رواية نارين بين الحب والوجع الفصل التاسع عشر
انطلقت السيارات بعيدًا عن القصر، تاركة خلفها سحابة من الغبار، بينما بدأت سيارات حراسة الجد تنتشر في الطرق المحيطة، كأنها تطارد شبحًا لا بد أن تعثر عليه قبل فوات الأوان.
كانت رحلة مجهولة، لم يكن أيٌّ منهم يعرف إلى أين ستقودهم، والوقت يمر كالسيف فوق أعصابهم.
داخل السيارة، ساد صمت ثقيل وخانق. كان عاصم يستند برأسه إلى زجاج النافذة، يراقب أضواء الشوارع وهي تتلاشى بسرعة خلفه.
التفت عاصم نحو مراد فجأة، وقد تحولت نبرة الرجاء في صوته إلى اختناق حقيقي، وعيناه تلمعان بدموع محبوسة:
ـ لازم نلاقيها الأول يا مراد.. أرجوك. لو لقوها قبلنا، جدها مش هيخليني أشوفها تاني أبدًا.
صمت للحظة، وبدا وكأن الكلمات تخنقه في حلقه، قبل أن يغمض عينيه بقهر شديد ويقول بصوت يحمل ألمًا نابعًا من أعماقه:
ـ خصوصًا بعد اللي عملته في الحفلة.
شدّ مراد قبضته على عجلة القيادة، ونظر إلى الطريق الطويل الممتد أمامه، ثم قال بثبات محاولًا تهدئة شقيقه:
ـ إن شاء الله هنلاقيها.. متقلقش.
تنهد عاصم بضيق، ومسح وجهه بكفيه، ثم قال بصوت مكسور:
ـ يارب.. أنا مش مستعد أخسرها.
ظل مراد صامتًا لثوانٍ، يراقب الطريق بينما يعمل عقله بسرعة. لم يعد الأمر مجرد اختفاء عادي، فهناك الآن رجال الجد يبحثون عنها في كل اتجاه، وهم في سباق حقيقي مع الوقت.
وفجأة، التفت بطرف عينه نحو عاصم وقال بتفكير عميق:
ـ عاصم... إيه رأيك في سليم الجارحي؟
رفع عاصم عينيه إليه باستغراب:
ـ سليم؟
أكمل مراد:
ـ أيوه جارنا من زمان. هو دلوقتي في المخابرات، وأكيد يقدر يساعدنا.
انقبضت ملامح عاصم بقلة حيلة، ثم رد بسرعة:
ـ سليم؟! أيوة طبعًا سليم يقدر... بس أنا معرفش رقمه.
أخرج مراد هاتفه بسرعة وقال بحسم:
ـ هو قريب واحد صاحبي.. هجيب رقمه منه حالًا ونكلمه.
اتصل مراد بصديقه المشترك، بينما كان عاصم يراقب شاشة الهاتف بلهفة وقلق ينهشان صدره.
لم تمر سوى ثوانٍ معدودة حتى جاءه الرد، ودار حديث مقتضب وسريع انتهى بإرسال الرقم في رسالة نصية.
نقل مراد الرقم إلى لوحة الاتصال وضغط زر الاتصال فورًا، ثم فتح مكبر الصوت لكي يتابع عاصم معه كل شيء.
تعالت دقات الرنين داخل السيارة، وكل رنة كانت تبدو لعاصم كأنها دهر كامل، حتى فُتح الخط أخيرًا وجاء صوت سليم الجارحي قويًا وحازمًا، تختلط به في الخلفية أصوات ضوضاء خفيفة:
ـ ألو.. مين معايا؟
أخذ عاصم نفسًا عميقًا وقال بلهفة واضحة:
ـ أنا عاصم الرشيد يا سليم.
تغيرت نبرة سليم فورًا، وظهرت الفرحة في صوته، وهتف بحرارة:
ـ عاصم؟! يا أهلاً يا دكتور! فينك من زمان يا راجل؟ أخبارك إيه؟ وإيه الغيبة دي كلها؟
لم يقوَ عاصم على مجاراته في الترحيب، بل خرج صوته مثقلًا بالهموم وبحزن شديد:
ـ سليم... أنا محتاج منك خدمة ضروري.
