رواية حين يجبر العشق الفصل العشرون 20 لولا نور


 رواية حين يجبر العشق الفصل العشرون 

لم تكن تلك الليلة تشبه سواها...
ففي الجنوب، حين تُطلَق رصاصة واحدة، لا تنتهي الحكاية عند صوتها؛ بل تبدأ بعدها حربٌ لا يعرف أحد إلى أين تمتد، 

حين يظن الجميع أن الليل قد أسدل ستاره على ما حدث، تكون بعض الحكايات قد بدأت لتوّها...

فالهدوء الذي يأتي بعد صوت الرصاص ليس سلامًا، وإنما مهلة قصيرة تلتقط فيها الفوضى أنفاسها قبل أن تعود أكثر ضراوة.

وفي مكانٍ ما، خلف الأبواب المغلقة، كانت هناك أسرار تتحرك في الظلام، وخطوات تُدبّر بعيدًا عن العيون، وقلوب لا تعرف أن القادم إليها لن يترك شيئًا كما كان.

كانت ليلةً ثقيلة...
والليل، حين يطول فوق أرضٍ مشبعة بالدماء، لا يخفي الحقيقة طويلًا.
بل يؤجل ظهورها فقط.
.........

صدر صوت مفتاحٍ يدور داخل القفل.
انتفض جسدها.واستدارت بسرعة نحو الباب.
انفتح الباب ببطء...
وتسلل ضوء الممر إلى داخل الغرفة.
ظهر رجلٌ عند العتبة.
لم تستطع أن ترى ملامحه بوضوح في البداية.
لكن...ما إن تقدم خطوة إلى الداخل...
حتى اتسعت عيناها في ذهول.
تراجعت خطوة إلى الخلف، واتسعت عيناها في ذهول لم تستطع إخفاءه.
لم يكن وجهًا غريبًا...بل كان وجهًا تعرفه جيدًا.
وجه الرجل الذي طالما حملت له في داخلها نفورًا لم تستطع تفسيره، وكلما اقترب منها شعرت بشيء يخبرها بعدم الامان والراحة..
اتسعت عيناها بذهول وهتفت بعدم تصديق : انت !!!!!
ثم خرج اسمه من بين شفتيها بعدم تصديق: 
صبري...؟!

لم يجبها بل رمقها بنظره ظفر وانتصار ، 
واكتفى بإغلاق الباب خلفه بالمفتاح، ثم أدار القفل ببطء شديد، حتى صدر صوت طقطقة خافتة ارتد صداه داخل الغرفة.

ثبتت حور عينيها على المفتاح الذي استقر بين أصابعه، ثم انتقلت نظراتها إلى وجهه.

وفي لحظة واحدة...اكتملت الصورة في ذهنها :الخطف.....الرجال الملثمون.
الغرفة المغلقة....وذلك المفتاح.
شهقت، وتراجعت خطوة أخرى : إنت... إنت اللي خطفتني؟!

ارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة، لكنها كانت أكثر ما أرعبها.
اقترب منها خطوة وتابع بنشوي مريضه: أخيرًا بقيتي ليا يا حور...

حدقت فيه غير مصدقة.: إنت مجنون؟!

ابتسم ابتسامة أوسع، وكأن كلمتها لم تغضبه، بل أسعدته.: أخيرًا بقيتي ليا..وقدرت اخدك من اللي خدك مني .//

اشتعلت عيناها غضبًا: وهدرت فيه بغضب : أنا عمري ما كنت ليك!

توقفت ابتسامته للحظة.
كأن كلماتها أصابته في موضع لا يراه أحد.
ثم رفع عينيه إليها، وقد تبدل شيء ما في ملامحه وتابع بهوس : لأ... إنتِ بتاعتي... وليا.

هزت حور رأسها بقوة، وقالت بثبات رغم الخوف الذي يرتجف في أعماقها:أنا مش ملك حد يا صبري.

ضحك ضحكة قصيرة خالية من الفرح، ثم اقترب أكثر واردف بغل : هما اللي بعدوكي عني... أبوكي هاشم الرفاعي، هو وسلطان.

أشار بيده بعصبية، وكأنه يستحضر أمامه خصمين اجتمعا على سرقة حياته.: هما اللي ذلوني وواطوا راسي قدام البلد كلها...هما اللي حرموني منك... هما اللي أخدوا مني حقي إنك تكوني معايا.

ثم انحنى قليلًا نحوها، وقال بنبرة مفعمة بيقين مريض: وأنا كنت أحق واحد بيكي.

رفعت حور رأسها، ونظرت إليه باحتقار واضح. : أحق واحد بيا؟؟ انت شكل مخك فوت علي الاخر ....

توقف أمامها، ثم ابتسم ابتسامة غريبة.: أيوه...
سكت لحظة، قبل أن يقول بصوت خافت: أنا فعلًا مجنون.
اقترب أكثر، واستقرت عيناه عليها بنظرة امتزج فيها العشق بالهوس.: بس مجنون بيكي إنتِ.

ارتجف قلبها بزعر، ليس تأثرًا بكلماته، بل خوفًا من حقيقتها.
تابع وهو يفتح أمامها بابًا ظل مغلقًا لسنوات: أنا عشت عمري كله أحبك... من وإنتِ عيلة صغيرة.

شهقت حور، وتراجعت حتى اصطدمت ساقاها بحافة الفراش.

أما هو فاستمر، كأنه كان ينتظر هذه اللحظة منذ أعوام: كنت مستني اليوم اللي تكبري فيه، وأجي أخدك بالحلال، وتبقي مراتي... كنت شايف اليوم ده قدامي من سنين.

ثم تغيرت ملامحه فجأة، وظهر الغضب خلف عينيه.: ولما اللحظة قربت... أبوكي باعك لسلطان.

