رواية ناب الافعي الفصل الثامن عشر
وجدت الباب مفتوحًا، رأت آثار الزجاج المكسور على الأرض فابتلعت ريقها بتوتر. تتذكر ذلك اليوم، تلك الذكرى القريبة منها رغم أنها شهدتها منذ زمن. أغمضت عيناها وهي تحاول الهدوء، نظمت أنفاسها ثم دقت الباب مرتين فأتاها صوت صوفيان الذي يضع رأسه على الطاولة من أمامه بتعب.
*صوفيان*: قولتلك يا تميم سيبني لوحدي دلوقتي.
تنحنحت رزان وهي تتحدث بهدوء وهي تراقب حالته.
*رزان*: أستاذ صوفيان، ممكن أدخل؟
رفع رأسه بإرهاق فوجدها هي. كاد أن يرفض دخولها ولكنه وجد نفسه يومئ برأسه بالموافقة. لا يعرف السبب، ولكن كلما رآها شعر بشيء غريب في قلبه لم يشعر به من قبل مع فتاة سوى واحدة. نظر إليها فوجدها تتفادى الزجاج بحذر حتى وصلت إليه ووضعت أمامه صندوقًا أسود وهي تقول.
*رزان*: مدام سعاد بتقول إن الطرد ده وصل باسم حضرتك، وهي كانت ماشية عشان كده قالتلي أسلمهولك.
أومأ برأسه دون أن ينطق بكلمة واحدة، فأدارت ظهرها للرحيل. ولكنها فجأة شعرت برعشة خفيفة في جسدها، وذلك الصوت يشق أذنها مرة أخرى منذ فترة طويلة. برزت عروقها بشكل مخيف، فالتفتت ببطء ناحية صوفيان الواشيك على فتح الصندوق. لم تشعر بنفسها سوى وهي تركض تجذبه من يده بعنف. كاد أن يتحدث ولكنه اندهش حين فتحت الصندوق وظهرت منه أفعى ضخمه وجدها تقف أمامها بثبات غريب وهي تساير الأفعى بحركات من رأسها. تغير لون عينيها بدرجة مخيفة وعيناها لا تفارق الأفعى وكأنهم يتحدثون بلغة ما. وفجأة وجدها تمد يداها ناحية الأفعى وكأنها تدعوها للوقوف على يدها. دقيقة أخرى وكانت الأفعى تلتف على ذراعها وهي تحني رأسها بشكل عجيب. نظرت لها رزان بابتسامة غامضة وهي تخفض رأسها هي الأخرى. عادت الأفعى للصندوق فتحدث صوفيان باندهاش.
*صوفيان*: انتي عملتي كده إزاي؟ إزاي مخفتيش تلدغك؟
تنهدت رزان وهي ترسم ابتسامة صنعتها بالكاد، تتذكر تلك الأيام القاسية التي عاشتها في يوم ما.
*رزان*: أنا هما وهما أنا. أخويا كان عنده منهم كتير بيربيهم، فكنت براقبه من بعيد لحد ما اتعلمت إزاي أسيطر عليهم.
*صوفيان بضحك*: حد قالك قبل كده إنك غريبة؟
*رزان بسخرية*: انت أول حد يقولي كل حاجة.
ابتسم بعدم تصديق لتلقائيتها تلك فقال:
*صوفيان*: تعرفي إن عمر ما حد اتجرأ يكلمني بطريقتك دي كلهم بيخافوا مني وبيعملوا ليا ألف حساب. أقولك، شايفة تميم طبعًا انتي عارفة إني صديقه، بس هو كمان بيخاف مني. لأنهم عارفين إني مبعرفش أتحكم في نفسي وقت الغضب وممكن أقتل عادي.
ضيقت عيناها وهي تنظر.
*رزان*: ده تهديد يعني؟ على فكرة أنا مبخافش غير من اللي خلقني.
ضحك بصوته الرجولي كله على ملامحها الواثقة. تمعن فيها قليلاً ثم تنحنح وهو يشيح نظراته عنها يركزها على الحاسوب أمامه.
