ، هو أيه اللي حصل ؟! خدرتيني وچيبتيني لعندك صح !
اتسعت عينيها بدهشة:
-لا طبعا مش صح !! هارون فوق بقا عشان نتكلم بجد !! 
اطلق ضحكة أثرها تراقصت تفاحة آدم بحلقه :
-طب وماله الهزار ياستي ، خلينا فيه !
لكمته برفق وهي تلومه :
-بتشتغلني !!!! بس بقا .. 
ضحكت بخفوت وهي تترك يده، لكن ابتسامتها لم تستطع أن تخفي ما حدث في قلبها ، كانت تتمنى أن يطيل مزاحه معها، أن يظل قريبًا هكذا، وكأن تلك اللحظة الصغيرة عوّضت شيئًا كبيرًا ظل ناقصًا بداخلها طويلًا.
راقبت ملامحه للحظات، ثم سكنت فجأة؛ فقد انتبهت إلى قربه منها، وإلى ذراعه التي ما زالت تحيط بها، وإلى ذلك الأمان الذي شعرت به بين يديه دون أن تطلبه.
للمرة الأولى منذ وقت طويل، لم تكن بحاجة إلى دواء كي يهدأ قلبها... كان وجوده وحده كافيًا .. 
خفضت عينيها، وقالت محاولةً إخفاء ارتباكها:
-بطل هزار بقى... أنا عاوزة أتكلم معاك في حاجة مهمة.. 
رد بصوت يغلفه النعاس :
-هااه سامعك !!
هبت متحمسة وهي تحاول التحرر من بساتين قيوده :
-هارون أحنا في كارثة ، كلهم عرفوا أننا متجوزين !! أنا هواجههم أزاي .. أنا هموت من الكسوف والقلق ..
ثم نظرت له فوجدته غاص مرة أخرى في نومه :
-ياربي منك !! هارون أنت نمت تاني ! قوم بقا ..
فتح هارون عينًا واحدة بصعوبة، وبصّ لها بنصف ابتسامة، ثم قال بنعاس متعمد:
-يا بنتي إنتِ داخلة عليّا بكارثة على الصبح ليه؟! ما تسيبي الراجل يتهنى بمرته هبابة .. 
-هارون الناس ؟!!! انت نسيت نفسك .
زمجر بضيق :
-محروق أبو الناس .. المهم أنتِ ..
اتسعت عيناها من جرأته، فضربته على صدره بخفة:
- إحنا في مصيبة وإنت بتتكلم كده؟!
ضحك، ثم جذبها نحوه من يدها حتى عادت تستقر بجواره، وقال وهو يحاول كتم ضحكته:
-مصيبة إيه بس؟! إحنا اتجوزنا، مش قتلنا قتيل !! -هارون!
-ايه يا ست ليلة؟
تمتمت بخوف وحياء:
الناس عرفت!باباك ، ومامتك  ؟! 
أجابها ببرود:
-ما يعرفوا.
-وأخواتك!
-يعرفوا.
-وقوانين بلدكم ..؟
-هقيد فيها النار ..
-وأهل البلد؟
-ولا يفرق معاي مخلوق
-وهواجههم إزاي؟!
رفع حاجبه، وقال بمنتهى الهدوء:
-هتواجهيهم وإنتِ مراتي عادي ، ولا عايزاني أطلع لكِ شهادة إنك اتجوزتيني بالغلط؟
حدقت فيه غير مصدقة، ثم قالت وهي تكتم ضحكتها رغمًا عنها:
-إنت مستفز بشكل مش طبيعي! 
ابتسم، ومدّ يده يربت على رأسها بحنان:
-وأنا مش سايبك لوحدك عشان تخافي... اللي هييجي عليكِ، هييجي عليّ قبلك..ارفعي راسك إكده ، أنت مرت عمدة البلد . 
سكتت لحظة، وقد هدأ القلق في عينيها قليلًا، فاقترب منها وهمس بمكر:
-وبعدين، بدل ما تفضلي تصحي فيّ وتقلقي... نامي هبابة ده أنا لسه عندي أحلام كتير عايز أكملها وإنتِ فيها.
