رواية نارين بين الحب والوجع الفصل العشرون 20 بقلم ليلي طاهر


 رواية نارين بين الحب والوجع الفصل العشرون 

في فيلا الرشيد...

قالت نجاة للخادمة:
ـ تحية، جهزي الغدا وابعتِي حد ينادي سيلا.

ـ حاضر يا هانم.

صعدت الخادمة إلى الطابق العلوي، بينما كانت سيلا تجلس فوق سريرها، تمسك وسادة بين ذراعيها وتضغط عليها بغيظ، وهي تتمتم:

ـ أنا ليه سكت له؟! كان لازم أرد عليه... إنسان مغرور ومستفز! ولا ماما كمان عمالة تضحك له وسايباه سايق فيها! أنا لازم أنتقم منه.

وقبل أن تكمل حديثها مع نفسها، دوى طرق خفيف على الباب.

ـ سيلا هانم؟

ـ ادخلي.

دخلت الخادمة وقالت باحترام:

ـ نجاة هانم بتقول لحضرتك الغدا جاهز.

رفعت سيلا رأسها وسألت بسرعة:

ـ هو الضيف اللي هنا مشي ولا لسه؟

ـ لسه موجود يا هانم.

ـ طب روحي... وأنا نازلة.

خرجت الخادمة، بينما عادت سيلا للتمتمة:

ـ هو كمان هيتغدى؟! ناقص يبات هنا كمان!

اتسعت عيناها فجأة، وكأنها استوعبت للتو ما قالته.

ـ يبات؟!

وضعت يدها على فمها، ثم قالت بغيظ:

ـ والله نجاة تعملها وتخليه يبات... أصله حبيبها من زمان!

قفزت من فوق السرير وقالت بحسم:

ـ لأ، أنا لازم أنزل ألحق أطرده قبل ماما ما تقنعه يبات!

لكنها توقفت فجأة، ونظرت إلى ملابسها.

ـ لا... أنا لازم أغير الأول.

اتجهت إلى خزانتها وبدأت تقلب بين ملابسها، ثم عقدت حاجبيها بضيق.

ـ مش معقول أنزل كده! أول مرة شافني مكنتش أعرف إنه موجود أصلًا... المرة دي لازم ألبس وأجننه، عشان يعرف قد إيه أنا جميلة ويبطل تريقة عليا.

ظلت تبحث بين ملابسها، ورغم امتلاء الخزانة، لم تجد شيئًا يرضيها.

ـ إيه ده؟! هدومي كلها حاسة إنها مفيهاش حاجة مناسبة!

زفرت بضيق، ثم قالت:

ـ أنا كده لازم أنزل أعمل شوبنج.

وبعد دقائق، وقفت أمام المرآة ترتدي تنورة جلدية سوداء قصيرة، وتوبًا أبيض مطبوعًا عليه شفاه كبيرة، وصندلا أسودا بكعب رفيع، تتشابك شرائطه حول ساقها حتى الركبة.

وضعت لمسات بسيطة من مستحضرات التجميل، ثم رفعت عينيها إلى المرآة.

تأملتها للحظات، قبل أن ترتسم على شفتيها ابتسامة راضية.

ـ أيوه كده... دلوقتي نشوف بقى يا أستاذ سليم هتتريق عليا إزاي.

ثم التقطت حقيبتها وهبطت الدرج بثقة.

كان الجميع ملتفين حول مائدة الطعام، وما إن ظهرت سيلا حتى انتشر عطرها الفرنسي في المكان.

لكنها ما إن وصلت إلى آخر الدرجات، حتى توقفت للحظة عندما وقعت عيناها على سليم الجالس على كرسيها المفضل.

تمتمت بغيظ:

ـ وكمان قاعد مكاني!

في تلك اللحظة، التقط سليم صوت خطوات كعبها، فرفع عينيه نحو الدرج.

وما إن رآها حتى سكت للحظة، بينما وصلت إليه رائحة عطرها.