*صوفيان*: انتي بتفكريني بحد أعرفه أوي.
تساءلت بفضول.
*رزان*: مين؟
تنهد قائلاً.
*صوفيان*: حد مش قادر ألاقيه من زمان. لما كنت صغير قابلت بنوتة جميلة أنقذتها من الغرق. كل اللي أعرفه عنها إن اسمها ليلى، ولحد دلوقتي بدور عليها ومش لاقيها.
*رزان*: وبتدور عليها ليه؟ نسيت تشكرك ولا حاجة؟
ضحك من قلبه على أم لسان طويل هذه فقال.
*صوفيان*: لا، عشان حبتها من وقتها. تقدري تقولي حب من أول نظرة كده.
صمتت رزان قليلاً وهي تنظر له ثم قالت وهي تشير على الطرد.
*رزان*: طردك أهو يا صوفيان باشا. أما بعد، فقصة حياة حضرتك ممتعة جدًا والله، وكان نفسي أسمعها بس للأسف أنا المفروض أروح دلوقتي. يلا، جود باي.
تركته مذهولاً، ثم تحركت ناحية الباب تفتحه لتغادر، لكنها وقفت وهي تتحدث دون أن تنظر له.
*رزان*: هتلاقيها إن شاء الله قريب.
أغلقت الباب خلفها، فابتسم صوفيان بعدم تصديق. تلك الفتاة ستصيبه بالجنون. عاد لعمله على الحاسوب وكلما تذكرها ابتسم. يبدو أنها كالسحر أنسته همومه جميعًا حتى والدته.
____________________________________________________________________________
كادت عيناه أن تشتعل مما رآه، فهو الآن يمسك بيدها أمامه بكل وقاحة. اقترب منه بغضب وهو يبعده عنها، يقف كالحائل بينه وبينها يخفيها من نظراته. فقال وهو يرسم ابتسامة يصنعها بالكاد على وجهه.
*تميم*: سليم باشا، نورت الشركة.
تحدث سليم وعيناه مازالت على تلك التي تقف خلف ظهره.
*سليم*: ده بنورك.
كور قبضة يداه بغضب وهو يراه ينظر لها، فأغمض عينه ونظر للواقفة وراءه بغضب عارم يتحدث وهو يكز على أسنانه.
*تميم*: روحي على مكتبك.
هزت رأسها بخوف من نظراته وهي ترحل بعيدًا عنهم تحت نظرات سليم التي مازالت تراقبها.
*سليم*: مين دي؟
تحدث سريعًا بتلقائية وغيره شديدة وهو يكز على أسنانه بغضب جحيمي لدرجة جعلت عروق رقبته تنتفخ بشكل عجيب.
*تميم*: عائشة تبقى خطيبتي يا سليم باشا.
رفع حاجبه باستنكار قائلاً.
*سليم*: وانت خطبت إمتى؟
*تميم*: ده في اعتبار ما سيكون. عشان كده المرة الجاية ابقى خلي بالك من نظراتك.
تركه غاضبًا يتجه ناحية مكتبه وهو يصفع الباب خلفه بقوة. جلس على كرسيه وكلما تذكر لمسته لها شعر وكأنه يود أن يذهب ويكسر له وجهه. تنهد وهو يعيد خصلات شعره البنية عن عينه، يحرك كرسي المكتب الهزاز ليقابل البلور الزجاجي الضخم. تنهد وهو ينظر إلى السماء الزرقاء وهو يتذكر ما حدث معه البارحة.
*تميم*: يابني مش عاوز آخد الدوا ده، بيخليني أحس بصداع رهيب، بحس إن حالتي بتسوء مش بتتحسن.
*صوفيان*: ياعم هو لو كان مضر كان الدكتور كتبه في الروشتة؟ عمومًا بص، أنا جبت آخرى. انت بقالك كذا يوم مش بتاخده، ولو مريم هانم عرفت هتنفخني.
*تميم*: مبحبوش طيب.
*صوفيان*: هو انت ليه محسسني إنك ابن أختي ما تاخد الدوا وتبطل لعب عيال بقى. أنا سيبتك الأيام اللي فاتت دي على راحتك، بس أكتر من كده هتتعب يا تميم وأنا مش هستحمل أشوفك تعبان.