احمر وجهها، فدفن ضحكته في الوسادة، بينما تمتمت وهي تضربه بخفة:
-هارون أنت بتتلكك صح !وماصدقت لقيت حجة وو 
قطع خلوتها الهادئة صوت طرق صفية التي كادت أن تفقد عقلها :
-دي بقيت صباحية !! ما تقوم يا ولدي بدل نومة أهل الكهف دي ، قوم شوف المصايب اللي مستنيانا  !! 
قفز الرعب بصدرها وهي تحاول التخفي :
-احيه يا نهار مش فايت !! مامتك يا هارون ! اتفضحنا . 
رفع هارون رأسه ناحية الباب، ثم نظر إليها، فوجدها قد تحولت في لحظة من زوجة واثقة إلى فتاة مذعورة تبحث عن مكان تختبئ فيه..اقترب منها هامسًا، وهو بالكاد يحبس ضحكته:
-اتفضحنا إيه بس؟! هو أنا خاطفك؟ 
وتوقفت أنفاس ليلة خلفه، بينما ظلت عينا صفية معلقتين بالباب المفتوح، وكأنها التقطت من المشهد ما لم تستطع الكلمات إخفاءه.. وفي تلك اللحظة، أدركت ليلة أن السر الذي أخفياه عن الجميع لم يعد بينهما وحدهما.. ولقد حان وقد المواجهة !!
••••••••••••
-وبعدهالك عاد يا عمار ؟! قولتلك البيت عندينا مقلوب ومحدش فاكرنا خالص !
اردفت هيام جملتها وهي تتهامس مع عمار بالهاتف بعد إلحاح منها ، فأجابها :
-ماليش فيـه ، أنا ليّ كلمة واخدها من أبوكي وأخوكي !! وكل ما أكلمه يقولي سيبني يومين كمان !
فاض الحال بهيام وهي تقول :
-طب قولي أنا أعمل ايه ؟!
أغلق عمار باب غرفته الخاصة به كطبيب بالمشفى :
-قولي لأحلام تأثر على أبوكي ، محدش بيكسرلها كلمة .
ثم جلس على مكتبه وتحرر من سماعته :
-ياستي كل اللي عاوزه ألبسك دبلة وأشوفك وقت ما أعوز ، مش هاچي اخطفك يعني وأقولك يلا نچوزوا ..

شعرت بلهفته إليها فقالت بدلال مفتعل فكانت أول مرة تشعر برغبة عارمة في التدلل على رجل لمس شيء ما بقلبها كأنثى :
-وعاوز تشوفي ليه كل شوية ؟!
تنهد بنفاذ صبر:
-عشانك شقلبتي حالي، وخلّتيني ماشي أكلم روحي! بقيت أشوفك في وشوش المرضى، وعلى حيطان المستشفى، في كل حِتّة بتعدّي قدامي فيها... شايفك في كل وقت، كنك ظلّ اتكتب عليّا يفضل ملازمني، لا أنا عارف أهرب منك، ولا قلبي عارف يقرب منك ! 
ساد الصمت بينهما لحظات، لم تسمع خلالها هيام سوى أنفاسه المتقطعة عبر الهاتف، فابتسمت رغمًا عنها، ثم قالت بدلال:
-يعني إنت اللي مش عارف تقرب ولا تبعد؟
ضحك عمار ضحكة قصيرة، وقال:
-أيوه... وأبوكي السبب.. أوعي يكون رچع في كلامه ؟
-طب ما تريح نفسك وتبعد..مادامت طريقي محيرك قوي إكده ؟!
-فكرت و
تنهد، ثم قال بنبرة أخفض:
-لقيت البُعد عنك أتعب من قربك.
سكتت هيام، وشعرت بحرارة تسري في وجهها، فحاولت أن تخفي ارتباكها بمشاكسة:
-يا دكتور، إنت قولت هتتكلم دقيقة واحدة بس .
ابتسم وهو يتخيل ملامحها:
-ياستي سبيني اتكلم ، بدل منا لا طايل بلح الشام ولا عنب اليمن . 
ابتلعت هيام ابتسامتها، ثم قالت بعد لحظة:
-وإنت عاوز مني إيه دلوقتي يا عمار؟
جاء صوته هادئًا، لكن هذه المرة لم يحمل مزاحًا:
-عاوز منك حاجة واحدة... متفضليش بعيدة عني وإنتِ عارفة إني مستنيكي.. حاولي عشاني لو حابة قُربي . 