هزت حور رأسها في رفض، فقال بعصبية: أيوه باعك! باعك علشان مصلحته... علشان يفضل كبير الرفاعية، وعلشان يوقف الدم بين الرفاعية والعامرية.

رفع صوته تدريجيًا:ما سألش إنتِ عايزة إيه! ما سألش بتحبي مين! ما سألش إذا كنتِ مستعدة تعيشي مع واحد من أعدائه!

ثم أشار إلى نفسه بعنف: سأل عن مصلحته وبس... وأنا؟! أنا كنت فين؟!

كانت حور تستمع إليه، وقد بدأت صدمتها تتحول إلى غضب.
رفعت رأسها وقالت بقوة:إنت بتكدب على نفسك يا صبري.

تجمد مكانه واتسعت عينيه بغضب 

فتابعت حور وقد استعادت ثباتها:أبويا ما باعنيش... وإنت عارف كويس إن الجوازة دي حصلت علشان توقف الدم اللي إنت كنت السبب فيه.

اشتعل وجهه بغضب مجنون وتابع : حتى لو أنا السبب...

قاطعته حور بثبات:مش حتى لو !!!
ثم تقدمت نحوه خطوة، متحدية خوفها:إنت السبب وابويا كان بينفذ حكم المجلس اللي اتفرض عليه بسببك ../

انقبض فكه وطحن ضروسه بغل ، ببنما هي اكملت تقر بحقيقته : إنت اللي ولعت النار بين العيلتين، وإنت اللي خليت الدم يسيل، وإنت اللي كنت بتدور على الفتنة علشان تحقق اللي في دماغك.

اهتز صدره بعنف، وكأن كلماتها كانت تستفزه أكثر مما يحتمل.: وحتى لو أنا السبب!
ارتفع صوته فجأة، وانفلت منه جنونه الذي كان يحاول إخفاءه: ده ما يديش له الحق يحرمني منك!

توقفت حور بصمت....

تابع وهو يقترب منها، وعيناه تقدحان بجنون: ما يديش له الحق يجوزك لعدوي! ما يديش لسلطان الحق ياخدك مني كأنك كنتِ مستنياه طول عمرك!

ضحكت حور بمرارة، وقالت: المشكله انك مش فاهم او رافض انك تفهم....

توقف أمامها قاطباً حاجبيه : افهم إيه؟

ثبتت عينيها في عينيه وقالت بوضوح، كأنها تريد أن تضع الحقيقة أمامه للمرة الأخيرة:إني ما كنتش ليك أصلًا علشان سلطان ياخدني منك.

ساد الصمت.
بدت الجملة وكأنها صفعة أطاحت بكل ما بناه داخل رأسه.

اقتربت منه وركزت عيناها بعينيه دون أن تتراجع خطوة:إنت اللي اخترعت حكاية إنك بتحبني، واخترعت كمان إنك كنت أحق بيا... لكن الحقيقة إنك عمرك ما حبيتني يا صبري.

ارتعشت شفتاه هاتفاً بتوسل : ما تقوليش كده ، حور انا قلبي ما عشقش غيرك....

لأ، هقولها.....كان صوتها ثابتًا، رغم ارتجاف قلبها:إنت ما حبتنيش... إنت حبيت امتلاكك ليا.

تراجع خطوة، وكأن كلماتها أصابته في الصميم.

لكنها لم ترحمه بل تابعت تجلده بسباط الحقيقه : الحب إنك تتمنى للي بتحبه يكون سعيد حتى لو مش معاك.

رفعت عينيها إليه، وأضافت: إنما إنت خطفتني، وحبستني، وحرمتني من أهلي ومن جوزي، وعاوز تجبرني أبقى ليك.
سكتت لحظة.ثم قالت بمرارة:ده مش حب يا صبري... ده مرض.

ظل يحدق بها.
كانت عيناه تحملان ألمًا حقيقيًا، لكنه لم يكن ألم رجل خسر امرأة تحبه...
بل ألم رجل اكتشف أن المرأة التي صنع لها مكانًا داخل خياله لم تعترف يومًا بذلك المكان.
همس بصوت متحشرج: أنا عملت كل ده علشانك.

ردت دون تردد: لأ...
ثم ثبتت عينيها عليه: إنت عملت كل ده علشان نفسك.

ظل صبري واقفًا أمامها لحظات، وأنفاسه تضطرب تحت وطأة رفضها، ثم قال بصوت خافت، وكأنه يحاول أن يقنعها قبل أن يقنع نفسه:أنا عملت كل ده علشان أرجعك ليا يا حور...

ثم استدار فجأة، ومد ذراعه نحو أرجاء الغرفة، وكأنه يدعوها للنظر إلى شيء يستحق الإعجاب وتابع : شايفة السرايا دي؟

اتبعت حور إشارته بعينيها، ثم عادت تنظر إليه بحذر.

ابتسم، وكانت في عينيه لمعة انتصار غريبة:
أنا بنيتها علشانك.

اتسعت عيناها بدهشة ممزوجة بالنفور.

تابع وهو يفتح ذراعيه:علشان نعيش فيها سوا... بعيد عن كل الناس. بعيد عن سلطان، وبعيد عن أبوكي، وبعيد عن أي حد حاول يبعدك عني.

ثم اندفع نحو الدولاب الكبير بعرض الحائط وفتح بعجلة أحدي ضلفه.....

تجمدت حور في مكانها.
كان الدولاب ممتلئًا بعشرات الفساتين، بألوان وأقمشة مختلفة، مرتبة بعناية، وكأن صاحبه قضى وقتًا طويلًا في اختيار كل قطعة منها.