*تميم*: انت بتخاف عليا؟
اتجه ليجلس على الأريكة بجانبه ينظر له بعتاب.
*صوفيان*: وفكرك يعني إني مش هخاف عليك؟ انت أخويا.
*تميم بدموع*: يبقى ليه بتديني دوا يخليني أفضل فاقد الذاكرة؟
*صوفيان بصدمة*: انت بتقول إيه؟
صاح تميم بانفعال: اللي سمعته. من فترة رحت الصيدلية أجيب الدوا وهناك سألت الدكتور ليه كل ما باخده بيجيلي صداع وبتعب عارف قالي إيه؟ كان مصدوم إن باخد الدوا ده وقالي إنه مش بيساعدني إني أرجع ذاكرتي، بالعكس.
*صوفيان بصدمة*: انت بتقول إيه؟ دوا إيه وأعمل فيك إيه؟
نهض من على الأريكة وهو يلتقط علبة الدواء يبحث عنها على جوجل، ولكنه صُعق حينما وجد أن كلامه صحيح. ارتعشت يداه فسقط منه هاتفه وهو ينظر له ويلوم نفسه. هل كان يعطي لأخاه دواءً يضره؟ هل هو السبب لعدم تذكره حبيبته التي كان يحدثه عنها؟ لمعت عيناه بدموع لرؤية أصابع الاتهام موجهة نحوه. تحرك ناحيته بسرعة وهو ينحني ليصل إلى مستواه يحتوي وجهه بكلتا يده، فقاطعه تميم قبل أن يتحدث.
*تميم*: ليه يا صوفيان؟ أنا عملتلك إيه؟ انت كنت الوحيد اللي أنا فاكره بعد ما عملت الحادثة. الوحيد اللي قلبي محسش إنه ممكن يغدر بيا وصدقتك لما قولتلي إنك صاحبى وأخويا. لما فقدت ذاكرتي لحد ما بالفعل افتكرتك.
انهمرت دموع صوفيان لا يجد ما الذي يقوله لتبرئة نفسه.
*تميم*: طب مكنتش بتحس بوجعي لما كنت بقعد لوحدي؟ حاسس إن كل شيء غريب عليا. مكنتش بتشوفني كل يوم وأنا بحلم بنفس الحلم لنفس البنت وأنا بتعذب عشان مش عارف هي مين؟ وأنا مش قادر أفتكرها؟ محستش بوجع قلبي؟ هونت عليك يا صاحبي؟ أنا عارف إني ابن خالتك مش أخوك، يمكن لو كنت أخوك كنت حبيتني...
لم يكمل كلامه وجد صفعة تهوي على وجهه وصوفيان يقف أمامه، عيناه تحمل حزنًا وعتابًا على تلك السهام التي أصابت قلبه بكلماته تلك. أغمض عيناه وهو يسمع لحديثه الموجوع وهو يصيح بعصبية.
*صوفيان*: والله عال! دلوقتي مبقتش أخوك؟ طب لما كنت بضرب العيال اللي كانت بتضايقك في المدرسة وأقولهم ملكوش دعوة بأخويا، كنت بشوفك ابن خالتي وقتها؟ إصراري إننا نعمل عيد ميلادنا سوا مع بعض عشان كنت بشوفك أخويا التوأم. كنت بشوفك وقتها ابن خالتي؟ عيني اللي عمرها ما نزلت دمعة قدام أبويا وأمي وكانت بتنزل دموعها قدامك، وقتها كنت بقول إنك ابن خالتي؟ ليه يا تميم توجعني كده؟ انت عارف إني وحيد أبويا وأمي بس عمره ما حسيت بده، عارف ليه؟ عشان كنت بقول عليك أخويا.
تنهد تميم بضيق بما تفوه به من كلمات قاسية لصاحب أيامه وصديق عمره وأخاه الذي لم تلده أمه. اتجه ناحيته يحتضنه من الخلف يبكي بكاء الطفل الصغير. وجد جسد صوفيان متصلبًا فتحدث من بين دموعه قائلاً.
