رواية عندما يستيقظ الامس الفصل السابع عشر
- لم ينم " زياد " تلك الليلة بل جلس في الحديقة بعد رحيل مُنى والفراغ يحيط به من كل اتجاه.
- كان يتوقع أن يشعر بالراحة بعد لقائهما الأخير أو بالحزن أو حتى بالندم لكنه شعر بشيء آخر لأول مرة منذ ظهور " مُنى " في حياته من جديد لم يعد هناك سؤال يحتاج إجابة ، لقد عرف من يكون وعرف ماذا حدث وعرف لماذا هرب وعرف أيضًا أنه لا يستطيع استعادة ما فُقد لا " تَيم "
ولا السنوات الضائعة ولا الزواج الذي مات قبل اختفائه بوقت طويل.
- رفع رأسه نحو السماء وأغمض عينيه ثم همس لأول مرة منذ سنوات: سامحني يا تَيم .
- خرجت الكلمات منه بصعوبة كأنها كانت عالقة في صدره طوال هذه المدة ولم يكن ينتظر ردًا ، فقط كان يحتاج أن يقولها.
( في صباح اليوم التالي)
- ذهب إلى بيت والد " نيللي " و لم يتصل مسبقًا ولم يطلب موعدًا فقط ذهب وعندما فتح له والدها الباب
نظر إليه الرجل طويلًا ثم تنهد وقال له :
اتفضل يا ابني
- لم يكن في صوته دفء لكنه لم يكن عدائيًا أيضًا.
- دخل " زياد " وشعر أنه غريب داخل المكان وبعد دقائق
نزلت " نيللي " من الطابق العلوي وتوقفت عندما رأته لم تكن تتوقع حضوره.
- وقف هو وتبادلا نظرة طويلة ثم أردف بهدوء:
ممكن نتكلم؟
- وبعد لحظات جلسا في الشرفة وكان بينهما صمت طويل هذه المرة لم يبدأ " زياد " بالكلام ترك لها الاختيار.
فـ أخيرًا قالت: شوفت مُنى ؟
- لم يتفاجأ بل أومأ فقط.
- راقبت وجهه ثم سألت: وخلصتوا الكلام؟
_ايوة
- صمتت ثم قالت السؤال الذي ظل يؤرقها: انت لسه بتحبها؟
- أغمض عينيه للحظة كان بإمكانه أن يهرب و أن يلف ويدور و أن يعطي إجابة رمادية لكنه تعب من الهروب فقال الحقيقة: أيوه.
- تألم قلبها من إجابته تلك و لكن ارتفعت نبضات قلبها قليلا عندما اكمل قبل أن تنطق: وبحبك انتِ كمان
- ضحكت ضحكة قصيرة موجوعة وقالت له : مفيش راجل بيحب اتنين.
- تبادل معها النظرات ثم قال: كنت فاكر كده، بس اللي فهمته إن الإنسان ممكن يحب ناس مختلفة بطرق مختلفة.
-عقدت حاجبيها بإستغراب فهي لم تستوعب حديثه بينما أكمل هو : مُنى جزء من ماجد ، يعني من حياتي القديمة.
و من تَيم ومن أحلامي وأنا صغير.
- صمت للحظة ثم قال:
و انتِ جزء من زياد و من حياته اللي عاشها فعلًا و من زين و من بيته و من كل يوم صحي فيه سعيد.
- شعرت بالدموع تتجمع في عينيها و لم تستطع السيطرة عليها ولكنه اكمل : الفرق إن مُنى ذكرى حب كبيرة
أما انتِ فـ حياتي . اختنق صوته في آخر جملة ولم يحاول إخفاء ذلك.
(في الجهة الأخرى من المدينة)
- كانت " مُنى " داخل مرسمها أمام لوحة بيضاء جديدة.
- ظلت تحدق فيها طويلًا ثم التقطت الفرشاة لأول مرة منذ سنوات رسمت شيئًا لا يخص الماضي.
ولا تَيم ولا ماجد بل رسمت البحر فقط ، البحر الذي أخذ منها أشياء كثيرة لكنه علّمها أيضًا كيف تتركها ترحل وعندما انتهت ابتسمت ابتسامة صغيرة هادئة وحقيقية.
*******
- عادت " نيللي " تنظر إلى " زياد " و كان يبدو متعبًا أكثر مما رأته يومًا لكنها شعرت لأول مرة أنه لا يخفي شيئًا.
وأنا لو مقدرتش أنسى؟. سألته بنبرة هادئة .
- حرك رأسه ثم أجابها :
مش هطلب منك تنسي
_ ولو مقدرتش أسامح؟ سألته مره اخري بنبرة حزينة فـ
ابتلع ريقه وكان الرد صادقًا: يبقى من حقك
- ساد الصمت بينهما حتي قال : أنا مش جاي أطالبك بحاجة أنا بس جاي أقولك الحقيقة كلها.
- ولأول مرة منذ عرفته شعرت أنه لا يحاول إقناعها ولا الدفاع عن نفسه ولا التمسك بها بأي ثمن كان فقط صادقًا.
قاطع حديثهما عندما خرج "زين " إلى الشرفة وهو يركض وما إن رأى "زياد " حتى اتسعت عيناه.
_ بااااابي
- فتح ذراعيه فورًا واندفع الطفل نحوه و احتضنه " زياد " بقوة أكبر من المعتاد حتى ضحك " زين " و قال :
بااابي هتكسرني كدة .
- ضحك " زياد " وسط دموعه وأرخى قبضته قليلًا ثم قبل رأسه وبقي محتضنًا إياه كأن قلبه يخبره أن هذه اللحظة أهم من كل ما ضاع.
- راقبت " نيللي " المشهد وشعرت بشيء يلين داخلها رغمًا عنها ليس لأن الألم اختفى بل لأنه لم يختفِ ومع ذلك
ما زال هناك شيء يستحق البقاء.
- وحين غربت الشمس وقف " زياد " عند باب المنزل استعدادًا للرحيل نظر إلى " نيللي " ولم يسألها إن كانت ستعود ولم يطلب قرارًا فقط قال: أنا هستنى. ثم ابتسم ابتسامة صغيرة متعبة وأكمل قائلا : مهما كان قرارك.
- ظلّت تنظر إليه حتى غادر و ثم أغلقت الباب ببطء.
وأدركت أن القرار الأصعب لم يعد وتسائلت بداخلها :
{هل كان يحب مُنى بل
هل تستطيع أن تحب زياد بعد أن عرفت من كان ماجد ؟
وكان هذا سؤالًا لا يملك أحد إجابته سواها }
