رواية عندما يستيقظ الامس الفصل السادس عشر
- بقيت "نيللي " تنظر إليه لا تعرف ماذا تقول ولا ماذا ينبغي أن تشعر كانت تتمنى، في الأيام الأولى بعد ظهور " مُنى " أن يثبت كذبها ، ثم تمنت أن يثبت جنونها ثم تمنت أن يكون " زياد " كاذبًا.
- أي شيء أسهل من الحقيقة لكن الحقيقة جاءت أعقد من كل الاحتمالات فهو رجل أحبها بصدق ورجل آخر عاش داخل الرجل نفسه وربما كلاهما حقيقي.
_ وأنا المفروض أعمل إيه بالكلام ده؟ اردفت إليه اخيرا بصوت هادئ .
-اخفض زياد عينيه و قال : معرفش
- ابتسمت ابتسامة صغيرة حزينة ثم اردفت :
أول مرة أسمعك بتقول معرفش
- نظر إليها ولم يجد ما يرد به لأنها كانت محقة فهو طوال حياته كان يهرب من الاعتراف بضعفه ، فـ ماجد هرب من الذنب و زياد هرب من الشك أما الآن فلم يعد يملك مكانًا يهرب إليه.
_ أنا مش جاي أطلب منك ترجعي.
- رفعت حاجبها باستغراب وهي تنظر في تسائل فوجدته يحرك رأسه قائلا : لاء لاء
- صمت للحظةثم أكمل: جاي أعتذر.
- تصلبت ملامحها فأكمل بصوت منخفض:
يمكن ماكدبتش عليكي بإرادتي بس في النهاية إنتِ اللي دفعتِ الثمن.
- شعرت بغصة في حلقها لكنه اكمل حديثه قائلا بنبرة حزينة : سرقوا مني ذاكرتي بس أنا سرقت منك الأمان.
- ساد الصمت ولم تستطع الرد لأن جزءًا منها كان يحتاج أن يسمع هذا الاعتذار ليس لتسامحه بل ليعترف أخيرًا بحجم الألم الذي تركه فيها.
(في مساء اليوم نفسه)
- وقفت " مُنى " أمام باب الفيلا لأول مرة منذ أسابيع
كانت مترددة أن تأتي قبضت على حقيبتها الصغيرة وهي تفكر في العودة لكنها جاءت من أجل شيء واحد وهي النهاية.
- رنت الجرس فأنفتح الباب و ظهر " زياد " من خلفه ، اندهش قليلا عندما وجدها أمامه فـ كانت هذه أول مرة يلتقيان منذ أن عادت ذاكرته بالكامل لا كـ زياد الضائع ولا كـ ماجد المفقود، بل كرجل يعرف الحقيقة كاملة.
_ ادخلي.اردف إليها بنبرة هادئة .
- دخلت وجلست علي الأريكة في الصالة وهو في الاريكة المُقابلة لها وبينهما صمت طويل ، صمت لا يحتاج كلمات لأن كل ما يمكن قوله قيل منذ سنوات وأكثر و أخيرًا قالت مُنى : انت فاكر كل حاجة ؟!
- أومأ لها ثم قال : أيوه.
- انخفضت عيناها ولم تعرف لماذا شعرت بالحزن ، هي قضت سنوات تحلم بهذه اللحظة لكنها حين جاءت لم تكن كما تخيلتها.
_ حتى تَيم ؟
- أغلق عينيه للحظة ثم أومأ من جديد وشعرت هي أن قلبها انكسر مرة أخرى كأنها فقدت طفلها مرتين.
_ ممكن نخرج نتكلم في الجنينة محتاجة اشم حبة هوا.
اردفت إليه فأوما لها بإيجاب ثم مر بعد دقائق كانا يجلسان في الحديقة الخلفية حيث الهواء أكثر رحمة من جدران البيت.