*تميم*: أنا آسف. أنا... انت عارف إني غبي ومش بخلي بالي من كلامي. أنا مكنتش أقصد أشك فيك، بس أنا كنت تحت ضغط كبير الفترة دي. ولما عرفت حوار الدوا ده اتخنقت أكتر. انت أكتر واحد عارف أنا نفسي ذاكرتي ترجعلي إزاي. حبيتها من كلامك عنها يا صوفيان. يا ترى إحساسها إيه دلوقتي وأنا بعيد عنها وناسيها؟ كنت بتقول إني حكيتلك عنها بس لا قولتلك اسمها ولا عنوانها. أنا كان لازم أقولك، على الأقل كنت روحتلها.
استرسل حديثه وهو يتجه يقف أمامه، عيناه الباكية تقابل عيناه الدامعة فتحدث وهو يمسك يداه.
*تميم*: صوفيان، أنا أهلي كلهم ماتوا. آخرهم أختي اللي اتوفت بسببي في الحادثة. انت كل عيلتي، انت أخويا صدقني. أنا مش بقدر أشوفك غير كده. متزعلش مني عشان خاطري، صدقني أنا آسف والله العظيم مكنتش أقصد، سامحني.
لم يجد سوى الصمت أمامه فصرخ به بقوة.
*تميم*: صوفيان رد عليا ومتسيبنيش كده.
رفع نظره له فقال وهو يزيح دموعه.
*صوفيان*: ما هو انت برضو لو كنت أخويا مكنتش هتقف بعيد عني كده. كنت هتعرف إن مفيش زعل بين الأخوات.
ابتسم وهو ينظر إليه، فهرع إلى أحضانه كالطفل الصغير.
*تميم*: آسف والله العظيم ما هتكرر تاني.
*صوفيان*: انت أخويا يلا، ولا أفكرك لما كنا صغيرين كنا بنقول إيه؟
*تميم*: سند وضهر وعزوه لبعض عمرنا ما نبعد عن بعض
صوفيان بدهشة وهو يبعده عنه. فهم نظراته فقال تميم بهدوء.
*تميم*: أنا الذاكرة رجعتلي.
ضيق عينه وهو يقول.
*صوفيان*: من إمتى؟ وبصراحة.
*تميم*: من أسبوع كده.
*صوفيان بغضب*: وبقالك أسبوع بتستهبل عليا بروح أمك؟
*تميم*: اهدى وأنا هفهمك كل حاجة.
#
منذ أن رأى عيناها تذكرها على الفور. حبيبة روحه وقلبه عائشة. ولكن ما كان يشغل فكره: لما لم تحدثه كل تلك الفترة؟ لما لم تطمئن عليه؟ ولكنه يشعر أن الإجابة سيتلقاها عن قريب وقريبًا جدًا.
*_**_**_**_**_**_**_*
اصطدمت به فسقط هاتفه، انحنت تلتقط هاتفه لتعطيه إياه. اعتدلت في وقفتها فوجدت سليم في وجهها.
*رزان*: آسفة، موبايل حضرتك أهو.
أومأ لها برأسه وهو يأخذ الهاتف ويرحل، فهمست بضيق.
*رزان*: قليل الذوق، شركة كلها معاتيه.
اتجهت لمكتبها تتفحص هاتفها الذي سقط، بينما توجه هو لمكتب صوفيان. فتح الباب فتطلع له صوفيان بضيق فابتسم ابتسامة مستفزة قائلاً.
*سليم*: مش تباركلي يا صوفيان باشا؟ أكيد مهرة قالتلك إن فرحنا بكرة.
*صوفيان بهمس*: إن شاء الله تطلع روحك قبل ما تتجوزها.
*سليم*: بتقول حاجة؟
*صوفيان*: لا أبدًا، بس حاسس إن نفسي اتكتم شوية.
*سليم*: لا الف سلامة.