-مستعجل قوي أنت !
- مستعجل أطمن إنكِ ليّ وبس يا ستي . 
ضحكت بخجل:
-وإنت واثق أوي كده؟
-واثق في إيه؟
-إني هبقى ليك.
سكت عمار لحظة، ثم قال بنبرة جعلت قلبها يخفق:
-لا... دي الحاجة الوحيدة اللي مش واثق منها.
تغير صوتها:
-ليه؟
-عشان لسه ما لبستكيش الدبلة.
ابتسمت هيام، وحاولت أن تخفي فرحتها وهي تقول:
-طب اقفل بقى يا دكتور، عندك مرضى.
-المرضى موجودين كل يوم... إنما إنتِ، لو قفلتي دلوقتي، هقعد أكلم روحي لحد الصبح.
ضحكت، وهمت بغلق الهاتف :
-مع السلامة يا دكتور . 
وأغلقت هيام الهاتف، لكن صوته ظل عالقًا في قلبها، يعبث به كلما حاولت أن تهدّئ خفقاته...أما عمار، فلم يكن يعلم أن تلك المكالمة القصيرة لم تكن مجرد حديثٍ بين عاشقين؛ كانت خطوةً أولى في طريقٍ لن يتركهما يعودان كما كانا.. 
فبعض الحكايات لا تبدأ يوم نلتقي...بل تبدأ يوم نعجز، للمرة الأولى، عن الهروب من بعضنا.
•••••••••
~ مساءً..
كانت ليلة تفرز ملابسها من الحقيبة واحدةً تلو الأخرى، ترفع القطعة أمام عينيها لحظة، ثم تلقيها بجوارها بضيق، وكأنها تبحث بينها عن شيء لم تعد تراه.
تنهدت وهي تراقب الملابس الملقاة حولها، ثم أخرجت آخر قطعة من الحقيبة، فوجدتها فستانًا زهريًا يصل إلى ما دون ركبتيها.. حدقت فيه للحظات، ثم رفعت عينيها إلى سقف الغرفة بضجر، وقالت:
-هارون شاف كل دول عليّا!! أنا زهقت... ومحتاجة هدوم جديدة.
ثم أعادت النظر إلى الفستان، وقطبت أنفها كأنها لم تعد تطيق رؤيته:
-حتى ده... شافه!
وألقته فوق باقي الملابس، ثم جلست على طرف السرير وهي تفكر في الأمر بجدية، قبل أن تبتسم لنفسها فجأة وكأن فكرةً ما خطرت لها، أخذت هاتفها وكلمته :
-فاتت ساعة كاملة من غير ما أسمع صوتك، متخيل ؟! كانت ساعة أدي أيه دمها تقيل أوي ؟! 
قفل زجاج سيارته كي يسمعها بوضوح :
-ساعة واحدة بس؟! ده أنا كنت بحسبها يوم كامل .
تبسمت بدلال :
-قربت تيجي ! أنا مستنياك على فكرة . 
-اوعي يكون حد عندك زعلك ، أنا حالف على صفية .
كتمت صوت ضحكتها :
-لا طنت صفية مجتش خالص عندي، وهيام كل شوية بتيجي تطمن عليا هي ورقية .. متقلقش سايب رجالة وراك .
ثم تحمحمت بحماس:
-المهم بقا جاي أمتا ؟!
-بصراحة أنا في مشوار مهم براة قنا ، وهعوق هبابة ، هكلم أحلام تيچي تنام چارك لغاية ما أعاود ... 
خيم الحزن فوق ملامحها :
-طيب أنت واحشني بجد دلوقتي !! اتصرف ازاي أنا دلوقتي في الورطة دي !!
ضحك بصوت مسموع وهو يداري على الحوار :
-طب هيثم معاي على فكرة ..
ردت بخيبة أمل :
-يعني مش هتعرف تتكلم كمان ؟! 
نظر لأخيه بمكر :
-لو مضايقك أنا ممكن ازحلقه في أي مطرح وأفضالك .
فاض صبر هيثم من تلميحات أخيه :
-ديه المفروض أنا ! ما تدوسني أحسن ياعم! 
