رواية ناب الافعي الفصل التاسع عشر 19 بقلم سمر بسطاوي


 رواية ناب الافعي الفصل التاسع عشر  

جلس على المقعد يقابل تلك الهزيلة أمامه التي تحتضن نفسها في ركن من أركان الغرفة. اقترب منها ببطء شديد وهو ينحني ويشمر بنطال بدلته، وهو ينظر لها بشر، مستمتعًا بذلك الخوف الذي يغزوها وملامحها المرتعبة. يستمتع بصوت بكائها وكأنه موسيقى عذبة تطرب لها الأذن. ابتسم وهو يداعب خصلات شعرها الفحمي الطويل المنسدل على عيناها البندقية، فابتسم وهو يرى ارتعاش جسدها الهزيل. دنى منها حتى أصبح يهمس لها في أذنها قائلاً بكلمات جعلتها مصدومة، فأخذت تصرخ بهستريا:  
 
_مستحيل... لا مستحيل._  
 
ضحك حتى عم صوته المكان. اعتدل بوقفته يعطيها ظهره وهو يصفر باستمتاع حتى خرج. حررت العنان لشهقاتها وأخذت تبكي بقوة وهي تهتز بعنف، وما حيلة المضطر إلا البكاء. خرج صوتها المتحشرج ببكاء وهي تصرخ بصمت داخلها:  
 
_يارب._  
 
*_**_**_**_**_**_**_* 
  
أعلنت السماء بداية فصل جديد من خلال ذلك الرعد الذي احتل السماء، وكأنه يعطي تحذير بأن السماء على وشك أن تفيض بدموعها. كانت تقف وحيدة أمام الشركة بعد أن أخبرتها رزان أنها مضطرة للرحيل لأن طرأ لها أمر هام. أشارت للمرة الألف لسيارة أجرة ولكنها تجاهلتها وكأنها هواء.  
أخذت تسير للأمام قليلاً لعلها تجد سيارة أخرى. ابتلت ملابسها وأخذت ترتعش من شدة البرد. مضت في الطريق حتى استوقفها رجلان. تحدث الأول وهو ينظر لها بوقاحة يتفحصها بعيناه التي كادت أن تخترقها، فضمت جسدها الهزيل برعب:  
 
_وهي الحلوة ماشية ليه لوحدها؟_  
 
ابتلعت ريقها وهي تتحرك للأمام بسرعة لتبتعد عنهم، فإذا بشخص ثالث يحاصرها حتى أصبحت في دائرة خيل لها أنها دائرة هلاكها. ابتسم وهو يقترب منها فتحدثت بصوت أشبه للبكاء:  
 
*عائشة*: عديني بعد إذنك، عاوزة أعدي.  
 
تحركت للأمام فأوقفتها تلك اليد التي قيدت حركة يداها هادرة بشر:  
 
_على فين بس؟ ده لسه الجو هيحلو._  
 
حاولت أن تفلت يداها ولكن ماذا عساها أمام قوة هذا الرجل؟ لم تنجح في إفلات يداها فأخذت تتوسل له بأن يتركها:  
 
*عائشة*: سيبني بعد إذنك، أرجوك أنا زي أختك.  
ضحك بعلو صوته وهو يقربها له تحت أعين أصدقائه المستمتعة:  
 
_وهي أختي بالجمال ده؟_  
 
ضحك بقوة على عكس تلك التي تبكي متخيلة أفزع السيناريوهات. نظرت إلى يداه التي تستقر على حجابها لتجريدها إياه، فأغمضت عيناها تسقط منها دمعة حارقة. فتحت عيناها مرة أخرى فإذا بنفس الرجل ملقى على الأرض تحت قدمها. نقلت نظراتها ببطء حتى استقرت على ذلك الذي يطرح الباقين في الأرض بحركاته القتالية المحترفة. انحنى يحمل جاكيته ثم اتجه ناحيتها، فهمست من بين شهقاتها:  
 
*عائشة*: تيم.  
 
نجحت ابتسامة صغيرة أن تشق عنانها على ثغرها. لمجرد أنها استسلمت لموجة الظلام الجارفة التي احتلت عيناها، ولم تشعر سوى بتلك اليد التي منعته من السقوط قبل أن تصدم بالأرض بقوة.  
 
*_**_**_**_**_**_**_*_
 
انتهى من فرضه، يجلس بإنهاك في ذلك الركن الذي خصصه للصلاة في غرفته، فأخذ يردد القرآن بصوت عذب. وما إن انتهى حتى سمع طرقات الباب ثم دخول سالم، فتحدث بسخرية قائلاً:  
 
*عمران*: ومن إمتى الأدب ده؟ بتخبط على الباب باحترام؟ يعني عجيبة. الله يرحم لما كنت بتدخل زي الطور، لا سلام ولا كلام.  
 
لم يتحدث بكلمة واحدة، فقط اتجه يجلس جوار أخيه بصمت، يضع رأسه على قدم أخيه ويغمض عيناه باستسلام، مما جعل القلق يتسلل إلى عمران.  
 