ارتسمت على شفتيه ابتسامة جانبية خفيفة.

تقدمت سيلا وجلست على الكرسي الفارغ بجوار مراد، وكان في مواجهة سليم تمامًا.

لاحظت نجاة نظراته، فابتسمت وقالت:

ـ قولي يا سليم يا حبيبي، إنت اتجوزت ولا لسه؟

ابتسم سليم، وألقى نظرة سريعة نحو سيلا قبل أن يجيب:

ـ لا يا نوجة، أصل لسه ملقتش واحدة تدخل دماغي وتستاهل تكون حرم سليم الجارحي.

نظرت إليه سيلا بغيظ، ثم أنزلت عينيها إلى طبقها وتمتمت بصوت خافت:

ـ فاكر إن فيه واحدة ترضى بيه أصلًا... مغرور.

سمعها سليم، لكنه تعمد ألا يعلق.

قالت نجاة:

ـ بس يا حبيبي، إنت خلاص دخلت في التلاتين، لازم تستقر.

نظر سليم إليها بابتسامة هادئة:

ـ قريب إن شاء الله.

ثم أخذ محرمة ومسح بها فمه ويديه، وقال:

ـ سفرة دايمة يا نوجة.

ابتسمت نجاة:

ـ صحتين وهنا يا حبيبي... بس إنت ماكلتش حاجة!

ضحك سليم:

ـ المرة الجاية هبقى عامل حسابي ومش هكون واكل قبل ما أجي.

كان عاصم طوال الوقت يقلب الطعام في طبقه بشرود، دون أن يتناول منه شيئًا.

لاحظ سليم حالته، فاختفت ابتسامته تدريجيًا.

أخذ عاصم المحرمة ومسح بها يديه وفمه، ثم قال:

ـ يلا يا سليم... نشوف رجالتك عملت إيه.

أومأ سليم، ونهض معه.

في حديقة الفيلا...

أخرج سليم هاتفه واتصل بأحد رجاله، وسأله بلهجة حازمة:

ـ وصلتوا لإيه؟

استمع إلى الرد لثوانٍ، ثم عقد حاجبيه.

ـ لسه؟!

صمت قليلًا، ثم قال:

ـ كثفوا البحث، ووسعوا نطاقه. متسيبوش مكان محتمل من غير ما تدوروا فيه.

أنهى المكالمة، ثم التفت إلى عاصم.

كان الأخير واقفًا أمامه بعينين مرهقتين، وكأن الساعات الماضية مرت عليه كأنها سنوات.

اقترب سليم منه ووضع يده على كتفه.

ـ متخافش يا عاصم... هنلاقيها إن شاء الله.

رفع عاصم عينيه إليه، لكن القلق لم يفارق ملامحه.

قال سليم:

ـ أنا هستأذن دلوقتي، وهفضل على اتصال بيك باستمرار. وأول ما يظهر أي خيط هبلغك فورًا.

أومأ عاصم بصمت.

غادر سليم الفيلا، بينما ظل عاصم واقفًا مكانه للحظات، يحدق في الطريق الذي اختفت فيه سيارة صديقه.

حل الليل...

ورغم استمرار البحث في كل الاتجاهات، لم يصل أي منهم إلى شيء.

لا أثر للينا.

ولا خيط واحد يقود إليها.

في قصر المصري...

كانت الجدة تجلس بجوار بهاء، وقد نفد صبرها تمامًا.

قالت بقلق وغضب:

ـ وبعدين يا بهاء؟! هنفضل حاطين إيدنا على خدنا، ومش عارفين البنت فين؟

ظل الجد صامتًا، فلم يجد ما يرد به.

انفجرت الجدة فيه:

ـ إنت السبب يا بهاء! لو مكنتش طردتها وحرمتها مننا، كانت لجأت لنا!

ثم أشارت إليه بيد مرتجفة:

ـ أنا لو حصل لها حاجة... مش هسامحك. فاهم؟

نظر إليها بهدوء مؤلم، لكنها لم تمنحه فرصة للرد.