استدار إليها، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة طفل يعرض كنزه الثمين: شايفة كل ده؟
ثم مرر يده فوق الملابس بحماس: كل ده اشتريته علشانك... كل فستان شوفته وقلت لنفسي: ده هيليق على حور.
اقترب من أحد الفساتين، رفعه أمام عينيه، وقال بحلم: كنت بتخيلك لابساهولي واحنا هنا في السرايا مع بعض.....

رمقته حور بنظرة مشمئزة، ولم تجبه.

لكن صبري لم يلاحظ نفورها، أو ربما رفض أن يراه.
أغلق الدولاب، ثم اتجه إلى خزانة أخرى فتحها بعنف وأخرج منها صندوقًا خشبيًا كبيرًا، حمله بكلتا يديه ووضعه أمامها.

ثبت عيناه على وجهها وهو يفتحه ببطء.
وانعكس بريق الذهب على الغرفة.
كان الصندوق ممتلئًا بالحُلي والمشغولات الذهبية؛ أطواق، وأساور، وخواتم، وقطع زُينت بأحجار براقة.
حمله، ثم قلبه دفعة واحدة.
تبعثر الذهب عند قدميها، فارتطمت القطع بالأرض وأصدرت رنينًا متتابعًا.
قال بصوت ممتلئ بالرضا: والدهب ده... اشتريته علشانك إنتِ.
ثم أشار إلى القطع المتناثرة: ده كله بتاعك.
تقدم خطوة، وعيناه تلمعان بذلك اليقين المريض : أنا تاقلتك  بالدهب علشان إنتِ تستحقي ده.
ثم أشار إلى السرايا من حوله: تستحقي تكوني فوق الكل... ومكانك هنا معايا.

ظلّت حور تحدق في الذهب للحظات.
ثم رفعت رأسها إليه وانفجر غضبها دفعة واحدة: إنت مجنون ، مريض ، انت مهووس !!!!

تجمدت ابتسامته ولمعت عينيه بجنون ....

صرخت فيه بقهر :  إنت مريض يا صبري! فاكر إن الفلوس والدهب والفساتين ممكن تخليني أحبك؟!

أشار إلى الذهب بعصبية:أنا عملت كل ده علشانك!

هتفت بعناد : وأنا ما طلبتش منك حاجة!

اقترب منها، لكنها لم تتراجع هذه المرة وبثقت الحقيقه في وجهه دون مواربه : أنا عمري ما حبيتك... ولا عمري هكون ليك!

ارتجفت ملامحه.

لكنها أكملت، وكأنها تعمدت أن توجه إليه الضربة التي تعرف أنها ستقضي عليه : أنا بحب سلطان.

في اللحظة نفسها...تغير وجه صبري بالكامل اختفت الابتسامة.
وتحولت ملامحه إلى شراسة مخيفة، واشتعلت عيناه بنظرة جنونيه جعلت حور تتراجع خطوة رغم محاولتها التماسك.
صرخ فيها بغضب : أوعي تقولي إنك بتحبيه!

تراجعت خطوة أخرى، لكنه لم يقترب.
ظل واقفًا مكانه، يحدق بها وكأنه يحاول إنكار الكلمات التي سمعها وتابع بهوس : إنتِ بتحبيني أنا... أنا وبس!

هزت حور رأسها بقوة، وصاحت:لأ! بحبه! وبحب سلطان، ومش بحب حد غيره!

ارتعشت شفتاه، ثم خرجت منه ضحكة قصيرة.ضحكة ساخرة، باردة، خالية من أي مرح وسالها : طب هو علي كده بيحبك زي ما بتحبيه ؟؟؟

اقترب منها ببطء واردف يبث سمومه داخل عقلها كالحيه الرقطاء : طب قوليلي... سلطان عمل إيه علشانك ؟؟

لم تجبه.

فواصل بسخرية مريرة : أنا اللي اتحديت الكل علشانك... أنا اللي ضحكت عليهم وخدتك من وسطهم.
ثم أشار إلى الباب، وإلى السرايا، وإلى الذهب الملقى على الأرض:أنا اللي عملت كل ده علشان أخليكي ليا.

ثم عاد يثبت عينيه عليها:هو بقى عمل إيه؟

ظلت حور تنظر إليه بثبات، ثم قالت بهدوء يناقض صراخه: هو مش محتاج يعمل حاجة.

قطب حاجبيه متعجباً ...

ــ فتابعت حور بصدق : لأنه مش محتاج يثبتلي إنه بيحبني بفلوس ولا بسرايا ولا بذهب.

وضعت يدها فوق قلبها: أنا مراته... وهو جوزي. إحنا بنحب بعض، وده كفاية.

ساد الصمت.....تشنج فك صبري.
ثم قال فجأة، وبنبرة مغلولة :  ولما هو بيحبك... مخلي مراته قاعدة معاكم ليه؟

توقفت حور ورمشت بعينيها وضربتها كلماته في منتصف قلبها ...
لم تكن تتوقع السؤال.

أما صبري فابتسم ابتسامة خبيثة، كأنه وجد أخيرًا النقطة التي يريد أن يضربها بها.
اقترب خطوة وقال: أيوه يا حور... جاوبيني.
ثم أضاف ببطء: لو سلطان بيحبك زي ما بتقولي... ليه ساب مراته قاعدة في بيته؟

تجمدت ملامح حور وعلت وتيره انفاسها 

كان يعرف أين يضع كلماته...
وكان يريد أن يحوّل حبها لسلطان إلى شك.
لكن هذه المرة لم يكن يعرف أن ما يربط حور بسلطان صار أقوى من أن تهزه كلمات رجل مهووس.
تجمدت ملامح حور، وعقدت حاجبيها في دهشة، ثم قالت بحدة: مرات مين؟! إنت بتخرف؟ سلطان مش متجوز حد غيري!