شعر سليم بنبرة الانكسار والاضطراب في صوت صديقه، فتلاشت الفرحة من نبرته تمامًا، وظهرت الجدية الصارمة في صوته:
ـ في إيه يا عاصم؟ قلقتني. إنت فين دلوقتي؟ وأنا أجيلك.
رد عاصم بقلة حيلة ونَفَس مقطوع:
ـ أنا على الطريق.. إنت اللي فين يا سليم؟
أجابه سليم وهو يتحرك نحو سيارته:
ـ أنا في الشيخ زايد. كنت بقضي مصلحة هنا وخلصت.
التقط عاصم الكلمة بسرعة، وشعر ببارقة أمل بعدما علم أن سليم موجود في نفس المنطقة، فقال بنبرة يملؤها الرجاء:
ـ تمام.. نتقابل في فيلا الرشيد. أسبقنا وإحنا هنحصلك حالًا، مش هنتأخر عليك.
وافقه سليم دون تردد:
ـ تمام يا عاصم، مسافة الطريق وأكون عندك.. متقلقش.
أغلق عاصم الخط، والتفت إلى مراد، بينما تحركت السيارة عائدة نحو فيلا الرشيد بالشيخ زايد.
لم يقل أيٌّ منهما شيئًا، لكن كليهما كان يعرف أن وصول سليم قد يكون نقطة التحول التي يحتاجان إليها للوصول إلى لينا قبل رجال الجد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في منزل سعاد وإبراهيم.
كانت سعاد تجلس بكامل اندماجها أمام شاشة التلفزيون، تتابع أحداث مسلسلها المفضل وتتأثر مع كل مشهد، بينما كانت لينا تجلس بجانبها على الأريكة.
كانت عيناها معلقتين بالشاشة، لكنها في الحقيقة كانت شاردة في دنيا ثانية تمامًا.
صوت الممثلين يمر بجوار أذنها دون أن تفهمه، وعقلها يعيد مرارًا وتكرارًا تفاصيل ليلتها القاسية..
عاصم وهو يطلقها ويطردها من حياته، وجدها الذي قاطعها منذ زمن ولن يهتم بأمرها.
لقد أصبحت وحيدة تمامًا في هذا العالم الصاخب.
وفجأة، دوى صوت إغلاق الباب الخارجي للشقة بعدما فُتح ودخل منه شخص ما.
التفتت الاثنتان معًا بفزع نحو مصدر الصوت، لتجدا إيمان، ابنة سعاد، واقفة في الصالة، وهي تجر حقيبة سفرها وتتنفس بصعوبة، كأنها كانت تجري لمسافة طويلة.
وقعت عينا إيمان فورًا على لينا الجالسة على الأريكة، فتجمدت في مكانها واتسعت عيناها بدهشة عارمة عندما وجدتها ترتدى ملابسها ،
قالت بنبرة حائرة ومستنكِرة:
ـ إيه ده؟! مين دي يا ماما؟ وإيه اللي بيحصل هنا من ورايا؟
نهضت سعاد من مكانها وتقدمت نحو ابنتها مسرعة، ووقفت أمامها واضعةً يديها في خصرها، تنظر إليها بمزيج من الدهشة والتهكم الكوميدي، وقالت بصوت عالٍ:
ـ ومالك داخلة حامية كده ليه يا مقصوفة الرقبة! سيبك من البنت دلوقتي.. إنتِ إيه اللي جابك؟ مش أنا قلتلك تروحي تقعدي عند خالتك اللي تعبانة كام يوم وتساعديها؟ لحقتي جيتي بالسرعة دي؟!
لوحت إيمان بيدها بضيق وقالت بتذمر:
ـ هي مين دي اللي تعبانة يا ماما بس! دي خالتي من ساعة ما وصلت عندها وهي مشغلاني خدامة عندها! وأول ما سمعت إن ابنها راجع من السفر قامت جرت في المطبخ تعمل محشي كرنب وبط، ومقضياها زغاريط مع الجيران! تعبانة إيه دي اللي تخليني أقعد أسبوع أسندها؟ دي صحتها تهد جبل!
لوت سعاد فمها بسخرية كوميدية وقالت:
ـ أخص عليها.. طول عمرها ممثلة وتعمل العمايل وذمتها بريئة! يعني سبتي الست قايمة بالواجب وبتلف محشي وتذبح بط، وجاية تطبي عليا فجأة كأنك كبسة من التموين؟
اقتربت إيمان من سعاد بخطوات بطيئة، وهزت كتفها بخفة، ثم مالت عليها وتحدثت بنبرة هامسة، وعيناها ما زالتا معلقتين بلينا:
ـ سيبك من الكبسة والتموين.. قوليلي يا سوسو، مين المزة اللي قاعدة معاكي دي؟ ومال عينيها حمرا ومنفوخة من العياط كده؟!