*عمران بقلق*: انت كويس يا سالم؟  
 
*سالم*: أنا كويس، أنا بس مفتقد بابا يا عمران، عشان كده جيت عشان تكون جنبي.  
 
ابتسم هو وهو يتأمل أخيه الذي يستقر على قدمه. أخذ يربت على شعره بحنان. تحدث سالم وهو ما زال يستكين على قدم أخاه مغمضًا عينه كأنه يحاول إخفاء دموعه عنه:  
 
*سالم*: تفتكر سهيلة لو كانت عايشة كانت هتسامح مالك؟  
 
تنهد بحزن على حال أخيه فقال بهدوء وحكمة:  
*عمران*: كانت هتسامحه عشان هو مغلطش... وعشان أحيانًا في ناس بتستحق إننا نسامحها. سالم، عمك مالك استحمل كتير أوي. خسر صاحبه ومراته اللي هيفضل طول عمره حاسس بذنب حاجة هو معملهاش. خسر مكانته وشغله اللي فضل عمر كامل يبنيه. كانت هتسامحه ببساطة عشان مكنش هو السبب. هو كان مجرد حجر شطرنج وقتها، دفع تمن خير قدمه لصاحبه بغدر، وهو ملهوش ذنب يا سالم، فأكيد كانت هتسامحه.  
 
*سالم بانكسار*: طب وأنا، استحق إنه يسامحني؟  
 
أكمل كلماته وهو يفتح عيناه التي تملأها الدمع بحسرة على ما فعله. هو يعتدل في جلسته ليقابل عمران، فهو يشعر بالذنب كونه رفع يده في وجهه ذلك اليوم، علاوة على ذلك تحدث مع أخيه الأكبر بأسلوب غير لائق، حتى أنه أغضب أسامة صديقه بما فعله، فتنهد بحزن قائلاً:  
 
*سالم*: تفتكر هيسامحني؟ أنا يعتبر رفعت إيدي على والدي التاني يا عمران. أنا شتمته، وبرغم كل ده كان واقف ثابت، متحركش ناحيتي، مرفعش إيده عليا. ضربني عشان تطاولت عليه. مالك مكنش ليا مجرد صديق بابا أو جوز خالتي، مالك في مقام بابا سالم الله يرحمه. وأنا باللي عملته ده غلطت، فتفتكر هيسامحني؟  
 
شقت ابتسامة صغيرة ثغره وهو يراقب أخيه الذي اعترف بخطئه، فخورًا بتربيته له. أشفق لحاله فتحدث بابتسامة وسيمة:  
 
*عمران*: مفيش أب بيزعل من ولاده يا سالم. أكيد هو كان مقدر إنك زعلان ومقهور على خالته وصاحبك. متقلقش، هو أكيد مش زعلان منك، وبقولها بثقة.  
 
نظر لعمران مرة أخرى ثم تحدث بارتباك طفل صغير يتحدث مع والده بعدما أغضبه:  
 
*سالم*: وانت... م... مش زعلان مني؟  
 
كشر وجه عمران وهو يشيح نظراته عنه، فنظر سالم في الأرض بحرج قائلاً بصوت منبوح:  
 
*سالم*: أنا آسف إني عليت صوتي عليك و...  
 
قاطعه عمران وهو ينظر له بسخرية كبيرة:  
 
*عمران*: اطلع بره عشان بحسك مبتفهمش.  
 
راقب ملامحه التي تغيرت سريعًا باستغراب، فتحدث عمران بضحك:  
 
*عمران*: مش بقولك انت غبي؟  
ثم أكمل بحنان وجدية وهو ينظر لعيناه الزرقاء التي تذكره بوالدته، كم اشتاق لها. رتب له خصلات شعره قائلاً:  
 
*عمران*: أنا مقدرش أزعل منك يلا. انت أخويا ومفيش أخ بيزعل من أخوه.  
ثم أكمل بسخرية قائلاً:  
*عمران*: مع إني مش عارف والله إزاي مسكت نفسي ومدفنتكش في أرضك والله.  
 
ابتسم بسخرية وهو يشير على جرح صغير بجانب فمه قائلاً:  
*سالم*: ده على كده كده أرحم.  
قطع حديثهم ذلك الذي يقف على الباب يراقبهم من بعيد قائلاً:  
 
*أدهم*: لو خلصتوا، فأنا جايب ليكم مفاجأة تعيد لينا أيام الزمن الجميل، مستنياكم تحت.  
 
*عمران*: مفاجأة إيه دي؟  
 
*سالم بتساؤل وهو ينظر إلى سالم*: أسامة وعمي مالك تحت مش كده؟  
 
*أدهم*: ومش بس كده، معاه أسامة كمان وسيلا.  
 
*عمران بفرحة*: سيلا هنا؟ بقالي كتير مشوفتهاش.  
 
نظر لسالم الذي كان ينظر إلى الأرض بإحراج، فربت على كتفه بابتسامة وسيمة وهو يحثه على النهوض والنزول معًا:  
 
*عمران*: يلا... مش هنخلي اللمة الحلوة دي تفوتنا.  
 