ف أردف " زياد " فجأة:
أنا كنت بكرهك
- اتسعت عينا " مُنى " أما هو فابتسم بمرارة و اكمل حديثه : بعد الحادث كنت بشوف اللوم في عينيكي طول الوقت.
- انخفض رأسها لأنها تعرف جيدًا هذا فـ أردفت بصوت خافت: كنت موجوعة.
_ وأنا كمان ، بس وقتها ماعرفناش ننقذ بعض
- امتلأت عيناها بالدموع لأن تلك الجملة اختصرت سنوات كاملة سنوات كان كل منهما يغرق فيها وينتظر من الآخر أن ينقذه بينما كلاهما كان يغرق أصلًا.
- بدأ يسرد لها كيف استرد ذاكرته و ما فعله في الماضي و فجاة وجدها تسأله ذلك السؤال الذي أصاب مكان حساسا بداخله .
_ ماجد لو مُكنتش مسحت ذاكرتك كنت هترجعلي؟
- أغلق عينيه و صمت قليلا و أجاب بالحقيقة : معرفش.
- ارتجفت شفتاها.لكنها لم تغضب لأنها شعرت أنه صادق عندما أخبرها قائلا: كنت بحبك ، و لسه جزء مني بيحبك
- هبطت الدموع من وجنتيها و لكن قبل أن تبتسم وجدته يقول : بس الحب لوحده مبقاش كفاية.
- هبطت تلك الكلمات الثقيلة علي قلبها ولكنها كانت كلمات صادقه ومؤلمة.
_ احنا ضيعنا بعض قبل ما أختفي . اخبرها بنبرة حزينه فـ
أخفضت رأسها ولأول مرة لم تحاول إنكار ذلك.
( وبعد دقائق نهضت " مُنى " و أدركت أن الوقت حان فالتفتت إليه وكانت الدموع مازالت تلمع في عينيها لكن ملامحها بدت أخف كأنها وضعت حملًا ظل فوق كتفيها سنوات.
_ عارف؟
- رفع عينيه إليها فابتسمت ابتسامة حزينة وقالت له :
أنا كنت فاكرة إني بدور عليك، بس يمكن كنت بدور على فرصة أودعك.
- تبادل النظرات معاها اثناء اكمالها لحديثها قائلة : عارف ايه أغرب حاجة؟
- نظر إليها بصمت فقالت:
يوم ما استخرجت حكم وفاتك ، افتكرت إن ده أصعب يوم في عمري .
- اخفضت عيناها إلى الأرض للحظات ثم أكملت:
كنت بمضي على الورق وأنا حاسة إني بدفنك بإيدي.
- شعر " زياد " بانقباض حاد في صدره أما هي فابتسمت بمرارة وقالت : يومها انتهى كل شيء بينا قدام القانون بس قلبي كان أبطأ من القانون بكتير.
- ساد الصمت بينهما ، ثم رفعت عينيها إليه مجددا وقالت:
يمكن علشان كده فضلت أدور عليك كل السنين دي مش كـ جوزي ، لكن كـ آخر جزء فاضل من حياتي القديمة.
- ارتجفت أنفاس " زياد " بينما أكملت بهدوء:
النهارده أقدر أقول إني أخيرًا ودعته
- شعر بشيء ينقبض داخل صدره ولم يجد ما يقوله فاقتربت ثم وقفت أمامه وبهدوء شديد ولمست خده للحظة لمسة قصيرة حنونة ومليئة بالوداع ثم سحبت يدها
وقالت:
مع السلامة يا ماجد
- ولأول مرة منذ سنوات لم تطلب منه أن يعود ولم تحاول أن تستعيده فقط ودعته وبقي " زياد " واقفًا مكانه يراقبها وهي ترحل من أمامه بحقيبتها فهي قد قررت بدأ حياة جديده ولكن من دونه وعندها فقط أدرك حقيقة مؤلمة لقد استعاد ماضيه بالكامل لكنه لم يستطع العودة إليه.
-
