رواية الفرار من العشق الفصل السابع عشر
كانت كلمات ألحان ترن في أذن ليلى كتحذير أخير ينذر بكارثة وشيكة؛ فرغم تفهمها لمدى القهر والانسداد الذي تعيشه صديقتها، إلا أن عقلها لم يستوعب بعد كيف يمكن لألحان أن تفكر في الهروب من عائلة بمثل هذا الجبروت والنفوذ الصعيدي. وقبل أن تزيد ليلى في محاولات إقناعها بالتروي، انفتح باب الجناح فجأة ليدخل رحيم بخطواته الثقيلة وهيبته المرعبة، ممسكًا بعصاته، وعيناه تمسحان الغرفة بنظرة فاحصة.
التفتت ألحان بسرعة لتخفي آثار دموعها، بينما وقفت ليلى مرتبكة وهي تحاول استعادة هدوئها. نظر رحيم إلى ألحان ببرود وقال بنبرة لا تقبل النقاش:
ـ "الساعة خلصت يا ألحان.. وجهزتي ولا لسه؟"
وقفت ألحان بجسد مرتجف لكنها حاولت إظهار الصمود:
ـ "قلت لك مش هروح في حته.. فاهم ولا لأ؟"
لم ينفعل رحيم كما كانت تتوقع، بل ضحك بخفة ساخرة، ثم اقتراب منها بخطوات بطيئة إلى أن أصبح يقف أمامها مباشرة، وهمس بصوت مرعب ودافئ في آن واحد:
ـ "شكل لسانك طول تاني يا ألحان.. وعشان أنا صبوري معاكي، هعتبر نفسي ماسمعتش حاجة.. قدامك دقيقتين تلبسي طرحتك وتنزلي ورايا على العربية.. ولو اتأخرتِ دقيقة زيادة، هتشوفي وش تاني خالص."
ثم التفت بنظرة حادة إلى ليلى وقال بجدية:
ـ "وانتي يا دكتورة، انزلي تحت.. سيبيها تجهز لوحدها."
غادر رحيم الجناح وترك خلفه هواءً ثقيلاً بالكاد تستطيع ألحان تنفسه. نظرت ليلى إلى صديقتها بحزن شديد وقالت بنبرة خافتة ومترجية:
ـ "أرجوكِ يا ألحان.. بلاش تعانديه أكتر من كده دلوقتي، استجبي له عشان ما تورطيش نفسك في مشاكل أكبر.. وأنا مستنياكي تحت."
أومأت ألحان برأسها ببطء شديد وبإحباط تام، وهي تعلم جيداً أن ليس بيدها حيلة سوى الرضوخ المؤقت ريثما تجد مخرجاً حقيقياً.
في أسفل القصر، كانت هدير تجلس على أحر من الجمر، تقضم أناملها من شدة التوتر والغيظ. وما هي إلا دقائق حتى صدح صوت سيارة صفوان تقف أمام القصر، ودلف بعدها بخطوات واثقة ووجه يكسوه الرضا والغرور. رحب به الجميع، وما هي إلا لحظات حتى نزلت هدير مرتدية ملابس الخروج، ويبدو على محياها الضيق الشديد وعدم الرضا.
نظر إليها صفوان بابتسامة خبيثة ومستفזה، وقال بصوت هادئ:
ـ "أهلاً بالعروسة.. جاهزة ولا لسه وراكي طلبات تانية؟"
رمقته هدير بنظرة نارية وقالت باقتضاب حاد:
ـ "جاهزة.. يلا نخلص من المشوار ده!"
تدخل معتصم الذي كان جالساً في صمت، فوقف وقال بلهجة حاسمة ومتحفظة وهو ينظر لصفوان:
ـ "خد بالك منها يا صفوان.. هدير مش متعودة على الضغط، وعايزها ترجع مرتاحة."
ابتسم صفوان بثقة مبالغ فيها، ورد قائلاً:
ـ "متخافش يا دكتور معتصم.. هدير في عيوني، وبكرة تتعود على كل حاجة."
غادرت هدير برفقة صفوان وسط أنظار الجميع، بينما شعرت ليلى التي نزلت للتو بقبضة في قلبها وهي ترى كيف تُساق الفتيات في هذه العائلة وفقاً لقرارات الرجال المطلقة. وما هي إلا لحظات حتى نزلت ألحان هي الأخرى، مرتدية عباءة سوداء أنيقة وحجاب يغطي شعرها، وملامح وجهها شاحبة تماماً.