*صوفيان*: الله يسلمك، والف مبروك. بس غريبة، جاي ليه؟
*سليم*: انت ناسي ولا إيه؟
*صوفيان بتذكر*: آه تقصد مشروع المول التجاري؟ إيه ده هو أنا مقولتلكش؟ مش أنا أجلت الاجتماع لبكرة.
*سليم*: لبكرة إزاي؟ مش فاهم، وانت عارف إن بكرة فرحي.
*صوفيان*: مينفعش ينعقد الاجتماع من غير الشريك التالت في المشروع. انت عارف إن المشروع ده ليه أهميه قد إيه. عمومًا بكرة مش بعيد، هعرفك عليه في الفرح إن شاء الله.
*سليم*: مين ده؟
*صوفيان*: خليها مفاجأة. بعدين دي مفاجأة فرحك وهديتي ليك انت ومهرة، وانت عارف أنا بحب مهرة قد إيه.
*سليم*: أوكي تمام، أستأذنك دلوقتي.
اعتدل في جلسته يغلق أزرار بدلته الزرقاء يرحل أمام أعين صوفيان التي تنظر له بغموض. دلف الخارج متجهًا باب الشركة الرئيسي ليغادر ولكنه توقف حينما سمع أحدًا يناديه.
*رزان*: لو سمحت... انت يا اللي لابس أزرق.
استدار فوجدها نفس الفتاة التي اصطدمت به فقال.
*سليم*: خير؟
*رزان*: تليفونك اتبدل مع تليفوني لما خبطنا في بعض، فاللي في إيدك ده موبايلي. واتفضل خد ده موبايلك.
التقط منها الهاتف بلا مبالاة وهو يتفحصه وينظر لها بوقاحة. أعطاها هاتفها وأخرج كارت أسود صغير من جاكيته.
*سليم*: ده الكارت بتاعي، لو احتاجتي حاجة.
ثم أكمل بمكر ولمسته هى فى حديثه ونظرته
*سليم*: المفروض برضو أكافئك على أمانتك دي ولا إيه؟
خرج صوفيان فلمح الموقف أمام عينه. اشتعلت مقلتاه بالغضب حين وجدها تبتسم له وتلتقط الكارت من يداه، ولكنه تبدد في ثانية واحدة حين وجدها تقطع الكارت إلى أشلاء صغيرة بنفس الابتسامة وهي تلتقط منه هاتفها قائلة قبل أن ترحل.
*رزان*: لا عادي، اعتبره عمل خيري صغير.
ثم اتجهت لأقرب سلة تلقي الورق من يداها، غادرت إلى المكتب. ضحك صوفيان بصوته الرجولي كله وهو يتجه لسليم يضع يداه على كتفه كأنه يواسيه قائلاً.
*صوفيان*: بعتذرلك نيابة عن الموظفين، بس أنا موظفيني غشام شوية، طالعين للفهد.
أزاح يداه عن كتفه ينفض كتفه بغرور قائلاً.
*سليم*: مش هيجيبوه من بره يعني. على العموم هستناك في الفرح بكرة.
ثم أكمل بسخرية قائلاً.
*سليم*: متتأخرش يا أخو العروسة.
*صوفيان*: ودي تيجي؟ ده أنا اللي هسلمها لعريسها بنفسي.
*_**_**_**_**_**_**_*_
كلما شعرت بالضيق كان جل ما تفعله أن تهرع إلى صلاتها لتشتكي إلى الله. قضت فرضها ثم جلست تقرأ القرآن الكريم لعل قلبها يرتاح قليلاً من هذه المرارة. تصدقت بعد ما شعرت بالارتياح وذهبت لتقف في مكانها المعتاد والمحبب لقلبها. وقفت تتأمل السماء بشرود تام، قطع شرودها صوت هاتفها. أجابت دون أن ترى اسم المتصل فعرفت أنه أدهم من صوته.
*أدهم*: سيلا انتي كويسة؟
*سيلا*: مبقتش عارفة، خايفة أقولك آه أبقى كدابة.
انقبض قلبه لحالها فتنهد قائلاً.
*أدهم*: في الحالتين عاوزك تعرفي إن أنا معاكي وجنبك ومش هسيبك أبدًا.