*سالم بإحراج*: انزل انت يا عمران، أنا مش هقدر أبص في عينه.  
 
*عمران*: أنا مش هنزل من غيرك، وسبق واتكلمنا في الموضوع.  
 
اعتدل يده يمد كفه لأخيه، فاستند على كفه ليعتدل في وقفته. نظر لهم أدهم بابتسامة، ولحظات حتى وكانوا ينزلون معًا إلى الأسفل، يسأل الله كل واحد فيهم أن يحمي الله عائلتهم.  
 
*_**_**_**_**_**_**_*_ 
استعادت وعيها على أثر تلك المياه التي ينثرها على وجهها. ابتسمت بفرحة لوجوده بجانبها، بينما تحدث هو بهلع وخوف:  
 
*تميم*: عائشة، انتي كويسة؟ حصلك حاجة؟ حد منهم ضايقك؟ حد أذاكي؟  
 
توالت أسئلته عليها بخوف ولهفة، فتحدثت وهي تعتدل في جلستها بهدوء:  
 
*عائشة*: أنا كويسة، متقلقش.  
 
تنهد براحة وهو يجلس على مسافة جيدة بينهم فقال بغضب:  
 
*تميم*: بتمشي لوحدك في الوقت ده ليه؟ وبعدين انتي مش شايفة الدنيا عاملة إزاي؟  
 
*عائشة*: أنا قولت أتمشى قدام شوية، يمكن ألاقي عربيات، وحصل اللي حصل.  
 
*تميم*: تعالي أوصلك.  
 
خافت أن تعترض فيتعرض لها هؤلاء الفتية مرة أخرى، فأومأت رأسها بهدوء وهي تسير خلفه. فتح لها باب السيارة الخلفي، بينما هو اعتلى سيارته من الأمام يسوق بهدوء. قطع ذلك الهدوء صوتها وهي تقول:  
 
*عائشة*: شكرًا ليك.  
 
نظر لها تميم في المرآة بسرعة ثم نظر إلى الطريق أمامه قائلاً بهدوء:  
 
*تميم*: العفو، مفيش حاجة. لو أي بنت غيرك في نفس الموقف كنت عملت كده.  
 
اكتفت بابتسامة صغيرة وهي تنظر إلى المطر الذي يعتلي زجاج السيارة بشرود، حتى وصل إلى منزلها. فاقت من شرودها على توقف العجلات. نزلت من السيارة شاكرة إياه، وخطت خطوات صغيرة إلى المنزل حتى تجمدت في مكانها. ابتلعت ريقها وهي تلتفت له، فوجدته يستند بجسده الضخم على السيارة يربع يداه. خطت نحوه بخطوات بطيئة حتى وصلت أمامه. توقف المطر في هذه الدقيقة وكأنه يعلن سماحه لهم بالكلام، فقالت بصوت أشبه للبكاء:  
 
*عائشة*: أنا مقولتلكش أنا ساكنة فين... انت عرفت أنا ساكنة فين إزاي؟  
 
*تميم*: هو أنا هتوه عن المكان اللي عايش فيه قلبي؟  
 
*عائشة*: ت... تقصد إيه؟  
 
*تميم*: أقصد إني منستش العيون دي يا عائشة. أنا ذاكرتي رجعتلي من أول ما شوفت عيونك.  
 
تحدثت بفرحة بين شهقاتها:  
 
*عائشة*: كنت عارفة... والله العظيم كنت عارفة إنك مستحيل تنساني.  
 
*تميم بوجع*: ولما انتي عارفة، ليه لما عملت الحادثة من شهر مجتليش؟ ليه موقفتيش قدامي وقولتيلي أنا عائشة حبيبتك؟ ليه حتى مطمنتيش عليا؟ يا ترى ده مات بعد الحادثة ولا لسه عايش بين الحياة والموت؟ ولا إيه أحواله؟ ليه بعدتي عني؟  
 
تجمدت في وقفتها بفهم محتوى حديثه. خافت أن تصرخ بوجهه وتخبره كل ما فعلته خالته بهما. خافت أن ترى نظرة الانكسار تلك في عينه حتى لو كان على حسابها هي. ابتلعت ريقها وهي تنظر له بوجع قائلة:  
 
*عائشة*: بعدت عنك إزاي وأنا كل يوم كنت جنبك؟ بس يمكن انت اللي مكنتش حاسس. أنا كل يوم كنت باجي أطمن عليك في المستشفى وانت نايم عشان متحسش بيا. حتى بعد ما خرجت كنت براقبك من بعيد. كنت عايش جوايا في كل لحظة وكل دقيقة. كنت دعوتي في كل صلاة بصليها.  
أنا مبعدتش ولا عمري هبعد.  
 