التفتت إلى ياسمين الجالسة بجوارها وقالت:

ـ ياسمين... خديني على أوضتي.

نهضت ياسمين على الفور، وأسندت ذراع جدتها، وغادرتا معًا.

ظل بهاء جالسًا في مكانه.

كانت كلماتها تتردد داخل رأسه بلا رحمة:

"إنت السبب."

أغمض عينيه، ثم ضغط قبضته بقوة حتى ابيضت مفاصل أصابعه، وقال بغيظ وألم:

ـ عاااصم...

عند ممدوح...

كانت إحدى سيارات البحث متوقفة على جانب الطريق، بينما تجمع ممدوح مع رجاله.

قال أحدهم بإرهاق:

ـ أنا كده أقدر أقول إننا مسحنا القاهرة... مفيش أثر. ممكن تكون راحت محافظة تانية.

ضرب ممدوح بيده على عجلة القيادة بعصبية وقال:

ـ يعني هتكون راحت فين؟!

ثم صمت للحظات يفكر، قبل أن تتسع عيناه وكأنه تذكر شيئًا.

ـ استنى...

نظر إليه رجاله.

قال بسرعة:

ـ طنط زيزي!

اقترب منه محمود، رئيس الحرس:

ـ مين؟

ـ صاحبة عمتي الله يرحمها... لينا بتحبها أوي، وكانت قريبة منها جدًا.

ثم التفت إلى رجاله بحسم:

ـ إنتوا الاتنين تعالوا معايا، هننزل إسكندرية دلوقتي.

ثم أشار إلى محمود:

ـ إنت تولى مسؤولية البحث هنا في القاهرة وعلى حدودها، ولو ظهرت أي معلومة، بلغوني فورًا.

ـ حاضر يا ممدوح بيه.

تحرك ممدوح مسرعًا نحو السيارة.

ولأول مرة منذ ساعات، شعر أن أمامه خيطًا حقيقيًا قد يقوده إلى لينا.

في منزل سليم...

كان سليم مستلقيًا على سريره، يحاول النوم، لكنه كلما أغمض عينيه ظهرت سيلا أمامه.

تذكر عطرها وكأنه ما زال عالقًا في المكان.

وتذكر طلتها وهي تهبط الدرج، ثم زفر بضيق وهو يقلب جسده على الجانب الآخر.

ـ إيه الحكاية دي؟ مش بتغيب عن بالي ليه؟

سكت لحظة، ثم تذكر عصبيتها ودبدبتها بقدميها وهي تحاول إخفاء إحراجها، فارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة.

هز رأسه وقال لنفسه:

ـ مجنونة...

ثم أضاف وهو يغمض عينيه:

ـ وشكلك هتجننيني معاكي.

أما عاصم...

فلم يستطع النوم هو الآخر.

ظل مستلقيًا على سريره، وعقله يعيد أمامه كل لحظة جميلة عاشها مع لينا...

ابتسامتها.

صوتها.

نظراتها.

وكل التفاصيل الصغيرة التي لم يدرك قيمتها إلا بعدما فقدها.

لكن سرعان ما تبدلت الصورة في ذهنه، وظهرت أمامه ليلة الحفلة...

كلماته القاسية.

نظراتها المنكسرة.

دموعها.

ثم اللحظة التي طردها فيها من حياته.

أغمض عينيه بألم، وهمس:

ـ يا رب ألاقيكي يا حبيبتي...

سكت للحظات، ثم تنهد بوجع:

ـ يا رب أعرف أصالحك... وتسامحيني.

وصل ممدوح إلى الإسكندرية، وتوجه مباشرةً إلى منزل طنط زيزي.

ألقى نظرة إلى الساعة في معصمه، ثم زفر بضيق، فقد كان الوقت قد تأخر كثيرًا، مما جعله يتردد للحظات قبل أن يصعد إلى شقتها، لكنه لم يكن يملك خيارًا آخر.