*سيلا بدموع*: عاوزة أبقى لوحدي يا أدهم من فضلك، أنا هقفل دلوقتي.
*أدهم*: سيلا، أنا وحدتك. اعتبريني وحدتك ، احكيلي، فضفضيلي. أنا عايش في الدنيا دي عشانك عشان أسمعك. قولي كل اللي في قلبك وبعدين مضايقة؟ احكيلي، فضفضي. وبعدين مش إحنا واحد؟ إيه "سيبيني لوحدي" دي؟ احكيلي واتعصبي عليا، إيه المشكلة؟ هستحملك عشان عارفة إنك مضايقة. لكن تقفلي وتقولي سيبيني لوحدي دي اللي تزعل. وأنا عمري ما زعلت منك، لكن احكيلي أي حاجة مضايقاكي، احكيلي أي موضوع حتى لو تافه، لكن متسكتيش. ومفيش حاجة اسمها سيبيني لوحدي، أنا وانتي واحد. انا حالك يسيلا
ابتسمت رغمًا عنها كون أن هناك أحدًا يفكر بها وبحزنها. لطالما اعتادت من الجميع جفاء المعاملة أو المعاملة العادية، أن تجد أنها قليلة في أعينهم وأن حزنها لا يعنيهم جميعًا إلا هو. كان كطوق نجاة منذ أن دخل حياتها.
*سيلا*: رجع يا أدهم، بابا رجع بعد كل السنين دي وجاي يقولي وحشتيني. وحشته ده بجد؟ أنا مسمعتهاش منه لما كان وسطنا، هصدقه لما أسمعها منه بعد كل السنين دي؟ أنا بكره ومش قادرة أكره. حاسة بدوشة جوه دماغي، ميت سؤال وميت إجابة أحطها تبرير ليه بس مش لاقية. أنا تعبت من كل حاجة وعاوزة أبعد عن كل حاجة وكل الناس.
*أدهم بلهفة*: انتي تبعدي عن كل حاجة، صاحبك أهلك، إلا أنا.
استرسل حديثه قائلاً بتردد.
*أدهم*: سيلا، والدك مر باللي محدش يقدر يستحمله. شاف عيلته بتدمر قدام عينه وصاحبه الوحيد ضاع بسببه. كل حاجة في لمح البصر اسودت في وشه. هو ملهوش ذنب في كل حاجة حصلت. والدك اتعذب بسبب ناس معندهمش رحمة في قلبهم. متقسيش عليه انتي كمان ومتسألنيش عن حاجة دلوقتي، أنا مش هقدر أجاوبك دلوقتي. بس لو واثقة فيا، فوالدك ملهوش ذنب يا سيلا.
قلبها يخبرها أنه يقول الصدق فقط لأنها تثق به، فتحدثت قائلة بصوت موجوع.
*سيلا*: هو فين يا أدهم؟ أنا عاوزة أشوفه.
*_**_**_**_**_**_*____
انتهى من صلاته يذكر الله في ورده المعتاد، وما انتهى حتى جلس يمسد على قلبه المجروح وكأنه يحثه على الهدوء. سمع صوت تلك الخطوات المترددة من خلفه فعلم أنها لصغيره. ابتسم وهو يعتدل في وقفته يزيح سجادة الصلاة وهو يقول.
*مالك*: هتفضل واقف برا كده كتير؟
وضع السجادة مكانها ثم اتجه ليجلس على مكتبه يحث أسامة على الدخول.
*مالك*: ادخل يا أسامة، أنا شايفك واقف من بدري.
دخل يقدم قدم ويؤخر أخرى حتى جلس على المقعد الذي يقابل والده. فهم والده ما الذي يود أن يقوله فتنهد بحزن قائلاً.
*مالك*: أنا عارف إن ليك الحق تزعل مني ومتحبش تشوف وشي، بس صدقني أنا كنت بموت ألف مرة. أنا وعمك سالم خدنا القرار ده بعد تفكير طويل، ده كان الحل الوحيد عشان شر مهران وأيوب موصلش ليكم. لو انت كنت بتتعذب هنا مرة فأنا كنت بتعذب مليون. أنا اتكسرت يا أسامة يا بني. فكرك سهل عليا أعيش وأنا عارف إن أمك شايفاني خاين؟ أنا اتكسرت يا أسامة كسرة مش هقدر أنساها حتى بعد ما أموت.