صرخ بها بانفعال فتراجعت للوراء:  
*تميم*: أومال ليه مجتيش وقفتي قدامي؟ كلمتيني وش لوش؟ ليه اختارتي البعد رغم قربك؟ تفتكري قلبي مكنش هيفتكرك يعني؟ عيونك اللي عقلي حافظها مكنتش هتعرفني انتي مين؟  
 
نظرت عسليتها إلى عسليته وهي تجيبه بنفس الصراخ:  
 
*عائشة*: كنت هاجي أقولك إيه؟ ها... إزي حضرتك؟ أنا البنت اللي كنت جاي تطلب إيدها يوم ما حصلتلك الحادثة؟ أنا مقربتش عشان خوفت. خوفت عليك قبل ما أخاف من الوجع اللي هيحسه قلبي لما أشوف في عينك ليا نظرات الغرب. بعدت عشان خوفت، عشان الدكتور قال إن ظهوري ليك ممكن يخلي حالتك تدهور، وده اللي مكنتش هسمح بيه عشان... عشان أنا حبيتك بجد.  
 
مسحت تلك الدمعة التي سقطت منها، وولته ظهرها لتغادر، فتوقفت خطواتها حين سمعت صوته الموجع وهو يقول:  
 
*تميم*: مش راضية تقوليلي الحقيقة ليه؟ مش راضية تقولي إن خالتي اللي المفروض مكان أمي كانت بتديني دوا غلط عشان أبعد عنك؟  
 
التفتت له بصدمة فوجدت الدموع تنهمر من عيونه بانكسار، فاسترسل حديثه قائلاً:  
 
*تميم*: لسه قلبك أبيض زي ما هو؟ خايفة تقوليلي؟ مش كده؟ خايفة على وجعي وزعلي؟ خايفة أقطع علاقتي بيها بعد اللي عرفته؟ لسه بعد كل ده بتفكري فيها؟  
 
انهمرت دموع عائشة بصمت وهي تنظر، فاسترسل حديثه وهو يقترب منها قائلاً بحنان:  
 
*تميم*: اللي ميعرفهوش حد عن تميم إنه عمره ما ينسى عيون عائشة، وحتى لو نسي...  
 
أشار على قلبه بابتسامة صغيرة قائلاً وهو يتأمل عسليتها:  
 
*تميم*: عمر ده ما ينسى اللي حركته وخليته يدق عشانها.  
 
انحنى على ركبته أمامها يفتح كلتا ذراعيه قائلاً بحب:  
 
*تميم*: لو لسه بتحبيني، ولو شايفة إنك تقدري تكملي حياتك مع واحد مجنون زيي، بياكل 10 مرات في اليوم، حد بيفرح لما بيشوفك وبيبقى سعيد من قربك ليه، حد عايش عشان عيونك وبس، فتسمحيلي أطلب إيدك للمرة التانية؟ وأنا بوعدك إني هبقى ليكي بس، هبقى أبوكِ وأخوكِ وعكازك وسندك في الدنيا. هنكبر سوا ونعيش سوا. حد بوعدك إنه هيعيش عمره كله ليكي، فهتقبلي تتجوزيني؟  
 
كاد قلبها أن يقفز من بين أضلعها من فرط السعادة. احمرت وجنتاها لدرجة جعلت الهواء من حولها ساخن. هرولت بعيدًا عنه لباب القصر وتنادي والدها بشكل جعله يضحك عليها من قلبه، وصوتها السعيد يصل لأذنه وهي تصيح بسعادة:  
 
*عائشة بسعادة*: هات المأذون يا حاج.  
اعتدل في وقفته وهو يراقب أثرها بسعادة قائلاً بابتسامة جذابة وهيام وهو يلعب في ذقنه الصغير:  
*تميم*: مجنونة، طب وإيه المشكلة؟ ما أنا كمان مجنون، بس مجنون في حبها.  
 
*_**_**_**_**_**_**_*_ 
جلسوا جميعًا يتناولون العشاء سويًا منذ فترة بعيدة، في جو عائلي يسوده الحب. كانت تتوسط السفرة مالك، ومن حوله أدهم وسيلا وترتيل وأسامة، سالم وعمران الذي يقابله من الناحية الأخرى. ضحك عمران بقوة وهو يقول:  
 
*عمران*: خلاص يا أدهم، بلاش نكت بايخة يا حبي، شكلك بقى وحش.  
 
*مالك*: وانت مالك انت؟ ما تخليك في حالك، ما دام دمه شربات وزي العسل أهو.  
 
*أدهم ببراءة وحزن مصطنع*: شايف يا عمي؟ شايف الناس دي بتعاملني إزاي؟ طب إيه رأيك تتبناني انت؟ وأعيش معاك، انت راجل سكر والله وأنا بحبك.  
 
ضحك مالك بملء ما فيه وهو يربت على كتفه بسعادة قائلاً:  
 
*مالك*: والله يا بني أنا معنديش مانع، وأنا هلاقي ابن دمه شربات زيك فين؟  
 
*أسامة بضيق مصطنع*: جرى إيه يا بابا؟ عاوز تجيبلي ضرة ولا إيه؟  
 
*عمران*: صدقني هو يومين وهيرجعه بشحمه ولحمه ومعاه هدية يترجانا إننا نرجعه.  
 