ابتسم صبري بسخرية، وكأنه كان ينتظر منها هذه الإجابة.

 اتسعت عين حور عندما ادركت مقصده وتابعت : ولو قصدك على سارة... فدي واحدة كان مرتبط بيها قبل ما يتجوزني، وموضوعهم خلص من زمان.

انفلتت من صبري ضحكة قصيرة، ثم تحولت إلى ضحكة أطول، أكثر قسوة.: ضحك عليكي...

توقفت حور عن الكلام.

اقترب منها قليلًا، وقال بنبرة هادئة تحمل سمًا واضحًا: وإنتِ صدقتيه.

هزت رأسها في رفض.: سلطان مش بيكدب عليا.

ــ لأ، بيكدب.... هتف بها بقوه اجفلتها ثم أضاف وهو يحدق في عينيها: علشان تعرفي إنه مش بيحبك زي ما بتقولي... لو كان بيحبك فعلًا، كان نهي  موضوعه معاها زي ما قالك.

ازدادت حدة أنفاس حور.

لكن صبري لم يمنحها فرصة للكلام قال ببطء، وكأنه يتعمد أن يجعل كل كلمة أكثر إيلامًا من سابقتها:بس اللي إنتِ ما تعرفيهوش... إن سلطان متجوز سارة.

اتسعت عينا حور بصدمه ...وللحظة، شعرت كأن شيئًا باردًا مر في عروقها و توقفت أنفاسها، لكن صبري أكمل:ومش بس كده...
اقترب أكثر وهمس بفحيح : سارة حامل منه كمان.

ساد الصمت الثقيل بينهما بدت حور وكأنها فقدت القدرة على النطق للحظات.
أهتزت نظراتها بشك دون إرادة منها، ثم عادت إلي قوتها وثباتها  سريعًا.
كانت الصدمة واضحة في عينيها، لكنه لم يرَ فيها الانكسار الذي كان ينتظره.
بل رأى شيئًا آخر...الرفض.!!!!
قالت بصوت متحشرج، لكنه ثابت:إنت كداب.

ابتسم بغل وهو يطحن ضروسه : أنا؟

اجابته مؤكده بثبات :  أيوه، إنت كداب.
رفعت رأسها أكثر، وكأنها تستمد قوتها من يقينها: بتقول الكلام ده علشان عاوزني أبعد عن سلطان وأكرهه... بس ده مش هيحصل.

اختفت ابتسامته قليلًا.

تابعت بثبات اقوي : عارف ليه؟

لم يجب وظل بنظر الي قوه ثقتها فيه 

اردفت بيقين : علشان أنا واثقة في سلطان. ــ وواثقة إنك مهما حاولت، مش هتقدر تخليني أشك فيه.

ارتجف جفنه بعصبية.

ثم ابتسمت رغم دموعها، ابتسامة صغيرة لكنها حملت يقينًا أوجعه أكثر من الصراخ:
وبعدين... سلطان زمانه قالب الدنيا عليا.
سكتت لحظة، ثم قالت وهي ثبتت عينيها في عينيه: علشان ينقذني منك.

تغير وجه صبري.
اقترب منها فجأة، وقد تبددت كل محاولاته للهدوء وتابع بهستريا : مفيش حد هينقذك مني!

ارتدت حور خطوة إلى الخلف.

فصاح فيها صارخاً :  فاهمة؟! مفيش حد!
ثم أشار إلى المكان من حوله بعصبية: إنتِ هتفضلي معايا هنا... وكلها يومين، ونسيب البلد كلها ونسافر بره.
كانت عيناه تلمعان بجنون متزايد.: وهناك هتعيشي معايا بعيد عن سلطان وعن وأهلك وكل اللي أخدك مني.

هزت حور رأسها بقوة رافضه : أنا مش هروح معاك في أي حتة.

اقترب أكثر وتابع يهزي بما يرسمه في مخيلته : وهترفعِي قضية طلاق، وتطلقي من سلطان...

ثم ابتسم ابتسامة مريضة: وبعدها هنتجوز ونخلف ولاد وبنات كتير ...

قالت باحتقار ونفور : ده في أحلامك.

تغيرت ملامحه واربدت بغضب مجنون : احلامي هحققها واولها انك معايا ....
وكفاية بقى الكام شهر اللي سبتك فيهم عايشة في داره.

ارتعشت عيناها غضبًا، لكنها لم تتراجع.
قالت بقوة:عشم إبليس في الجنة يا صبري.

تجمد أمامها بعجز ، بينما تابعت بثبات لا يخلو من التحدي : أنا مش هسيب سلطان.
ثم أضافت، دون أن يرف لها جفن : إلا بموتي.

سكن المكان للحظة واختفت الاصوات من حولهم ولا بسمع الا صوت انفاسه المحتقنه داخل صدره ، ثم انحنى صبري نحوها، وقد تبدلت ملامحه إلى شيء أكثر ظلمة وتابع بشر : يبقى بموته هو...

شهقت حور وتراجعت للخلف بزعر لكنه اقترب أكثر متابعاً بتهديد : وإنتِ اللي اخترتي يا حور.

رفع يده نحو وجهها، محاولًا الإمساك بها ليجبرها على مواجهته، ثم مال نحوها محاولًا تقبيلها ....
أدارت وجهها بعنف، ودفعته بكل قوتها:ابعد عني يا حيوان ...

لكنه أمسك بذراعها بقوه يضغط عليها بقوه حتي تركت اصابعه اثارها علي يديها وهو يعاود محاولته في تقبيلها مره اخري ....

وفي اللحظة نفسها...
دوّى صوت إطلاق نار من خارج السرايا.
طلقة....ثم ثانية.
ثم تتابعت الطلقات في الخارج، متلاحقة وقوية، حتى اهتزت جدران السرايا ....
تجمد صبري مكانه.