كان رحيم بانتظارها عند مدخل القصر؛ فلما رآها تقترب، ارتسمت على شفتيه ابتسامة رضا خفية، وأشار لها برأسه:
ـ "ممتاز.. يلا بينا."
ركبت ألحان معه السيارة في صمت تام، وطوال الطريق لم تصدر عنها أي كلمة، وكانت نظراتها متسمرة خارج النافذة، بينما كان رحيم يختلس النظر إليها بين الحين والآخر وعيناه تمتلئان بتملك غريب لم تستطع ألحان تفسيره أهو حب، أم رغبة في السيطرة المطلقة؟
في أحد أرقى محلات الأثاث والمجوهرات، بدأ صفوان في استعراض الذوق العام أمام هدير التي كانت تشير ببرود واضجر إلى القطع المعروضة لمجرد الانتهاء من هذا اليوم الثقيل. في المقابل، كان رحيم يتجول مع ألحان في قسم غرف النوم الفاخرة، وأصر على أن تختار بنفسها كل زاوية، قائلًا بصوته الهادئ الحازم:
ـ "اختاري اللي يعجبك يا ألحان.. دي أوضتنا إحنا، ولازم تكون على ذوقك."
التفتت إليه ألحان بعينين تلمعان بغضب مكبوت، وقالت بصوت همس أشبه بالشرر:
ـ "لو فضلت تكرر كلمة 'أوضتنا' دي كتير، هأكد لك إني مش هقعد في القصر ده ساعة واحدة إضافية!"
توقف رحيم عن السير، ونظر إليها بعمق وتحدٍ، ثم اقترب منها خطوة وقال بنبرة نافذة:
ـ "تقدري تحاولي.. بس ساعتها النتيجة مش هتعجبك إطلاقاً.. اعتبري نفسك جوة حصن من الألغام يا ألحان، والوحيد اللي يقدر يفك الحصار ده هو أنا."
إليك إعادة صياغة لهذا الجزء بأسلوب شيق ودرامي يبرز المشاعر والصراعات بين الحروف:
بعد قليل، عاد الجميع إلى القصر. دخلت هدير إلى غرفتها وهي تشتعل غضباً من استفزاز صفوان، ولحقتهما الحان بنفس الحالة من التوتر والقلق.
في ذلك الوقت، توجه رحيم إلى غرفة العمدة. استقبله والده بهدوء قائلاً:
"بالراحة يا ابني عليها شوية." فرد رحيم بحدة:
"لازم أعمل كده يا أبوي، خصوصاً إنها مش عايزة تعرف حاجة عن يوسف، ومصرّة على الطلاق وعايزة تمشي."
نظر إليه العمدة باستغراب وتساءل:
"ليه يا ولدي؟ إيه اللي حصل؟" تنحنح رحيم بحرج وظهرت علامات التردد على وجهه، ليفهم العمدة سريعاً ما جرى وأن رحيم قد تمم زواجه منها. قال العمدة بنبرة هادئة:
"طيب يا رحيم، ابعتها لي وأنا أتكلم معها." لكن رحيم رفض بحسم:
"لا يا عمده، خليها كده لحد ما أشوف آخرتها معاها." تابع العمدة محذراً:
"يا ابني، معتصم جالي واتكلم معي في الحوار ده، وشايف إن هدير والحان مغصوبين."
هنا اشتعل عصب رحيم وقطع كلام والده بانفعال:
"بقولك إيه يا عمده! هو عشان ابنك هنوافق على كلامه؟! وثانياً، هو ملوش دعوة بمراتي.. أنا حر فيها!" حاول العبير تهدئته:
"اهدأ بس يا رحيم، الكلام ما يكونش كده يا ابني." لكن رحيم حسم النقاش بقسوة:
"ده اللي عندي، وخلي معتصم ملهوش دعوة بالموضوع ده خالص."
في تلك اللحظة، كانت الحان تقف خلف الباب تستمع لكل كلمة، وقد تجمد الدم في عروقها وهي مصدومة تماماً: معقل الصدمة يتردد في رأسها: "يعني إيه معتصم ابن العمدة؟!"
وما إن سمعت وقع خطوات رحيم وهو مقترب من الباب، حتى انطلقت هاربة بسرعة نحو المطبخ، بينما لا تفارق عقلاً سوى فكرة واحدة ملحة: “ممكن يكون معتصم هو يوسف أخويا؟! أنا لازم أتأكد!”