نهرتها سعاد بضربة خفيفة على كتفها وهي تبرق لها بعينيها محذرة، ثم سحبتها من يدها قائلة بصوت منخفض:
ـ بس يا مقصوفة الرقبة لمي لسانك.. تعالي معايا المطبخ نشيل الشنطة دي وأنا هفهمك كل حاجة، بلاش البنت تسمعك وهي مش حمل كلمة.
سحبت سعاد ابنتها نحو المطبخ، بينما بقيت لينا جالسة مكانها، تتابعهما بعينين مترددتين، وقد تسللت إلى شفتيها ابتسامة صغيرة رغمًا عنها.
لأول مرة منذ وقت طويل، شعرت أن وجودها في هذا البيت لم يكن ثقيلًا كما كانت تظن.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
توقفت سيارة سليم أمام البوابة الرئيسية لفيلا الرشيد، فتقدم أحد أفراد الحراسة نحو السيارة، بينما خفض سليم زجاج النافذة وقال بهدوء:
ـ أنا سليم الجارحي.. دكتور عاصم مستنيني.
نظر الحارس إليه باحترام، ثم قال:
ـ لحظة يا فندم.
ابتعد الحارس وأجرى اتصالًا سريعًا، وبعد لحظات عاد وأشار له بالدخول:
ـ اتفضل يا فندم.
أومأ سليم برأسه، وتحرك بسيارته إلى الداخل، ثم أوقفها أمام الفيلا وترجل منها.
تقدم نحو المدخل، وضغط على جرس الباب.
لم تمر سوى لحظات حتى فتحت إحدى خادمات الفيلا الباب، ونظرت إليه باحترام، ثم قالت:
ـ مساء الخير يا فندم، حضرتك مين؟
ابتسم سليم بأدب وقال:
ـ مساء النور.. أنا سليم الجارحي، صاحب دكتور عاصم، وهو مستنيني.
أومأت الخادمة برأسها وقالت باحترام:
ـ حاضر يا فندم، لحظة واحدة من فضلك.
ثم دخلت إلى الصالة، بينما ظل سليم منتظرًا عند المدخل.
اقتربت الخادمة من نجاة هانم وقالت باحترام:
ـ نجاة هانم، الأستاذ سليم الجارحي موجود عند الباب، وبيقول إن دكتور عاصم مستنيه.
رفعت نجاة عينيها فورًا، وما إن سمعت الاسم حتى ظهرت على وجهها ابتسامة ترحيب:
ـ سليم الجارحي؟! خليه يتفضل.
عادت الخادمة إلى المدخل، ونظرت إلى سليم قائلة:
ـ اتفضل يا فندم.
دخل سليم إلى الصالة، وما إن وقعت عيناه على نجاة حتى ابتسم باحترام، وتقدم نحوها قائلًا:
ـ السلام عليكم يا نجاة هانم.. وحشتيني والله.
ابتسمت نجاة بسعادة، وقالت وهي تمد يدها لمصافحته:
ـ وعليكم السلام يا حبيبي.. وإنت كمان وحشتني. بس إيه نجاة هانم دي؟! قولي يا نوجة زي زمان.
ضحك سليم بخفة وهو يصافحها:
ـ حاضر يا نوجة.. من عيوني.
ابتسمت نجاة بحنين وهي تشير له بالجلوس:
ـ اقعد يا سليم.. إنت فين من زمان؟ عشر سنين بحالهم من يوم ما إنت وعيلتك نقلتوا من هنا وأنا تقريبًا مشوفتكش!
جلس سليم أمامها وقال بابتسامة:
ـ والله الدنيا أخدتنا.. بس عمري ما نسيت أيام زمان ولا الجيرة الحلوة بينا.
قالت نجاة بحفاوة:
ـ ولا إحنا نسيناك يا حبيبي. البيت كان دايمًا عمران بيك إنت وعاصم ومراد.
ابتسم سليم بحنين:
ـ دي كانت أحلى أيام.