*أدهم بغرور*: ليه إن شاء الله؟ هو حد يطول يكون عنده أدهم زيدان الألفي في بيته؟  
 
*ترتيل بمزاح*: ملكوش دعوة بأخويا لو سمحتوا.  
 
*عمران بقلة حيلة*: معلش يا ترتيل، ما القرد في عين أخته غزال.  
 
*أدهم بغيظ*: كل وانت ساكت يا عمران.  
 
*عمران*: طب ما أنا باكل أهو، ولا هاخد منك إذن ولا إيه؟  
 
لاحظ شرودها وشكوتها التي تلهو في الطعام، فقال بابتسامة:  
 
*عمران*: إيه سيلا؟ مش عاجبك أكل ترتيل ولا إيه؟  
 
*سيلا*: ها... لا والله، تسلم إيدها، الأكل جميل خالص.  
 
*عمران*: مش عيب طول المدة دي كلها متجيش عندنا كده برضو؟  
 
*سيلا*: حقك عليا يا عمران، الشغل واخد مني وقتي كله، انت عارف المستشفى كلها تحت مسئوليتي أنا.  
 
*عمران بتفهم*: ولا يهمك، بس ابقي اسألي على أخوكي.  
 
منحته ابتسامة جميلة، فبادلها بأخرى وهو ينظر لسالم المرتبك، فقال بخبث:  
 
*عمران*: إلا يا عمي، أنا حضرت قعدة حلوة في التراس بره عشان نقعد سوا، عشان عارف إنك بتحب القعدات دي. ما إيه رأيك يا سالم تاخد عمك مالك وتوريه؟ وانت يا أدهم عاوزك تروح تجبلنا تسالي، لأني متأكد إنك خلصت اللي هنا، وخد سيلا وترتيل معاك، هات ليهم اللي هما عاوزينه، وعشان أضمن إنك ترجع بيهم مش تاكلهم في الطريق.  
 
*أسامة بضحك*: حكم إن أخوك ده مفجوع، اسألني أنا.  
 
رشقه أدهم بنظرة متوعدة ثم نظر لعمران بحنق:  
 
*أدهم*: أي أوامر تانية لمعاليك؟ وبعدين أنا مش هاخد ترتيل وسيلا، الجو بره مش كويس.  
 
*ترتيل باعتراض*: لا يا أدهم بالله خدنا معاك، أنا بحب الأجواء دي أوي.  
 
*عمران*: يلا يا أدهم بسرعة، متتأخروش. وانت يا سالم قاعد ليه لسه؟ قوم مع عمك يلا. أما انت يا أسامة عاوزك في موضوع.  
 
نظر لأخوه بامتنان، فهو يعلم أنه يفعل كل ذلك حتى يستطيع الجلوس مع مالك قليلاً بمفردهم. نهض عن كرسيه بتوتر وهو يشير لمالك باتجاه التراس وعيناه ما زالت تتطلع إلى الأرض بحرج:  
 
*سالم*: يلا... يلا يا عمي.  
 
اكتفى بإيماء رأسه واتجه خلفه للتراس بهدوء تام، على عكس ذلك الذي كادت الأرض أن تبتلعه من فرط الإحراج.  
 
*_**_**_**_**_**_**_*_ 
*أيوب*: شريك؟ شريك مين يا سليم؟ مين الممول الجديد للمول التجاري؟ أنا فاكر إن صوفيان قرر ياخد هو نصيب الممول اللي انسحب من المشروع.  
 
*سليم بلا مبالاة*: معرفش، هو بيقول إنه لقى ممول جديد وهيعرفني عليه بكرة في الفرح.  
 
استكان على الأريكة بتفكير وشرود، يفكر: ترى من هو الممول الجديد للمشروع؟ ولماذا يصر صوفيان على تعريفه في الفرح؟ ترى ما الذي يخطط له؟  
 
*_**_**_**_**_**_**_*_ 
ها هو الآن يجلس على الشط القديم نفسه، لعله يجدها في ظلام هذا الليل تخرج له من المياه كالحوريات. تنهد وهو يتكئ على الرمال، واضعًا يداه خلف رأسه يتطلع إلى السماء بشرود، يتذكر تلك الذكرى القديمة منذ كان في الخامسة عشر من عمره.  
كان يجلس على الشاطئ يستمتع ببناء قلعته الرملية باندماج وتركيز شديد، حتى لفت انتباهه صوت لأحد يصرخ. نظر حوله في كل مكان لكن لم يجد شيئًا، فعاد لبناء قلعته ولكنه سمع الصوت مرة أخرى قادمًا، فإذا بفتاة تغرق. تحرك سريعًا ناحية البحر بكل شجاعة لينقذ تلك البائسة من الغرق المحتم. أمسكها من يداها الصغيرة فإذا بها تتعلق بقميصه برعب. اتجه بها ناحية الشاطئ، فتلاقت أعينهم البندقية تحت ضوء الشمس الساطع. ابتسم لها بابتسامة جذابة سحرت قلب تلك البائسة فجعلتها تبتسم رغمًا عنها.  
 