أما حور...فانحبس نفسها، واتسعت عيناها كان قلبها يخفق بعنف.
لم تعرف من أين جاء إطلاق النار...
لكن شيئًا واحدًا فقط عبر عقلها في تلك اللحظة....
همست باسمه كأنها تستدعيه:سلطان...
ما إن خرج اسم سلطان من بين شفتي حور، حتى تبدلت ملامح صبري في لحظة.

اشتعل الغضب في عينيه، وانقبض فكه بعنف، ثم استدار نحو النافذة كأن الاسم وحده كان كفيلًا بإشعال جنونه.
اندفع نحو الستارة الثقيلة، وأمسك طرفها وجذبها بعنف.
تسللت إليه أصوات الرصاص القادمة من الخارج، ومعها صرخات الرجال وحركة الأقدام في أرجاء السرايا.
طل من خلف الستارة...
فتجمد للحظة.
كان المشهد في الخارج أشبه بساحة حرب.

رأى سلطان يتقدم بين رجاله، يطلق النار بثبات، حاملاً سلاحاً آلياً في يد ، واليد الاخري يحمل سلاحه الشخصي وإلى جواره هارون ويوسف وعامر، بحملون السلاح ايضاً بينما انتشر رجال سلطان حول السرايا يبادلون رجال صبري إطلاق النار.

اتسعت عينا صبري، وخرجت منه همسة مذهولة:عرف مكاني إزاي؟!
ثم عاد ينظر إلى الخارج، وكأنه يحاول أن يفهم كيف وصل سلطان إلى المكان الذي ظن أنه أخفاه عن الجميع.

أما حور...
فما إن رأت سلطان من خلق كتف صبري حتى اندفعت نحو النافذة، وصاحت بأعلى صوتها: سلطان!

التفت صبري إليها بعنف.
لكنها لم تهتم رفعت صوتها أكثر، حتى كادت حنجرتها تتمزق:سلطااان!
ثم ضربت بيديها على النافذة:سلطان! أنا هنا!
كان الأمل قد عاد إلى عينيها دفعة واحدة.

لكن صبري أمسك بذراعها وجذبها بعيدًا عن النافذة.

صرخت فيه:سيبني! سلطان هنا! سامعني يا صبري؟! سلطان وصل لي!

ضحك صبري ضحكة عصبية، ثم اقترب من وجهها وقال بجنون:صوّتي زي ما إنتِ عاوزة...
ثم أشار إلى الخارج:مش هيسمعك.

حاولت الإفلات من يده، لكنه شد قبضته أكثر :لا هيسمعني طالما وصل لحد هنا يبقي قلبه هو اللي جابه ...

اقترب منها، وقال من بين أسنانه:حتى لو سمعك... مش هياخدك مني.

ثم ترك ذراعها فجأة، وعاد إلى النافذة رفع طرف الستارة قليلًا، وأطل منها مرة أخرى.
كان سلطان ورجاله قد اقتربوا أكثر من السرايا، والرصاص يتطاير في المكان.
راقبه صبري لحظات، ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة قاتمة.: جيت لقضاك يا سلطان...
ثم أضاف وهو يحدق في اتجاهه:إنت وهارون.
استدار فجأة نحو الباب، واندفع خارجه.
شهقت حور، ثم ركضت خلفه.: صبري! استنى!
كانت قد وصلت إلى الباب قبل أن يغلقه، وحاولت الخروج خلفه.
لكن صبري استدار إليها فجأة ودفعها بعنف إلى داخل الغرفة.
اختل توازنها وسقطت على طرف الفراش.
صرخت فيه:إنت بتعمل إيه؟!
وقف أمامها للحظة، وصوته خرج قاسيًا: إنتِ هتفضلي هنا.

نهضت بسرعة، واندفعت نحوه وهي تحاول دفعه خارج الغرفه : اوعي انا لازم اخرج من هنا 

أمسك بذراعها ودفعها مرة أخرى إلى الداخل.: مش هتخرجي من هنا الا علي جثتي ،،،

صرخت وهي تحاول دفعه:سلطان هنا وهينقذني منك ...

تجمد للحظة عند سماع اسمه، ثم قال بحدة:
قلت لك مش هياخدك مني.
رفع صوته حتى ارتجت الغرفة:مش هياخدك مني يا حور!
ثم خرج مسرعًا، وأغلق الباب خلفه.

سمعت صوت المفتاح وهو يدور في القفل.
اندفعت نحو الباب وضربته بكلتا يديها : صبري! افتح الباب!
لم يجبها سوي الصمت ....
ضربت الباب مرة أخرى: حد يفتح لي...

ثم جاءها صوته من خلف الباب، خافتًا لكنه حاسم: خليكي هنا يا حور... وأنا هرجعلك.

ابتعدت عن الباب وهي تلهث، ثم رفعت عينيها نحو النافذة.
كان صوت الرصاص يزداد في الخارج.
وضعت يدها على صدرها، وهمست وسط أنفاسها المتقطعة:سلطان... أنا هنا...
ثم عادت وضربت الباب بكل قوتها:سلطان! أنا هنا!
...............

في الأسفل...
كانت السرايا قد تحولت إلى ساحة حرب.
دوى إطلاق النار في أرجائها بلا انقطاع، وترددت أصوات الطلقات بين الجدران العالية، بينما تناثرت شظايا الزجاج فوق الأرض، وسقط بعض رجال صبري تباعًا تحت وابل الرصاص القادم من رجال العامرية.

كان سلطان يتقدم في مقدمة رجاله، قابضًا على سلاحه بكلتا يديه، وعيناه لا تفارقان السرايا.
لم يكن يرى أمامه سوى هدف واحد "حور."
وبجواره كان هارون يطلق النار بغضب، وصوته يعلو بين لحظة وأخرى:صبري!
ثم يصرخ بغضب : اطلع يا خسيس!