حدجه بحدة :
-بس يالاه .. 
-لا هيثم حبيبنا بردو .. سلم عليه وقوله أني زعلانة منه عشان بطل يجي يقعد معايا زي الأول .. 
تبدلت ملامحه من الضحك للغيرة : 
-كنت قطمت رقبته لو هوب ناحيتك ، دي تعلميات عليا ولازمًا ينفذها .
ضرب هيثم كف على الأخر :
-ياجدع اومال لو مكنتش مجرجرني معاك زي البهيمة وأنا مش عارف رايح على فين !! أنتوا جايبني هنه تهزأوني ..
ضحكت ليلة بصوت مسموع ، فقررت الانسحاب بهدوء :
-خلاص خلاص ، همشي انا واسيبكم .. هارون حاول بليز متتأخرش عليا .. 
لحظة غلقها الهاتف معه ، اقتحمت زينة غرفتها بدون أذن ، فزعت ليلة من مكانها وهي توبخها :
-في حاجة اسمها نخبط على الباب قبل ما ندخل !!
قفلت زينة الباب بقدمها وهي تتلوى كالحية :
-يوه ، سهى عليّ ، حقك عليّ ياباب كان لازمًا اخبط عليك قبل ما أخش على ست الحسن والجمال!! 
رمقتها ليلة بخوف دفين ولكنها استمدت قوتها من دعم هارون لها ، وقفت أمامها وعقدت ذراعيها بصلابة :
-عايزة أيه يا زينة ، أنا أصلا ماليش كلام معاكي .
جلست زينـة في منتصف فراشها بكيد وهي تمسح على المفرش الحريري :
-ولا أنا ميتة على الحديت معاكي ، بس أيه اللي رماك على المُر !! قالك اللي أمر منه يا بت .. 
ساد صمت للحظات حتى ألجمتها ليلة بجملتها العاتية :
-عارفة يا زينة ، اللي زيك اتخيلت أنها ممكن تعمل أي حاجة، إلا انها تحاول تقتل حد ..
ثم دنت منها وأتبعت بنظرات قويـة وهي تستنشق رائحتها:
-اااه كده أنا اتاكدت ، كنتي أنتِ صح !! عايزة تقتليني ليه !! عشان هارون ؟! وهتودي نفسك في داهية عشان راجل مش شايفك يا حرام ؟! 
ارتعشت عينا زينة للحظة، لكنها سرعان ما أخفت ارتباكها بابتسامة باردة، ثم رفعت وجهها إليها وقالت:
-طلعتي مش سهلة ! صح وهي اللي توقع كبير العزايزة في شباكها هتبقى سهلة كيف ؟! 
اقتربت ليلة خطوة، وصوتها يزداد ثباتًا:
-عشان كده كنتي عايزة تقتليني ؟! 
ضحكت زينة باستخفاف وهي تميل برأسها:
-ومين قالك إني كنت عايزة أقتلك أصلًا؟
-إنتِ.
-أنا؟!
-أيوه، إنتِ.
ساد الصمت بينهما لحظة، قبل أن تكمل ليلة وهي تثبت عينيها في عينيها:
-اللي حصل مش صدفة، وأنا عارفة كويس إنك كنتِ وراه.. الريحة دي أنا عارفاها كويس أوي !! 
تبدلت ملامح زينة، ونهضت من على الفراش ببطء، حتى أصبحت في مواجهتها تمامًا:
-طب وإيه اللي هتعمليه يعني؟
لم تتراجع ليلة، بل رفعت ذقنها قليلًا:
-ولا حاجة.
ابتسمت زينة بانتصار:
-أهو شُفتي؟! لا إنتِ تقدري تعملي حاجة ولا هارون موجود طول الوقت يحميكي مني .. 
ردت ليلة بهدوء أربكها:
-بس هو عرف.
اختفت الابتسامة من على وجه زينة:
-عرف إيه؟
-عرف كل حاجة.
توقفت زينة مكانها، فتابعت ليلة بنبرة أكثر حدة:
-وعارف مين اللي حاول يقرب مني، وعارف مين اللي كان نفسه يخلص مني.. وعارف إن أنا من ساعة ما جيت هنا وإنتِ مش سايباني في حالي.