سألته نجاة باهتمام:
ـ وإيه أخبار والدك ووالدتك؟ وعيلة الجارحي كلها عاملة إيه؟
أجابها سليم بابتسامة:
ـ الحمد لله كلهم بخير، ربنا يخليكي يا نوجة.
وبينما كانت نجاة تتحدث معه، هبطت سيلا من درجات السلم المؤدي إلى الصالة، وكانت تتحدث في هاتفها بضيق.
وما إن رأت والدتها تجلس مع رجل غريب حتى أنهت المكالمة فورًا، واقتربت منهما قائلة:
ـ في حاجة يا ماما؟
التفت سليم نحو مصدر الصوت، فتوقفت عيناه عليها.
مرت عشر سنوات كاملة منذ آخر مرة رآها فيها. كانت وقتها فتاة في الثالثة عشرة من عمرها، أما الآن فقد أصبحت شابة جميلة، لكن شيئًا واحدًا لم يتغير؛ تلك الشقاوة التي كان يعرفها جيدًا.
ابتسمت نجاة وقالت بحفاوة:
ـ تعالي يا سيلا.. مش هتصدقى مين ده؟ ده سليم، سليم الجارحي، جارنا القديم وصاحب عاصم!
نظرت سيلا إلى سليم، وما إن وقعت عيناها عليه حتى عرفته فورًا، لكنها تعمدت أن تتظاهر بعدم تذكره.
ـ سليم...؟
ابتسم سليم بمكر:
ـ أيوه.. سليم.
هزت سيلا رأسها ببطء، وقالت ببراءة مصطنعة:
ـ بصراحة.. مش فاكرة.
رفع سليم حاجبه، ثم ابتسم ابتسامة جانبية:
ـ مش فاكرة؟!
ـ لأ.
ضحك سليم:
ـ غريبة.. أنا فاكرِك كويس أوي.
عقدت سيلا حاجبيها بحذر:
ـ فاكرني في إيه؟
ضحك سليم، ثم سند يده على طرف الأريكة القريبة منه:
ـ أهلاً يا سيلا.. كبرتي وبقيتي آنسة ما شاء الله! بس يا ترى لسه مش بتعرفي تمشي بالكعب العالي زي زمان؟
اتسعت عينا سيلا، وعرفت فورًا إلى أين يتجه بكلامه.
لكن سليم لم يمنحها فرصة للهرب، واسترسل وهو يضحك:
ـ فاكرة آخر حفلة عيد ميلاد حضرتها ليكي من عشر سنين؟ لما كنتِ مصممة تلبسي لوحدك ومحدش يساعدك عشان «كبرتي»؟
بدأت ابتسامته تتسع أكثر:
ـ قفلتي على نفسك الأوضة، والمعازيم بره مستنيين نطفي الشمع وإنتِ جوه بتجهزي نفسك!
احمر وجه سيلا قليلًا، لكنها حاولت التماسك:
ـ وبعدين؟
انفجر سليم ضاحكًا:
ـ وبعدين نزلتي!
أشار إليها وهو يضحك:
ـ نزلتي والآيشادو والروج متبهدلين وواصلين لحد حواجبك!
شهقت سيلا:
ـ سليم!
لكنه أكمل غير عابئ باعتراضها:
ـ ولابسة كعب عالي مقاسه أكبر من رجلك بكتير، وعمالة تتهازي يمين وشمال عشان تباني أطول وشابة!
ضحكت نجاة وهي بدأت تتذكر الموقف.
أما سليم فكان قد وصل إلى ذروة ضحكه:
ـ وأول ما وصلتي لآخر السلمة...
توقف لحظة، ثم انفجر ضاحكًا:
ـ رجلك لفت، وروحتي طايرة على وشك قدام المعازيم كلهم! والشوز طار من رجلك ونزل في نص التورتة!
ضحكت نجاة بصوت عالٍ، بينما تجمدت سيلا مكانها من شدة الإحراج.
أكمل سليم وهو يمسح دمعة ضحك من طرف عينه:
ـ وإنتِ جريتي عيطتي فوق! والله كان منظر تاريخي!
اشتعل وجه سيلا من الغيظ، وعقدت ذراعيها أمام صدرها وبدأت تدبدب بقدميها في الأرض بعصبية:
ـ أنت.. أنت إنسان قليل الذوق ورزل ومستفز جدًا على فكرة! وإيه اللي فكرك بالحاجات دي دلوقتي؟!