التفت إلى حراسه وقال:

ـ خليكم هنا... أنا هطلع أسأل بسرعة ونازل.

أومأ الرجال، بينما اتجه ممدوح إلى مدخل العقار وصعد الدرج مسرعًا.

وما إن وصل إلى باب الشقة حتى توقف للحظة مترددًا في رن الجرس، لكنه في النهاية ضغط عليه.

انتظر قليلًا...

لم يستجب أحد.

زفر بضيق، فقد كان يعلم أن الوقت متأخر، وربما كان الجميع نائمين.

ضغط على الجرس مرة أخرى، لكن هذه المرة أبقاه مضغوطًا لثوانٍ.

وبعد لحظات، جاءه صوت امرأة من خلف الباب:

ـ مين؟

أجاب ممدوح بسرعة:

ـ أنا ممدوح شاكر المصري.

فُتح الباب على الفور، وظهرت زيزي أمامه بملامح يغلب عليها النعاس والاستغراب.

ـ ممدوح؟! في إيه يا حبيبي؟ جاي في الوقت المتأخر ده ليه؟

قال ممدوح باعتذار:

ـ أنا آسف يا طنط، والله ما كنت هاجي في الوقت ده... بس كان لازم أسألك عن حاجة مهمة.

ابتسمت زيزي بحنان:

ـ لا يا حبيبي، ولا يهمك... ادخل.

لكنه لم يتحرك، وسألها مباشرة:

ـ طنط زيزي... لينا مجتش عندك؟

تبدلت ملامح زيزي إلى الاستغراب.

ـ لينا؟! لا يا حبيبي، بقالى فترة مشوفتهاش... بس إزاي؟ هي مش عند جوزها؟

هز ممدوح رأسه بالنفي، وعندها شعر وكأن آخر أمل كان متعلقًا به قد انهار.

ارتخت كتفاه، وتراجعت خطواته قبل أن يجلس على أقرب مقعد أمام الباب.

نظرت إليه زيزي بقلق، وقالت:

ـ مالك يا ممدوح؟ حصل إيه؟

رفع ممدوح عينيه إليها، وقال بصوت مثقل بالقلق:

ـ لينا اختفت يا طنط... ومحدش عارف هي فين.

اتسعت عينا زيزي بصدمة:

ـ اختفت؟!

أومأ ممدوح بصمت، بينما ظل ينظر أمامه بشرود، وكأن الكلمات نفسها أثقلت صدره.

كانت طنط زيزي آخر أمل علّق عليه ممدوح آماله في العثور على لينا، لكن الآن... لم يعد يملك أي خيط يقوده إليها.

ظل صامتًا للحظات، ثم نهض من مكانه وقال:

ـ معلش يا طنط إني قلقتك في الوقت ده... لو افتكرتي أي حاجة أو لينا كلمتك، حتى لو كانت حاجة بسيطة، لازم تبلغيني فورًا.

أومأت زيزي بقلق:

ـ حاضر يا حبيبي، بس طمني عليها... لينا غالية عندي أوي.

ابتسم ممدوح ابتسامة باهتة وقال:

ـ إن شاء الله هنلاقيها.

ودعها، ثم هبط الدرج وعاد إلى سيارته.

بعد دقائق، انطلقت السيارات في طريق العودة إلى القاهرة، بينما جلس ممدوح في المقعد الأمامي صامتًا، يحدق في الطريق بشرود، وعقله لا يتوقف عن التفكير في مكان يمكن أن تكون لينا قد ذهبت إليه.

لكن هذه المرة... لم يكن لديه أي خيط.

مرّت ساعات الليل ثقيلة على الجميع، واستمر البحث حتى الساعات الأولى من الصباح، دون أن يظهر أي أثر للينا.

كان ممدوح لا يزال في طريق العودة إلى القاهرة، بينما واصل رجاله البحث في كل اتجاه.

حتى أشرقت شمس الصباح...