*صوفيان*: انتي كويسة يا...  
 
*ليلى*: ليلى... اسمي ليلى.  
 
*صوفيان*: انتي كويسة يا ليلى؟  
 
*ليلى*: أنا كويسة، شكرًا ليك.  
تحولت ملامحها الملائكية في ثانية إلى أخرى غاضبة وهي تصيح به:  
 
*ليلى*: ساعة عشان تنقذني؟ كنت بموت أنا على فكرة.  
 
تحدث باندهاش: أنا مكنتش سامع، ولا لحظة هو انتي بتزعقيلي دلوقتي؟  
 
نهضت وهي تزيح الرمال عن فستانها الوردي المبتل، تتحدث بطفولة وهي تربع يداها:  
 
*ليلى*: أيوه بزعقلك، كنت ممكن أموت لو منقذتنيش.  
 
*صوفيان*: وده يخليكي تشكريني مش تزعقيلي.  
 
*ليلى*: ما أنا قولتلك شكرًا، جه دور أزعقلك دلوقتي.  
 
*صوفيان بصدمة من تلك الفتاة الصغيرة*:  
*صوفيان*: هو انتي طبيعية يا بنتي؟  
*ليلى*: انت كمان بتقول عليا مجنونة؟  
*صوفيان*: لا، ده انتي لسانك طويل بقى.  
 
*ليلى*: أنا لساني طويل يا متعجرف؟  
 
*صوفيان بضحك*: مش معقول تكون في طفلة في سنك عارفة الكلام ده. روحي العبي بعيد يا شاطرة.  
 
كادت أن تتحدث ولكنها أجهشت بالبكاء فجأة، فتحدث بقلق:  
 
*صوفيان*: مالك؟ فيكي إيه؟  
 
*ليلى*: أنا مش عارفة ماما فين.  
 
*صوفيان*: طب اهدي، اهدي، هندور على ماما سوا، هنلاقيها.  
 
نظرت له بعيناها اللوزية وهي تمسح دموعها:  
 
*ليلى*: بجد؟  
*صوفيان*: أه والله.  
*ليلى بابتسامة صغيرة*: انت متعجرف بس متعجرف قمر.  
*صوفيان*: وده على كده مدح ولا ذم؟  
 
أشارت بكتفها للأعلى بلا مبالاة تحت نظراته الساخرة. ابتسم فأخذ بيداها يبحثون عن عائلتها حتى وجد أمها تهرول ناحيتهم وتضم فتاتها. انفلت يداها من يداها، ولكنه أبدًا لم ينساها، فقد وقع في حب عيناها اللوزتين.  
 
## 
*_**_**_**_**_**_**_*_ 
*سالم بخفوت وهو يتنحنح*:  
 
*سالم*: اتفضل يا عمي.  
دلف مالك إلى التراس يجلس بهدوء وهو يحتسي الشاي. توجهت نظراته إلى ذلك الذي يعتلي الجانب الآخر بارتباك واضح وبإحراج شديد، ففهم الأمر فتحدث دون النظر إليه، ينظر لسواد الليل المعتم:  
 
*مالك*: هتفضل قاعد في وشي كده كتير؟  
 
*سالم*: أنا...  
 
*مالك*: لو مفكر إني زعلان منك تبقى غبي. بالعكس أنا كنت فخور بيك.  
 
نظر له سالم بدهشة مرددًا باستنكار:  
*سالم*: فخور بيا؟  
 
*مالك*: نظراتك اللي كانت كلها شر وعداوة ليا دي أثبتتلي إن أسامة مكنش لوحده. خوفك ولومك وعتابك ليه لما وقف قدامي عرفني قد إيه انت كنت بتحب أسامة وموجوع عشانه. استعدادك لقتلي وأنا واقف قدامك ده أثبتلي إنك مستعد تفدي نفسك عشان الناس اللي بتحبهم.  
 
وضع كوب الشاي على الطاولة وهو يتطلع له:  
*مالك*: لو فاكر إني زعلت منك تبقى غبي وحمار كمان. أولاً لأن مفيش أب بيزعل من ولاده، ثانيًا أنا مقدر موقفك جدًا. أنا يمكن لو كنت مكانك كنت عملت كده أو أكتر كمان، فأنا مش زعلان منك.  
ابتسم سالم، فتحدث مالك وهو يناول الكوب مرة أخرى يرتشف منه:  
 
*مالك*: بتضحك على إيه؟  
*سالم*: أصل عمران قالي كده.  
 
*مالك بابتسامة*: طب ويا ترى قالك إن الموضوع ده ديه حضن لبابا؟  
 
ابتسم سالم وهو يقترب منه ويحتضنه بقوة، فتحدث بندم وأسف قائلاً:  
 
*سالم*: أنا آسف، حقك عليا يا رب إيدي كانت تتقطع قبل ما تتمد عليك.  
 
ربت على ظهره بحنان أبوي قائلاً:  
 
*مالك*: اقفل الموضوع ومتفتحوش تاني، كفاية نكد. اللي راح راح، الجاي هو اللي بتاعنا.  
 