ثم أسرعت تدافع عن نفسها:
ـ وبعدين الماكياج كان حلو! الإضاءة هي اللي كانت وحشة! والسلم هو اللي كان مزحلق! وأنا موقعتش بسبب الكعب أصلًا!
ضحك سليم أكثر:
ـ آه طبعًا.. السلم هو السبب!
صرخت فيه سيلا:
ـ أيوه! السلم!
ثم أشارت إليه بغضب:
ـ وإنت بالذات كنت قاعد تضحك وتتريق عليا وتغيظني بدل ما تقوم تساعدني! يا فتان يا رزل!
لم يتأثر سليم بثورتها، بل زادته عصبيتها تسلية، فوضع يده في جيب بنطاله وظل يضحك بكل أريحية، مستمتعًا بمشهد سيلا وهي تدبدب بقدميها في الأرض ونظراتها التي تكاد تحرقه.
ضحكت نجاة هانم بشدة وهي تلوح بيدها:
ـ خلاص يا سليم يا ابني، هموت من الضحك! البنت هتشيط من كتر الغيظ.
ثم التفتت إلى سيلا، وقالت وهي تضحك:
ـ بس بصراحة يا سيلا، سليم عنده حق.. يومها الشوز اللي طار في التورتة كان منظر ما يتنسيش!
ـ ماما!
زادت سيلا دبدبة بقدميها بغيظ، واشتعلت عيناها من ضحكات سليم ونجاة المستمرة.
ثم أخذت تبحث بعينيها عن شقيقها عاصم، وكأنها تتمنى ظهوره في أسرع وقت لينقذها من هذا الجار المستفز الذي عاد بعد عشر سنوات ليقلب مواجع مراهقتها ويهدم كبرياءها في دقائق.
وفي تلك اللحظة، انقطعت مشاكسة سليم لسيلا بظهور دكتور عاصم الذي أقبل من الممر المؤدي إلى الصالة، ويليه شقيقه مراد.
كان عاصم واجمًا، وعيناه تحملان نظرة مجهدة، وهالات سوداء تشي بقلة النوم، وبدا في حالة يرثى لها من فرط حزنه وهمّه على زوجته، لدرجة جعلته عاجزًا عن الابتسام أو حتى بدء الكلام.
ما إن وقع بصر سليم عليه ورأى حالته تلك، حتى تلاشت ابتسامته المستفزة لثوانٍ، وحلّت مكانها نظرة قلق صادقة.
تقدم سليم بخطوات سريعة نحو عاصم، ومد يده ليصافحه بحرارة، ثم عانقه بوفاء، وهو يربت على ظهره بقوة، كأنه يواسيه دون كلمات.
ابتعد سليم عنه، ثم التفت نحو مراد الذي كان يقف خلف شقيقه، ومد يده ليصافحه هو الآخر بقوة وشوق:
ـ أهلاً يا مراد.. وحشتني جدًا، عامل إيه وأخبارك إيه؟
رد عليه مراد بترحيب حار، وهو يشد على يده ويهزها بحفاوة:
ـ الحمد لله يا سليم، إنت اللي واحشنا جدًا.. والبيت كله نور بوجودك يا غالي. بقالنا كتير مجمعناش مكان واحد.
وفي غمرة هذا السلام، استغل مراد الفرصة ليلتفت نحو شقيقته الصغرى سيلا، ليفاجأ بها واقفة كالصنم، وعيناها تلمعان بشرر الغيظ، بينما صبغ الاحمرار وجنتيها بالكامل من شدة الإحراج.
ضحك مراد بفضول وسألها:
ـ مالك يا سيلا؟ وشك قالب طماطم كده ليه ومتنرفزة؟
وقبل أن تفتح فمها لتدافع عن نفسها، عادت النبرة المشاكسة لسليم، الذي التفت نحو مراد ولمعت في عينيه خباثة مستفزة، ثم قال بابتسامة ماكرة:
ـ أبدًا يا مراد.. كنا بس بنفتكر ذكريات عيد ميلادها الـ13!
ما إن سمع مراد الكلمتين حتى قفز المشهد القديم في عقله، وقال بتسلية:
ـ أوه! الشوز الطائر؟ دي كانت حفلة تاريخية!
وفي ثانية واحدة، انفجر مراد وسليم في الضحك هما الاثنان، وعلت قهقهتهما لترن في أرجاء الصالة بأريحية شديدة.