لكن صبري لم يكن يسمعه من مكانه في الداخل.

فما إن أغلق الباب على حور، حتى اندفع إلى الطابق السفلي، واتجه مباشرة إلى غرفة مكتبه.
فتح أحد الأدراج بعنف، وأخرج منه سلاحًا آليًا ضخمًا أمسكه بثبات، ثم استدار.
وفي اللحظة نفسها دخل أحد رجاله مسرعًا، وقد بدا الذعر واضحًا على وجهه.: يا صبري بيه...

رفع صبري عينيه إليه بحدة:في ايه؟؟

ابتلع الرجل ريقه وقال: عدد الرجالة اللي مع سلطان أكبر مننا بكتير... وكمان أشد.

اقترب منه صبري بخطوات بطيئة.: مش مهم .،،،

تابع الرجل بلهاث: رجالتنا وقع منهم كتير في منهم ماتوا، والباقي مش هيقدر يسد قدامهم 

ساد صمت قصير لكن صبري لم يظهر عليه الخوف بل ارتسمت على شفتيه ابتسامة غرور باردة : قلت لك مش مهم.

نظر الرجل إليه بعدم تصديق.: مش مهم إزاي يا صبري بيه؟؟

رفع صبري سلاحه، ثم قال بنبرة قاطعة:أنا مش محتاج رجالة كتير.
اتجه نحو نافذة المكتب، ثم فتحها.: أنا محتاج سلطان وهارون بس.
ثبت السلاح بين يديه واردف بكره : والليلة دي... هخلص منهم الاتنين.

ثم بدأ يطلق النار من النافذة.
تعالت الطلقات من جديد، وانضمت إلى فوضى المعركة في الخارج.

ــــــــــــــــــــــــــــ

في الخارج...
كان سلطان وهارون يقاتلان بضراوة.
الرصاص يتطاير من حولهما، والرجال يختبئون خلف السيارات والجدران، ثم يخرجون ليردوا على إطلاق النار.

صرخ هارون:صبري!
ثم أطلق عدة طلقات باتجاه السرايا: اطلع 
يا جبان ....

لكن سلطان لم يكن يسمع سوى دقات قلبه.

وفجأة تذكر ما حدث في الطريق قبل وصولهم إلى هنا ....

فلاش باك......
كانت سيارة سلطان تشق الطريق بسرعة جنونية، وهارون إلى جواره، بينما كانت السيارات الأخرى خلفهما.
وفجأة لمح سلطان سيارة متوقفة على جانب الطريق.
عرفها على الفور.
خفف السرعة، ثم أوقف سيارته بعنف.
كان ياسين يقف إلى جوارها، وخلفه عدد من رجال العامرية.
فتح سلطان الباب وترجل بسرعة، وتبعه هارون.
اتجه مباشرة إلى ياسين متحدثاً بغضب : 
الرجل قالك مين اللي ورا خطف حور وقتل هاشم الرفاعي ؟؟

لم يجب ياسين فورًا اكتفى بالنظر إلى سلطان...ثم إلى هارون.
كانت نظراته تحمل ثقلًا واضحًا.
تقدم هارون خطوة هاتفاً بنفاذ صبر : اتكلم يا ياسين.
رفع ياسين عينيه إليهما وقال بصوت منخفض: صبري.!!!!

تجمد الزمن وصاد الصمت ولم يسمع الا سوي صوت الهواء المتحرك حولهم ..
لم يتحرك سلطان.....لم يتكلم هارون.
فقط تبادلا النظرات، وكأن الاسم وحده كان كافيًا ليعيد ترتيب كل الأحداث داخل رأسيهما.
هتف هارون متسائلا بعدم تصديق: صبري مين ؟؟
قصدك صبري واد عمي ؟؟
لم يتكلم ياسين فقط اكتفي بايماءة مؤكده من راسه ....

ثم قال سلطان بصوت هادئ بشكل مخيف: متاكد ؟؟

أومأ ياسين مؤكداً : الراجل اعترف وقال ان صبري هو اللي دبر قتل الشيخ هاشم وهو كمان اللي قال علي البيت اللي صبري مخبي فيه حور هانم ...

اشتدت قبضة سلطان على سلاحه وتابع بوعيد : يبقى الليلة دي هتكون نهايتك يا صبري ،......

انتهي الفلاش باك .....

كان سلطان يطلق النار باتجاه السرايا، ثم صاح بأعلى صوته: يا صبري!
ثم أطلق عدة طلقات متتالية : اطلع وواجهني راجل لراجل أنا عارف إنك جوه!
توقف لحظة، ثم صاح بصوت أشد: نهايتك علي ايدي ...

ومن جواره صاح هارون: يا خسيس!
ثم أطلق النار وهو يصرخ: بتقتل عمك؟!
وتخطف بنته كمان؟!
اطلع وواجهنا يا صبري!

في الداخل...
تجمد صبري أمام النافذة سكنت يده للحظة كان يسمع كل كلمة واخترقت صدره....
فهم وعلم ، لم يعد الأمر مجرد مطاردة.
ولم يعد سلطان يبحث عن حور دون أن يعرف من خطفها لقد عرف وانكشف امره !!!

التفت صبري إلى الرجل الواقف خلفه : هما عرفوا...قالها بصوت خافت.
رد الرجل بسرعة: أيوه يا صبري بيه... لازم نهرب دلوقتي.

نظر إليه صبري بحدة : نهرب ؟؟

أيوه.....أشار الرجل نحو الخارج واردف بخوف : رجالتنا كلها تقريبًا وقعت... ورجالة سلطان قربوا يدخلوا السرايا.
ثم اقترب منه وقال بقلق: لو دخلوا هنا، هنموت كلنا.