ليبدأ يوم جديد، وما زال السؤال نفسه يطارد الجميع:

أين لينا؟

بعد ساعات طويلة من السهر، غلب عاصم النوم أخيرًا مع خيوط الفجر الأولى.

كان نومًا هاربًا لم يمنحه الراحة، بل أشبه بغيبوبة مؤقتة من شدة الإرهاق النفسي والجسدي.

ما إن فتح عينيه المرهقتين حتى شعر بثقل يجثم فوق صدره.

مد يده إلى هاتفه، والتقطه بلهفة، ثم ضغط مباشرة على اسم سليم، صديقه الذي تولى مهمة البحث عنها، آملًا أن يحمل له الصباح أي خبر عن لينا.

وضع الهاتف على أذنه، واعتدل في جلسته بصعوبة، بينما كان التوتر ينهش قلبه.

ما إن أتاه صوت سليم حتى هتف عاصم بنبرة متحشرجة، يملؤها القلق والخوف:

ـ إيه يا سليم؟ طمني... وصلت لأي خيط؟ عرفت مكانها؟

أتاه صوت سليم هادئًا، يحاول أن يخفف عنه:

ـ اهدى يا صاحبي، رجالتنا مقلوبين عليها في كل مكان، والبحث شغال في كل المستشفيات والمحطات... إن شاء الله هنلاقيها، اهدى أنت بس.

أغمض عاصم عينيه بقوة، وشعر بكسرة تعتصر قلبه.

ـ مش قادر يا سليم... مش قادر.

صمت سليم للحظات، ثم قال:

ـ هتلاقيها يا عاصم، متفقدش الأمل.

أنهى عاصم المكالمة، وأبعد الهاتف عن أذنه، بينما كان الضيق يكاد يخنقه.

ولم يكد يضع الهاتف على الكوميدينو حتى دوّى رنين إشعار جديد.

توقفت يده في الهواء.

عقد حاجبيه، ونظر إلى الشاشة التي أضاءت وسط سكون الصباح.

كانت الرسالة من رقم مجهول.

فتحها، فتجمدت عيناه أمام كلمات قصيرة:

«شوف فضيحتك الحقيقية... إنت ظلمتها!»

انقبض قلبه فجأة.

ظل يحدق في الرسالة لثوانٍ، ثم لمح رابطًا مرفقًا بها.

ضغط عليه بأصابع مرتعشة.

فتحت أمامه صفحة على أحد مواقع التواصل الاجتماعي، وكان مقطع فيديو منتشرًا بشكل واسع، يتصدر المنشورات، وقد كُتب فوقه:

🚨 «الجانب المظلم من "جلاد الإعلام"... شاهدوا ماذا فعل!» 🚨

لكن عاصم لم يهتم بالعنوان.

صورة الغلاف كانت كافية لتسلبه أنفاسه.

كانت لينا.

ضغط على تشغيل الفيديو.

وبدأ كل شيء...

ظهر حفل عيد ميلاده.

الحضور.

الهدية.

ثم ظهرت لينا أمامه.

ظل عاصم يحدق في الشاشة، وعيناه لا تتحركان عنها.

رأى نفسه وهو يواجهها بغضب.

رأى يده وهي ترتفع.

ثم رأى الصفعة وهي تهوي على وجهها أمام الجميع.

اتسعت عيناه.

توقف نفسه للحظة.

لكنه لم يوقف الفيديو.

ظل يشاهد.

سمع صوته وهو يوجه إليها الاتهامات القاسية، ورأى نظراتها المرتبكة، ودموعها التي انهمرت وهي لا تفهم لماذا يعاقبها.

ثم جاءت اللحظة التي نطق فيها بالكلمة التي مزقت حياتهما:

ـ إنتِ طالق.

ارتجفت شفتا عاصم.

ظل يحدق في لينا، وكأنه يراها للمرة الأولى.

لم تكن نظرات خيانة.

لم تكن نظرات ذنب.