*عمران بضحك وهو يقتحم مجلسهم هو وأسامة*:  
 
*عمران*: الله على الحكم.  
 
وضع قدمًا فوق الأخرى بتعالٍ وهو يعدل ياقة جاكيته:  
*مالك*: عيب عليك يا بني، أنا جايبها من تحت أوي.  
 
توجهت نظرات سالم لأسامة الذي امتنع عن النظر إليه، مولّيًا له وجهه الناحية الأخرى، فتحدث جاذبًا أطراف الحديث قائلاً بخبث:  
 
*سالم*: أنا بقول نأجل فرح ترتيل وأسامة يا عمي مالك، أصل الظروف اللي احنا فيها دي متسمحش.  
 
نظر له بنظرات حارقة وهو يشير ناحية عمران وهو يكز على أسنانه بغضب:  
 
*أسامة*: سكت أخوك بدل ما أقوم أضربه.  
 
*سالم*: تضرب مين يا حلتها؟ هو عشان معاك حزام أسود يعني هتتفاخر بيه علينا؟  
 
أكمل وهو يضع قدمًا فوق الأخرى بتعالٍ وهو يقترب من مالك قائلاً باستفزاز:  
 
*سالم*: شكلك نسيت مين هو سالم الألفي، الابن الأكبر منك بشهر، لمالك المنشاوي. واجب عليك تحترمني يا ولد انت، فاهم؟  
 
لم ينطق أي كلمة ليعترض، فتشكل الحزن على ملامح سالم. ربت أسامة على كتفه بحنان. مال أسامة على عمران بابتسامة يهمس له:  
 
*أسامة*: حلو كده ولا أتقل كمان؟  
كبت ضحكاته وهو ينظر للضيق الذي يعتلي أسامة لقربه منه، فقال بابتسامة:  
 
*عمران*: لا، حبة كمان شوية. دلوقتي ارجع واضضحك بعلو صوتك كأني قولتلك نكتة.  
 
نفذ تعليماته وهو يبتعد عنه يضحك بقوة، فشعر سالم بغيظ شديد وغيرة على صديقه قائلاً:  
 
*سالم*: خير، ما تضحكونا معاكم ولا ملناش نفس؟  
 
*أسامة*: مش معقول، عمران دمك شربات يا أخي، هموت من الضحك.  
 
لكزه بقدمه بخفة وهو يهمس له قائلاً:  
*عمران*: متأفورش يا غبي.  
كبت مالك ضحكاته فقد فهم ما يدور في خلد أبنائه، فمال على سالم قائلاً:  
*مالك*: العيال دي بيغظوك، صدقني بيشتغلوا دلوقتي عشان يطلعوا أسوأ ما فيك.  
 
شمر ساعديه قائلاً بشر بصوت عالي:  
*سالم*: وماله يا عمي؟ نربيهم.  
تحرك ناحية أسامة الذي هرع يختبئ خلف عمران الذي تحدث بمكر:  
 
*عمران*: قولتلك بلاش مقالب مع ده عشان ده غشيم، ما سمعتش الكلام.  
 
نظر له أسامة بصدمة يحاول تفادي يد سالم التي تحاول أن تستقر على عنقه:  
 
*أسامة*: مش دي كانت فكرتك؟  
*عمران ببراءة*: أنا يا أسامة؟ وأنا بتاع مقالب برضو يا حبي؟  
 
ضحك مالك بكل قوته هو يراقب مزاحهم من بعيد، يسأل الله أن تدوم هذه السعادة والحب بينهم دائمًا. أخذ يراقبهم بحنان أبوي، بينما سالم يركض خلف* أسامة الذي يصيح طالباً النجدة من عمران الذي يراقبهم باستمتاع شديد:  
 
*أسامة بفزع*: خلاص، أبوس إيدك، نفسي اتقطع من كتر الجري.  
 
*سالم*: والله لأضربك انهارده يا أنا يا انت يا ابن المنشاوي.  
 
اتجه أسامة للخارج يتفادى شياطين ذلك الغاضب ولكنه اصطدم بسيلا التي كادت أن تسقط على الأرض للولا تلك اليد التي حاوطت خصرها بقوة. فتحت عيناها فوجدتها تتقابل مع زُرقة عيناه، فابتلعت ريقها بتوتر تحت نظرات الجميع التي تحدق بهم. عدلها سالم بتوتر وهو يبتعد سريعًا ليبادر أدهم بسؤال:  
 
*أدهم*: انتي كويسة؟  
 
أومأت برأسها، فاتجه أسامة ناحيتها قائلاً بخوف:  
 
*أسامة*: حبيبتي انتي كويسة؟ أنا آسف والله مكنتش أقصد... و...  
 
قطع حديثه تلك اللكمة التي استقرت على وجهه. نظر له بغضب كاد أن يردها له لولا صوت عمران الذي تحدث بضيق:  
 
*عمران*: كده واحد واحد، اترزعوا بقى ومتسببوش أضرار تاني. كفاية سيلا كانت هتقع بسببكم.  
 