هنا وصلت سيلا إلى ذروة غليانها، وشعرت أن أعصابها لن تتحمل المزيد من الإحراج؛ فرمقتهما بنظرة نارية متوعدة، ووجهها محروق من الكسوف الشديد.
لم تحتمل البقاء ثانية واحدة، فاستدارت بحدة وركضت صاعدة درجات السلم إلى الأعلى، هاربة إلى غرفتها لتداري خجلها الطاغي.
في هذه الأثناء، ظل دكتور عاصم واجمًا في مكانه، ولم تحرك هذه الضجة ساكنًا في ملامحه الحزينة، بل نظر إلى أخيه وصديقه بعتاب حاد ونبرة لائمة صامتة؛ فحالته لم تكن تسمح بالضحك أو الهزار.
لاحظ مراد وسليم نظرة عاصم المتألمة والمنزعجة، فتوقفا عن الضحك فورًا، وحلّ الصمت على الصالة، وشعرا بأسف صادق لأن خفة دمهما لم تراعِ انكساره.
خفض سليم عينيه وقال بأسف حقيقي:
ـ أنا آسف يا عاصم.. مجاش في بالي والله، حقك عليا.
قطع عاصم الكلام بنبرة هادئة وجادة، محاولًا التركيز في الأمر الأهم:
ـ يلا بينا نتكلم في المكتب.
تحرك الثلاثة متوجهين نحو غرفة المكتب، حينها نادتهم نجاة هانم بابتسامة أمومة حنونة وجهتها لسليم:
ـ سليم.. هتتغدى معانا طبعًا مش هقبل أعذار، مش هتمشى قبل الغدا.
التفت سليم نحوها على الفور، وابتسم باحترام:
ـ طبعًا يا نوجة ... وأنا أقدر أقول لأ؟
ابتسمت نجاة بارتياح، بينما قادهم عاصم برفقة مراد وسليم إلى غرفة المكتب.
دخلوا معًا، وأغلق مراد الباب خلفهم، ليخيم على المكان هدوء ثقيل.
جلس عاصم خلف مكتبه بخطوات مجهدة، وأسند رأسه بين كفيه، بينما جلس سليم ومراد في المقابل.
وبدأ عاصم يحكي لسليم كل ما حدث.
في الأعلى، كانت سيلا تسير في غرفتها ذهابًا وإيابًا، ووجهها لا يزال مشتعلًا باللون الأحمر من كثرة الغيظ.
أخذت تتوعد سليم في سرها، وهي تضغط على وسادتها بعصبية، وتفكر في طريقة ترد بها اعتبارها وتنتقم من هذا الجار المستفز الذي أحرجها أمام الجميع.
وفي الأسفل، داخل غرفة المكتب، كان سليم يستمع إلى عاصم باهتمام شديد، بينما كان مراد يتابع الحديث بصمت.
وبعد أن انتهى عاصم من سرد ما حدث، تنهد سليم بعمق، ثم وضع يده على كتف صديقه برفق، وقال بنبرة مطمئنة:
ـ خلاص.. متقلقش، هنلاقيها إن شاء الله.
أمسك سليم هاتفه، وابتعد قليلًا عنهم، ثم أجرى عدة اتصالات متتالية، تحدث خلالها بكلمات مقتضبة وحاسمة، طالبًا من رجاله بدء البحث عن لينا في سرية تامة.
كان رجاله مدربين على أعلى مستوى، ويتحركون بسرعة ودقة، وكل واحد منهم تولى مسارًا مختلفًا للبحث عنها دون إثارة أي انتباه.
أما عاصم، فظل جالسًا خلف مكتبه يراقبه بصمت، وكأن آخر خيط من الأمل يتعلق الآن بتلك المكالمات.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مرت ساعات طويلة وثقيلة من البحث المكثف والسرّي، بينما كانت عقارب الساعة تتحرك ببطء قاتل، دون أن تحمل أي خبر عن لينا.
تنقلت فرق البحث بين الأماكن التي يُحتمل أن تكون قد لجأت إليها، وتابع رجال سليم كل خيط ظهر أمامهم، لكن شيئًا لم يقُدهم إليها.
لم يتركوا مكانًا محتملًا دون تفتيش أو سؤال، حتى الأماكن التي يصعب الوصول إليها، لكن لينا بدت وكأنها اختفت من الوجود.