خرجت الحان من المطبخ وقد استقرت في رأسها فكرة واحدة لا رجعة فيها: يجب أن تأكد بنفسها ما إذا كان معتصم هو "يوسف" شقيقها أم لا. لكنها أدركت سريعاً أنها لا تستطيع فعل ذلك بمفردها وتحتاج إلى مساعدة شخص يثق به المكان، ولم تجد أفضل من "ليلى".
ركضت الحان بخطوات متسارعة نحو غرفة ليلى واقتحمتها وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة:
"ليلى.. محتاجة منك خدمة ضرورية!"
نظرت إليها ليلى بدهشة واستغراب وهي توقف ما تبطله:
"أنتِ رجعتِ امتى؟! ومالك قلقانة ومنظرك كده ليه؟!" أجابتها الحان بعجالة وخوف يملأ عينيها:
"مافيش وقت للشرح.. تقدري تجيبي لي شعرة من معتصم؟!"
اتسعت عينا ليلى بذهول واستنكار:
"شعرة من مين؟! ليه واشمعنى معتصم؟!"
كانت الحان على وشك أن تروي لها الحكاية وتكشف السر، لكن صوت رحيم القوي وهو ينادي عليها بقسوة من الخارج قطع عليهما الحديث فجأة!
تلفتت الحان برعب نحو الباب، ثم نظرت إلى ليلى وقالت باستعجال:
"بعدين هبقى أقولك.. المهم عندي دلوقتي تعملي اللي قلت لك عليه، اتفقنا؟!"
وقبل أن تتلقى أي رد، استدارت بسرعة وخرجت من الغرفة، تاركة ليلى في حيرة بالغة وعلامات الاستفهام تملأ عقلها.
خرجت الحان من غرفة ليلى بخطوات سريعة، وما إن وصلت حتى فوجئت بريم واقفاً في وجهه مكفهر ونظراته تلاحقها بغضب. اقترب منها بصوت خشن ومليء بالتحذير:
"كنتِ فين يا الحان؟ ومش كفاية اللي حصل تحت، رايحة فين تاني من غير ما تعطيني خبر؟"
اشتعلت الغيرة والغضب داخل الحان، ولم تعد تحتمل تحكماته، فردت عليه بحدة واستهجان:
"في إيه؟! أنا كنت قاعدة عند صاحبتي! هو أنت حابسني هنا وأنا مش عارفة ولا إيه؟!"
فقد رحيم أعصابه تماماً عند سماع نبرة التحدي في صوتها، ولم يطق صبراً على جراتها؛ فقبل أن تستوعب ما سيحدث، مد يديه وقبل أن تبتعد حملها بين ذراعيه رغماً عنها، واتجه بها بخطوات واسعة نحو غرفتها. فتح الباب بقدمه ودخل بها، ثم ألقاها بعنف على السرير وهو يقول بصوت يقطر غضباً:
"لا، مش هحبسك!"
اقترب منها بقوة وفرض سيطرته عليها، لتتصلب في البداية وتقاومه بكل ما أوتيتا من قوة رافضة طريقته الخشنة، لكنها تدريجياً -أمام إصراره ونظراته الجريئة- شعرت بقواها تخور لتستسلم له في النهاية، بينما ارتسمت على شفتي رحيم ابتسامة انتصار خبيثة وهو يرى استسلامها بين يديه.
وفي الجهة الأخرى، كانت ليلى تقف خلف زجاج شباك غرفتها، شاردة الذهن حتى وقعت عيناها على معتصم وهو جالس بمفرده في جنينة القصر. لمعت في ذهنيها فكرة سريعة، وأدركت أن هذه هي فرصتها الذهبية لتنفذ ما طلبتها منها الحان.
دخلت ليلى إلى غرفة معتصم بحذر شديد، وشرعت تبحث بسرعة وخفة بين أغراضه عن أي شيء يخصه عسى أن تجد ضالتها. وبعد ثوانٍ من التفتيش المتوتر، عثرت على مشطه الخاص وفيه شعرات واضحة؛ فأخذتها بحرص شديد ولفّتها بعناية داخل منديل أبيض صغير أخفته في جيبها.
خرجت ليلى من الغرفة وهي تلتقط أنفاسها بارتياح، واتجهت بخطوات هادئة نحو الجنينة لتجلس معه وتبدأ الحديث بصورة طبيعية وكأن شيئاً لم يكن.
أما داخل غرفة رحيم والحان، وبعد أن هدأت الأجواء قليلاً، التفتت إليه الحان ونظرت في عينيه نظرة مليئة بالقهر والكراهية، وقالت بصوت يرتجف من شدة الغضب:
"أنا بكرهك.. وبكرة هخليك تندم على اللي أنت عملته فيا!"