*مالك بجدية*: اعقلوا شوية وتعالوا اقعدوا.  
 
اتجه الجميع يجلس في مقعده. منح أسامة سالم نظرات متوعدة فبادلها بابتسامة مستفزة، بينما جلست هي تحاول أن تهدئ اضطراب قلبها الذي تمرد عليها للمرة الألف لقربه منها بهذا الشكل. أخذوا يتبادلون الأحاديث جميعًا عدا ذلك الصامت الذي يراقبهم بابتسامة صغيرة على شفته، يشعر باحتراق يحتل قلبه لقربها.  
 
*_**_**_**_**_**_**_*_ 
أعلنت السماء وصول الصباح من خلال صوت العصافير. كانت تقف تعد الفطور في المطبخ للجميع بعدما أصر عمران على الجميع بالمبيت. أخذت تحضر مختلف الأصناف. استيقظت سيلا تبحث عنها فوجدتها في المطبخ فقالت بابتسامة:  
*سيلا*: صباح الخير.  
*ترتيل*: صباح النور، تعالي ساعديني يلا.  
 
اتجهت تساعدها في تحضير الطعام فقالت ترتيل بابتسامة:  
 
*ترتيل*: أنا هنزل انهارده عشان أنقي فستان الفرح، وطبعًا مفيش غيرك اللي هيجي معايا، أدهم هيوصلنا.  
 
*سيلا*: أنا معاكي في أي حاجة يا جميلة. الف مبروك يا حبيبتي، ربنا يهنيكم.  
 
*ترتيل بابتسامة*: عقبالك يا رب ونفرح بيكي.  
 
اكتفت بابتسامة صغيرة تخفي خلفها وجعها الكبير. تحدثت ترتيل مرة أخرى بخبث قائلة:  
 
*ترتيل*: إلا متعرفيش بنوتة تكون كويسة كده؟  
 
*سيلا باستغراب*: ليه؟  
 
*ترتيل*: أهو بقوم بدور الأم وبدور على عروسة لأخويا الشقيق.  
 
فهمت سيلا تلميحاتها فقالت بابتسامة رسمتها بالكاد تخفي ذلك الشعور الذي شعرت به، هل هو غيرة أم ماذا؟ لا، كيف هذا وهي لا تكن لأدهم أي مشاعر، هو فقط أخوها بالنسبة لها، مجرد أخ.  
*سيلا*: لا والله يا ترتيل، لو عرفت بنوتة هبقى أقولك.  
 
*ترتيل بمكر*: يا خسارة، كنت عاوزة أعرفه عليها على إنها صديقتك في الفرح.  
 
ابتسمت سيلا بوجع: إزاي ومكنش في غيرها، بس هي اللي صاحبتي.  
 
*ترتيل*: أنا آسفة والله مقصدتش أفكرك بيها، حقك عليا إن...  
 
قاطعتها قائلة:  
*سيلا*: عادي ولا يهمك، أصلاً مبقاش فارق.  
شعرت ترتيل بالندم لتسرعها في حديثها، فاكتفت بصمت وأخذت تحضر الفطور معها سريعًا.  
*_**_**_**_**_**_**_* 
حل المساء وها هو يقف على منصة الزواج ينتظر عروسته بفارغ الصبر. تأخر الوقت ولم تأتِ. نظر إلى ساعته بتوتر فوجد أنه ينتظرها منذ نصف ساعة. ظن أنها تعدل فستانها أو تتدلع أو ما شابه، ولكنه صُعق حينما نزلت إحدى صديقات العروس تصيح بقلق:  
 
_العروسة مش موجودة في أوضتها، دورت عليها في كل مكان ومش لاقياها._  
 
ألقى بباقة الزهور من يده وهو يصيح بانفعال:  
 
*سليم*: تقصدي إيه يعني؟  
 
_قصدها واضح يا سليم باشا، قصدها إن العروسة مش عاوزاك._  
التفت لذلك الصوت الذي يحفظه عن ظهر قلب، فصُعق حينما وجد مهرة تمسك يد عمران بقوة، وجانبه صوفيان الذي يرتدي بدلة بنية تزيد من وسامته بشكل أنيق. اقترب منهم بغضب عارم قاصدًا مهرة التي اختبأت خلف عمران:  
 
*سليم*: بتعملي إيه معاه؟  
وقف عمران أمامه ببرود يتطلع له بحده وابتسامة باردة يحجب عنه تلك التي تختبئ خلفه. تحدث وهو قاصدًا التركيز على حروفه قبل كلامه قائلاً:  
 
*عمران*: ما سمحلكش تكلم حرم عمران الألفي كده.  
 
ابتسم صوفيان الذي أبعد سليم بيده للوراء بيد واحدة والأخرى بجيبه، متحدثًا بشماتة:  
 
*صوفيان*: اعقل كده، أومال؟ مش أنا قولتلك إني هسلم أختي لعريسها بنفسي؟  


تعليقات