كانت نظرات فتاة مكسورة... مصدومة... لا تفهم ماذا يحدث لها.

هو لم يمنحها فرصة واحدة لتدافع عن نفسها.

لم يسمعها.

لم يصدقها.

ضربها أمام الجميع، وحطم كرامتها، ثم طردها من حياته.

سقط الهاتف من يده وارتطم بالمكتب.

تراجعت الدماء من وجهه، وأصبح شاحبًا كالموت.

رفع يديه إلى رأسه، وجذب شعره بعنف، وانهمرت الدموع من عينيه دون أن يشعر.

ـ لأ...

خرجت الكلمة من بين شفتيه مكسورة.

ـ لأ... لأ يا رب!

التفت حوله بعينين زائغتين، وكأنه يبحث عنها في أرجاء المكتب.

لكن المكان كان فارغًا.

لا وجود للينا.

ولا لصوتها.

ولا لابتسامتها.

فقط صدى الماضي يطارده.

التقط الهاتف مرة أخرى، وأعاد تشغيل الفيديو.

هذه المرة لم يستطع النظر إلى وجهه.

كانت عيناه معلقتين بها وحدها.

وعندما انتهى المقطع، ظل صامتًا للحظات، قبل أن يهمس بصوت مرتجف:

ـ إنتِ كنتِ بريئة...

أغمض عينيه بقوة، وانحدرت دمعة أخرى على خده.

ـ وأنا... أنا اللي ظلمتك.

ثم رفع رأسه فجأة، وكأن فكرة واحدة ضربته في تلك اللحظة.

أين لينا الآن؟

ماذا حدث لها بعد أن خرجت من الحفلة؟

هل كانت وحدها؟

هل أصابها مكروه؟

تسارعت أنفاسه، وأمسك الهاتف بيد مرتعشة، ثم ضغط على اسم سليم.

وقبل أن يرد عليه، قال عاصم بصوت حاسم اختلط فيه الندم بالخوف:

ـ سليم... لازم نلاقي لينا قبل أي حد.

صمت لحظة، ثم أضاف بصوت متهدج:

ـ لازم ألاقيها... مهما حصل.

وفي الجانب الآخر، داخل قصر المصري...

كان الجد يجلس في مكتبه الفخم، وعلامات القلق والهم تملأ وجهه منذ اختفاء حفيدته وقطعة من قلبه.

كان يقلب مسبحته بين أصابعه بضيق، حتى قطع سكون القصر صوت رنين إشعار لرسالة عاجلة وصلت إلى هاتفه الخاص.

التقط الهاتف ببرود لم يدم طويلًا، فما إن وقعت عيناه على كلمات الرسالة حتى تجمدت أنفاسه.

كانت الرسالة من رقم مجهول، وقد كُتب فيها:

«شوف حفيدتك لينا جرى لها إيه يوم حفلة عاصم... الفيديو قالب الدنيا تريند!»

انقبض قلب الجد بنذير شؤم، وبأصابع مرتعشة ضغط على الرابط المرفق، ثم ثبت نظره على الشاشة.

وفجأة، ساد صمت رهيب في أرجاء المكتب.

صمت ثقيل، تبدلت خلاله ملامح الشيخ الطاعن في السن أمام عينيه؛ من ذهول وصدمة، إلى غضب أسود لم يشهده أحد فيه طوال حياته.

احمرّ وجهه بشدة، وبرزت عروق جبهته، بينما اشتعلت عيناه بالقهر والغضب.

لم يحتمل إكمال المشهد.

قبض على الهاتف بكل ما أوتي من قوة، وضربه بحافة المكتب الخشبي بعنف، فتحطم جزء من شاشته وتناثرت بعض الشظايا فوق سطح المكتب.

نهض من مقعده، وهو ينتفض من شدة الغضب، ثم ركل المقعد خلفه ليسقط أرضًا.

أمسك عصاه الخشبية وضغط عليها بقوة، حتى ارتجفت أصابعه حولها.