وكأن الأرض انشقت وابتلعتها.
وفي قصر الجد والجدة، خيّم صمت ثقيل على المكان، بعدما تحولت حالة الاستنفار الأولى إلى قلق حقيقي ينهش قلوب الجميع.
كان الجد يجلس في مكانه، والهاتف بين يديه، وقد بدأ صبره ينفد من كثرة الانتظار.
أما الجدة، فكانت تجلس إلى جواره، ويداها متشابكتان أمام صدرها، وعيناها لا تفارقان وجه زوجها، بينما كانت تتمتم بالدعاء بصوت مرتجف:
ـ يا رب رجّعها لنا بالسلامة.. يا رب احفظها يا رب.
وكانت ياسمين تجلس بالقرب منها، تحاول التماسك وتهدئتها، رغم أن القلق كان ينهش قلبها هي الأخرى.
مرّت دقائق أخرى دون أي خبر.
نظر الجد إلى هاتفه بضيق، ثم لم يعد يحتمل الانتظار، فضغط على اسم ممدوح واتصل به للمرة التي لم يعد يتذكر عددها من كثرة اتصالاته به طوال الساعات الماضية.
لم تمر سوى لحظات حتى جاءه الرد:
ـ أيوه يا جدي.
قال الجد فورًا بنبرة حادة يغلب عليها القلق:
ـ وصلتوا لإيه يا ممدوح؟
ساد الصمت للحظات في الطرف الآخر، ثم جاء صوت ممدوح متعبًا ومثقلًا بالإحباط:
ـ يا جدي.. إحنا لسه موصلناش لأي حاجة. فتشنا كل الأماكن اللي توقعنا إنها ممكن تكون راحت لها، وسألنا كل اللي ممكن يكونوا شافوها.. حتى المستشفيات دورنا فيها واحدة واحدة، ومفيش أي أثر ليها.
اشتدت ملامح الجد، وسأل بسرعة:
ـ يعني إيه مفيش أثر؟! دورتوا في كل مكان؟
ـ أيوه يا جدي.. كل الأماكن اللي قدرنا نوصل لها، ومفيش نتيجة.
ثم أضاف ممدوح بأسف:
ـ كأنها اختفت تمامًا.. مش عارفين نلاقي أي خيط يوصلنا ليها.
أغلق الجد عينيه للحظة، وأخذ نفسًا عميقًا محاولًا السيطرة على غضبه، ثم قال بصوت حاسم:
ـ كمّل البحث يا ممدوح.. متوقفش لحد ما تلاقيها.
ـ حاضر يا جدي.
ـ وأول ما يظهر أي خيط، حتى لو بسيط، كلمني فورًا.
ـ حاضر يا جدي.
أنهى الجد المكالمة، وظل ممسكًا بالهاتف لثوانٍ، قبل أن يضرب بيده بقوة على سطح الطاولة.
انتفضت الجدة في مكانها، بينما رفعت ياسمين عينيها إليه بقلق.
صاح الجد بصوت غاضب اختلط فيه القلق بالعجز:
ـ يعني إيه مش لاقيينها؟! هتروح فين يعني؟! الأرض اتشقت وبلعتها؟!
ثم سكت للحظات، وانخفض صوته رغمًا عنه، وكأن فكرة مخيفة تسللت إلى عقله:
ـ يا ترى... تكون حفيدتي راحت مني للأبد؟
شهقت الجدة، وانهمرت دموعها وهي تضع يدها على قلبها:
ـ متقولش كده يا بهاء.. متقولش! لينا هترجع، أنا حاسة إنها هترجع.
ثم رفعت عينيها إلى السماء ودعت بصوت مكسور:
ـ يا رب.. يا حبيبتي يا لينا.. يا رب ما يكون حصل لها حاجة.
اقتربت منها ياسمين سريعًا، وأمسكت بيدها محاولة تهدئتها، لكن دموعها كانت تنهمر هي الأخرى:
ـ هترجع يا تيتا.. إن شاء الله هترجع، متخافيش.
ظل الجد واقفًا في مكانه، يتنفس بغضب، لكن خلف ذلك الغضب كان هناك خوف حقيقي بدأ ينهش قلبه.
لأول مرة، لم يعد غاضبًا من اختفاء لينا...
بل أصبح خائفًا من أن يكون قد فقد حفيدته إلى الأبد.