ظل صبري صامتًا ثم رفع عينيه نحو اعلي حيث الطابق العلوي حيث تقبع حور.!!!
تحركت يده على سلاحه وتابع : أنا مش ههرب.

قال الرجل بصدمة:لازم نهرب وبسرعه ..

استدار صبري نحوه وتابع بحده: مش همشي  من غير حور.

هتف الرجل بنفاذ صبر من جنونه : بس يا صبري بيه، مفيش وقت!

اتجه صبري نحو باب المكتب متابعاً بعند وتحدي :  هطلع أجيبها.

أمسك الرجل بذراعه محذراً : لو طلعت دلوقتي هيموتوك!

نزع صبري ذراعه بعنف وهدر غاضباً : سيبني!

شد الرجل قبضته عليه مرة أخرى وهتف من بين اسنانه المطبقة: سلطان واقف بره على باب السرايا تقريبًا، والرجالة بتاعته هتدخل في اي لحظه ....

توقف صبري للثواني ثم نظر إلى أعلى الدرج ثم سمع صوت سلطان من الخارج منادياً باسمه : صبررررررري ..

اقترب صوت الرصاص.
قبض صبري على سلاحه بقوة كان يريد الصعود يريد الوصول إليها.
يريد أن يأخذها معه حتى لو كانت كل الطرق قد أغلقت.
لكن الرجل لم يمنحه فرصة.
جذبه بعنف نحو الجهة الخلفية من المكتب.: مفيش وقت!
فتح بابًا صغيرًا مخفيًا خلف مكتبة خشبية.
ظهر خلفه ممر ضيق مظلم.
قال الرجل:الباب السري... هنخرج منه قبل ما يدخلوا.
قاوم صبري للحظة، ثم استدار بعينين مشتعلتين نحو الطابق العلوي.
همس بعناد:مش هسيبك يا حور.

جذبه الرجل مرة أخرى : لو عايز ترجع لها، لازم تعيش الأول!
كانت تلك الجملة وحدها كافية لإيقافه.
ألقى صبري نظرة أخيرة نحو الدرج.
ثم اندفع خلف الرجل داخل الممر السري.
وأُغلق الباب خلفهما.
وفي اللحظة نفسها...
حطم سلطان باب السرايا بعدما اطلق النار علي قفله فانفتح الباب ودخل سلطان وخلفه هارون واندفع رجال العامريه من خلفه بنتشرون في كل شبر من السرايا.

أما في الطابق العلوي...
فكانت حور تقف خلف الباب المغلق، وقد سمعت أصوات الرصاص والصرخات تقترب شيئًا فشيئًا.
وضعت كفها على الباب، وقلبها يخفق بعنف.
ثم همست، والدموع تملأ عينيها:سلطان...
ولأول مرة منذ اختطافها...لم يكن صوتها يحمل خوفًا بل كان يحمل يقينًا.
لقد وصل إليها.......
وقفت خلف الباب تضرب عليه بيديها بقوه تنادي عليه باعلي صوتها : سلطااااان ... انا هنا، سلطااااان ..

توقف سلطان في مكانه كأن الصوت اخترق ضجيج الرصاص والفوضى من حوله، واستقر مباشرة في قلبه.
اتسعت عيناه، وخرج اسمها من بين شفتيه همسًا، لكنّه كان يحمل فرحة رجل ظنّ للحظات أنه فقدها إلى الأبد:حور...

التفت سريعًا إلى يوسف وعامر وهارون، وقد تبدلت ملامحه في لحظة، وعادت صلابته التي يعرفونها: دوروا على صبري... أكيد هيحاول يهرب. أنا عاوزه حي.

أومأ هارون بقوة:حاضر.

واندفع الثلاثة في اتجاهات مختلفة، بينما صعد سلطان الدرج مسرعًا، يتتبع صوتها الذي كان يأتيه من الطابق العلوي.
ازدادت خطواته سرعة وهو ينادي اسمها بلوعه : حور!

جاءه صوتها من خلف أحد الأبواب:أنا هنا!

توقف أمام الغرفة، ومد يده إلى المقبض، لكنه وجده مغلقًا فهتف فيها محذراً : حور، ابعدي عن الباب!

تراجعت فورًا إلى الخلف، بينما أخرج سلطان سلاحه، ووجه فوهته إلى القفل.
تراجع خطوة، ثم ضغط الزناد.
دوّى صوت الرصاصة في المكان، وانفتح الباب بعنف.
ولم يرَ سلطان أمامه سوى عينيها.

كانت واقفة في منتصف الغرفة، شعرها مبعثر، وجهها شاحب، والدموع تغرق عينيها... لكنها كانت تبتسم.
ابتسامة صغيرة مرتجفة، كأنها لا تصدق أنه وصل إليها فعلًا.

لم يحتج أيٌّ منهما إلى كلمة.
اندفعا نحو بعضهما في اللحظة ذاتها.

احتضنها سلطان بعنف، وكأنه ينتزعها من الموت انتزاعًا، بينما تشبثت هي بقميصه بكلتا يديها، ودفنت وجهها في صدره، وانفجرت في بكاء مكتوم.

ضمها إليه أكثر، حتى كاد يخفيها بين ذراعيه، ثم أخذ يقبل شعرها وجبينها ووجنتيها ووجهها كله، في قبلات متلاحقة مرتجفة، كأنه يريد أن يتأكد أنها حقيقية وأنها أمامه بالفعل: حور... 
خرج اسمها من بين شفتيه مخنوقًا.

رفعت وجهها إليه، ودموعها لا تزال تنساب: كنت عارفة إنك هتيجي.