ثم خرج صوته مخيفًا، يحمل غضبًا ووعيدًا واضحًا:

ـ قسماً بعزة جلال الله... ما هرحمك يا عاصم. وحياة كل وجع كسر حفيدتي، لتدفع الثمن غالي... غالي قوي. فاكر إنها ملهاش ضهر؟ يبقى لسه متعرفش مين هو جدها!

سكت فجأة.

انقطعت أنفاسه الثائرة، وحل محلها هدوء غريب.

رفع عينيه ببطء، وقد اختفى الغضب الصاخب من ملامحه، وحلّت مكانه نظرة باردة... هادئة، لكنها أشد رعبًا.

ظل صامتًا للحظات، وكأن شيئًا ما بدأ يتشكل داخل رأسه.

ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة خالية من أي دفء.

كان قد اتخذ قرارًا.

وعيناه تلمعان بتفكير مظلم وخطير.

في الصباح...

في منزل سعاد...

كانت إيمان تجلس على الأريكة، تتصفح هاتفها بملل، تقلب بين الفيديوهات دون اهتمام، حتى ظهر أمامها فيديو قديم من حفل عيد الميلاد الذي أُقيم في فيلا الرشيد.

توقفت أصابعها عن الحركة، وبدأت تشاهد الفيديو بفضول.

لكن ما إن ظهرت لينا على الشاشة، حتى اتسعت عينا إيمان في صدمة، وشهقت بقوة، ثم وضعت يدها على فمها.

ـ يا نهار أبيض!

ظلت تحدق في شاشة الهاتف غير مصدقة لما تراه، ثم أخذت أنفاسًا متقطعة، وكأن عقلها يرفض استيعاب الحقيقة.

وفي تلك اللحظة، خرجت لينا من الحمام بعدما أخذت دشًا باردًا، ولاحظت حالة إيمان الغريبة، فعقدت حاجبيها باستغراب واقتربت منها.

ـ مالك يا إيمان؟ في إيه؟ إيه اللي شوفتيه صدمك كده؟

لم تجبها إيمان، واكتفت بأن مدت يدها بالهاتف إليها، دون أن تنطق بكلمة واحدة.

أخذت لينا الهاتف، وما إن وقعت عيناها على الشاشة حتى تجمدت ملامحها.

ثوانٍ فقط...

ثم شحب وجهها، واتسعت عيناها، وسقط الهاتف من يدها، قبل أن ينهار جسدها فجأة وتسقط مغشيًا عليها.

ـ لينا!

صرخت إيمان بفزع، ثم أسرعت نحوها وحاولت إفاقتها.

ـ لينا! لينا اصحي!

وبدأت تصرخ باسمها بجنون:

ـ ليييينااااااااا!

في الخارج...

كانت سعاد واقفة في شرفة المنزل، تحتسي كوب الشاي وهي تتفرج على اللي رايح واللي جاي في الشارع، حتى دوّى فجأة صوت إيمان من الداخل:

ـ ليييينااااااااا!

انتفضت سعاد في مكانها، وكادت تسكب الشاي من شدة المفاجأة، ثم التفتت ناحية باب الشرفة وقالت باستنكار:

ـ أنا كنت عارفة إن قعدتها مع خالتها هتأثر عليها... بس مش للدرجة دي! دي البنت اتهبلت ولا إيه؟! بتصرخ على الصبح كده ليه؟!

وقبل أن تتحرك من مكانها، جاءها صوت إيمان مرة أخرى، لكن هذه المرة كان أكثر رعبًا:

ـ إلحقيني يا ماماااا!

تجمدت سعاد للحظة، واختفت الابتسامة من على وجهها، وشعرت بالخوف يتسلل إلى قلبها.

ـ إيمان؟!

وضعت كوب الشاي بسرعة، واندفعت إلى الداخل وهي تهتف:

ـ في إيه يا بنتي؟! حصل إيه؟!
.......


تعليقات