استرسل حديثه وهو يتجه للمقعد الأمامي حتى يصبح على مقابلته بأسامة فقال بصوت منبوح.
*مالك بدموع*: أنا آسف يا حبيبي على شيء عيشته بسببي. أنا آسف والله العظيم مكنتش أعرف إني هوصل لهنا. أنا اتغدر بيا من صاحب عمري، والإنسانة اللي عشت عمري كله احلم أكمل حياتي معاها ماتت، وبسببي برضو خسرت أخويا سالم من وراهم، وخسرت نفسي وبيتي وشركاتي. فأبوس إيدك ودماغك متخلنيش أخسركم انتوا كمان. أنا لو جوايا روح فده عشان عندي أمل إنكم تسامحوني. حقك على عيني يا حبي والله العظيم مكنتش أقصد.
رفع عيناه الدامعة أخيرًا لتقابل عين والده فقال بأسف.
*أسامة*: أنا اللي آسف. كل ده مريت بيه لوحدك وإحنا كل ده مفكرينك حد أناني. عيشنا نفسنا كدبة بألم صغير ميجيش في الألم اللي عيشته انت حاجة لو في دماغ تتباس فدي دماغك يا بابا. حقك عليا يا حبيبي والله العظيم ما أعرف إنك مريت بكل ده.
اقترب منه يقبل يداه ورأسه باحترام وحب وهو ينحني عند قدمه وينظر له بأعين دامعة تقابل بكاء أبيه الذي ألم قلبه. مسح دموعه بإبهامه. لطالما كان والده أقرب شخص له، هو من كان يأخذ بيده للصلاة وحفظ القرآن. كيف له أن ينسى؟ كيف جعله عقله يرى أن أباه التقي قد يفعل شيئًا كهذا؟ ولكن أحيانًا ليست الحقيقة كل ما نراه، وليس كل ما نراه حقيقة. يلوم نفسه وشياطينه التي وسوست له في تلك اللحظة. اقترب من والده يزيح دموعه عن وجنتيه قائلاً.
*أسامة*: من النهاردة انت مش لوحدك. في راجل في ظهرك يحارب معاك في كل معاركك لحد آخر نفس. حقك عليا يا حبيبي، أوعدك إني هجبلك حقك من كل اللي أذوك.
حرر العنان لكل دموعه، وجع قلبه الذي كبته منذ سنين. قلبه تألم بشدة ولكنه الآن سعيد برؤية ابنه بجانبه. ضمه إليه بقوة وكأن ما يراه حلم. يستنشق رائحته التي حرم منها منذ سنين.
لم يأخذا بالهم من باب المكتب الذي فتح لتظهر منه ومن خلفها أدهم.
*سيلا بهمس*: بابا.
حرر عناقه ونظر لها، وما من ثواني حتى هرولت إليهم تنضم لذلك الحضن الأسري الذي انحرمت منه منذ سنين. أراد أن يترك لهم مساحتهم الشخصية فاستدار ليرحل فأوقفه صوت مالك الذي مازال محتفظ بأثر البكاء.
*مالك*: أدهم.
التفت له فوجده يفتح له ذراعيه قائلاً بتذمر.
*مالك*: يعني هو انت مش من العيلة ولا إيه؟ تعالى يا ولد.
اقترب منهم أدهم الذي ابتسم قاصدًا الجانب البعيد عن سيلا ينضم لهم في هذا العناق الجميل. ابتسم وهو يتأمل ملامح مالك، ذلك الرجل صديق والده الذي لم يعتبر أبناء أصدقائه يومًا واحدًا مجرد أبناء أصدقائه. كانوا بمثابة والدهم الآخر. ابتسم بارتياح. لطالما القادم سيكون معهم، مع عائلته، فإذن مرحبًا بالغد بصدر رحب.