-كدابة.
-خلاص اسأليه.
ابتلعت زينة ريقها، وحاولت أن تستعيد تماسكها:
-هارون مش هيصدقك عليّ .
ابتسمت ليلة ابتسامة صغيرة، وقالت بثقة:
-هو مش محتاج يصدقني.. هو عارفني..
ثم اقتربت منها حتى لم يعد يفصل بينهما سوى خطوات قليلة:
-وعارفك إنتِ كمان.
اشتعل الغضب في عيني زينة:
-إنتِ فاكرة إنك اكده كسبتي؟!
-أنا مش داخلة معاكِ حرب أصلًا يا زينة ! 
رمقتها بسخطٍ :
-أمال واللي بينا تسميه أيه !
تجاهلت سؤالها وأردفت ليله بهدوء :
-عشان أقولك حاجة واحدة بس..
سكتت ليلة لحظة، ثم قالت بوضوح:
-ابعدي عني.. أحسن لك . 
ضحكت زينة بسخرية:
-وإلا إيه؟
ثبتت ليلة عينيها عليها:
-وإلا المرة الجاية مش هسكت.
اقتربت زينة منها وهي تقول من بين أسنانها:
-إنتِ جاية هنه و واخدة كل حاجة.. البيت، وهارون، وحتى الناس اللي حواليه.. وفاكرة إنك هتفضلي كده من غير حساب؟!
لم تهتز ليلة، بل أجابتها بهدوء:
-أنا مخدتش حاجة من حد يا زينة.. اللي اختارني، اختارني بإرادته.
ثم مالت قليلًا نحوها، وقالت بنبرة قاطعة:
-ودي أكتر حاجة مضايقاكي.
تشنج فك زينة، وكادت ترد متكئة على أسلحتها القوية :
-طب اسمعيني ، أنا عرفت وسمعت كل حاچة ، وعرفت كمان أن هارون متچوزك .. وو 
رغم رجفة قلب ليلة الداخلية إلا أنها حافظت على ثباتها أمامها ، بدت لها أنها منشغلة بأمر الفستان وقالت ببرود :
-طيب كويس ، عشان لما تشوفينا مع بعض دماغك ما تروحش في حتة تانية .. 
قبضت زينة على مرفق ليلة بانتقام ، وبرقت أعين الافعى التي تسكنها وقالت محذرة :
-عندنا مثل بيقولك ، أشوف چوزي في تربة ولا أشوفه مع ضرة ... يعني لو وقفت بين جنازته وجوازته ، هختار جنازته ومش هبطل فيها لطم .. 

تشعب الخوف بوجه ليلة وهي تقول:
-أنتِ لو بتحبيه بجد مش هتأذيه !!
هتفت الأخرى بتحدٍ :
-حب أيه يا بت !! أنا زينة بت الطحاوي ، اتولدت كبيرة ولازمًا چوازتي تبقى تقيلة ، وهارون مفيش زيه في العزايزة تمًا .. يعني هاخده يعني هاخده ، فاسمعي الكلمتين اللي چاية أقولهم وفتحي مخك .. 
ليلة بقلق :
-أنتِ عايزة أيه ؟! 
-عاوزاكي قبل طلعـة النهار تكوني غورتي من إهنه ، وتختفي من وشنا للأبد .
ثم أخرجت هاتفها أمام عينيها، وقالت بابتسامة باردة:
-وإلا الصور اللي معايا هتروح للمجلس.. وساعتها مش هتكوني إنتِ اللي هتدفعي التمن.
تجمدت ليلة في مكانها، فيما تابعت زينة، وعيناها لا تفارقان وجهها:
-ساعتها هارون نفسه هيبقى في مرمى النار.. وإنتِ اللي هتكوني واقفة تتفرجي عليه، ومش هتعرفي تعملي له حاجة .. هيقطعوا رقبته قصاد عينك !!! 
ابتلعت ليلة ريقها بصعوبة، بينما ابتسمت زينة ابتسامة باردة وهي تهمس:
-دلوقتي بقى نشوف.. هتختاري نفسك، ولا هتختاري هارون!! يادي الحب وسنينه ........بهدلة . 

تعليقات