أمسك وجهها بين كفيه، وحدق في عينيها طويلًا، وكأنه يحاول أن يمحو من ذاكرته كل لحظة قضاها وهو لا يعرف أين هي، ثم سالها بقلق : عمل لك حاجة؟
هزت رأسها نفياً بينما اكمل هو برعب وقد تهدج صوته بخوف حقيقي : قرب منك ... لمسك؟؟

أجابته بضعف : اطمن... أنا بخير.

لكن سلطان لم يقتنع.

مرر يديه على كتفيها وذراعيها، يتفقدها بعينين مضطربتين، ثم عاد إلى وجهها: متأكدة؟

ابتسمت وسط دموعها: متأكدة.

أغمض عينيه للحظة، وزفر نفسًا عميقًا، كأنه لم يتنفس منذ ساعات.
ثم أمسك يدها: يلا... لازم نمشي من هنا بسرعة.

تحركت معه، لكن ما إن خطت بضع خطوات حتى خانتها ساقاها، فترنحت : حور!

أمسكها قبل أن تسقط، ثم لم ينتظر لحظة أخرى، وانحنى وحملها بين ذراعيه.
وأسرع بها نحو الدرج.

كان يحملها وكأنها أثمن ما يملك، وكأن العالم كله يمكن أن ينهار من حوله ما دام هو قادرًا على إبقائها بين ذراعيه.

وحين وصل إلى أسفل الدرج، ظهر هارون أمامه، فتوقف واقترب منهما سريعًا.

وقعت عيناه على شقيقته، فاغرورقت عيناه بالدموع :  حور... إنتِ كويسة؟ الكلب ده عمل لك حاجة؟

أجابت بصوت متعب:اطمن... أنا كويسة يا هارون.

نظر سلطان إلى هارون مباشرة وساله: لقيتوه؟

هز هارون رأسه بغضب: لا... بس أنا مش همشي من هنا غير لما ألاقيه.

قال سلطان بصرامة:لا انت لازم ترجع.

قطب هارون حاجبيه برفض؛: أرجع إزاي من غيره ...

اقترب سلطان منه خطوة وتابع بحزم : أبوك في المستشفى، وأهلك هناك لوحدهم. وجودك هناك دلوقتي أهم من أي حاجة.

صمت هارون لحظة، ثم قال معترضاً : بس !!

سلطان بحزم : من غير بس ، أنا هاخد حور وأرجع البيت وانت روح المستشفى اطمن علي الشيخ هاشم ....

ثم التفت إلى ياسين الذي كان يقف بالقرب منهم، وقال بنبرة لا تقبل النقاش:خليك هنا انت والرجالة وما ترجعش من غير صبري.

أجابه ياسين بثبات:حاضر يا شيخ سلطان.

حمل سلطان حور إلى الخارج، وظلت ذراعاها ملتفتين حول عنقه، ورأسها مستندًا إلى صدره.
كانت تشعر بالأمان للمرة الأولى منذ اختفت.

وحين وصلوا إلى السيارة، فتح هارون الباب الخلفي، فجلس سلطان أولًا وهو لا يزال يحملها، ثم استقر بها في حضنه، وأحاطها بذراعيه.

قال لهارون بانهاك : سوق إنت.... رجلي مش شيلاني.

نظر إليه هارون بقلق، مقدراً حالته وما عايشه الساعات الماضيه في رعب ، فاغلق الباب وانطلق بالسيارة.

لم يكن سلطان يرى الطريق، ولا يسمع صوت المحرك، ولا يشعر بشيء سوى دفء جسدها بين ذراعيه.
شدها إليه أكثر، وأسند ذقنه فوق رأسها.
أما حور، فظلت ساكنة بين أحضانه، تستمع إلى دقات قلبه الهادره ...

رفعت يدها ببطء، وأمسكت بقميصه همست بضعف : كنت خايفة ما تعرفش توصل لي ..

أغمض عينيه، وضمها إليه أكثر وقبل جبينها قبله طويله : وأنا كنت خايف أوصل لك متأخر.

رفعت وجهها نحوه وتابعت بابتسامة مرتعشة : رغم خوفي انك ما تعرفش مكاني بس قلبي كان بيقولي انك اكيد هتوصل ليً.

نظر إليها طويلًا، ثم قبّل يدها القابضه علي قميصه بحنان عميق.: هفضل أوصلك... طول ما أنا فيا نفس ولاخر يوم في عمري...

اتسعت ابتسامتها فلمع الزبرجد داخل عينيها تحت ضوء القمر المنعكس علي زجاج السيارة فاشرقت سماء روحه وانقشع سواد ليله المظلم ببعدها عنه وتابع هامساً بعشق : انا مش طالب من ربنا غير حاجة واحده بس ...إن ضحكتك الحلوه دي تفضل منوره دنيتي عشان من يوم ما شوفتها بقت هي السبب اللي بتخاليني احس ان انا لسه عايش..

همست حور بقلب يخفق بجنون : سلطان!!!

سلطان بخفوت: حياه سلطان !!!!
ثم انحني علي ثغرها بقبلها بقوه ، قبله اودع فيها كل قلقه ورعبه عليها وليؤكد لنفسه انها بين يديه .../
ثم قربها اكثر إلى صدره، واحتواها بذراعيه بقوة، بينما اندفعت السيارة مبتعدة عن السرايا، تاركة خلفها ليلةً كاملة من الرعب، 
وحاملةً بين جدرانها قلبين لم يعد أحدهما يعرف معنى الأمان إلا بقرب الآخر.
وليغلف الصمت من حولهما لحظةً نادرة من السكينة، وكأن العالم بأسره قد هدأ أخيرًا من أجلهما....
ولكن هل سيستمر الهدوء أم سيكون الهدوء الذي يسبق العاصفة؟؟؟؟؟
...،،،،،،،،،.......


تعليقات